الفتاوى

حكم الطاعنين في العلماء والجماعات الإسلامية

        الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

        فإن الدعوة إلى الله هي أشرف المهام وأفضلها،  قال تعالى {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين} والمشتغلون بها هم السائرون على خطى النبيين والمرسلين؛ قال تعالى {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى وسبحان الله وما أنا من المشركين} وما زالت جماهير المسلمين للدعاة موقرين ولجهودهم مقدِّرين، ولا تجد من بين الناس من يشنؤهم وبالشر يذكرهم إلا مريض قلب أو مشيع فاحشة أو ساع بفساد من عتاة العلمانيين وجحافل الملحدين، ممن صار دينهم وديدنهم التشنيع على الدعاة وإلصاق التهم بهم وتنفير الناس منهم وإطلاق الأكاذيب والشائعات عنهم، وقد قال رسول الله صلى الله علـيه وسلم: أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشِرَارِكُمْ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «فَإِنَّ شِرَارَكُمُ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفْسِدُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، الْبَاغُونَ الْبُرَءَاءَ الْعَنَتَ» رواه أحمد من حديث أسماء بنت يزيد رضي الله عنها.

        وما زال المسلمون يظنون ظن السَّوء بمن كان همُّه الطعنَ في الدعاة إلى الله تعالى؛ حتى نبتت في بلادهم نابتة تتظاهر بسمت الدين وتستدل بنصوصه وهم يصبحون ويُمسون في هتك أستار الدعاة إلى الله تعالى ونشر الترهات عنهم وتربية فئام من الشباب على الحطِّ من قدرهم والدعوة إلى بغضهم والبراءة منهم، وكل ذلك – ولا حول ولا قوة إلا بالله – باسم التوحيد والسنة وحمل لواء الجرح والتعديل، وقد يستخدمون في ذلك الخطابة في الساحات العامة أو الكتابة على وسائل التواصل والصحف السيارة أو تسجيل مواد وبثها على شبكة المعلومات، وقد سلم من ألسنة هؤلاء اليهود والنصارى ودهاقنة العلمانيين وأعداء الدين، وأعملوها بالليل والنهار – طعناً وتجريحاً – فيمن يصبحون ويمسون وهم يعلِّمون الناس كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله علـيه وسلم ويدعونهم إلى التمسك بهما والدعوة إليهما.

        وهذه النابتة – وقى الله المسلمين شرها – لهم علامات يُعرفون بها وشارات تدل عليهم وعلى سوء مسلكهم وفساد منهجهم، {ولتعرفنهم في لحن القول} ومن ذلك:

1- أنهم لا يتورعون عن رمي كل من لم يوافقهم – في سوء مشربهم – بالبدعة أو الفسق أو غير ذلك، وما تزال تلك الصفة بهم حتى رمى بعضهم بعضاً بما رموا به غيرهم بالأمس، بل تمادى بهم الحال حتى كفَّر بعضهم بعضا، وحذَّر بعضهم من بعض

2- يعمدون إلى رمي الجماعات الدعوية العاملة للإسلام بكل نقيصة بدعوى (الحرب على الحزبية) في حين أن الحزبية متجذِّرة فيهم بل عملهم في الحرب على الدعاة عمل حزبي منظَّم ودقيق

3- يشوشون على الشباب بتهم جاهزة يلصقونها بالدعاة إلى الله تعالى؛ ففلان خارجي، وفلان سروري، وفلان حزبي، وفلان الآخر مبتدع، وفلان مداهن، وفلان مهيِّج، وفلان ضال مضل، أما فلان فهو أخطر من اليهود والنصارى، ويقولون: يجب تقديم حربهم على حرب اليهود!!

4- كل من أمر بمعروف أو نهى عن منكر أو نبَّه على أمر يهم جماهير المسلمين فهو – بميزانهم المطفِّف الجائر – داعيةُ فتنة ورأس ضلالة لا يجوز السلام عليه ولا الجلوس معه ولا الاستماع إليه ولا أخذ العلم عنه، بل التحذير منه واجب

5- لم يعرف عن هذه الشرذمة نشرٌ للعلم بتفسير للقرآن ولا شرح للسنة ولا بيان لأحكام الفقه ولا دعوة إلى هدي السيرة النبوية بل جل همِّهم في السخرية من عباد الله – خاصتهم وعامته – والهمز واللمز والطعن واللعن

6- يتهمون النيات بلا دليل؛ حين يتلقفون كلاماً مكتوباً أو مسموعاً فيحملونه على أسوأ المحامل، بل يعمدون في كثير من الأحيان إلى الكذب الفاضح والإفك المبين

7- سوء الأدب والتنابز بالألقاب سمة ظاهرة في خطابهم، بل إنهم ليستخدمون من الألفاظ والتعبيرات والإيحاءات ما يترفَّع عنه عوامُّ المسلمين ممن تربَّوا على مكارم الأخلاق في توقير الكبير وإنزال الناس منازلهم

8- مناصرة الطغاة في كل مكان؛ فتجد أقرانهم وأضرابهم ممن أشربوا المنهج المعوج نفسه في ليبيا مناصرين للقذافي عدو الله ورسوله، ثم بعد هلاكه هم مناصرون لخليفته حفتر حين يصفونه بالإمام ويصمون مخالفيه بأنهم خوارج بل لا يتورعون عن القتال معه، وهم في مصر مع حسني مبارك فلما دالت دولته هم مع السيسي، وهكذا

9- مبالغتهم في مدح شيوخهم – وأغلبُهم نكرات – فيصفون الواحد منهم بالعلامة والإمام وأسد السنة وقامع البدعة وشيخ الإسلام، وفي الوقت نفسه يمتحنون الناس بمن لا يحبون من أهل العلم والفضل فمن كان يسمع لفلان أو فلان فهو على شفا هلكة وباب ضلال!!

10- سلوكهم مسلك الخوارج الضالين حين يعمدون إلى آيات نازلة في الكفار فيطبقونها على المسلمين، ويحملون أقوال أئمة السلف في التحذير من أهل البدع على الدعاة المنتسبين إلى أهل السنة الحاملين لواءها

        وليس شر تلك الطائفة قاصراً على هذه البلاد بل ممتد إلى بلاد شتى ومناطق كثيرة في بلاد المسلمين وغيرها، وهم يسعون بالفساد في الأرض وصرف الناس عن الدعاة إلى الله في كل مكان بما يثيرون من شبهات ويختلقون من اتهامات يلصقونها بأولئك الأخيار، مما يشي بأن جهة ما توجههم وتموِّلهم وتسعى في نشر باطلهم والترويج لإفكهم شغلاً للناس بالباطل عن الحق

        وإن مجمع الفقه الإسلامي يودُّ بيان جملة من الحقائق في هذه النازلة التي أقضت مضاجع المصلحين وأرقت نفوس الطيبين:

أولاً: أن واجبا على كل مسلم توقير أهل العلم والفضل؛ عملاً بقول رسول الله صلى الله علـيه وسلم فيما رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه (إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط) رواه أبو داود، ومن توقيرهم إحسان الظن بهم وحمل أقوالهم على أحسن المحامل، والتماس العذر لهم فيما اجتهدوا فيه من قول أو فعل أو استدلال.

ثانياً: على كل مسلم أن يعلم أنه لا أحدَ معصومٌ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال مالك رحمه الله (كل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم) ويقول ابن القيم رحمه الله “فلو كان كل من أخطأ أو غلط تُرِكَ جملةً، وأُهدرت محاسنه لفسدت العلوم والصناعات والحِكَم وتعطلت معالمها” ويقول كذلك رحمه الله “ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعًا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدمٌ صالح، وآثارٌ حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكان قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور بل مأجور لاجتهاده، فلا يجوز أن يُتبع فيها ولا يجوز أن تُهدر مكانته وإمامته في قلوب المسلمين.ويقول رحمه الله: “من قواعد الشرع والحكمة أيضًا أن من كثرت حسناته وعظمت، وكان له في الإسلام تأثير ظاهر، فإنه يُحتمل له ما لا يُحتمل لغيره، ويُعفى عنها ما لا يُعفى عن غيره” وقال الإمام الذهبي ملتمسًا العذر لقتادة في مسألة خالف فيها الصواب: “لعل الله يعذر أمثاله ممن تلبَّس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه، وبذل وسعه، والله حكمٌ عدلٌ لطيفٌ بعباده، ولا يُسأل عما يفعل. ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كَثُرَ صوابه، وعُلم تحريه للحق واتسع علمه وظهر ذكاؤه، وعُرِف صلاحُه وورعُه واتباعُه، يغفر له زللـه ولا نضلله ونطرحه وننسى محاسنه، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك”

ثالثاً: على المسلم أن يعلم أن الأمور التي تُنتقد على بعض الدعاة أو العلماء أمورٌ اجتهادية يسوغ فيها الخلاف، وقد يكون الخلاف فيها قد حصل بين أسلافنا ولم ينكر بعضهم على بعض؛ فيأتي بعض هؤلاء محذِّراً بأن فلاناً قد خالف السنة وانحرف عن المنهج؛ إلى آخر تلك التهويلات التي غايتها صرف الناس عن أولئك الدعاة. إن الواجب على هؤلاء أن يتقوا الله جل جلاله وأن يعلموا أن لحوم العلماء مسمومة، وأن سنة الله في أخذ من انتقصهم معلومة، ومن وقع في أعراض العلماء بالثلب، ابتلاه الله قبل موته بموت القلب، ونذكِّر الجميع بقوله تعالى {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبينا}

رابعاً: ما ينبغي للإنسان أن يحسن الظن بنفسه ويسيء الظن بالمسلمين؛ خاصة أئمتهم ودعاتهم وأهل العلم فيهم؛ بل عليه أن يتمثل دائماً قول الله تعالى {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} وقول النبي صلى الله عليه وسلم (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث) وما يقع فيه بعض من يدعو إلى الله من الظن بنفسه خيراً وأنه داعية التوحيد وأسد السنة وقامع البدعة، وفي الوقت نفسه يظن بكثير من الدعاة ـ ممن ليسوا على مشربه ـ أنهم مداهنون في دين الله، ممتنعون عن الجهر بالحق إنما هو من تلبيس إبليس، ويُخشى على هؤلاء أن يكونوا ممن قال الله فيهم {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ^ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} بل على المسلم أن يسيء الظن بنفسه ويحسن الظن بالمسلمين؛ خاصة من كان أكبر منه سناً وأكثر علماً وأعظم سابقة.

خامساً: إن مسلك هذه الفئة الباغية – في الرد على بعض البدع الاعتقادية أو العملية – ليست من الدعوة إلى الله في قبيل ولا دبير، وطريقتهم هذه لن تهدي ضالاً ولن ترشد حائراً، بل غايتها زرع العداوة والبغضاء في قلوب المؤمنين تجاه بعضهم وتدريب الناشئة على الوقوع في أعراض أهل العلم والفضل، وإثارة الكراهية بين طوائف المسلمين؛ ومفسدة كلامهم تربو على مصلحته إن كان في كلامهم مصلحة؛ فما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه،

سادساً: على هؤلاء الطاعنين في أهل العلم والدعوة والجهاد أن يعلموا أنهم ـ قصدوا أو لم يقصدوا ـ إنما يخدمون هدفاً بعيداً لأعداء الملة، الذين يرومون الطعن في كل من عُهد عنه تأثير في الصحوة المعاصرة التي أقضت مضاجع اليهود والصليبيين والملاحدة، فيعمدون إلى انتقاصهم ورميهم بالتهم الباطلة تنفيراً للناشئة منهم، وإشاعة لقالة السوء عنهم؛ حتى يغلب سوء الظن على المسلمين وينفضوا أيديهم من الدعاة والمصلحين

سابعاً: غلب على هؤلاء اتهام من لا يوافقهم في سخريتهم ولمزهم للناس بأنه لا يتكلم في التوحيد، وجعلوا من ذلك مرقاة للطعن في الدعاة، وقد اتخذها بعض الناس سبيلاً للصد عن فلان وفلان من الناس، وما يدري هؤلاء أن الدين كله توحيد، وأن الداعية البصير قد يتناول التوحيد ويشرحه ـ ربما خيراً منهم ـ حين يتحدث عن السيرة أو التفسير أو الحديث أو الفقه، فالعلوم الإسلامية متضافرة يخدم بعضها بعضاً، وليس بالضرورة أن يكون عنوان الدرس (التوحيد) من أجل أن يكون توحيدا؛ فإن الله تعالى ما تعبدنا بالأسماء، والنظر الشرعي إنما يكون في المضامين لا العناوين، ثم إن هذا الداعية الذي رمي بأنه لا يتكلم في التوحيد قد يكون متكلماً فيه مراراً، بل قد ختم فيه متوناً، ولكن القوم يغلب عليهم سوء الظن والإعجاب بالرأي.

ثامناً: بعضهم يفهم أن التوحيد معناه الاستطالة في أعراض المسلمين وتناول الأحياء منهم والميتين بأسلوب ساقط وقول شائن، ينفِّر القلوب ويورث العداوة والبغضاء، ويلبِّس عليه الشيطان بأن في هذا تحذيراً من البدع وأهلها، وقد علمنا من قطعيات الدين بأن الرفق لا يعدله شيء، وأن لين القول والمجادلة بالحسنى والدفع بالتي هي أحسن أمور مطلوبة مع الكافر الأصلي؛ فكيف بالمسلم الذي تلبَّس بشيء من البدع أو المعاصي؟ فكيف لو كانت تلك التي توصف بالبدع أموراً مختلفاً فيها وقد قال بها من أئمة العلم الأقدمين والمحدثين كثيرون؟ ألا فليعلم المنصفون أنه لا تلازم بين الدعوة إلى ما كان عليه المصطفى صلى الله عليه وسلم من الهدى والنور وبين الوقوع في أعراض الناس، وهمزهم ولمزهم أحياء كانوا أو أمواتا.

تاسعاً: الانتماء إلى الإخوان المسلمين أو الحركة الإسلامية أو أنصار السنة أو جماعة التبليغ أو غيرها من الجماعات التي تدعو إلى الله ليس تهمة ننفر منها ونتبرأ من تبعاتها؛ بل نقول: إن من انتمى إلى هذه الجماعة أو تلك تعاوناً مع أفرادها على البر والتقوى، واستعصاماً بالجماعة التي تمنع الشذوذ في الفكر أو الضلال في الرأي، وطلباً للأصلح له في دينه ودنياه، ولم يكن تعصبه للجماعة وشيوخها، بل كانت حميته للدين وعموم المسلمين فهو مأجور إن شاء الله، مع يقيننا بأنه لا تسلم جماعة من خطأ أو تقصير، مثلما لا يسلم الدعاة والمربون والعلماء العاملون وعامة المسلمين، فإنه لا أحد معصوم بعد النبي الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فهؤلاء الذين يرفعون في وجوه من خالفوهم بأنهم إخوان أو كذا أو كذا ما ينبغي أن يُعوَّدوا على أنهم كلما أطلقوا هذه التهم سارع المتَّهَم بالتبرؤ والنفي، بل نقول لهم: إن الإخوان وغيرهم قد يكونون خيراً عند الله منكم؛ ورحم الله من عرف قدر نفسه، وطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس.

عاشراً: واجب على من بسط الله يده وولاه أمر المسلمين أن يكفَّ أذى أولئك الطاعنين في العلماء والأئمة والدعاة، وأن يأخذ على أيديهم ويمنع شرهم عن الناس، وذلك بإنزال العقوبة الرادعة لهم والزاجرة لغيرهم عن تعاطي مثل فعلهم؛ لأن غاية أقوالهم وأفعالهم تكدير السلم وإثارة الضغائن وزرع الكراهية بين طوائف المسلمين، وهم يخدمون أعداء الإسلام حين يُفقدون الشباب الثقة في العلماء والدعاة؛ فيصير الشاب بعدها عرضة للجماعات الغالية التي تعيث في الأرض فسادا باسم الجهاد، أو التيارات الإلحادية العاتية التي لا ترجو لله وقارا، وفي كلا الحالين يكون الخاسرون هم المسلمين.

        نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يهدي ضال المسلمين، وأن يكف عنهم بأس الذين كفروا والله أشد بأساً وأشد تنكيلا.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،،،،

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى