
أيها المسلمون، فضَّل الله الإنسانَ وكرَّمَه وهيَّأ له أسبابَ الطمأنينة ليعبُدَه وحده سبحانه كما أمَر، ومعاشُ الناس لا يستقيمُ إلا بالدين، وبهِ سعادتُهم في الآخرة، ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهمَّ أصلِح لي ديني الذي هو عصمةُ أمري، وأصلِح لي دُنيايَ التي فيها معاشي، وأصلِح لي آخرتي التي فيها معادي» رواه مسلم.
وأساسُ الدينِ: العدلُ فيما بين العباد وبين خالقهم بإفراد العبادةِ له، وبينهم وبين المخلوقين بعدم بغيِ بعضِهم على بعضٍ؛ إذ الظلمُ أصلُ كلِّ شرٍّ، وفسادٌ للدين والدنيا، والله نزَّهَ نفسَه عن الظلمِ وجعلَه بين العباد مُحرَّمًا فقال: «يا عبادي، إني حرَّمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم مُحرَّمًا؛ فلا تَظَالَموا» رواه مسلم. وكان أبو إدريس الخَولانيُّ رحمه الله راوي الحديثِ إذا حدَّثَ بهذا الحديثِ جَثَى على رُكبتَيْه.
واللهُ أخبرَ أنه لا يُحبُّ الظالِمَ، ونفى عنه الفلاح، ووعدَ بقطعِ دابرِه، ولا يدُومُ على نُصرته أحدٌ، قال سبحانه: {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}
بل يُسلِّطُ اللهُ عليه ظالمًا أقوى منه، كما قال سبحانه: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} قال ابن كثير رحمه الله: “أي: نُسلِّطُ بعضَهم على بعضٍ، ونُهلِكُ بعضَهم ببعضٍ، وننتقمُ من بعضِهم ببعضٍ؛ جزاءً على ظُلمهم وبغيِهم”.
والله توعَّدَه بسُوء المُنقلَبِ، فقال: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}. قال شُريحٌ رحمه الله: “إن الظالمَ ينتظرُ العقابَ، والمظلومَ ينتظرُ النصرَ”.
والظالمُ أيامُه في الدنيا معدودةٌ، ولكنَّ الله يُمهِلُه؛ قال جلَّ شأنه: {فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا}
ومن طالَ عُدوانُه زالَ سُلطانه؛ قال جل وعلا: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ}. قال ابن القيم رحمه الله: “إذا أراد اللهُ أن يُهلِكَ أعداءَه ويمحقَهم قيَّضَ لهم الأسبابَ التي يستوجِبُون بها هلاكهم ومحقهم، ومن أعظمها بعد كُفرهم: بغيُهم وطغيانُهم ومُبالغتُهم في أذى أوليائه ومُحاربتِهم وقتالهم والتسلُّطِ عليهم”.
واللهُ ذكرَ في كتابه ظالمين وسُوءَ عاقبتِهم، وأخبرَ أنه جعلهم عبرةً لغيرهم؛ ففرعون طغَى وعاثَ في الأرض فسادًا؛ قال سبحانه عنه: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}. بل تطاوَلَ على الربِّ وأنكرَه وقال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} وافتخرَ بجرَيَان الماء من تحت قدمَيْه وكان يقول: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي}.
والله له بالمِرصاد، يُمهِلُه ولم يُهمِله، فأجرَى الماءَ من فوقه وأغرقَه به، وقال له ساعةَ هلاكه: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} وأخبرَ أن تلاطُمَ أمواج البحر من فوقه حين هلاكه كان أمرًا مهُولاً، فقال: {فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى}
وشُعيبٌ عليه السلام دعا قومَه إلى الإسلام، ونهاهُم عن ظُلم الناس، وقال لهم: {أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}، فسخِروا به وقالوا له: {أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ}، فأرسلَ الله عليهم نارًا أحرقَتهم وأحرقَت أموالَهم التي اكتسبُوها بالظُّلم، قال سبحانه: {فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ}؛ أي: النار المُحرِقة النازلةِ عليهم من السماء، {إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}.
وثمودُ كان ذنبُهم مع الشركِ عقرَ بهيمةٍ جعلَها الله لهم آيةً، فأرسلَ عليهم صيحةً قطَّعَت قلوبَهم. قال شيخُ الإسلام رحمه الله: “فمن انتهَكَ محارِمَ الله واستخفَّ بأوامره ونواهيه، وعقرَ عبادَه وسفكَ دماءَهم كان أشدَّ عذابًا منهم”.
وإذا وقعَ بالمؤمنين شدَّةٌ وبلاءٌ، وكربٌ وعناءٌ، فاللهُ لطيفٌ في قدَرِه، حكيمٌ في تدبيره، قادرٌ على نُصرة عباده، ولكن لحكمةٍ يبتليهم؛ قال جل وعلا: {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ}.
وهو سبحانه قويٌّ في مُدافعته عن عباده المؤمنين؛ قال جلَّ شأنُه: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا}. قال ابن كثير رحمه الله: “يدفعُ عن عباده الذين توكَّلُوا عليه وأنابُوا إليه شرَّ الأشرار وكيدَ الفُجَّار، ويحفظُهم ويكلؤُهم وينصُرهم”.
وهذه المُدافَعةُ بحسبِ إيمان العبدِ بمولاه؛ فمن زادَ إيمانُه قوِيَت مُدافعةُ الله له، قال قتادةُ رحمه الله: “والله، ما يُضيِّعُ اللهُ رجلاً قطُّ حفِظَ له دينَه”.
والمسلمُ يأخذُ بأسبابِ النصر ودفعِ الظلمِ والقهرِ بحُسن الظنِّ بالله بأنَّ الله سينصُره، واعتقاد ما دلَّت عليه أسماؤه وصفاتُه سبحانه؛ من القوة والقُدرة، والعظمةِ والعِزَّة، وبالإيمان بما جاء في القرآنِ من وعدِ الله بنُصرة المؤمنين: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}، وبالإكثار من التعبُّد والاستغفارِ والإنابةِ إلى الله؛ قال سبحانه: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}، والثقةِ بقرب ساعة الفَرَجِ؛ {أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}، وأن يُوقِنَ أن التوكُّلَ على الله أساسُ النصرِ: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}.
وتوحيدُ الكلمةِ على الحق ونبذُ النزاع قوةٌ على الأعداء؛ قال تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}.
والصبرُ مفتاحُ الفَرَج، ويتأكَّد عند حُلول المِحَن والمصائب. والدعاءُ أقوى سلاحٍ ضدَّ العدو؛ قال عليه الصلاة والسلام: «واتَّقِ دعوةَ المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حِجابٌ» متفق عليه. قال ابن عقيلٍ رحمه الله: “يُستجابُ للمظلوم بسُرعةٍ”.
والفَألُ هديُ نبيِّنا صلى الله عليه وسلم؛ فقد قُوتِلَ وحُوصِرَ، وجُرِح وأُوذِي، ومُكِرَ به وأُخرِجَ، وكِيدَ به وسُمَّ وسُحِر، ومات له ستةٌ من أولاده، وكان يقول مع كل ذلك: «يُعجِبُني الفَألُ»، فسُئِلَ عنه، فقال: «كلمةٌ طيبةٌ» متفق عليه.
والمُسلمُ مُوقِنٌ بنصر الله، ويحرُم عليه الرُّكون إلى الظالمين؛ قال سبحانه: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}.
والله بقُدرته ينصُرُ الضعيفَ ولو تكالَبَت عليه الشدائدُ أو خُذِل؛ قال عز وجل: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}.
ونُصرة الله للمؤمنين إنما هي بالإيمان والتقوى، وهو سبحانه ناصرٌ عبادَه وإن قلَّ عددُهم وعَتادُهم، فالقوةُ لله جميعًا؛ قال سبحانه: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ}.
وهو سبحانه قد ينصُرُ عبادَه بلا قتالٍ، كما في غزوة الأحزاب، قال جل وعلا: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا}، وقد ينصُرُهم بإلقاء الرُّعبِ في قلوبِ الأعداء، كما حصلَ ليهود بني النَّضِير، كما قال تعالى: {مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ}، وقد يُرسِلُ الله جنودًا من عنده لإهلاك المُعتدين؛ فأبرهةُ أتى بجيشٍ من اليمن لهدمِ الكعبةِ، مُصطحِبًا معه أقوى الحيوانات الفيل، فسلَّطَ اللهُ عليه أضعفَ الحيوانات الطيورَ، وجعلَ كيدَهم في تضليلٍ.
وإذا حصلَ قتلٌ وجراحٌ في المُسلمين كما في أُحُدٍ فالعاقبةُ لهم؛ قال سبحانه: {فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ}.
وبعد: أيها المسلمون، فلَئِن خُذِل المُسلمون فهم المُنتصِرون، ولئن قُتِلوا فهم الغالِبون، ولئن شُرِّدوا فهم المُؤيَّدون، وما تعلَّقَ أحدٌ بالله فخُذِل، وما لجأَ إليه أحدٌ إلا نُصِر.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ}




