الفتاوى

سبعون ألفا يدخلون الجنة

ما هي صفتهم على وجه الدقة؟ وماذا لو مرض المسلم فتطبب عند الطبيب هل يخرجه هذا من دائرة السبعين؟

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

فقد روى البخاري ومسلم من حديث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ مَعَهُمُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، حَتَّى رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ قُلْتُ: مَا هَذَا؟ أُمَّتِي هَذِهِ؟ قِيلَ: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ. قِيلَ: انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ فَإِذَا سَوَادٌ يَمْلأُ الأُفُقَ، ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا فِي آفَاقِ السَّمَاءِ؛ فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلأَ الأُفُقَ، قِيلَ: هَذِهِ أُمَّتُكَ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَؤُلاَءِ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ” ثُمَّ دَخَلَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ؛ فَأَفَاضَ الْقَوْمُ وَقَالُوا: نَحْنُ الَّذِينَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاتَّبَعْنَا رَسُولَهُ فَنَحْنُ هُمْ، أَوْ أَوْلاَدُنَا الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الإِسْلاَمِ فَإِنَّا وُلِدْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَخَرَجَ فَقَالَ: “هُمُ الَّذِينَ لاَ يَسْتَرْقُونَ، وَلاَ يَتَطَيَّرُونَ، وَلاَ يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ” فَقَالَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ أَمِنْهُمْ أَنَا يا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: “نَعَمْ” فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا؟ قَالَ: “سَبَقَكَ عُكَّاشَةُ” فعلم من هذا الحديث أن هؤلاء السبعين ألفاً لا بد فيهم من أربع صفات، نسأل الله أن يجعلنا منهم:

الصفة الأولى: هم الذين لا يسترقون، والمراد بذلك الرقى بغير ما ورد به الشرع، أما ما ورد به الشرع; فليست داخلة في ذلك، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الفاتحة: “وما يدريك أنها رقية” وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم رقى جمعاً من أصحابه بدعوات طيبات كقوله صلى الله عليه وسلم “اللهم رب الناس، أذهب الباس، اشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما” وقوله “بسم الله، تربة أرضنا، بريقة  بعضنا، يشفى سقيمنا بإذن ربنا” فلا مانع من أن يرقي الإنسان غيره أو يطلب الرقية من غيره، قال الإمام أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى: وكان عليه السلام قد رقى ورقي وأمر بها وأجازها، فاذا كانت بالقرآن أو بأسماء الله تعالى فهي مباحة أو مأمور بها، وإنما جاءت الكراهية والمنع فيما كان منها بغير لسان العرب؛ فإنه ربما كان كفراً أو قولاً يدخله الشرك. قال: ويحتمل أن يكون الذي يكره من ذلك ما كان على مذاهب الجاهلية التي يتعاطونها، وأنها تدفع عنهم الآفات ويعتقدون ذلك من قبل الجن ومعونتهم.ا.هـــــ وقال ابن التين رحمه الله تعالى: الرقى بالمعوذات وغيرها من أسماء الله تعالى هو الطب الرباني؛ فاذا كان على لسان الابرار من الخلق حصل الشفاء باذن الله تعالى.ا.هــــ وقال أبو الحسن بن القابسى: معنى لا يسترقون. يريد الاسترقاء الذى كانوا يسترقونه فى الجاهلية عند كهانهم وهو استرقاء لما ليس فى كتاب الله ولا بأسمائه وصفاته، وإنما هو ضرب من السحر، فأما الاسترقاء بكتاب الله والتعوذ بأسمائه وكلماته فقد فعله الرسول وأمر به ولا يخرج ذلك من التوكل على الله، ولايرجى فى التشفى به إلا رضا الله.ا.هـــــــــ وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: فالرقية في ذاتها ليست ممنوعة وانما منع منها ما كان شركا أو احتمله ومن ثم قال صلى الله عليه و سلم اعرضوا علي رقاكم ولا بأس بالرقى ما لم يكن شرك.ا.هــــــــــــــ وقال الجلال السيوطي رحمه الله تعالى: قد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: أن يكون بكلام الله أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربي وبما يعرف معناه، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله تعالى.ا.هـــ

ثانيها: لا يتطيرون، والطيرة هي التشاؤم بمعلوم مرئياً كان أو مسموعاً، زماناً كان أو مكانا، وسميت كذلك لأن العرب كانوا يتشاءمون بأنواع من الطير، ويتشاءمون بالطير إذا طارت ناحية الشمال، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم “ليس منا من تَطَيَّر أو تُطُيِّر له”

ثالثها: لا يكتوون، قال ابن بطال رحمه الله تعالى: ومعنى ذلك الذين يكتوون معتقدين أن الشفاء بيد الله لا بعلاجه، من اعتقد أن الله هو الذى شفاه به فهو المتوكل على ربه التوكل الصحيح، ولا أحد يتقدم النبى عليه السلام فى دخول الجنة ولا يسبقه إليها وقد قال:  «أنا أول من يقرع باب الجنة فيقال لى: من أنت؟ فأقول: محمد. فيقول الخازن: أمرت ألا أفتح لأحد قبلك» قالوا: وقد كوى عليه السلام جماعة من أصحابه، كوى أبا أمامه أسعد بن زرارة من الذبحة، وكوى سعد بن معاذ من كلمه يوم الخندق، وكوى أبى بن كعب على أكحله حين أصابه السهم يوم أحد، وكوى أبو طلحة فى زمن النبى عليه السلام، وقال جرير بن عبد الله: أقسم عليَّ عمر بن الخطاب لأكتوين، واكتوى خباب بن الأرت سبعًا على بطنه، واكتوى من اللقوة ابن عمر ومعاوية وعبد الله بن عمرو، روى ذلك كله الطبرى بأسانيد صحاح.ا.هـــــــ قال الطبرى: فبان أن معنى الحديث ماقلناه وأن الصواب فى حد التوكل الثقة بالله تعالى والاعتماد فى الأمور عليه، وتفويض كل ذلك إليه بعد استفراغ الوسع فى السعى فيما بالعبد الحاجة إليه من أمر دينه ودنياه على ما أمر به من السعى فيه لا مالقله الزاعمون أن حدة الاستسلام للسباع وترك الاحتراز من الاعداء ورفض السعى للمكاسب والمعاش، والإعراض عن علاج العلل؛ لأن ذلك جهل وخلاف لحكم الله فى بعاده. وخلاف حكم رسوله فى أمته وفعل الأثمه الراشدين.

رابعها: وعلى ربهم يتوكلون؛ بمعنى أنهم يأخذون بالأسباب ويفوضون النتائج إلى الله تعالى، فلا يعتمدون على السبب وحده، بل يعتقدون أن الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: يحتمل أن تكون هذه الجملة مفسرة لما تقدم من ترك الاسترقاء والاكتواء والطيرة، ويحتمل أن تكون من العام بعد الخاص؛ لأن صفة كل واحدة منها صفة خاصة من التوكل وهو أعم من ذلك.ا.هـــــ وقال القرطبي وغيره قالت طائفة من الصوفية لا يستحق اسم التوكل الا من لم يخالط قلبه خوف غير الله تعالى حتى لو هجم عليه الأسد لا ينزعج وحتى لا يسعى في طلب الرزق لكون الله ضمنه له وأبى هذا الجمهور وقالوا يحصل التوكل بأن يثق بوعد الله ويوقن بأن قضاءه واقع ولا يترك اتباع السنة في ابتغاء الرزق مما لا بد

أما ذهاب المريض إلى الطبيب وطلبه العلاج عنده فلا ينافي التوكل، ولا يفهم من هذا الحديث منع التداوي؛ قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: احتج بعض الناس بهذا الحديث على ان التداوى مكروه، وجلّ مذاهب العلماء على خلاف ذلك، واحتجوا بما وقع فى أحاديث كثيرة من ذكره صلى الله عليه وسلم لمنافع الاَدوية والأطعمة كالحبَّةِ السوداء والقُسْط والصبر وغير ذلك، وبأنه صلى الله عليه وسلم تداوى، وبإخبار عائشة رضى اللّه عنها بكثرة تداويه وبما عُلم من الاستشفاء بُرقاه، وبالحديث الذى فيه أن بعض أصحابه أخذوا على الرُقيةِ أجرًا، فإذا ثبت هذا صح أن يُحمَلَ ما فى الحديث على قوم يعتقدون ان الأدوية نافعةً بطباعها كما يقول بعض الطبائعين، لا ائهم يفوضون الأمر إلى اللّه تعالى، وهذا على نحو التأويل المتقدم فى حديث الاستمطار بالنجوم… إلى أن قال رحمه الله تعالى: وقد تكلم العلماء وأصحابُ المعانى على هذا، فذهب أبو سليمان الخطابى وغيرُه اْن وجه هذا أن يكون تركها على جهة التوكل على الله والرّضى بما يقضيه من قضاء ويُنزِله من بلاَء، قال: وهذه من أرفع درجات المتحققين بالإيمان، وإلى هذا ذهب جماعة من السلًف. قال القاصْى: وهذا هو ظاهر الحديث، ألا ترى قوله: “وعلى ربهم يتوكلون”؟.ا.هـــــــــــــــــــــــــــــــــ والعلم عند الله تعالى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى