وسم الأبقار

شاهدت بالتلفزيون في دولة ما الرعاة يوسمون الأبقار بوضع قطعة حديد على النار ووضعها على الحيوان؛ وكل راع له شكل مختلف عن الآخر، وعندنا بالسودان أيضا توسم الأغنام بقطع جزء من أذنها أو عمل فتحة بها كي يفرزها من أغنام غيره، فهل هذا حرام ويدخل في معني الآية “لآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله”؟ أم المقصود بهذه الآية الإنسان فقط.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
فتعاليم الإسلام صريحة في النهي عن تعذيب الحيوان؛ سواء كان مأكولاً أو غير مأكول؛ فنهت الشريعة عن قتل الحيوان صبراً؛ بمعنى أن يُحبَس وهو حي ويتخذ هدفاً يُرمى، ففي الحديث أن ابن عمر رضي الله عنهما مر بنفرٍ نصبوا دجاجةً يرمونها فلما رأوا ابن عمر تفرقوا عنها وقال ابن عمر: من فعل هذا؟ أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن من فعل هذا. رواه البخاري ومسلم. واللعن يدل على التحريم بل يدل على أنها كبيرة. وقال صلى الله عليه وسلم {لا تتخذوا شيئاً فيه روحٌ غرضا} رواه مسلم. قال النووي رحمه الله تعالى في شرح صحيح مسلم: أي لا تتخذوا الحيوان الحي غرضاً ترمون إليه كالغرض من الجلود ونحوها وهذا النهي للتحريم.ا.هــ وأخبرنا صلى الله عليه وسلم عن المرأة التي دخلت النار في هرة حبستها؛ فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض. قال ابن حجر رحمه الله: وظاهر هذا الحديث أن المرأة عُذِبت بسبب قتلِ هذه الهرة بالحبسِ.ا.هــــــــــ
وكذلك نهت الشريعة عن التمثيلُ بالحيوانِ:أي تشويهه، بقطعِ بعض أطرافِهِ وغير ذلك وهو حي؛ فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه بل ولعن صاحبه، قال ابن عمر رضي الله عنهما {لعن النبي صلى الله عليه وسلم من مثَّل بالحيوان} وأتى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يشُقُ آذان بعض الإبل بالموسى [الموسى: هو آلة حادة يُحلقُ بها] ويحرمها على نفسه – وهذه عبادة جاهلية – فقال له النبي صلى الله عليه وسلم {فَكُلُّ ما آتاك الله لَكَ حِلٌّ، ساعِدُ الله أشد من ساعِدِك، وموسى الله أشد من موساك} وهذا تحذيرٌ من النبي صلى الله عليه وسلم من أن يُمثل بالحيوان و عليه من كان عنده حيوان بريٌ أو بحريٌ،صغيرٌ أم كبيرٌ (كالحوت) فلا يجوز له قطعُ أطرافِهِ وتشويهِهِ لأن في ذلك من التعذيب ما لا يخفى.
وكذلك الخِصاءُ أي إخصاء الحيوان برض خصيته أو قطع ذكره أو بإعطائه من الأدوية ما يجعله خصياً لا يمكنه التناسل. قال ابن عمر: {نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خِصاءِ الخيل والبهائم} وسبب ذلك لما يفوت عليه من مصلحة التناسل، إتلافُ فطرةٍ وضعها الله فيه، و ما يحصلُ للحيوانِ من ألمٍ حين خِصائِهِ -إن كان بغير دواء-.ولعدم مصلحة في ذلك إلا قولهم إنه بذلك يسمنُ ويكبرُ ويطيبُ لحمُهُ. ولكن إن انتفت هذه المفاسد فوجدت طريقة لا يتألم معها الحيوان-الدواء-ووُجدت المصلحة والحاجة لهذا الفعل جاز.
ويحرم كذلك وسمُ الوجهِ أو ضربهِ: والوسمُ أصله من السمةِ وهي العلامة، والمراد هنا جعلُ علامةٍ في الوجه بالكي أو الجرح وما أشبه ذلك. وقد مر النبي صلى الله عليه وسلم على حمار قد وُسِم في وجهه فقال {لعن الله الذي وسمه} رواه مسلم
وفي رواية {لعن الله من فعل هذا، لا يسمَنّ أحدٌ الوجه ولا يضربنه} فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه لمنع تعذيبه وتشويهِ وجهِهِ ولكن إن كانت هناك مصلحة تستدعي الوسم للتمييز بين الدواب فيجوز ولكن في غير الوجه.
ودليل ذلك قول أنس رضي الله عنه {غدوتُ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم …فوافيتُهُ في يده الميسم يسِمُ إبل الصدقة} البخاري ومسلم. قال ابن حجر رحمه الله: الحكمة فيه تميزها وليردها من أخذها ومن التقطها وليعرفها صاحِبُها فلا يشتريها إذا تصدق بها مثلاً لئلا يعود في صدقته. وذهب إلى هذا جمهور العلماء والعلة كما قلنا: جواز إيلام الحيوان للحاجة والمصلحة الراجحة. قال النووي رحمه الله: إذا وسم فيُستحبُ أن يسِم الغنم في آذانها والإبل والبقر في أصول أفخاذها لأنه موضعٌ صلب فيقِل الألم فيه، ويُخِفّ شعره ويُظهر الوسم”
ويحرم كذلك لعنُ الحيوانِ والدعاءُ عليه، فالدعاء عليه طلبٌ للضُرِ له وقد يستجيب الله هذا الدعاء فيتأذى الحيوان بذلك، وهذا منهي عنه لِما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان “في بعض أسفاره وامرأةٌ من الأنصار على ناقةٍ، فتضجرت فلعنتها، فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال {خُذوا ما عليها ودعوها فإنها ملعونة} رواه مسلم. وفي رواية {لا أيمُ الله لا تصاحبُنا راحلةٌ عليها لعنة من الله} رواه مسلم. قال النووي رحمه الله: إنما قال هذا زجراً لها ولغيرها فعوقبت بإرسال الناقة. ومما يدل على أن الحيوان قد يتأذى بالدعاء عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم {لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم} قاله – صلى الله عليه وسلم – لرجل لعن دابته.
ويحرم كذلك التحريشُ بين البهائمِ: وهو أن يُجعل حيوانين في حلبةٍ ليتقاتلا كالكلاب والديكة، فهذا محرم لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تعذيب الدابة وقتلها بلا سبب وهنا ستُعذِبُ إحدى الدابتين الأخرى وتقتلها في النهاية غالباً، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن إتعاب الحيوان وهنا سوف يتعب بلا فائدة بل لمجرد اللهو والعبث وفيه أيضاً إضاعة للمال – أي البهيمة- المقتولة، وما يصحبُ ذلك من مراهنات وضياع للأموال. ومثلها ما يسمى اليوم (مصارعة الثيران) وفيه يدخل ثورٌ قويٌ ورجلٌ فاسقٌ في حلبةٍ كبيرةٍ ومع هذا الرجل رماحٌ وسكاكين، ويقوم هذا الرجل على استثارة هذا الثور بالركض والمراوغة وتحريك ثوب أحمر وبينما الثور ُيهاجِمه يقوم الفاسقُ بطعنِِه وهكذا حتى ينهك هذا الثور ويتصببُ دماً فيُعطيه هذا الظالم الضربة القاضية بسكين في رأسه فيسقط




