خطبة عيد الأضحى 1446 هـ

الله أكبر الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر الله أكبر، الله كبيراً والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين (سورة الفاتحة: 2-3). الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون (سورة الأنعام: 1). الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض، وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير (سورة سبأ: 1).
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. الله أكبر الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر الله أكبر، الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً.
أما بعد أيها المسلمون عباد الله، فإنكم في يوم من أيام الله، أنتم في يوم الأكبر، اليوم الذي عظم الله شأنه وأعلى قدره وخلّد ذكره. هذا اليوم المبارك الذي يرمي فيه الحجاج جمرة العقبة بسبع حصيات، ثم ينحرون هداياهم إلى الله، ثم يحلقون رؤوسهم فصلًا بين عهد وعهد، ثم يطوفون بالبيت طواف الإفاضة، ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم، وليطوفوا بالبيت العتيق (سورة الحج: 28).
هذا اليوم المبارك أيها المسلمون عباد الله، يوم التهليل والتكبير، يوم الذكر والشكر، يوم الأكل والشرب، اليوم الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج فيه إلى المصلى، فيصلي بالناس صلاة العيد، ثم يؤتى بكبشين أملحين أقرنين سمينين، يضع رجله على صفاحهما، فيذبح الأول قائلاً: اللهم هذا عن محمد وآل محمد، ثم يذبح الآخر قائلاً: اللهم هذا عمن لم يضحِ من أمة محمد ممن شهد لك بالوحدانية وشهد لي بالبلاء. فجزاه الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته، ورسولاً عمن أرسل إليهم.
اللهم آته الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، واقر عينه في أهل بيته وفي أمته، اللهم اجمع بيننا وبينه كما آمنا به ولم نره، ولا تفرق بيننا وبينه حتى تدخلنا مدخله، اللهم أحينا على سنته وتوفنا على ملته، واحشرنا تحت لوائه واوردنا حوضه واسقنا بيده الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبداً. الله أكبر الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر الله أكبر والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً.
أيها المسلمون عباد الله، في هذا اليوم العظيم نتذكر الخليل إبراهيم، على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، هذا العبد الصالح والإمام العادل والنبي المبارك الذي أثنى عليه ربنا جل جلاله في القرآن بأنه كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين، شاكراً لأنعمه، اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم، إن إبراهيم لحليم أواه منيب (سورة النحل: 120-121، هود: 75). هذا النبي المبارك الذي جعله الله للناس إماماً. هذا النبي المبارك صلوات وسلامة عليه الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم شيخ الأنبياء، لما دخل عليه الصلاة والسلام مكة عام الفتح فوجد المشركين قد صوروا الخليل إبراهيم وهو يستقسم بالأزلام، قال عليه الصلاة والسلام: قاتل الله المشركين، والله ما كان شيخنا يستقسم بالأزلام، فجعل إبراهيم عليه السلام شيخاً للأنبياء، لأن كل نبي جاء بعده إنما هو من ذريته كما قال ربنا سبحانه: وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب (سورة العنكبوت: 27).
أيها المسلمون عباد الله، هذا النبي المبارك نتذكره في هذا اليوم، لأن حياته كلها كانت تضحية لله عز وجل، ضحى بالوطن، خرج مهاجراً من أرض العراق التي كان أهلها عباداً للكواكب، خرج إلى أرض الشام، وقال: إني ذاهب إلى ربي سيهدين (سورة الصافات: 99)، ومن الشام خرج مهاجراً إلى مصر، ثم إلى مكة زادها الله شرفاً، ثم رجع إلى فلسطين في أرض الشام، حياته كلها هجرة من مكان إلى مكان يتبع مراد الله حيث كان.
ثم إنه ضحى بأبيه وقومه، ضحى بالأهل والعشيرة من أجل الله عز وجل، قال لأبيه وقومه: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ قالوا: وجدنا آباءنا لها عابدين، قال: لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين (سورة الأنبياء: 52-54). وما زال حتى حكموا عليه بأن يلقى في النار، لكنه نجاه الله عز وجل من بينهم، وخرج بعدما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله. ضحى صلوات ربي وسلامة عليه من أجل الله عز وجل بولده إسماعيل عليه السلام، لما قال له: يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى، قال: يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين (سورة الصافات: 102). ثم بعد ذلك ذهب بولده وأم ولده، أسكنهما بواد غير ذي زرع عند بيت الله المحرم (سورة إبراهيم: 37)، هناك في مكة حيث أرض لا زرع فيها ولا ماء ولا بشر ولا شيء يستأنس به، لكنه فعل ذلك إنفاذاً لأمر الله عز وجل، بذل ما له للضيفان، وولده قرباناً، وبدنه للنيران، فاستحق أن يكون للناس إماماً.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد. أيها المسلمون عباد الله، هذه الأمة المرحومة، أمة محمد صلى الله عليه وسلم، هي أولى الأمم بإبراهيم، لأن إبراهيم عليه السلام ما كان يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين، إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا (سورة آل عمران: 67-68). أولى الناس بإبراهيم محمد صلى الله عليه وسلم وأمته الذين هم على دينه على الحنيفية السمحة، هؤلاء هم أولى الناس به.
إذا كانت أمة صلى الله عليه وسلم هي أولى الناس بإبراهيم، فإن أولى هذه الأمة بإبراهيم في زماننا هم أهل غزة، نسأل الله عز وجل لهم صبراً جميلاً وفرجاً قريباً. أهل غزة هؤلاء تشبهوا بالخليل عليه السلام، إذا كان الخليل عليه السلام قد بذل بدنه للنيران، فأهل غزة منذ ما يزيد على ستمائة يوم ترمى عليهم الحمم، ويقذفون بالنيران براً وبحراً وجواً، وتدك بلدهم دكاً دكاً، وتحصد أرواحهم حصداً من قبل أشد الناس عداوة للذين آمنوا. إذا كان إبراهيم عليه السلام قد ضحى بولده من أجل الله عز وجل، فإن أهل غزة يضحون بأولادهم وآبائهم وأمهاتهم وإخوانهم وعشائرهم من أجل الله عز وجل دفاعاً عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذا كان الخليل عليه السلام قد وقف في وجه طواغيت زمانه من أمثال النمرود الذي قال: أنا أحيي وأميت، فإن أهل غزة يقفون في وجه طواغيت الأرض من اليهود والصليبيين والملاحدة ممن يريدون أن تكون كلمة الكفر هي العليا وكلمة الله هي السفلى، معاذ الله. إذا كان إبراهيم عليه السلام قد هجر الوطن والأهل من أجل الله عز وجل، فإن أهل غزة ما زالوا يتنقلون من حي إلى حي ومن فج إلى فج ومن مكان إلى مكان، وهم يأبون أن يبرحوا أرضهم لئلا يشمتوا أعداء الله عز وجل فيهم.
أيها المسلمون عباد الله، ما أجمل أن نتذكر هذه المعاني في هذا اليوم المبارك، يوم الأضحى، يوم الحج الأكبر، الذي سنّ لنا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتقرب إلى الله عز وجل بذبح الأضاحي رجاء ما عنده من أجر وثواب، نذبح هذه الأضاحي اقتداءً بالخليل عليه السلام وإحياءً لسنته، واقتداءً بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإحياءً لسنته، نرجو ما عند الله من أجر وثواب، نستجيب لربنا جل جلاله حين قال: ويذكر اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير (سورة الحج: 28). نستجيب لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: كلوا وتصدقوا وادّخروا.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً. ألا فاعلموا أيها المسلمون عباد الله، أن هذا اليوم المبارك والأيام الثلاثة التي تليه أيام أكل وشرب وذكر كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سنّ لنا صلوات ربي وسلامة عليه أن نكثر من التكبير والتهليل في هذه الأيام كما قال ربنا: واذكروا الله في أيام معدودات (سورة البقرة: 203). هذه هي الأيام المعدودات، يوم النحر والأيام الثلاثة التي تليه، والأيام الثلاثة التي تليه يسنّ الجهر بالتكبير عقب كل صلاة، هذا هو التكبير المقيد، وأما التكبير المطلق فإنه يكون في كل وقت، نجهر بهذا التكبير في بيوتنا، في أسواقنا، في طرقاتنا، في شوارعنا، في مساجدنا، في كل مكان، نعلنها: الله أكبر، فلا شيء أكبر من الله، الله أكبر من كل كبير، الله أعظم من كل عظيم.
الله جل جلاله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه. الله الكبير هو الذي يقول للشيء كن فيكون، الله الكبير ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، الله الكبير هو الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب، الله الكبير هو الذي يحيي ويميت، هو الذي يخفض ويرفع، هو الذي يعطي ويمنع، هو الذي يذل ويعز، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
أيها المسلمون عباد الله، اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرة وأصيلاً، وصلوا وسلموا على نبيكم صلى الله عليه وسلم، فإن الله جل جلاله قد أمركم بذلك، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (سورة الأحزاب: 56). واعلموا إخوتي أن هذا المشهد موطن من مواطن إجابة الدعاء. اللهم إنا عبيدك بنو عبيدك بنو إمائك، نواصينا بيدك، ماض فينا حكمك، عدل فينا قضاؤك، نسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك، ونسألك باسمك الأعظم الذي إذا سُئلت به أعطيت وإذا دُعيت به أجبت، أن تملأ قلوبنا الإيمان وأجسادنا من الصحة وجوارحنا من الطاعة وأيدينا من الخير، وأن تغنينا بحلالك عن حرامك وبطاعتك عن معصيتك وبفضلك عمن سواك. يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، يا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك، يا ولي الإسلام وأهله ثبتنا به حتى نلقاك.
اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام، واكفنا بركنك الذي لا يضام، وارحمنا بقدرتك علينا فلا نهلك، أنت رجاؤنا. فكم من نعمة أنعمت بها علينا قل لك بها شكرنا، وكم من بلية ابتليتنا بها قل لك بها صبرنا، فيا من قل عند نعمته شكرنا فلم يحرمنا، ويا من قل صبرنا فلم يخذلنا، ويا من رآنا على الخطايا فلم يفضحنا، يا ذا المعروف الذي لا ينقضي أبداً، ويا ذا النعماء التي لا تُحصى عدداً، نسألك أن تصلي على محمد وعلى آل محمد وبك ندرأ في نحور الأعداء والجبارين. اللهم أعنا على ديننا بالدنيا وعلى آخرتنا بالتقوى، واحفظنا فيما غبنا عنه، ولا تكلنا إلى أنفسنا فيما حضرنا، يا من لا تضره ولا ينقصه العفو، هب لنا ما لا ينقصك واغفر لنا ما لا يضرك، إنك أنت الوهاب.
نسألك اللهم صبراً جميلاً وفرجاً قريباً وعافية من البلايا وغِنى عن الناس، اللهم اجعلنا لك ذكارين شكارين لك مطواعين لك مخبتين إليك أواهين منيبين، اللهم تقبل توبتنا واغسل حوبتنا وأجب دعوتنا، وثبت حجتنا وسدد ألسنتنا واهد قلوبنا، واسلل سخيم صدورنا، واجعل لنا من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً ومن كل بلاء عافية. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، نسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين، اللهم إذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين.
اللهم يا سميع الدعاء يا قريب الرجاء يا من يقول للشيء كن فيكون، يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين، نسألك لإخواننا في غزة فرجاً قريباً، اللهم أحسن خلاصهم، اللهم فك أسرهم، اللهم أطعمهم من جوع، اللهم آمنهم من خوف، اللهم احفظهم بما تحفظ به عبادك الصالحين، اللهم اجعل نيراناً عليهم برداً وسلاماً، اللهم احفظهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ومن فوقهم، ونعيذهم بعظمتك أن يغتالوا من تحتهم. اللهم أمن خائفهم، اللهم أطعم جائعهم، اللهم اكس عاريهم، اللهم داوي جريحهم، اللهم اشف مريضهم، اللهم تقبل شهيدهم، اللهم اربط على قلوبهم، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم انصرهم على القوم الكافرين، اجمع كلمتهم، اللهم سدد رميتهم، اللهم كن لهم ولا تكن عليهم، وانصرهم على من بغى عليهم، اللهم من مكر بهم فامكر به، ومن كادهم فكده، ومن أرادهم بسوء فاجعل كيده في نحر واشغله بنفسه يا رب العالمين.
اللهم إنا نسألك أن تطفئ نار الحرب في السودان، اللهم إنا نسألك أن تطفئ نار الحرب في السودان، اللهم إنا نسألك أن تطفئ نار الحرب في السودان، اللهم إنك بكل شيء وعلى كل شيء قدير، وأنت تعلم يا علام الغيوب أن قوماً قد آتاهم الله أموالاً قد سلطوها على إذية أهلنا في السودان بالطائرات المسيرة وبالأسلحة الفتاكة دعم المتمردين، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، آمين، اللهم سلط عليهم سيف انتقامك، آمين، اللهم ابدل أمنهم خوفاً وغناهم فقراً، وسلط عليهم من لا يرحمهم، وكف أذاهم عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك أن تنصر إخواننا المجاهدين في السودان وأن تثبت أقدامهم يا رب العالمين.
ونسألك أن تبرم لإخواننا في الشام أمر رشد، يعز فيه وليك، ويذل فيه عدوك، ويؤمر فيه بالمعروف، آمين، وينهى فيه عن المنكر، آمين، ونسألك أن تخلّص بلاد المسلمين من كل جبار عنيد، اللهم خلّصنا من كل جبار عنيد، ومن كل طاغية مريد، وولّ علينا خيارنا، وانزع الولاية من شرارنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا أرحم الراحمين.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين. كل عام وأنتم بخير، والسلام عليكم ورحمة الله.




