الفتاوى

هدايا المسئولين

ما رأي فضيلتكم في حفلات الوزارات والولايات والمئات من الملايين التي يتبرع بها لتكريم المسئولين المغادرين؟ أفتونا مأجورين؛ أليس بيت مال المسلمين أولى بهذه الأموال لإنفاقها على الجائعين واليتامى؟

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

ففي خصوص المسألة موضوع البحث فإن الناظر فيها يطرح أسئلة يتضح من الجواب عنها حكمها وهي: مَن الشخصُ المهدَى إليه؟ وهل الهدية لشخصه أم لصفته؟ ومَن الشخصُ المهدي؟ وهل له مصلحة عند من أهدى إليه؟ ومن أي المال تكون هذه الهدايا؟ أمن المال العام أم من مال تعود ملكيته لشخص بعينه؟ وبالجواب على هذه الأسئلة نقول:

أولاً: الواجب على كل موظف ومسئول وصاحب أمانة أن يرعى حق الله في المال العام فلا يسيء التصرف فيه، ولا يطلق يده بالعبث به؛ فإن كتم شيئاً منه أو استعمله بغير حق لخاصة نفسه فقد خان أمانته وأثم إثماً مبيناً، وقد قال الله تعالى {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} قال القرطبي رحمه الله تعالى: يأتي به حاملاً له على ظهره ورقبته، معذَّباً بحمله وثقله، مرعوباً بصوته، وموبخاً بإظهار خيانته على رؤوس الأشهاد.أ.هـ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطاً فما فوقه فهو غلول يأتي به يوم القيامة) فقام رجل أسود كأني أنظر إليه فقال: يا رسول الله، اقبل عني عملك! قال: وما ذاك؟ قال: سمعتك تقول كذا وكذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (وأنا أقوله الآن: ألا من استعملناه على عمل فليجئ بقليله وكثيره، فما أعطي منه أخذ، وما نهي عنه انتهى) رواه أبو عبيد في كتاب الأموال عن عدي بن عميرة رضي الله عنه، وقال أبو مسعود الأنصاري رضي الله عنه: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعياً ثم قال (انطلق أبا مسعود، ولا ألفينك يوم القيامة تأتي على ظهرك بعير من إبل الصدقة له رغاء قد غللته) رواه أبو داود.

ثانياً: كل مسئول بُذلت له هدية واجب عليه ردُّها إلى الخزينة العامة للدولة؛ سداً لذريعة الفساد ودفعاً لقالة السوء؛ وقد قرر صاحب الشريعة عليه الصلاة والسلام أن هذه الهدايا إنما تدفع للعامل من أجل سلطته لا لذاته؛ روى البخاري من حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من بني أسد يقال به ابن الأتبية على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي إلي. فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال {ما بال العامل نبعثه فيأتي فيقول: هذا لك وهذا لي، فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا؟ والذي نفسي بيده، لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر} ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه: ألا هل بلغت؟ ثلاثاً. قال ابن العربي رحمه الله تعالى في عارضة الأحوذي: النبي صلى الله عليه وسلم استكثر الهدية واستشرف إلى أنه زادت على طريق المعروف؛ فتوقع أن تكون تصنعاً أو استدفاعاً لباطل أو لجلب ما لا يجوز من الصدقة.أ.هـ قال ابن حجر رحمه الله: وفيه أن هدايا العمال تجعل في بيت المال، وأن العامل لا يملكها إلا إن طلبها له الإمام.أ.هـ

هذا وقد قرر أهل العلم جواز أن يقبل العامل الهدية ممن كان يهاديه قبل أن يلي العمل، قال ابن حجر رحمه الله: جواز قبول الهدية ممن كان يهاديه قبل ذلك.أ.هـ قال الإمام الشوكاني رحمه الله: وقد كان بعض أهل العلم والفضل يمتنع هو وأصحابه من قبول الهدية من أحد أصلاً، لا من صديق ولا من قريب ولا غيرهما وذلك لفساد النيات في هذا الزمان.أ.هـ ويؤيد ما قاله الشوكاني رحمه الله ما ذكره البخاري في كتاب الهبة تعليقاً تحت عنوان: باب هدايا العمال غلول. أن عمر بن عبد العزيز قد اشتهى التفاح يوماً، ولم يجد في بيته شيئاً يشتري به، فتلقاه غلمان الدير بأطباق تفاح، بعدما سمع بعض الناس برغبة أمير المؤمنين، فتناول واحدة فشمها ثم رد الأطباق، وقال: لا حاجة لي فيه، فقيل له: ألم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يقبلون الهدية؟ فقال: إنها لأولئك هدية وهي للعمال بعدهم رشوة.

ثالثاً: هذه الهدايا للمسئول الذي غادر موقع عمله يصح له قبولها والانتفاع بها إذا كانت مبذولة له من قبل الأفراد، ومن مالهم الخاص، ولا يجوز له قبولها إذا كانت من المال العام، أو كانت خصماً من مرتبات الموظفين دون رضا منهم، وينبغي الاحتياط في ذلك وعدم الاكتفاء بقرارات النقابات التي قد تكون صادرة من أفراد دون رضا الباقين، وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاءه وفد هوازن مسلمين؛ فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم؛ فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال {أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء قد جاءونا تائبين وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم فمن أحب منكم أن يطيب بذلك فليفعل ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل} فقال الناس: قد طيبنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم لهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفعوا إلينا عرفاؤكم أمركم) فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا. رواه البخاري من حديث المسور بن مخرمة رضي الله عنه وقال عليه الصلاة والسلام {لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه} وقد قرر علماؤنا رحمهم الله أن المأخوذ بسيف الحياء حرام، فعلى المسلم ـ مسئولاً كان أو غيره ـ أن يحتاط فيما يدخل عليه من مال أو متاع حذراً من الحرام وتوقياً للشبهة، والله تعالى أعلم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى