الفتاوى

العمل في ديوان الضرائب

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

فالأصل أنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه، وما ينبغي أخذ المال قهراً إلا بحق؛ كأخذ الزكاة قهراً ممن منعها طوعاً؛ كما في الحديث «من أعطاها مؤتجرا فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا لا يحل لمحمد ولا لآل محمد منها شيء»

ومعلوم أن مصارف الزكاة محددة بنص القرآن في آية التوبة {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم» وهناك خدمات يعود نفعها لجمهور المسلمين ولا يمكن الإنفاق عليها من الزكاة، من ذلك: تعبيد الطرق وشق القنوات وتنظيم الشوارع وبناء الجسور وحماية الثغور وغير ذلك من المصالح التي ينتفع بها عامة الناس؛ وليست قاصرة على فئة دون أخرى، ومن هنا أباح جمهور العلماء للدولة أن تفرض على الرعية مالاً سوى الزكاةوذلك بشروط:

أولها: أن تكون بالدولة حاجة حقيقية إلى هذه الأموال، وليس في مواردها ما يكافئ تلك النفقات

ثانيها: مراعاة العدالة في فرضها، فتفرض على من كان في ماله فضل، ولا تفرض على من دون ذلك ممن لا يكاد يجد قوت يومه

ثالثها: تقوى الله في إنفاقها؛ فلا تنفق في سفاسف الأمور، ولا يستمتع بها طبقة دون سائر الناس.

وعليه فإن العمل في الضرائب سائغ إذا كان العامل يتقي الله في أمة الإسلام، ويعمل على منع الظلم عنهم ودفع الآذى، ولا يكلف الناس ما لا يطيقون ولا يتلذذ بظلمهم والتعدي على كرائم أموالهم، ولا يجعل من وظيفته باباً لتلقي الرِّشا وأكل أموال الناس بالباطل؛  وهو إن تحلى بالعدل والإنصاف وإعطاء كل ذي حق حقه مأجور مشكور؛ شأنه في ذلك شأن من يعمل في الجهاز الشرطي أو الجمارك أو غيرها من المرافق التي هي مظنة إيقاع الظلم بالناس، ومن عمل في تلك المرافق ولم يتق الله في المسلمين فهو متوعد بقول النبي صلى الله عليه وسلم «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه»

ولذلك نقول: لا بد أن يلج الطيبون الصالحون مثل هذه الأبواب؛ تخفيفاً على الناس وإحساناً إليهم، ولو قال كل امرئ صالح: لا أعمل في الضرائب؛ فإن ذلك سيفضي إلى شر عظيم. والله الموفق والمستعان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى