الفتاوى

أريد أن أطلب العلم الشرعي

السلام عليكم ورحمة الله شيخنا الفاضل جزاك الله خيرا. أريد أن أطلب العلم الشرعي ولا أدري من أين أبدأ، هل يجوز أن آخذه من الكتب بمفردي؟ أم يجب علي أن آخذه على يد مدرس أو عالم؟ وهل يوجد معاهد مخصصة لذلك؟

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

فإني أسأل الله تعالى أن يعلمني وإياك علماً نافعاً، وأن يرزقنا عملاً صالحاً، وأن يجعل ما نتعلمه حجة لنا لا علينا، والذي أنصحك به أخي يتمثل في عدة أمور:

أولها: إخلاص النية لله تعالى؛ فلا تطلب العلم لتماري به السفهاء أو تجادل به العلماء أو تصرف به وجوه الناس إليك، ولا تطلب العلم لدنيا تصيبها؛ بل اطلب العلم تقرباً إلى الله تعالى، وطاعة لنبيه صلى الله عليه وسلم الذي أمر بطلب العلم؛ واقتداء بالصالحين الذين ملأ الله بهم الأرض نوراً وهدى ورحمة

ثانيها: لتكن نيتك العمل بما تعلمت؛ فقد هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل، واعلم – علَّمني الله وإياك ـ أن من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم، وأن العلم بركته العمل

ثالثها: لا غنى لك عن الشيخ المرشد والأستاذ الموجِّه؛ فإن من دخل في العلم وحده خرج وحده، أي من دخل في طلب العلم بلا شيخ؛ خرج منه بلا علم، إذ العلم صنعة، وكل صنعة تحتاج إلى صانع، فلا بد إذاً لتعلمها من معلمها الحاذق، وكان الأوزاعي يقول: كان هذا العلم كريماً يتلاقاه الرجال بينهم، فلما دخل في الكتب دخل فيه غير أهله. ومن ظن أن الكتب تكفيه فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الضلال، وأساء من حيث ظنه الإحسان، فإن الله تعالى قال ((فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)) ولم يقل: ارجعوا إلى الكتب؛ وقال النبي صلى الله عليه وسلم {إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا} رواه البخاري. وقد قيل {لا تأخذ القرآن من مصحفي ولا الحديث من صُحُفي} والمصحفي هو الذي قرأ القرآن من المصحف دون استعانة بشيخ ضابط، والصُحُفي هو الذي قرأ الحديث من الصحف والأوراق دون رجوع إلى أهله، ثم إن جلوس الطالب مع العالم يختصر طريق الطلب عليه؛ فإن العالم يبيِّن له الاصطلاحات الخاصة في العلم أو الكتاب، والتي يكون الشيخ قد اكتشفها من كثرة المخالطة، أو أخذها عن شيخ تتلمذ عليه من قبل، والعلم وراثة، كما يجمع له قواعد ذلك العلم، ويدله إلى أحسن من تناول المسألة، ويحصل على الملكة العلمية. ويعلِّمه طرق البحث وآداب المناظرة، ويفيده من تجاربه ما لا يجده في كتاب مهما قرأ؛ كما أن جلوسه إلى العالم يُكسبه الأجر والثواب؛ لأنه سعى للعلم من بابه وقد قال عليه الصلاة والسلام {من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة} رواه مسلم، وهو بالجلوس إلى العالم يستفيد من سمته ودلِّه وهيئته وكلامه، ولربما عرضت له شبهة ـ أثناء الدرس ـ فسأل عنها، أو أشكل عليه نص فاستفسر منه، وهكذا فإن مجالسة العالم لا يغني عنها شيء من الوسائط الحديثة. وقد قيل: من جعل شيخه كتابَه، غلب خطؤه صوابَه. ومن عواقب الاستغناء عن سؤال العلماء: سوء التربية، والتطاول على أهل العلم، وسلاطة اللسان، وحصول الفهم السقيم، لأن الشيخ هو مفتاح العلوم الذي يجلِّي المسائل الغامضة، والتي قد يفهمها القارئ فهماً غير سليم، ومن أسوأ العواقب كذلك حصول التصحيف والتحريف كما هو مشاهد في كثير مما يكتبه الناس اليوم أو ينقلونه وقد نظم هذا المعنى غير واحد؛ ومن ذلك الأبيات السائرة لأبي حيان المفسر واللغوي الشهير:

يظن الغمر أن الكتب تهدى … … أخا فــهم لإدراك العلوم

وما يدري الجهول بأن فيها… …  غوامض حيرت عقل الفهيم

إذا رمت العلوم بغير شيخ … …  ضللت عن الصراط المستقيم

وتلتبس الأمور عليك حتى… …   تصير أضل من توما الحكيم

تصدق بالبنات على رجال … …يريد بذاك جنات النعيــم

وأنصحك – أخي – بأن تقرأ بعض الكتب التي تناولت أدب طالب العلم، ومن أجمعها وأطيبها كتاب (حلية طالب العلم) للشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى.

رابعها: عليك أن تبدأ بصغار العلم قبل كباره، وبالمختصرات قبل المطولات، وبالأهم قبل المهم؛ فاحرص – بارك الله فيك – على ما يصح به معتقدك، وتقبل به عبادتك، ويستقيم به سلوكك، ثم بعد ذلك ابحث عن الفضلة، والله الهادي إلى سواء السبيل..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى