أمي تسألني عن كل شيء
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أنا شاب عمري 18 سنة ومازالت أمي تظن أنني ذلك الشاب الصغير، فلا تترك لي وقتاً للحديث تهتم بكل ما يقع معي (من اتصل بك مع من كنت و.و.و. )، حتى إذا كانت العائلة مجتمعة ووجه أحدهم السؤال لي تقوم هي بالإجابة عنه، ولهذا انعكاس في دراستي إذ أنه لا أجد الجرأة لكي أسأل أستاذي والكثير، دائماً ما أحاول أن أقنعها أنه لي 18 سنة وبعد سنة أو سنتين إن شاء الله سأقوم بأخذ مقابلات من أجل العمل فتقول نعم، لكن رغم ذلك تبقى نفس المشكلة، فما الحل من فضلكم؟ وآسف إذا أطلت وبارك الله فيكم..
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.
فيا أخي: سل الله أن يرزقك بر أمك في الحياة وبعد الممات، وأن يجعل ذلك بابك إلى الجنة، واعلم – علمني الله وإياك – أن هذه مشكلة أصيلة في التربية عندنا – معشر المسلمين – إلا من رحم الله؛ حيث ينشأ الولد على أنه ما زال صغيراً، وتحمل الشفقة الوالدين على أن يشعرا بأنهما يتحملان عن ولدهما كل شيء؛ لذلك لا يسمحان له بالحديث أمام الكبار، ولا أن يستقل بأخذ قرار، ولا أن يجيب عن سؤال؛ حتى لو ذهب بك أبوك أو أمك إلى الطبيب؛ فسألك عما شكواك فإن الوالدة أو الوالد يتطوع أحدهما بالجواب عنك؛ وكأنك أصم أو أبكم أو لا تحسن الجواب!!! هذه هي معاناتنا، ولو نظرت في السنة تجد النبي صلى الله عليه وسلم يشرب شراباً، وعن يمينه غلام وعن يساره أبو بكر فيقول عليه الصلاة والسلام للغلام: أتأذن لي أن أسقي الشيخ؟ فيقول الغلام: لا أوثر بفضلتك أحداً يا رسول الله!! يقول الراوي “فتله في يد الغلام” انظر إلى إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الغلام على شجاعته الأدبية وحرصه على الخير، وكذلك لما بات ابن عباس عند خالته ميمونة وحرص على الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل، وهكذا لما سأل عليه الصلاة والسلام عن شجرة تشبه المؤمن؟ وأخبر عبد الله بن عمر أباه بأنه وقع في نفسه أنها النخلة؛ يقول له عمر: يا بني لو أجبت لكان ذلك أحب إلي من حمر النعم، وكذلك لما سأل عمر الصحابة عن تأويل آية في سورة البقرة {أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار} ثم رأى ابن عباس يهمس قال له: قل يا ابن أخي ولا تحقرن نفسك!!! هكذا كانت تربية الصحابة، ولذلك كانوا خير جيل، أما نحن فقد ربينا على أن نتهيب الكلام ونكثر من السكوت، فلا غرو أن يخرج أحدنا فأفاءً أو تمتاماً أو عييا أو هياباً من لقاء الناس؛ لكن عليك – أخي – أن تستحضر أموراً في علاج معضلتك هذه:
أولها: أن ذلك يحصل من الوالدين بحسن نية منهما، وحسن النية شفيع في رفع الإثم إن شاء الله
ثانيها: أن تحاول تنبيه الوالدة عن طريق وسيط، وحبذا لو كان مربياً أو مربية؛ حتى يحسن بيان خطورة هذا الفعل منها على مستقبل أيامك
ثالثها: أن تحاول انتزاع حقك بنفسك؛ وذلك بأن تبادر بالجواب حين تسأل وبالرد حين تكلم؛ دون أن تنظر إلى الوالدة أو تنتظر إذناً منها
رابعها: لا تضجر من كثرة سؤالها عمن اتصل بك أو التقاك؛ وحاول أن تجيبها باختصار
خامسها: كن على ثقة أن الوالدة لو أنست منك استقامة على أمر الله وبعداً عن الشبهات؛ فسرعان ما تزول مخاوفها إن شاء الله وتتأكد من أنك صرت رجلاً لا يخشى عليك، والله المستعان.




