التجسس على المكالمات الهاتفية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
فالأصل حرمة التجسس لما في ذلك من تتبع عورات الناس والتعرض لأمورهم الخاصة، وقد قال سبحانه {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} قال ابن عبّاس رضي اللّه عنهما في تفسيرها: نهى اللّه المؤمن أن يتّبع عورات أخيه المؤمن.ا.هــــ
وثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسـلم في تحريم ذلك والنهي عنه؛ فعن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: (إيّاكم والظّنّ، فإنّ الظّنّ أكذب الحديث، ولا تجسّسوا، ولا تحسّسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد اللّه إخوانا) وعن المقدام بن معد يكرب وأبي أمامة رضي اللّه عنهما عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: (إنّ الأمير إذا ابتغى الرّيبة في النّاس أفسدهم) وعن معاوية رضي اللّه عنه قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: (إنّك إن اتّبعت عورات النّاس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم) وعن أبي برزة الأسلميّ رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتّبعوا عوراتهم فإنّه من اتّبع عوراتهم يتّبع اللّه عورته، ومن يتّبع اللّه عورته يفضحه في بيته)
وقد كانت هذه المعاني مستقرة في نفوس السلف رضي الله عنهم أجمعين، فعن عبد الرّحمن بن عوف رضي اللّه عنه أنّه حرس مع عمر بن الخطّاب ليلة المدينة، فبينما هم يمشون شبّ لهم سراج في بيت فانطلقوا يؤمّونه»، فلمّا دنوا منه إذا باب مجاف على قوم لهم فيه أصوات مرتفعة ولغط، فقال عمر وأخذ بيد عبد الرّحمن بن عوف: أتدري بيت من هذا؟ قال: هذا بيت ربيعة بن أميّة بن خلف وهم الآن شرب، فما ترى؟ قال: أرى أن قد أتينا ما نهى اللّه عنه، قال اللّه {وَلا تَجَسَّسُوا} فقد تجسّسنا، فانصرف عنهم وتركهم) وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ: حُدِّثَ عُمَرُ ابن الْخَطَّابِ أَنَّ أَبَا مِحْجَنٍ الثَّقَفِيَّ يَشْرَبُ الْخَمْرَ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ فِي بَيْتِهِ، فَانْطَلَقَ عُمَرُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ، فَإِذَا لَيْسَ عِنْدَهُ إِلَّا رَجُلٌ، فَقَالَ أَبُو مِحْجَنٍ: إِنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ لَكَ! قَدْ نَهَاكَ اللَّهُ عَنِ التَّجَسُّسِ، فَخَرَجَ عُمَرُ وَتَرَكَهُ. ولما قيل لابن مسعود رضي الله عنه هَلْ لَكَ فِي الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ تَقْطُرُ لِحْيَتُهُ خَمْرًا؟ قَالَ: (إِنَّا قَدْ نُهِينَا عَنِ التَّجَسُّسِ، فَإِنْ يَظْهَرْ لَنَا شيئا نَأْخُذْهُ بِهِ).
ومن هنا قال أهل العلم: إِنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لأِحَدٍ أَنْ يَتَجَسَّسَ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ يَتَتَبَّعَ عَوْرَاتِهِ، ولا يستثنى من ذلك إلا من حامت حوله شبهة قوية في كونه من أرباب الفساد أو الداعين إلى فاحشة. قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَمَحَلُّ التَّحْذِيرِ وَالنَّهْيِ إِنَّمَا هُوَ تُهْمَةٌ لَا سَبَبَ لَهَا يُوجِبُهَا، كَمَنْ يُتَّهَمُ بِالْفَاحِشَةِ أَوْ بِشُرْبِ الْخَمْرِ مَثَلًا وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ. وَدَلِيلُ كَوْنِ الظَّنِّ هُنَا بمعنى التهمة قول تَعَالَى:” وَلا تَجَسَّسُوا” وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَقَعُ لَهُ خَاطِرُ التُّهْمَةِ ابْتِدَاءً وَيُرِيدُ أَنْ يَتَجَسَّسَ خبر ذلك ويبحث عنه، ويتبصر ويستمع لتحقق مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ تِلْكَ التُّهْمَةِ. فَنَهَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ. وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: وَالَّذِي يُمَيِّزُ الظُّنُونَ الَّتِي يَجِبُ اجْتِنَابُهَا عَمَّا سِوَاهَا، أَنَّ كُلَّ مَا لَمْ تُعْرَفْ لَهُ أَمَارَةٌ صَحِيحَةٌ وَسَبَبٌ ظَاهِرٌ كان حراماً واجب الاجتناب.ا.هــــــ والعلم عند الله تعالى.




