الدية والكفارة في القتل الخطأ
السؤال: امرأة تقود عربة، واصطدمت بشخص وتوفي، فهل يجب عليها الصيام لمدة شهرين متتابعين أم يمكن أن تصوم ثم تفطر لعذر ثم تواصل الصيام؟ وهل تطالب بالدية والصيام معاً؟ وفيما يختص بالدية هل مبلغ ثلاثون ألفاً أو خمسة وثلاثون ألفاً يساوي فعلاً مائة من الإبل أم أنها مسألة يقدرها الفقهاء بالقياس؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
فالقتل الخطأ عند الفقهاء هو ما وقع دون قصد الفعل والشخص، أو دون قصد أحدهما.
قال القرطبي رحمه الله في تفسيره 5/313: ووجوه الخطأ كثيرة لا تحصى يربطها عدم القصد، مثل أن يرمي صفوف المشركين فيصيب مسلما. أو يسعى بين يديه من يستحق القتل من زان أو محارب أو مرتد فطلبه ليقتله فلقي غيره فظنه هو فقتله فذلك خطأ. أو يرمي إلى غرض فيصيب إنساناً أو ما جرى مجراه، وهذا مما لا خلاف.ا.هــــ
والقتل الخطأ يجب فيه حقان: حق لأولياء الدم وهو الدية، وحق لله تعالى بعتق رقبة، وفي حال عدم وجودها صيام شهرين متتابعين، ودليل ذلك قول ربنا سبحانه وتعالى في الآية الثانية والتسعين من سورة النساء )وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا(
ولا تلازم بين الحقين؛ بل يملك أولياء الدم أن يعفوا عن دية قتيلهم ويتنازلوا عن بعضها أو كلها؛ أما الكفارة فلا يملك أحد التنازل عنها؛ قال القرطبي رحمه الله في تفسيره 5/323: وأما الكفارة التي هي لله تعالى فلا تسقط بإبرائهم، لأنه أتلف شخصاً في عبادة الله سبحانه، فعليه أن يُخلِّص آخر لعبادة ربه وإنما تسقط الدية التي هي حق لهم. وتجب الكفارة في مال الجاني ولا تتحمل.
وأما مقدار الدية فقد ثبتت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الدية مائة من الإبل، ووداها صلى الله عليه وسلم في عبد الله بن سهل المقتول بخيبر لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن، فكان ذلك بياناً على لسان نبيه u لمجمل كتابه. وأجمع أهل العلم عل أن على أهل الإبل مائة من الإبل. واختلفوا فيما يجب على غير أهل الإبل، فقالت طائفة: على أهل الذهب ألف دينار، وهم أهل الشام ومصر والمغرب، هذا قول مالك وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي والشافعي في أحد قوليه، في القديم. وروي هذا عن عمر وعروة بن الزبير وقتادة. وأما أهل الورق فاثنا عشر ألف درهم، وهم أهل العراق وفارس وخراسان، هذا مذهب مالك على ما بلغه عن عمر أنه قوم الدية على أهل القرى فجعلها على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم. قال أهل العلم: والمعتبر في هذه الأصول الثلاثة – أعني الإبل والذهب والفضة – السلامة لا القيمة؛ بمعنى انه لا يشترط أن تكون مائة من الإبل مساوية لألف دينار من الذهب، أو ألفي شاة، أو اثني عشر ألف فضة.
والمقرر في القانون الجنائي السوداني لعام 1991 المادة 42/1 ما يلي: الدية مائة من الإبل أو ما يعادل قيمتها من النقود وفق ما يقدره من حين لآخر رئيس القضاء بعد التشاور مع الجهات المختصة.ا.هــــ وعليه فإن القيمة المفروضة للدية هي ما يعادل مائة من الإبل حسب نص المادة المذكورة.
والتتابع في صيام الشهرين شرط؛ ومتى من انقطع التتابع لغير عذر وجب عليه أن يستأنف الصيام؛ أما إذا كان الانقطاع لعذر من حيض أو مرض أو سفر فإنه يبني على ما مضى، قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره 5/327: والحيض لا يمنع التتابع من غير خلاف، وإنها إذا طهرت ولم تؤخر وصلت باقي صيامها بما سلف منه، لا شي عليها غير ذلك إلا أن تكون طاهرا قبل الفجر فتترك صيام ذلك اليوم عالمة بطهرها، فإن فعلت استأنفت عند جماعة من العلماء، قاله أبو عمر. واختلفوا في المريض الذي قد صام من شهري التتابع بعضها على قولين، فقال مالك: وليس لأحد وجب عليه صيام شهرين متتابعين في كتاب الله تعالى أن يفطر إلا من عذر أو مرض أو حيض، وليس له أن يسافر فيفطر. وممن قال يبني في المرض سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والحسن والشعبي وعطاء ومجاهد وقتادة وطاوس. وقال سعيد بن جبير والنخعي والحكم بن عيينة وعطاء الخراساني: يستأنف في المرض، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والحسن بن حي، وأحد قولي الشافعي، وله قول آخر: أنه يبني كما قال مالك. وقال ابن شبرمة: يقضي ذلك اليوم وحده إن كان عذر غالب كصوم رمضان. قال أبو عمر: حجة من قال يبني لأنه معذور في قطع التتابع لمرضه ولم يتعمد، وقد تجاوز الله عن غير المتعمد. وحجة من قال يستأنف لان التتابع فرض لا يسقط لعذر، وإنما يسقط المأثم، قياساً على الصلاة، لأنها ركعات متتابعات فإذا قطعها عذرا استأنف ولم يبن.ا.هــــ والله تعالى أعلم.





