
وهدى الناس من الضلالة، ونجاهم من الجهالة، وبصرهم من العمى، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وهداهم بإذن ربه إلى صراط مستقيم. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن اقتفى أثره واهتدى بهداه.
أما بعد، فإن أصدق الحديث كلام الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، {وَإِنَّمَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} [الأنعام: 134].
أما بعد أيها المسلمون عباد الله، فقد دخل علينا عام جديد، أسأل الله عز وجل يجعله عاما فيه يغاث الناس وفيه ينتصرون. وفاتحة هذا العام شهر الله المحرم، الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحب الصلاة إلى الله الفريضة قيام الليل، وأحب الصيام إلى الله بعد رمضان صيام شهر الله المحرم.
هذا الشهر المبارك أيها المسلمون عباد الله، أهلك الله فيه فرعون وجنوده كما قال جل من قائل: {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} [القصص: 40]. {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ} [القصص: 41].
فرعون هذا الطاغية اللئيم، الله جل جلاله وصفه في القرآن بهذه الصفة، صفة الطغيان، فقال جل من قائل مخاطبا كليمه موسى عليه السلام: {وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَىٰ} [طه: 22]. {لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَىٰ} [طه: 23]. {اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ} [طه: 24]. وخاطب أخاه هارون عليهما السلام: {فَقَالَ اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ} [طه: 43]. {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ} [طه: 44].
{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ} [النازعات: 15]. {إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} [النازعات: 16]. {اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ} [النازعات: 17]. {فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَىٰ أَنْ تَزَكَّىٰ} [النازعات: 18]. {وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ} [النازعات: 19]. {فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَىٰ} [النازعات: 20]. {فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ} [النازعات: 21]. {ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ} [النازعات: 22]. {فَحَشَرَ فَنَادَىٰ} [النازعات: 23]. {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ} [النازعات: 24]. {فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ} [النازعات: 25].
أيها المسلمون عباد الله، ما هو الطغيان؟ وما هي أنواعه؟ هي سنة الله عز وجل في أخذ من اتصف بهذه الصفة الذميمة، الطغيان. أيها المسلمون عباد الله، هو أن يتجاوز المخلوق حده، بأن يعصي أمر الله، ويتكبر على رسل الله وعلى عباد الله، ويتجاوز حدود الله، هذا هو الطاغية.
أنت أيها الإنسان سبيلك التواضع، سبيلك خفض الجناح، سبيلك أن تعرف قدرك. إن الله عز وجل خلقك ضعيفا، كما قال جل من قائل: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28]. خلقك الله عز وجل مجبولا على جملة من صفات النقص، من هذه الصفات النسيان، {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه: 115]. من هذه الصفات الظلم والجهل، {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72]. من هذه الصفات أنك تجوع وتعطش وتتعب وتمرض وتنام وتموت، كل هذه صفات نقص جبلنا عليها معشر بني آدم. ومن كانت هذه صفاته فواجب عليه أن يتواضع لله عز وجل، وأن يتواضع لعباد الله.
يا مظهر الكبر اعجابا بصورته، انظر خلاك فإن الندم تثريب. لو فكر الناس فيما في بطونهم ما استشعر الكبر، شبان ولا شيب. يا ابن التراب ومأكول التراب غدا، اقصر فإنك مأكول ومشروب. الكبر صفة لرب العالمين جل جلاله، ما ينبغي أن يشاركه فيها أحد، قال الله عز وجل: ردائي والعظمة إزاري، من نازعني فيهما أخذته ولا أبالي. هذا الذي يطغى ويتكبر ويتجاوز حده ويعدو قدره، ما أسرع جريان سنة الله عز وجل عليه.
أيها المسلمون عباد الله، القرآن الكريم يحدثنا عن أنواع من الطغاة، من هذه الأنواع من طغى بسبب الملك، آتاه الله الملك، مكن له في الأرض، الناس يسمعون له ويطيعون، فلم يشكر نعمة الله عز وجل، {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} [البقرة: 258]. أي بسبب أن آتاه الله الملك، {إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} [البقرة: 258]. {قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 258]. وكذلك فرعون الذي قال لقومه: {يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي} [القصص: 38].
هكذا يدعي أنه رب الأرباب ومسبب الأسباب، وأنه الذي يقول للشيء كن فيكون. وما درى المسكين أنه ضعيف ضئيل حقير في ملكوت الله عز وجل الواسع. من أسباب الطغيان في القرآن الكريم الاستغناء بالمال، {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَىٰ} [العلق: 6]. {أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَىٰ} [العلق: 7]. هذا الغني الموسر الذي بسط الله له الأسباب ووسع عليه في الرزق، ثم بعد ذلك رأى الناس يهشون في وجهه ويمشون، رأى الناس يسمعون له ويطيعون، إن قال استمعوا لقوله، وإن طلب أطاعوا أمره، فيظن بنفسه الظنون.
القرآن الكريم يحكي لنا خبر قارون، ذاك الذي وعظه الواعظون فأبى أن يسمع، قال: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِنْدِي} [القصص: 78]. مثلما قال فرعون: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الزخرف: 51]. {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ} [الزخرف: 52]. {فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ} [الزخرف: 53]. يعير نبي الله موسى عليه السلام بأنه لا يملك أساورة من ذهب يحلي بها معصم، كما يصنع فرعون اللئيم، هكذا صار العيب في حق فرعون محمدة ومنقبة يفاخر بها الناس.
من أسباب الطغيان أيها المسلمون عباد الله، التفاخر بالحسب والنسب، كما حكى ربنا جل جلاله عن أولئك الملأ من قريش الذين قالوا: {نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} [سبأ: 35]. ومن أنواع الطغيان كذلك البطش والاستعلاء والتمرد على الله عز وجل بتحليل الحرام وتحريم الحلال، مثال ذلك قوم لوط، أولئك اللئام الذين كانوا يأتون فاحشة ما سبقهم إليها أحد من العالمين. فلما قام نبي الله لوط عليه السلام فأمرهم ونهاهم، ووعظهم وزجرهم، كان جوابه: {أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [النمل: 56]. جعلوا المنكر معروفا والمعروف منكرا.
ومن أنواع الطغيان كذلك أيها المسلمون عباد الله، أن يعطي الإنسان نفسه الحق في أن يشرع مع الله عز وجل، بأن يقول هذا حلال وهذا حرام مفتريا على الله الكذب، هذا هو حكم الجاهلية. الحكم لمن؟ أيها المسلمون عباد الله، الحكم لمن كان بهذه الصفات، فالحكم لله العلي الكبير، هو الذي يريكم آياته، وينزل لكم من السماء رزقا، {وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ} [غافر: 13]. {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [غافر: 14]. {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ} [غافر: 15]. {يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: 16].
هؤلاء الذين يشرعون مع الله عز وجل، فيقولون هذا حلال وهذا حرام، من منهم يستحق أن يوصف بأنه العلي الكبير، رفيع الدرجات، ذو العرش، يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده؟ من منهم يستحق أن يوصف بأنه الواحد القهار؟ اللهم لا هذا ولا ذاك، كلهم عباد مربوبون ضعفاء مقهورون، لكنهم تمردوا على الله عز وجل، فتجبروا في الأرض وطغوا.
أيها المسلمون عباد الله، القرآن الكريم يحدثنا عن سنة الله عز وجل في أخذ هؤلاء الطغاة، وإن هذه الأخذة تختلف. الله جل جلاله قد يأخذ الطاغية بالغرق، يغرقه كما فعل بفرعون: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 90]. {قَالَ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس: 91]. {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} [يونس: 92].
من هذه الأخذات الخسف، كما قال الله عن قارون: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ} [القصص: 81]. {وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ} [القصص: 82]. أولئك الذين كانوا ينظرون إلى قارون وقد خرج في زينته، فيقولون: يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون، إنه لذو حظ عظيم. لما رأوا الله عز وجل حين خسف به وبداره الأرض، أصبح أولئك الذين كانوا يتمنون مكانته في أمس يقولون: {وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ وَيْكَأَنَّهُ لَا يَفْلَحُ الْكَافِرُونَ} [القصص: 82].
هذه سنة الله عز وجل. من العقوبات والمثلات التي أخذ الله بها الطغاة الصيحة، الصيحة كما فعل الله بثمود، أخذهم الله عز وجل بصيحة طاغية جعلتهم كأمس الدابر، وكمدين فأخذهم: {عَذَابَ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء: 189]. وقد يأخذ الله الطغاة بريح صرصر عاتية، كما فعل الله بعاد: {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} [الحاقة: 7].
وقد يسلط الله عز وجل عباده المؤمنين، فيستأصلوا شأفة أولئك الطغاة، ويبينوا خضراءهم تمكينا من الله عز وجل لهم: {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنْتَقِمُونَ} [الدخان: 16]. {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 40].
أيها المسلمون عباد الله، إن كثيرا من الناس إذا نظروا إلى أحوال الطغاة، وما هم فيه من الدنيا التي مكنوا منها، يظنون أن هذا أمر يدوم، وأن سنة الله تتخلف، وأن الطغيان هو المنتصر، اللهم لا. {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} [فاطر: 43]. سنن الله عز وجل قانون مضطرد، لا يحابى فيه أحد. الله جل جلاله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} [الأنعام: 42]. {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 43]. {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 44]. فتحنا عليهم أبواب كل شيء من القوة المادية، القوة العسكرية، القوة الاقتصادية في الأرض تمكينا، يقول جل من قائل: {حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام: 44]. {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 45].
الله جل جلاله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، يعذب من يشاء، ويرحم من يشاء. لكن عذاب الله الذي قضاه على أولئك الطغاة لا يكون وفق أمنياتنا نحن أبدا، الله جل جلاله يأتي به متى شاء، قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} [غافر: 46]. يعني جل جلاله يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام: قد ترى العذاب الذي قدرته على هؤلاء الكفرة الفجرة، وقد تموت قبل أن تراه، وإما نرينك بعض الذي نعدهم، أو نت بعض الذين نعدهم، ليس كله، فإن عذاب الدنيا لا يغني عن عذاب الآخرة. فرعون عذب في الدنيا بالغرق، ثم بعد ذلك في القبر، كما قال ربنا: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 46]. {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوَرْدُ الْمَوْرُودُ} [هود: 98].
أسأل الله عز وجل أن ينصر من نصر دينه، وأن يخذل من خذل دينه، وأن ينتقم من كل جبار عنيد، وأن يمكن لعباده المؤمنين في الأرض، إنه هو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين. الحمد لله رب العالمين، والعاقبة ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله إله الأولين والآخرين، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله النبي الأمين، بعثه الله بالهدى والدين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين وآل كل وصحب كل أجمعين. واحسن الله ختام وختامكم وختام المسلمين، وحشر الجميع تحت لواء سيد المرسلين.
أما بعد أيها المسلمون، فاتقوا الله حق تقاته، وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون. واعلموا إخوتي في الله أن أخذ الله عز وجل لهؤلاء الطغاة يكون بنوعين من السنن. النوع الأول: السنن الإلهية التي لا تتخلف، من جنس ما ذكر في كتاب ربنا جل جلاله من إهلاكهم بالغرق أو الصيحة أو الريح العاتية أو أن يخسف بهم أو أن يمطر عليهم حجارة من سجيل ونحو ذلك، مما هو دليل قدرته وغناه جل جلاله.
النوع الثاني: السنن المادية التي يجريها الله عز وجل على أيدي البشر، من هذه السنن التفكك الداخلي، فإن هذه المجتمعات التي تحكم بهؤلاء الطغاة، والتي يقوم حكمهم على الجبروت والإفساد في الأرض وإذلال من أعزه الله وإعزاز من أذله الله ورفع من خفضه الله وخفض من رفعه الله، هذه المجتمعات سرعان ما يحصل تفكك داخلي حين تغر الصدور وتنتشر الأحقاد، فتكون ثورة عارمة لا تبقي ولا تذر.
من ذلك الضعف الاقتصادي، فإن هؤلاء الطواغيت يعتمدون على الاعتداء على الناس في أموالهم، في ممتلكاتهم، في التسلط عليهم والأخذ منهم، فيكون من نتيجة ذلك أن الناس يزهدون في النشاط التجاري، في النشاط الاقتصادي، تضعف شهوتهم لعمارة هذه الأرض، مما يؤدي إلى ضعف اقتصادي مادي، مما يسلطه الله على هؤلاء الطواغيت. إن ممالكهم وحكوماتهم تقوم على الدسائس والأحقاد والغيبة والنميمة، لا يستحيون من الله ولا يستحيون من الناس، سرعان ما تدب فيهم الفرقة والعداوة والبغضاء.
أيها المسلمون عباد الله، ما يعاني منه المجتمع اليهودي الصهيوني، هؤلاء الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، وظنوا أنه لا أحد من الناس قادر عليهم، تارة هنا وتارة هناك، الآن يعانون من التفكك الداخلي، من الضعف الاقتصادي، من هروب رؤوس الأموال، من الهجرة العكسية. الاقصى الذي قام به أولئك الأبرار، ترتبت جملة من المنافع، كذبوا تلك السردية التي غزوا بها العقول الأوروبية والأمريكية عقودا من الزمان، وصوروا أنفسهم أنهم مظلومون مقهورون، أثبت هذا الطوفان أنهم ظالمون مفسدون في الأرض، موقدوا نيران أكلت أموال الناس بالباطل، الساعون بالفساد في الأرض، وقبل ذلك هم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
أدى هذا الطوفان إلى هجرة عكسية، كثير منهم يهربون من حيث إلى حيث جاءوا، وأدى هذا الطوفان كذلك إلى تكذيب ما كان يسمى بالوطن الآمن، صوروا في أرض الشتات بأن فلسطين هي الوطن الآمن بالنسبة إليهم، ودعوهم إلى الهجرة إليه، لكن الله جل جلاله ألقى في قلوبهم.
ولذلك لا تستغربوا أيها المسلمون أن يأتي الله بالنصر من حيث لا نحتسب، لا تستغربوا، فإن الصحابة من قبل قد استغربوا، يقول الله عز وجل: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا} [الحشر: 2]. الكلام لمن؟ لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، {مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ} [الحشر: 2].
حين نرى شابا مسلما محاصرا مجوعا منذ ستمائة يوم، يخرج من النفق وهو يتلو قول الله عز وجل: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} [يس: 9]. ويذهب إلى تلك المصفحة الفولاذية، ويفتح غطاءها، ثم يضع فيها عبوة الشواظ، ثم يرجع وهو ثابت القلب رابط الجأش، وما هي إلا ثوان حتى النيران وتتحول إلى ركام. أليس هذا من نصر الله أيها المسلمون عباد الله؟ أليس هذا من آيات الله جل جلاله؟ آيات الله ليست موقوفة على ملائكة تنزل من السماء، بل آيات الله عز وجل أن يثبت أولئك المجاهدين، وأن يلقي الرعب في أولئك الكافرين.
اللهم انصر، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم قوي شوكتهم، اللهم اجمع كلمتهم، اللهم سدد رميتهم، اللهم احفظهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ومن فوقهم، ونعيذهم بعظمتك أن يغتالوا من تحتهم. اللهم احفظهم بما تحفظ به عبادك الصالحين، اللهم اطعم جائعهم، اللهم اسق ضامئهم، اللهم آمن خائفهم، اللهم اكس عاريهم، اللهم كن لهم نصيرا ومعينا. اللهم كن لإخواننا في عزة ولا تكن عليهم، وانصرهم على من طغى عليهم. نسألك لليتامى والثكالى والأرامل والشيوخ نصرا عزيزا وفتحا قريبا وصبرا جميلا، وعافية من البلايا وغنى عن الناس، يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين.
اللهم انصر من نصر دينك، واخذل من خذل دينك، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه وليه، ويذل فيه عدوك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، يا سميع الدعاء. يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك، يا مصرف القلوب، صرف قلوبنا على طاعتك. نسألك اللهم إيمانا صادقا، ويقينا ليس بعده كفر، ورحمة ننال بها شرف كرامتك في الدنيا والآخرة. نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك، والعزيمة على الرشد، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، والفوز بالجنة، والنجاة من النار. نسألك اللهم من خير ما سألك منه عبدك ونبيك محمد صلى الله عليه وسلم، ونعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبدك ونبيك محمد صلى الله عليه وسلم، وأنت المستعان وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك.
اللهم اجعل هذه البلاد آمنة مطمئنة سخية رخية وسائر بلاد المسلمين، وردنا إلى دينك ردا جميلا يا رب العالمين، واختم لنا بخاتمة السعادة أجمعين، واغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد.




