خطب الجمعة

العدل

خطبة الجمعة 20-06-2025

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه وخليله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، جاهد في سبيل ربه حق الجهاد، ولم يترك شيئًا مما أمر به إلا بلغه، فتح الله به أعينًا عميًا وآذانًا صمًا وقلوبًا غلفًا، وهدى الناس من الضلالة، ونجاهم من الجهالة وبصرهم من العمى وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وهداهم بإذن ربه إلى صراط مستقيم، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن اقتفى أثره واهتدى بهداه.
أما بعد، فإن أصدق الحديث كلام الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ﴿وَإِنَّمَا تُوَعَّدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام: 134].
أما بعد، أيها المسلمون عباد الله، فإن ربنا جل جلاله قد أقام هذا الكون على أساس من العدل، عدل في كل شيء، كما قال جل من قائل: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: 7-9]. وبين جل جلاله أن الغاية من إرسال الرسل هي إقامة هذا العدل، فقال جل من قائل: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]. من أجل إقامة القسط، الله جل جلاله أرسل الرسل وأنزل الكتب، ولذلك جاء على لسان الرسل صلوات ربي وسلام عليه الأمر بالعدل، فهذا نبي الله شعيب عليه السلام يقول لقومه: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: 181-183]. ومن الوحي الذي نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قول ربنا جل جلاله: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ [الأنعام: 152]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا﴾ [النساء: 135].
أيها المسلمون عباد الله، سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ما ترك خيرًا إلا دلنا عليه ولا شرًا إلا حذرنا منه، أمرنا بالعدل وأخبر صلوات ربي وسلام عليه عما أن من اتصفوا بهذه الصفة، أخبرنا صلوات ربي وسلام عليه أن أحب الخلق إلى الله تعالى إمام عادل، وأن العادل لا تُرد دعوته، وأخبرنا عليه الصلاة والسلام أن العدل في الوصية سبب لدخول الجنة، قال عليه الصلاة والسلام والحديث صحيح: إن العبد ليعمل بعمل أهل الخير سبع سنين ثم يجور في وصيته فيختم له بشر عمله فيدخله النار، وإن العبد ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير فيدخل الجنة. العدل في الوصية سبب لدخول الجنة، أخبرنا عليه الصلاة والسلام أن المقسطين على منابر من نور يوم القيامة على يمين عرش الرحمن، الذين يعدلون في حكمهم وفي أهلهم وفيما ولوا، الإنسان إذا حكم يعدل، إذا ولاه الله عز وجل على جماعة من الناس يعدل، بل يعدل بين أزواجه، يعدل بين أولاده.
بن سعد رضي الله عنه صحابي جليل من الأنصار، نحل ولده نحلة أعطاه عطية، أم ذلك الولد وهي عمرة بنت رواحة أخت عبدالله بن رواحة رضوان الله، قالت لزوجها بشير: لا أرضى حتى يشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أرضى عن هذه العطية لولده حتى يكون الشاهد عليها رسول الله عليه الصلاة والسلام، فجاء بشير رضي الله عنه إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا رسول الله، إني نحلت ولدي نحلة فأبت أمه إلا أن أشهدك، فسأله عليه الصلاة والسلام سؤالًا: أكل ولدك أعطيتهم مثلما أعطيتها النعمان؟ هل أعطيت جميع أولادك؟ قال: لا يا رسول الله، قال: فأشهد على هذا غيري فإني لا أشهد على جور، سماه النبي عليه الصلاة والسلام جورًا، ثم قال له: اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم. العدل بين الزوجات، قال عليه الصلاة والسلام: من كان له زوجتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل.
العدل مطلوب سواء كنت في حال فرحك أو في حال غضبك، في حال صحتك، في حال سقمك، كيفما تكون العدل مبدأ من مبادئ الحياة عندنا معشر أهل الإسلام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاث منجيات وثلاث مهلكات وثلاث كفارات وثلاث درجات، فأما الكفارات: الوضوء في السبرات، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلوات بعد الصلوات، وأما الدرجات: إفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام، وأما المهلكات: فشح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه. نبينا عليه الصلاة والسلام يخبرنا أن ثلاثة يكفر الله بها الذنوب: إسباغ الوضوء في السبرات، والسبرات جمع سبرة وهي شدة البرد، كسجدة جمعها سجدات، سبرة جمعها سبرات، إسباغ الوضوء في السبرات ونقل الأقدام إلى الجماعات، ينقل الإنسان خطاه ليؤدي الصلاة مع جماعة المسلمين، وانتظار الصلوات بعد الصلوات، هذه التي يكفر الله بها الذنوب، أما الثلاث الذي يرفع الله بها الدرجات: فإنشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام، وأما الثلاث المهلكات فما هي يا رسول الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: شح مطاع ودنيا مؤثرة وإعجاب المرء بنفسه، أن يكون الإنسان شحيحًا ويطيع نفسه في ذلك، ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9]، شح مطاع وهوى متبع، إنسان ينظر فيما تهواه نفسه فيتبعها، ثم بعد ذلك إعجاب المرء بنفسه، أن يكون معجبًا بنفسه عياذًا بالله من ذلك، لكن ما هي الثلاث المنجيات يا رسول الله؟ صلوات الله وسلام عليه، قال عليه الصلاة والسلام: العدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، والإنصاف من نفسك، العدل في الغضب والرضا، كيفما كنت، كنت راضيًا عني، غاضبًا علي، قريبًا مني، بعيدًا عني، مطلوب منا أن نعدل مع بعضنا، ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]، هكذا يأمرنا ربنا جل جلاله، عدل مع القريب والبعيد، مع العدو والصديق.
سيدنا عمر رضي الله عنه، لما جاءه رجل يريد أن يأخذ عطاءه، عمر نظر في وجهه، علم أنه قاتل أخيه زيد بن الخطاب، هذا الرجل كان مرتدًا في حروب الردة، قتل زيد بن الخطاب أخا عمر رضوان الله عليهما، فعمر رضي الله عنه قال له: والله إني لا أحبك، أنت قاتل أخي لا أحبك، فقال له الرجل: هل تمنعني حقي؟ قال: لا، قال له: لا حاجة لي في حبك، إنما يأسى على الحب النساء، هذا الرجل يواجه عمر رضي الله عنه وهو أمير المؤمنين بمثل هذا الكلام، ومع ذلك عمر لم يمنعه حقه.
يا أيها المسلمون يا عباد الله، إن الصحابة الكرام عليهم من الله الرضوان، تعلموا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن العدل هو شعار الإسلام ودثاره، لحمته وسداه، مبدأه ومنتهاه، وإن من أسماء ربنا جل جلاله العدل، هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، الملك القدوس السلام، المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، الخالق البارئ المصور، الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل، السميع البصير الحكم العدل، اللطيف الخبير، الله جل جلاله من أسمائه العدل، أقواله عدل، أحكامه عدل، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: 115].
ولذلك لما ذهب الصحابة رضوان الله عليهم لغزو بلاد فارس، وبعث رستم جيش الفرس إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يطلب المفاوضة، وما طلب المفاوضة رغبة في السلام، وإنما لأنه رأى في منامه رؤيا، أولها له المؤولون: العرب سيغلبون وإن ملك الفرس سيزول، فأراد رستم أن يؤجل المعركة، طالما أن يفاوض، فسعد رضي الله عنه ما دقق في الاختيار، لأن المسلمين أمة واحدة، تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم، أرسل إليه ربعي بن عامر رضي الله عنه، ربعي بن عامر رجل من عامة العرب، ثيابه مرقوعة، نعله مخصوصة، لا يظهر شيء من أثر الرفاهية ولا الثراء، دخل على هذا القائد الفارسي وهو فيما هو فيه من الرياش والنعيم، فسأله ذلك الفارسي: ما الذي جاء بكم؟ فلخص له الأمر، قال: إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء، من شاء الله لا من شئنا نحن، إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، هذه هي رسالتنا التي من أجلها جئنا، قال له: فمن قبل كان أخًا لنا، له ما لنا وعليه ما علينا، ومن أبى انتظر موعود الله فيه، قال له: وما موعود الله؟ قال: الظفر لمن بقي والشهادة لمن قتل، نحن أحد رجلين: إما ظافر منتصر حي يرزق، وإما شهيد حي يرزق عند ربه جل جلاله.
هكذا لخص رسالة الإسلام، لماذا؟ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كان يبايع الصحابة رضوان الله عليهم، على أي شيء كان يبايعهم؟ يبايعهم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم، كما قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه، هذه هي عناصر البيعة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع عليها أصحابه رضوان الله عليهم.
يا أيها المسلمون يا عباد الله، واجب علينا أن نفقه هذا المعنى من ديننا، أن الله عز وجل عدل لا يظلم، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49]، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: 44]، ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: 31]، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أعدل من خلق الله، ما عرفت الدنيا أحدًا ولا أقسط ولا أقوم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك لما قال له بعض الناس: إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، قال: من يعدل إن لم أعدل أنا؟ خبت فصرت إن لم أعدل، عليه الصلاة والسلام، حتى بلغ من حبه للعدل عليه الصلاة والسلام أنه نهانا عن الجلوس بين الشمس والظل، لا تجلس في مكان يكون جزء من جسدك في الشمس وجزء في الظل، نهانا أن يسير أحدنا في نعل واحدة، إما أن تنتعل في رجليك أو تسير حافيًا، نهانا عن القزع أن يحلق أحدنا بعض رأسه ويترك بعضه، كل هذا من حبه للعدل، يريد لك أن تكون عادلًا حتى مع جسدك، إما أن تجلس بجسدك كله في الشمس أو تجلس في الظل، إما أن تنتعل في رجليك كلتيهما أو تمشي حافية لا تميز إحداهما على الأخرى، حتى مع رأسك لابد أن تكون عادلًا، رسول الله صلى الله عليه وسلم أعدل الناس.
ثم جاء من بعده خلفاؤه رضوان الله عليهم فكانوا أهل العدل، سيدنا أبو بكر رضي الله عنه، لما حمل رأس من رؤوس أهل الكفر، المسلمون في بعض غزواتهم قتلوا قائدًا من قادة الكفار، ثم بعثوا برأسه إلى أبي بكر، فغضب رضي الله عنه، قال: استنان سنة الروم والفرس؟ لا يحمل إلي رأس بعد اليوم أبدًا، فقيل له: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنهم يصنعون ذلك، قال: لكننا لا نصنعه، نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المثلة، لما أسر سهيل بن عمرو العامري يوم بدر، وكان رجلًا خطيبًا مصقعًا فصيح اللسان، يحرض أهل الشرك على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقع في يد المسلمين، قال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله، دعني أنزع ثنيتيه فيندلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبًا بعد اليوم أبدًا، قال له عليه الصلاة والسلام: لا يا عمر، لا أمثل به فيمثل الله بي وإن كنت نبيًا، هذا هو هدي الإسلام، عدل مع الموافق والمخالف، مع القريب والبعيد، مع الصديق والعدو، مع الجميع، مع خلق الله جميعًا عدل تام، أسأل الله عز وجل أن يجعلنا قوامين بالقسط، شهداء لله، وأن يجري الحق على ألسنتنا، وأن يجعلنا ممن يقولون بالحق وبه يعدلون، توبوا إلى الله واستغفروه.
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأنصاره، يا إخواني، أما بعد، أيها المسلمون، فاتقوا الله حق تقاته، وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون، واعلموا إخوتي في الله أن من عدل ربنا جل جلاله أنه يمهل ولا يهمل، أنه جل جلاله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: 102]، ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: 103].
كم من جبار علا في الأرض وأظهر فيها الفساد ثم أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، أبو جهل عدو الله كان يعذب سمية بنت خياط رضي الله عنها، ويعذب زوجها ياسرًا رضي الله عنه وولدهما عمارًا رضي الله عنه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يملك لهم شيئًا سوى الدعاء، يمر فيقول: صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة، لما كان يوم بدر يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، قتل عدو الله أبو جهل، أثخنته جراحه على يد معاذ ومعوذ ابني عفراء، ثم احتز رأسه عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمار: قتل الله قاتل أمك يا عمار، قتل الله قاتل أمك يا عمار، وهكذا بلال بن رباح رضي الله عنه كان يعذب في رمضاء مكة على يد سيده أمية بن خلف الجمحي، يلهب ظهره بالسياط، ويضع على صدره الصخرة العظيمة في شدة الحر ويمنع عنه الماء، فما يزيد بلال على أن يقول: أحد أحد، فكان الكافر يقول له: ويلك أما تمل؟ فكان بلال يقول له: والله يا عدو الله لو أعلم كلمة لك أشد منها لقلتها، ما يعطي الدنية في دينه، لما كان يوم بدر، بلال رضي الله عنه رأى أمية بن خلف وقد أخذه عبدالرحمن بن عوف أسيرًا، قال: أمية بن خلف عدو الله ورسوله، لا نجوت إن نجا، ثم قام عليه ومعه جماعة من الصحابة حتى كان كأمس الدابر، قال له أبو بكر: هنيئًا زادك الرحمن خيرًا، فقد أدركت ثأرك يا بلال، فلا نكصًا وجدت ولا جبانًا، غداة تنوشك الأسد الطوال، إذا هاب الرجال ثبت حتى تخوض أنت ما هاب الرجال.
هكذا أيها المسلمون سنة الله عز وجل، خلال ست مئة يوم أو تزيد نشاهد ما يحدث من قذفهم بالحمم والنيران، وتدمير مساجدهم ومستشفياتهم ومساكنهم ومزارعهم ومدارسهم، ما تركوا شيئًا تقوم به الحياة، ثم بعد ذلك جوعوهم وحاصروهم، بل بلغ بهم الطغيان أن يحرقوا الخيام على من فيها، يوقد النيران على من فيها، وهذا كله ينقل إلينا وصورة، والعالم الظالم الذي يتحكم فيه والصليبيون صامتون صمت القبور كأن الأمر لا يعنيهم، ولذلك لا يلام المسلمون اليوم إذا وجدوا هؤلاء يهرعون إلى الملاجئ ويفرون هاربين ويخرجون من تلك الديار التي احتلوها ظالمين، لا يبالي المسلم لو قصفت مستشفياتهم، لو روع أمنهم، لو نزل العذاب، لو صبت عليهم الحمم والنيران، بل نقول: اللهم زد وبارك، فهذا جزاء الله عز وجل لمن بغى وطغى، كيف ما نزل هذا العذاب وعلى يد من؟ نزل بهم الأمر لا يعنينا، جل جلاله يسلط من شاء على من شاء ينتقم لعباده، قال جل من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج: 38].
ولذلك في صلاة الجمعة ندعو عز وجل نقول: اللهم زدهم رعبًا، اللهم زدهم خوفًا، اللهم زدهم نكالًا، اللهم صب عليهم سوط عذاب، اللهم روع أمنهم، اللهم ابدلهم بعد الخوف أمنًا، آمين، وبعد الغنى وبعد العز ذلًا، اللهم انتقم لعبادك المؤمنين، اللهم أرنا في هؤلاء المجرمين عجائب قدرتك، اللهم كما جوعوا إخواننا أذقهم لباس الجوع والخوف، اللهم كما جوعوا إخواننا أذقهم لباس الجوع والخوف، اللهم كما جوعوا إخواننا أذقهم لباس الجوع والخوف، اللهم إنا نسألك أن تسلط عليهم من لا يرحمهم، اللهم سلط عليهم من لا يرحمهم، اللهم سلط عليهم من لا يرحمهم، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم أنزل بهم رجزك وعذابك إله الحق، وأرنا فيهم عجائب قدرتك يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وانصر إخواننا في كل مكان، ثبت أقدامهم، قوِّ شوكتهم، اجمع كلمتهم، سدد رميتهم، كن لهم ولا تكن عليهم، وانصرهم على من بغى عليهم يا رب العالمين، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، واقم الصلاة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى