يرقي الناس في المسجد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
فالرقية الشرعية للمريض مشروعة، وقد فعلها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده؛ ويُسَنُّ لكل مسلم يقدر عليها أن يبذلها لإخوانه طيبةً بذلك نفسه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم “من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل” وهذه الرقية تراعى فيها الضوابط الشرعية، ومن ذلك:
أولاً: أن يبتغي الراقي وجه الله تعالى ونفع إخوانه المسلمين؛ لا التكثر من أموالهم بفرض المبالغ الكبيرة عليهم؛ ولا بأس بأن يأخذ أجر المثل من غير وكس ولا شطط؛ استدلالاً بما ترجم له الإمام البخاري رحمه الله تعالى بقوله: باب مَا يُعْطَى فِي الرُّقْيَةِ عَلَى أَحْيَاءِ الْعَرَبِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ.وَقَالَ الشَّعْبِيُّ لاَ يَشْتَرِطُ الْمُعَلِّمُ إِلاَّ أَنْ يُعْطَى شَيْئًا فَلْيَقْبَلْهُ. ثم أورد حديث أبي سعيد رضي الله عنه قَالَ: انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَىِّ فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لاَ يَنْفَعُهُ شَيْءٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلاَءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لاَ يَنْفَعُهُ فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ نَعَمْ وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْقِي وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضِيِّفُونَا فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلاً فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الْغَنَمِ فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ!! قَالَ فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمُ: اقْسِمُوا. فَقَالَ الَّذِي رَقَى: لاَ تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا. فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرُوا لَهُ؛ فَقَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ ثُمَّ قَالَ: قَدْ أَصَبْتُمُ اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. وقد أورده الإمام مسلم في صحيحه تحت عنوان: باب جَوَازِ أَخْذِ الأُجْرَةِ عَلَى الرُّقْيَةِ بِالْقُرْآنِ وَالأَذْكَارِ
ثانياً: عليه أن يراقب نفسه دائماً ويراجع نيته لئلا يكون غرضه من مباشرة الرقية أن يحصل على الشهرة أو يكون ملجأ الناس إليه، أو يطلب بذلك عرضاً من الدنيا
ثالثاً: أن تكون الرقية بالآيات القرآنية والأدعية النبوية والمفهوم من كلام العرب، ولا يجوز أن تكون بألفاظ موهمة لا يُعرف معناها؛ أخذاً من عموم قوله صلى الله عليه وسلم “لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا”
رابعاً: ألا يشتط في طلب المال من الناس؛ بل يضع لنفسه أجراً معقولاً بلا وكس ولا شطط؛ وعليه أن يتذكر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم “اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه”
خامساً: ألا يرتب على ما يكون في حال الرقية حكماً شرعياً؛ بمعنى أنه إذا نطق الجني على لسان المصروع وذكر أنه قد جاء عن طريق فلان أو فلانة؛ فما ينبغي للراقي أن يخبر بذلك، ولو سمع به غيره فعليه تنبيهه إلى أن الأصل في الجن الكذب والعمل على التحريش بين المؤمنين؛ ففي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم” أي بإيقاع العداوة والبغضاء بينهم، وإغراء بعضهم ببعض، كما قال تعالى {إنَّما يريد الشَّيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدَّكم عن ذكر الله وعن الصَّلاة فهل أنتم منتهون}
هذا وإن على إمام المسجد واجباً عظيماً يتمثل في جمع القلوب على الهدى والسعي بالإصلاح بين الناس، وأن يجعل من نفسه في هذا الباب قدوة ويتقي الله ما استطاع، والله الموفق والمستعان.




