الفتاوى

الإستماع لعدنان إبراهيم

السلام‏ ‏عليكم‏ ‏ورحمة‏ ‏الله‏ ‏وبركاته، ‏التحية‏ ‏العطرة‏ ‏لأستاذ‏ ‏الأجيال‏ ‏شيخنا‏ ‏عبد‏ ‏الحي‏ ‏يوسف‏ ‏حفظه‏ ‏الله‏، ‏في‏ ‏الحقيقة‏ ‏لديَّ‏ ‏صديق‏ ‏حاذق‏ ‏في‏ ‏الكمبيوتر‏ ‏ويراه‏ أبناء‏ ‏عشيرته‏ أنه‏ ‏من‏ ‏أفضل‏ ‏الشباب‏ ‏المثقفين‏، ‏وقد‏ ‏وصلته‏ ‏منحة‏ ‏للسفر‏ ‏إلى‏ ‏أمريكا‏ ‏وكان‏ ‏هنا‏ ‏من‏ ‏أهل‏ ‏السنة‏ ‏والجماعة‏، ‏ولما‏ ‏سافر‏ ‏هناك‏ ‏افتتن‏ ‏بأحد‏ ‏الدعاة‏ ‏وهو‏ ‏المفكر‏ ‏الفلسطيني‏ ‏الذي‏ ‏يعيش‏ ‏بالنمسا‏ ‏المذكور‏ ‏أعلاه‏ ‏بالموضوع‏‏، ‏وأخذ‏ ‏يحث‏ ‏الشباب‏ ‏عليه‏، ‏والمعروف‏ ‏أن‏ ‏الدكتور‏ ‏‏عدنان‏ ‏إبراهيم‏ ‏ينكر‏ ‏نزول‏ ‏عيسى‏ ‏وخروج‏ ‏الدجال‏ ‏والمهدي‏، ‏‏ذكرت‏ ‏لأخي‏ ‏هذا‏ ‏أقوال‏ ‏العلماء‏ ‏فيه،‏ ‏‏ولكنه‏ ‏يرى‏ ‏أن‏ ‏العلماء‏ ‏هؤلاء‏ ‏علماء‏ ‏سلطان‏ ‏وضلاليين‏ ‏على‏ ‏حد‏ ‏زعمه‏، ‏وقد‏ ‏بذلت‏ ‏كل‏ ‏ما‏ ‏في‏ ‏وسعي ‏لأبين‏ ‏له‏ ‏حقيقة‏ ‏هذا‏ ‏الرجل‏ ‏ولكن‏ ‏لا‏ ‏حياة‏ ‏لمن‏ ‏تنادي‏، ‏والذي‏ ‏أخاف‏ ‏أنا‏ ‏منه‏ ‏أن‏ ‏يحرض‏ ‏خاصته‏ ‏لاتباع‏ ‏هذا‏ ‏الرجل‏ ‏‏فما‏ ‏هي‏ ‏نصيحتك‏ ‏لي‏ ‏ولاخي‏ ‏هذا‏؟ ‏وما‏ ‏هو‏ ‏الرد‏ ‏الشرعي‏ ‏‏على‏ ‏هذا‏ ‏الرجل‏ ‏الذي‏ ‏يطعن‏ ‏في‏ ‏سيدنا‏ ‏معاوية‏ ‏وعبد‏ ‏الله‏ ‏بن‏ ‏عمر‏ ‏وأم‏ ‏المؤمنين‏ ‏عائشة‏ ‏والإمام‏ ‏البخاري‏‏؟ ‏‏والله‏ ‏من‏ ‏وراء‏ ‏القصد‏ ‏وهو‏ ‏الهادي‏ ‏الى‏ ‏السبيل‏ ‏

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

فشكر الله لك أخي حسن ظنك بي، لكنني لست أستاذاً للأجيال كما ذكرت بل أنا طالب علم، أسأل الله تعالى أن يستر عليَّ ويعفو عني ويتجاوز عن خطئي وتقصيري، كما أسأله سبحانه أن يهدينا جميعاً سواء السبيل، وندعو بالدعاء النبوي المأثور “اللهمَّ فاطرَ السموات والأرض، عالمَ الغيب والشهادة، أنت تحكمُ بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلفَ فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم” ثم إن تأخري في الجواب لأني ما كنت مهتماً بحال المسئول عنه ولا سمعت له شيئاً فطفقت أسأل وأستفسر وأحاول جمع ما تيسر من أقواله؛ حتى يكون الحكم على بينة، لأن الله تعالى علَّمنا أن نقول {وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين} أما الاستعجال فليس من شيم أهل العلم، وقد كان واجباً عليك – أحسن الله إليك – أن تحسن الظن وتبسط العذر لأخيك – قبل أن تنحو باللائمة، ومهما يكن من أمر فإنني أقول: إن للدكتور عدنان إبراهيم جهوداً مشكورة في الرد على الملاحدة الذين ينكرون وجود الله عز وجل، وقد وفِّق في إلزامهم بالحجة وهو مأجور إن شاء الله على ذلك، لكنني أود  أن أنبه على أمور:

أولاً: ما ينبغي للإنسان العاقل أن يتبعَ كلَّ من كان فصيح اللسان حسن البيان قد أوتي لسانةً ومنطقا؛ بل عليه أن يلزم الجادة ويعضَّ على السُّنن وما كان عليه أهل العلم الذين تلقَّت الأمة أقوالهم بالرضا وجعل الله لهم القبول في الأرض، وهؤلاء لا يمكن أن يوصفوا بأنهم علماء سلاطين أو طلابُّ دنيا؛ لأن القبول من الله عز وجل لا يُشترى بالمال ولا يُفرض من ذي سلطان، وقد قال النبي صلى الله عليه وسـلم “إذا أحبَّ الله عبداً نادى جبريل: إني أحب فلاناً فأحبه؛ فيحبه جبريل ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه؛ فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض” رواه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى في التمهيد: فِيهِ أَنَّ الْوُدَّ وَالْمَحَبَّةَ بَيْنَ النَّاسِ اللَّهُ يَبْتَدِئُهَا وَيَبْسُطُهَا وَالْقُرْآنُ يَشْهَدُ بِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سيجعل لهم الرحمان وُدًّا} قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: يُحِبُّهُمْ وَيُحَبِّبُهُمْ إِلَى النَّاسِ.ا.هـــ

 وعلماء الأمة كانوا ولا يزالون فيهم من أهل التقى والهدى ممن لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً الجمُّ الغفير والعددُ الكثير، والحمد لله رب العالمين، لكن صاحب الهوى إذا أراد أن ينشر هواه فإن أول ما يبدأ به أن يطعن في هؤلاء العلماء من أجل أن يخلو له الجو وتنصت له الأسماع وترنو نحوه الأبصار؛ لأنه يعلم يقيناً أنه لا نُفوقَ لبضاعته ولا رواج لباطله إلا إذا زهد الناس في أولئك العلماء الأعلام، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسـلم إلى هذا المعنى حين قال “إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء؛ حتى إذا لم يُبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا”

ثانياً: على المسلم الشحيح بدينه أن يكون معظِّماً لرسول الله صلى الله عليه وسـلم وسنته، ولا يقدِّم عقله على شيء منها بل عليه أن يعلم أن العقل مع النقل كالأعمى مع البصير أو كالمقلِّد مع المجتهد، وعليه أن يعلم أن للعقل حدوداً، وأن الشرع وإن لم يكن فيه مُحالات العقول أي ما يحكم العقل بأنه مستحيل إلا أن فيه مَحارات العقول أي ما تتحير فيه العقول، وقد قال سبحانه {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه “لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه” رواه أحمد وأبو داود. وقال عمر رضي الله عنه “أيها الناس اتهموا رأيكم” رواه أحمد والشيخان. قال مُطَرِّفُ بنُ عَبْدِ اللهِ، سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُوْلُ: “سَنَّ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوُلاَةُ الأَمْرِ بَعْدَهُ سُنَناً، الأَخْذُ بِهَا اتِّبَاعٌ لِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتِكمَالٌ بِطَاعَةِ اللهِ، وَقُوَّةٌ عَلَى دِيْنِ اللهِ، لَيْسَ لأَحَدٍ تَغِييرُهَا وَلاَ تَبْدِيلُهَا وَلاَ النَّظَرُ فِي شَيْءٍ خَالَفَهَا، مَنِ اهْتَدَى بِهَا، فَهُوَ مُهتَدٍ، وَمَنِ اسْتَنصَرَ بِهَا، فَهُوَ مَنْصُوْرٌ، وَمَنْ تَرَكَهَا، اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيْلِ المُؤْمِنِيْنَ، وَوَلاَّهُ اللهُ مَا تَوَلَّى، وَأَصْلاَهُ جهنم وساءت مصيرًا”.

ثالثاً: على طالب العلم الراغب في الهدى أن يميِّز من يأخذ عنه العلم؛ فيعمد إلى من كان مرضيَّاً في دينه عدلاً في سلوكه عفَّ اللسان كثير الإحسان متتابع الذكر لله عز وجل مواظباً على الفرائض معظِّماً للسنن؛ ولا يكفي لأخذ العلم مجرد فصاحة اللسان أو حفظ بعض النصوص؛ وقد قال محمد بْن سِيرِينَ، «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ» رواه مسلم. وقال مالك رحمه الله تعالى – كما ذكر الذهبي في سير النبلاء – “لاَ يُؤْخَذُ العِلْمُ عَنْ أَرْبَعَةٍ: سَفِيْهٍ يُعلِنُ السَّفَهَ، وَإِنْ كَانَ أَرْوَى النَّاسِ، وَصَاحِبِ بِدْعَةٍ يَدعُو إِلَى هَوَاهُ، وَمَنْ يَكْذِبُ فِي حَدِيْثِ النَّاسِ، وَإِنْ كُنْتُ لاَ أتهمه في الحَدِيْثِ، وَصَالِحٍ عَابِدٍ فَاضِلٍ، إِذَا كَانَ لاَ يَحْفَظُ مَا يُحَدِّثُ بِهِ”

رابعاً: ليس محموداً من المؤمن أن يكون متنقلاً في دينه كلما أعجبه قولٌ أخذ به، بل عليه أن يلزم الحق الذي نطقت به أدلة القرآن والسنة وقال به جمهور العلماء من الأولين والآخرين؛ لا سيما ما كان من مظان الإجماع؛ فإن الله تعالى لا يجمع أمة محمد صلى الله عليه وسـلم على ضلالة، وقد انْصَرَفَ مَالِكٌ يَوْماً، فَلَحِقَهُ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو الجُوَيْرِيَةِ، مُتَّهَمٌ بِالإِرْجَاءِ، فَقَالَ: اسْمَعْ مِنِّي. قَالَ: احْذَرْ أَنْ أَشْهَدَ عَلَيْكَ. قَالَ: وَاللهِ مَا أُرِيْدُ إِلاَّ الحَقَّ، فَإِنْ كَانَ صَوَاباً، فَقُلْ بِهِ، أَوْ فَتَكَلَّمْ قَالَ: فَإِنْ غَلَبْتَنِي؟ قَالَ: اتَّبِعْنِي. قَالَ: فَإِنْ غَلَبْتُكَ؟ قَالَ: اتَّبَعْتُكَ. قَالَ: فَإِنْ جَاءَ رَجُلٌ، فَكَلَّمَنَا، فَغَلَبَنَا؟ قَالَ: اتَّبَعْنَاهُ، فَقَالَ مَالِكٌ: يَا هَذَا، إِنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدِيْنٍ وَاحِدٍ، وَأَرَاكَ تَتَنَقَّل.

خامساً: من الملاحظات الجوهرية على مسلك الدكتور إبراهيم أنه قد تلقى العلم عن الكتب ولم يُثنِ ركبتيه بين يدي أهل العلم ليتلقى من أدبهم ويتعرف على طريقهم، ومن أراد العلم الصحيح –  في أي فن – فلا بد أن يتلقاه عن أهله المعروفين الضابطين، الذين لا يتسرعون بجواب ولا يميل بهم الهوى، ولا يعني ذلك أنهم معصومون لا يخطئون، بل هم بشر كسائر الناس؛ لكنهم استفرغوا وسعهم وبذلوا طاقتهم في الوصول إلى الصواب. يقول أبو عبد الله بن القيم رحمه الله تعالى: ولما كان التبليغ عن الله سبحانه يعتمد العلم بما يبلغ والصدق فيه، لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق؛ فيكون عالماً بما بلَّغ صادقاً فيه، ويكون مع ذلك حسن الطريقة، مرضيَّ السيرة، عدلاً في أقواله وأفعاله، متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله، وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا يُنكر فضله ولا يُجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيَّات فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات.ا.هــــــــ

ولا تغني في هذا الباب الكتبُ أو الدخول على مواقع الشبكة الدولية؛ لأن في تلك الكتب والمواقع الشيء النافع والضار، بل فيها السم الناقع؛ وقد قال الله عز وجل {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} وقد قيل “لا تأخذ القرآن من مصحفي ولا الحديث من صُحُفي” والمصحفي هو الذي قرأ القرآن من المصحف دون استعانة بشيخ ضابط، والصُحُفي هو الذي قرأ الحديث من الصحف والأوراق دون رجوع إلى أهله، ثم إن جلوس الطالب مع العالم يختصر طريق الطلب عليه؛ فإن العالم يبيِّن له الاصطلاحات الخاصة في العلم أو الكتاب، والتي يكون الشيخ قد اكتشفها من كثرة المخالطة، أو أخذها عن شيخ تتلمذ عليه من قبل، والعلم وراثة، كما يجمع له قواعد ذلك العلم، ويدله إلى أحسن من تناول المسألة، ويحصل على الملكة العلمية. ويعلِّمه طرق البحث وآداب المناظرة، ويفيده من تجاربه ما لا يجده في كتاب مهما قرأ؛ كما أن جلوسه إلى العالم يُكسبه الأجر والثواب؛ لأنه سعى للعلم من بابه وقد قال عليه الصلاة والسلام “من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة” رواه مسلم. وهو بالجلوس إلى العالم يستفيد من سمته ودلِّه وهيئته وكلامه، ولربما عرضت له شبهة ـ أثناء الدرس ـ فسأل عنها، أو أشكل عليه نص فاستفسر منه، وهكذا فإن مجالسة العالم لا يغني عنها شيء من الوسائط الحديثة. لكن الحال أن بعض الناس ممن برعوا في العلوم التجريبية أو العقلية يظنون أنهم في غنى عن سؤال أهل العلم والجلوس إليهم، ويكتفون بالأخذ عن الكتب دون تمييز، وقد قيل: من جعل شيخه كتابَه، غلب خطؤه صوابَه. ومن عواقب الاستغناء عن سؤال العلماء: سوء التربية، والتطاول على أهل العلم، وسلاطة اللسان، وحصول الفهم السقيم، لأن الشيخ هو مفتاح العلوم الذي يجلِّي المسائل الغامضة، والتي قد يفهمها القارئ فهماً غير سليم، ومن أسوأ العواقب كذلك حصول التصحيف والتحريف كما هو مشاهد في كثير مما يكتبه الناس اليوم أو ينقلونه وقد نظم هذا المعنى غير واحد؛ ومن ذلك الأبيات السائرة لأبي حيان المفسر واللغوي الشهير:

يظن الغِمْرُ أن الكتب تهدى … … أخا فــهم لإدراك العلوم

وما يدرى الجهولُ بأن فيها… …  غوامضَ حيَّرت عقل الفهيم

إذا رُمْتِ العلوم بغير شيخ … …  ضللت عن الصراط المستقيم

وتلتبس الأمور عليك حتى… …   تصير أضلَّ من توما الحكيم

تَصَدَّقَ بالبنات على رجالٍ … …يريد بذاك جناتِ النعيــم

وقد قيل: من دخل في العلم وحده؛ خرج وحده. أي من دخل في طلب العلم بلا شيخ؛ خرج منه بلا علم، إذ العلم صنعة، وكل صنعة تحتاج إلى صانع، فلا بد إذاً لتعلُّمها من معلمها الحاذق، وكان الأوزاعي يقول: كان هذا العلم كريماً يتلاقاه الرجال بينهم، فلما دخل في الكتب دخل فيه غير أهله.

سادساً: مما لوحظ عليه أنه يعمد إلى الطعن في بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسـلم كطلحة بن عبيد الله وأبي هريرة وأنس بن مالك ومعاوية بن أبي سفيان والمغيرة بن شعبة وغيرهم رضي الله عنهم ويعتمد في ذلك على روايات الإخباريين التي حوتها كتب التاريخ والتي لا تخلو من الأكاذيب والترهات والأباطيل، ويهمل الأصلين العظيمين – القرآن والسنة الصحيحة – التي فيها الثناء على أولئك الأصحاب والترضي عنهم وتزكيتهم، حتى إنه لا يتورع عن وصف معاوية رضي الله عنه بأنه دعي ابن دعي!!! ويصفه بأنه دجال عظيم!! ومن أفحش أقواله زعمه – ولا حول ولا قوة إلا بالله – أنه كان بين عائشة رضي الله عنها وطلحة بن عبيد الله حب!! وتلك – والله – بائقة من أعظم البوائق، وإن كان الطعن في الصحابة عامة علامةَ الخذلان عياذاً بالله تعالى؛ فإن من طعن في الصحابة الكرام كان بالطعن أولى، وهو متهم في دينه بلا ريب؛ لأن الطعن فيهم مستلزم للطعن فيما نقلوا من أخبار ورروا من آثار، ومن ذلك أنه يتهم راوية الإسلام أبا هريرة رضي الله عنه بأنه أسلم من أجل الخرفان!! وأن بني أمية قد شروه بالمال ليروي الأحاديث لهم!!! كيف ذلك وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسـلم “اللهم حبِّب عُبَيدَك هذا وأُمَّه إلى كل مؤمن” رواه مسلم، وقد قال أبو زرعة الرازي رحمه الله تعالى: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسـلم فاعلم بأنه زنديق؛ وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسـلم عندنا حق والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسـلم، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا القرآن والسنة؛ والجرح بهم أولى وهم زنادقة.

سابعاً: طعنه في علماء الأمة الكبار الذين ملئوا الأرض علماً ونوراً وهدى من أمثال أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري وأبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري ومحمد بن جرير الطبري والحافظ ابن كثير الدمشقي وأبي محمد بن حزم الظاهري وأبي بكر بن العربي المالكي والحافظ الذهبي وأبي العباس بن تيمية وابن عساكر وغيرهم رحمة الله عليهم أجمعين، إلى أن يصل به الحال أن يصف علماء المسلمين اليوم بأنهم ذباب وصراصير وفئران وأرانب وحمير وضُلال!!! إلى غير ذلك من الفحش والقبح الذي يفوه به هذا الرجل هداه الله

ثامناً: تقديمه عقله القاصر على شرع الله عز وجل في مواطن كثيرة؛ ومن ذلك حكمه الخاطئ بأن قسمة الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين كانت تصلح في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، أما الآن فينبغي أن تكون القسمة سواء لأن الميراث مسألة اقتصادية!! وفي هذا القول من الضلال ما لا يخفى، بل قد يكون كفراً لولا أن قائله قد يُعذر بالجهل. وقد سبقه إلى ذلك بعض أئمة الضلال ممن سرق منهم ذلك ونسبه إلى نفسه، ثم إنه لا يعتد بالإجماع قائلا: لا تقل لي: إجماع المهم أقتنع!!! وقد قال سبحانه {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} وقال النبي صلى الله عليه وسـلم “فإن الله لا يجمع أمتي على ضلالة”

تاسعاً: الرجل يسيء الأدب مع الله عز وجل حين يصفه بالعبث ويسيء الأدب مع النبي عليه الصلاة والسلام حين ينسب إليه الشك، ويخطِّئ العلماء الكبار الذين هم أولى بالله منه وأعلم بمراد الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسـلم منه حين يصف كلامهم بأنه كلام فارغ، وهم الذين فهموا من قوله صلى الله عليه وسـلم “نحن أولى بالشك من إبراهيم” أنه ينفي عن إبراهيم عليه السلام الشك، وأنه لو شك إبراهيم لشككنا نحن، وهذا على سبيل التواضع منه صلى الله عليه وسـلم وهضم حظ النفس؛ مثلما قال “لو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم دعيت لأجبت الداعي” وقال “ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى” وقال “لا تخيِّروا بين الأنبياء”

عاشراً: الرجل متناقض مضطرب في أمور عقدية وأخرى فقهية؛ فتارة يحكم على اليهودي والنصراني بأنه يمكن أن يكون من أهل الجنة، وتارة ينكر على المسلم الذي يعتقد أن الإسلام هو الحق المطلق، مع إنكاره جملة من أشراط الساعة كنزول المسيح بن مريم وخروج الدجال إلى غير ذلك مما شاركه فيه غيره من أهل الأهواء، وتارة ينكر حد الردة ويجحده وتارة يثبته ويردُّ على من ينفيه؛ فليس له نهج مضطرد بحيث يحاكَم إليه عند الاختلاف

وخلاصة ما هنالك أن عدنان إبراهيم ليس أهلاً لتلقي العلم عنه، وليس فوق مستوى الشبهات بل أحسن أحواله أن يقال عنه بأنه متعالم متشبِّع بما لم يُعط، وقد نَصَبَ نفسه للردِّ على الأئمة الكبار وتخطئة جهابذة علماء الأمة، ولا يأمن مستمع أقواله أن يتأثر ببعضها أو كلها إذا كانت بضاعته في العلم مزجاة؛ لأن الرجل قد أوتي فصاحة ولسانة مع جرأة غير محمودة على الخوض فيما لا يحسن، وقد قيل قديماً: الشُّبَهُ خطَّافة، ونبينا صلى الله عليه وسـلم قد أمرنا بالابتعاد عن الدجال فقال “مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ مِنْهُ؛ مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَالِ، فَلْيَنْأً مِنْهُ مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَالِ، فَلْيَنْأً مِنْهُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ يَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ، فَلَا يَزَالُ بِهِ لِمَا مَعَهُ مِنَ الشُّبَهِ حَتَّى يَتَّبِعَهُ” رواه أحمد وأبو داود من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه

هذا وإني لأسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يهدي المسلمين جميعاً ويمنَّ عليهم بتوبة نصوح، وأن يكفيهم شرَّ كل ذي شرٍّ هو آخذ بناصيته؛ إنه خير المسئولين وخير المعطين، والحمد لله رب العالمين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى