الفتاوى

خصم الدولة للأراضي وإدراجها في الخدمات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

فإن كان الواقع كما ذكرت فهذا الصنيع معدود من قبيل الظلم، والظلم كله حرام، وقد قال سبحانه في الحديث القدسي {يا عبادي: إني حرمت الظلم على نفسي وجعلت بينكم محرماً فلا تظالموا} رواه مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه،  وقد قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسـلم في خطبته في حجة الوداع “إنَّ دماءكم وأموالَكُم وأعراضَكُم عليكُم حرامٌ، كحرمةِ يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا” وفي الصحيحين عن ابنِ عمر رضي الله عنهما عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسـلم أنَّه قال “الظلمُ ظُلُماتٌ يوم القيامة” وفيهما عن أبي موسى رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسـلم قال “إنَّ اللهَ لَيُملي للظَّالم حتَّى إذا أخَذَه لم يُفْلِته” ثم قرأ {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسـلم قال “من كانت عنده مظلمة لأخيه، فليتحلَّلْهُ منها، فإنَّه ليسَ ثَمَّ دينارٌ ولا درهمٌ مِنْ قبل أنْ يُؤخَذ لأخيه من حسناته، فإنْ لم يكن له حسناتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئات أخيه فطُرِحت عليه”

والظلم حاصل من حيث كون هذا العمل انتقاصاً من مال امرئ مسلم بغير وجه شرعي معتبر، وقد قال سبحانه {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون} وقال النبي صلى الله عليه وسـلم “لا يحل مال امرئ مسلم بغير طيب نفس منه” رواه أبو يعلى والدارقطني والبيهقي في السنن الكبرى، وصححه الألباني في صحيح الجامع.

ثم إن هذا الصنيع من قبل أولئك الموظفين قد تضمن غشاً وكذباً حيث نُزعت تلك الأراضي على أنها خدمات تعود فائدتها على مجموع الناس، ثم بعد ذلك بيعت لغير الغرض الذي من أجله نُزعت، وقد قال النبي صلى الله عليه وسـلم “ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة” رواه مسلم من حديث معقل بن يسار المزني رضي الله عنه.

ثم إن الحق العام لا يلغي الحق الخاص، وعلى الدولة حين نزعها أرضاً من صاحبها لمنفعة عامة أن تبذل له التعويض المجزئ، إن مثلياً – بمنحه أرضاً مكافئة للأرض المنزوعة – أو قيمياً بدفع المال المناسب الذي يقدِّره أهل الخبرة الموثوقون، بناء على قوله صلى الله عليه وسـلم “لا ضرر ولا ضرار” رواه مالك في الموطأ مرسلا، ورواه ابن ماجه والدارقطني من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وإسناده حسن كما قال النووي رحمه الله تعالى في الأربعين. وفي حديثُ أبي صِرْمَة رضي الله عنه عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسـلم قال “من ضارَّ ضارَّ الله به، ومن شاقَّ شقَّ الله عليه” خرَّجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وقال الترمذي: حسن غريب، وقد قرر فقهاؤنا رحمهم الله تعالى في القواعد المعتبرة أن الضرر يزال، وبنوا على ذلك كثيراً من أبواب الفقه، كالرد بالعيب، والحجر بأنواعه والشفعة؛ لأنها شرعت لدفع ضرر القسمة، والقصاص والحدود والكفارات وضمان المتلف والقسمة ونصب الأئمة والقضاة ودفع الصائل وقتال المشركين والبغاة وفسخ النكاح بالعيوب أو الإعسار وغير ذلك، والله الموفق والمستعان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى