
وَاشْهَدُ أَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَصَفِيُّهُ وَخَلِيلُهُ، بَلَّغَ ٱلرِّسَالَةَ وَأَدَّى ٱلْأَمَانَةَ وَنَصَحَ ٱلْأُمَّةَ، وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ رَبِّهِ حَقَّ ٱلْجِهَادِ، وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا مِمَّا أَمَرَ بِهِ إِلَّا بَلَّغَهُ، فَتَحَ ٱللَّهُ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا، وَهَدَى ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلضَّلَالَةِ وَنَجَّاهُمْ مِنَ ٱلْجَهَالَةِ، وَبَصَّرَهُمْ مِنَ ٱلْعَمَىٰ وَأَخْرَجَهُمْ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ، وَهَدَاهُمْ رَبُّهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَىٰ عَبْدِكَ وَنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَىٰ آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ ٱقْتَفَىٰ أَثَرَهُ وَٱهْتَدَىٰ بِهُدَاهُ. أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَصْدَقَ كَلَامٍ كَلَامُ ٱللَّهِ تَعَالَىٰ، وَخَيْرَ ٱلْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّىٰ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ ٱلْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي ٱلنَّارِ، وَمَا قَلَّ وَكَفَىٰ خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَىٰ، وَإِنَّمَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ.
أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا ٱلْمُسْلِمُونَ عِبَادَ ٱللَّهِ، فَحِينَ وَصَلَ رَسُولُ ٱللَّهِ صَلَّىٰ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ، كَانَ غَيْرُ ٱلْمُسْلِمِينَ عَلَىٰ ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: ٱلصِّنْفُ ٱلْأَوَّلُ وَهُمُ ٱلْمُشْرِكُونَ، ٱلَّذِينَ نَاصَبُوا رَسُولَ ٱللَّهِ صَلَّىٰ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ٱلْعَدَاوَةَ مِنْ يَوْمٍ وَنَمْنَعُكُمْ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ. هَؤُلَاءِ ٱلْيَهُودُ ٱلَّذِينَ وَادَعُوا رَسُولَ ٱللَّهِ صَلَّىٰ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانُوا عَلَىٰ ثَلَاثِ طَوَائِفَ: يَهُودُ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَيَهُودُ بَنِي ٱلنَّظِيرِ، وَيَهُودُ قُرَيْظَةَ. هَذِهِ ٱلطَّوَائِفُ ٱلثَّلَاثَةُ نَقَضَتِ ٱلْعَهْدَ مَعَ رَسُولِ ٱللَّهِ صَلَّىٰ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَائِفَةٌ أَثَرَ طَائِفَةٍ.
أَمَّا يَهُودُ بَنِي قَيْنُقَاعَ فَقَدِ ٱبْتَدَأُوا نَقْضَ ٱلْعَهْدِ وَكَانُوا أَوَّلَ ٱلطَّوَائِفِ ٱلثَّلَاثَةِ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَوْقِعَةِ بَدْرٍ. ذَهَبَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ ٱللَّهِ صَلَّىٰ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَأَسْلِمُوا، فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ، وَأَحْذَرُوا أَنْ يُنْزِلَ ٱللَّهُ بِكُمْ مِنْ نِقْمَتِهِ مَا أَنْزَلَ بِقُرَيْشٍ. فَأَجَابَهُ ٱلْيَهُودُ جَوَابًا لَئِيمًا، قَالُوا لَهُ: مُحَمَّدُ، مَا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ ٱللَّهِ، وَلَا يَغُرَّنَّكَ أَنَّكَ لَقِيتَ قَوْمًا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِٱلْحَرْبِ، وَٱللَّهِ لَئِنْ حَارَبْتَنَا لَتَعْلَمَنَّ أَنَّا نَحْنُ ٱلنَّاسُ. هَكَذَا تَهَدَّدُوهُ وَتَوَعَّدُوهُ. فَأَنْزَلَ ٱللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَوْلَهُ: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ ءَايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ} [آل عمران: ١٣]. فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ، وَهُمْ مُحَمَّدٌ صَلَّىٰ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابُهُ، وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ، وَهُمْ قُرَيْشٌ.
هَؤُلَاءِ ٱلْيَهُودُ، ذَهَبَتْ إِمْرَأَةٌ إِلَىٰ سُوقِهِمْ، إِمْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ تَبْتَاعُ ذَهَبًا، فَرَاوَدَهَا ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ كَشْفِ وَجْهِهَا فَأَبَتْ، فَعَمَدَ أَحَدُ أَخْبَاثِهِمْ إِلَىٰ أَنْ يَرْبُطَ طَرَفَ رِدَائِهَا بِعِقَاصِ رَأْسِهَا، وَهِيَ لَا تَوَلِّي مِنْ يَهُودَ ثَلَاثَمِائَةِ دَارِعٍ وَأَرْبَعَمِائَةِ حَاسِمٍ تَحْصُدُهُمْ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ، أَنِّي أَخْشَىٰ ٱلدَّوَائِرَ. فَوَهَبَهُمْ لَهُ رَسُولُ ٱللَّهِ صَلَّىٰ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ [المائدة: ٥١]. فَتَرَىٰ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ [المائدة: ٥٢].
فَعَسَىٰ ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ ٱبْنُ أُمَيَّةَ ٱلضَّمْرِيُّ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُ، كَانَ وَاحِدًا مِنْ أَفْرَادِ تِلْكَ ٱلسَّرِيَّةِ فَنَجَا بِنَفْسِهِ، فِي طَرِيقِ عَوْدَتِهِ إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ ظَفِرَ بِرَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ فَقَتَلَهُمَا، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ ٱللَّهِ صَلَّىٰ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَمَنَهُمَا، قَدْ بَذَلَ لَهُمَا ٱلْأَمَانَ. فَقَالَ ٱلنَّبِيُّ عَلَيْهِ ٱلصَّلَاةُ وَٱلسَّلَامُ: لَأَدِينَهُمَا، لَابُدَّ أَنْ أَدْفَعَ دِيَةَ هَذَيْنِ ٱلرَّجُلَيْنِ. ذَهَبَ عَلَيْهِ ٱلصَّلَاةُ وَٱلسَّلَامُ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ إِلَىٰ يَهُودِ بَنِي ٱلنَّضِيرِ يَسْتَعِينُ بِهِمْ فِي دَفْعِ تِلْكَ ٱلدِّيَةِ، فَأَظْهَرُوا لَهُ مُوَافَقَةً وَرِضًا. وَكَانَ عَلَيْهِ ٱلصَّلَاةُ وَٱلسَّلَامُ يَجْلِسُ مُسْتَنِدًا إِلَىٰ جِدَارٍ، فَتَنَاجَىٰ ٱلْيَهُودُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَقَالُوا: لَنْ تَجِدُوا مِثْلَ هَذِهِ ٱلْفُرْصَةِ، لِيَعْمَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَطْرَحَ عَلَىٰ رَأْسِ مُحَمَّدٍ حَجَرًا لِيُرِيحَنَا مِنْهُ. فَٱنْبَعَثَ أَشْقَاهَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ عَمْرُو بْنُ جَحَّاشٍ ٱلنَّظَرِيُّ، ذَهَبَ لِيَصْعَدَ فَوْقَ ٱلْحَائِطِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَغْتَالَ رَسُولَ ٱللَّهِ صَلَّىٰ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَهُ ٱلْخَبَرُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ، فَأَسْرَعَ عَلَيْهِ ٱلصَّلَاةُ وَٱلسَّلَامُ بِٱلْقِيَامِ مِنْ ذَلِكَ ٱلْمَجْلِسِ وَرَجَعَ إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ. بَقِيَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَنْتَظِرَانِ، ثُمَّ لَمَّا طَالَ بِهِمَا ٱلْمَقَامُ قَامَا فَرَجَعَا.
ٱلنَّبِيُّ عَلَيْهِ ٱلصَّلَاةُ وَٱلسَّلَامُ أَمَرَ أَمْرَ ٱلْمُسْلِمِينَ يَتَهَيَّأُوا لِلْقِتَالِ، وَأَرْسَلَ إِلَىٰ يَهُودِ بَنِي ٱلنَّضِيرِ يَأْمُرُهُمْ بِٱلْجَلَاءِ مِنَ ٱلْمَدِينَةِ. هَا هُنَا عَلِمَ ٱلْيَهُودُ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَطْلَعَ نَبِيَّهُ صَلَّىٰ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَىٰ مَا أَضْمَرُوهُ وَمَا أَرَادُوا أَنْ يَفْعَلُوهُ، فَجَزِعُوا وَتَحَيَّرُوا. لَكِنْ جَاءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ مِنْ عَبْدِ ٱللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ: لَا تَخْرُجُوا، لَا تَسْتَجِيبُوا لِشَرْطِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ بَذَا ٱلْوَعْدَ: لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ، وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا، وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ. بَذَلَ لَهُمُ ٱلْوَعْدَ أَنَّهُمْ إِنْ أُخْرِجُوا سَيَخْرُجُ مَعَهُمْ، وَلَوْ حَصَلَ قِتَالٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ عَبْدَ ٱللَّهِ بْنَ سَلُولٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ ٱلْمُنَافِقِينَ سَيَكُونُونَ لَهُمْ أَنْصَارًا وَأَشْيَاعًا.
فَجَاءَ رَسُولُ ٱللَّهِ صَلَّىٰ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَحَاصَرَ يَهُودَ ٱلنَّضِيرِ سِتَّ لَيَالٍ، ثُمَّ أَمَرَ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ بِتَقْطِيعِ نَخِيلِهِمْ ٱلَّتِي كَانَتْ تُمَثِّلُ ثَرْوَةً زِرَاعِيَّةً كَبِيرَةً لِأُولَئِكَ ٱلْيَهُودِ. فَجَزِعَ ٱلْيَهُودُ وَأَرْسَلُوا إِلَىٰ ٱلنَّبِيِّ عَلَيْهِ ٱلصَّلَاةُ وَٱلسَّلَامُ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، جِئْتَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَسَادِ فَمَا بَالُ تَقْطِيعِ ٱلنَّخِيلِ؟ فَأَنْزَلَ ٱللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَوْلَهُ: {مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰٓ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيُخْزِيَ ٱلْفَٰسِقِينَ} [الحشر: ٥]. هَذَا ٱلتَّقْطِيعُ إِنَّمَا كَانَ بِأَمْرِ ٱللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِفْسَادًا لِأَمْوَالِ أُولَئِكَ ٱلْكُفَّارِ ٱلْفُجَّارِ، ٱلَّذِينَ أَرَادُوا ٱلْغَدْرَ بِرَسُولِ ٱللَّهِ صَلَّىٰ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثُمَّ لَمَّا طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْحِصَارُ، أَلْقَىٰ ٱللَّهُ ٱلرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَنَزَلُوا عَلَىٰ شَرْطِ رَسُولِ ٱللَّهِ صَلَّىٰ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ ٱلْمَدِينَةِ، وَأَنْ يَحْمِلُوا مَا شَاءُوا مِنْ لَانَ لَا يَتَّخِذُوا قَاعِدَةً أُخْرَىٰ يَشِنُّونَ مِنْهَا هَجَمَاتٍ عَلَىٰ ٱلْمُسْلِمِينَ. خَرَجَ أُولَئِكَ ٱلْيَهُودُ وَتَفَرَّقُوا فِي ٱلْأَرْضِ، مِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَىٰ خَيْبَرَ كَحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ، وَسَلَّامِ بْنِ أَبِي ٱلْحُقَيْقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَىٰ فِي أَرْضِ ٱلشَّامِ. قَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ فِي وَصْفِ تِلْكَ ٱلْمَوْقِعَةِ: {هُوَ ٱلَّذِيٓ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ مِن دِيَٰرِهِمْ لِأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ ۖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ فَٱعْتَبِرُواْ يَٰٓأُوْلِي ٱلْأَبْصَٰرِ} [الحشر: ٢]. وَلَوْلَآ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلَآءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ [الحشر: ٣]. ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ۖ وَمَن يُشَاقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ [الحشر: ٤].
أَيُّهَا ٱلْمُسْلِمُونَ عِبَادَ ٱللَّهِ، ٱلْحَلْقَةُ ٱلرَّابِطَةُ بَيْنَ هَذِهِ ٱلْأَحْدَاثِ كُلِّهَا، أَنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْيَهُودَ مِنْ قَدِيمِ ٱلزَّمَانِ وَاحِدَةٌ عَلَىٰ ٱلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، كَمَا قَالَ رَبُّنَا جَلَّ مِنْ قَائِلٍ: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} [الأنفال: ٧٣]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِإِخْوَٰنِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ} [الحشر: ١١]. لَئِنْ أُخْرِجُواْ لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ ٱلْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ [الحشر: ١٢].
حِينَ نُشَاهِدُ أَحْدَاثَ أَيَّامِنَا هَذِهِ، وَمَا يَقُومُ مِنْ أَحْلَافٍ بَيْنَ أَعْدَاءِ ٱللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَبَيْنَ ٱلدُّرُوزِ ٱلْمُنَافِقِينَ ٱلَّذِينَ لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ، مَا كَانُوا مُسْلِمِينَ يَوْمًا مِنَ ٱلْأَيَّامِ، بَلْ ٱلدُّرُوزُ كَٱلنُّصَيْرِيَّةِ، كَٱلْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، كَٱلْقَاضِي هَدِيَّةِ، كَٱلْبَهَائِيَّةِ، كُلُّ هَذِهِ طَوَائِفُ صُنِعَتْ عَلَىٰ عَيْنِ أَعْدَاءِ ٱللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ أَجْلِ أَنْ تَكُونَ شَوْكَةً فِي خَاصِرَةِ ٱلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ. ٱلْأَحْدَاثُ ٱلَّتِي كَانَتْ فِي ٱلشَّامِ قَبْلَ يَوْمَيْنِ، وَٱلَّتِي أَظْهَرَتْ حَلْفًا مَتِينًا بَيْنَ ٱلْيَهُودِ وَبَيْنَ أُولَئِكَ ٱلدُّرُوزِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَعْمَلُوا عَلَىٰ تَقْسِيمِ سُورِيَا، وَمِنْ أَجْلِ أَنْ يَنْكَأُوا فِي أَهْلِهَا وَيَمْنَعُوا ٱسْتِقْرَارًا تِلْكَ ٱلْبَلَدِ بَعْدَ مَخَاضٍ طَوِيلٍ ٱسْتَمَرَّ نَحْوَ خَمْسِينَ سَنَةً.
يَطْرَحُ سُؤَالًا لَا بُدَّ أَنْ نُوَجِّهَهُ مَعْشَرَ ٱلْمُسْلِمِينَ، كُلُّ مُسْلِمٍ يُوَجِّهُ إِلَىٰ نَفْسِهِ: هَؤُلَاءِ ٱلْكُفَّرَةُ مِنَ ٱلْيَهُودِ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُشْرِكِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، كَمَا قَالَ رَبُّنَا: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} [الأنفال: ٧٣]. أَيْنَ وَلَايَتُنَا مَعْشَرَ ٱلْمُسْلِمِينَ لِإِخْوَانِنَا؟ هَا نَحْنُ نَرَىٰ غَزَّةَ مُنْذُ سَبْعَمِائَةِ يَوْمٍ تَجُوعُ وَتُحَاصَرُ، يَعْطَشُ أَهْلُهَا، تُصَبُّ عَلَيْهِمُ ٱلْحَمَمُ وَٱلنِّيرَانُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْ كَانُوا فِي جِوَارِهِمْ، بَلِ ٱلْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا، عَاجِزُونَ أَنْ يُدْخِلُوا لَهُمْ شَرْبَةَ مَاءٍ أَوْ قِطْعَةَ خُبْزٍ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُدْخِلُوا إِلَيْهِمْ قِطْعَةَ سِلَاحٍ. ٱللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ يَقُولُ: {إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي ٱلْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال: ٧٣].
إِلَّا تَفْعَلُوهُ، أَيْ هَذَا ٱلْوَلَاءَ، هَذَا ٱلْوَلَاءَ بَيْنَ ٱلْمُسْلِمِ وَٱلْمُسْلِمِ، فَإِنَّ ٱلْمُسْلِمَ أَخُو ٱلْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ. وَمَا مِنْ أَمْرِئٍ مُسْلِمٍ يَخْذُلُ أَمْرَأً فِي مَوْضِعٍ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ فِيهِ إِلَّا خَذَلَهُ ٱللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَوْضِعٍ يُحِبُّ أَنْ يُنْصَرَ فِيهِ. هَذَا ٱلْخَذْلَانُ ٱلَّذِي يُمَارِسُهُ أَهْلُ ٱلْإِسْلَامِ تِجَاهَ إِخْوَانِهِمْ، هَذِهِ عَاقِبَتُهُ. عَاقِبَتُهُ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكُفْرِ، سِيرَةُ رَسُولِ ٱللَّهِ صَلَّىٰ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تَبَيَّنَ لَنَا أَنَّ ٱلْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَأَطْفَالٍ وَبَنِي تَمِيمٍ وَٱلْأَحَابِيشِ، وَمَعَهُمْ يَهُودُ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَمَعَهُمْ كُلُّ هَؤُلَاءِ تَآمَرُوا عَلَىٰ غَزْوِ ٱلْمَدِينَةِ وَٱسْتِئْصَالِ شَأْفَةِ ٱلْمُسْلِمِينَ فِي ٱلْعَامِ ٱلْخَامِسِ مِنَ ٱلْهِجْرَةِ. مَا ٱلَّذِي نَجَّىٰ ٱللَّهُ بِهِ رَسُولَ ٱللَّهِ صَلَّىٰ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِبَادَهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ؟ هَذِهِ ٱلْأُخُوَّةُ، هَذَا ٱلتَّنَاصُرُ، هَذَا ٱلتَّعَاضُدُ. مَا كَانَ ٱلْمُسْلِمُ يَرَىٰ لِلْكَافِرِ وَلَاءً وَلَا تَعَاطُفًا وَلَا مَحَبَّةً، وَلَوْ كَانَ أَبَاهُ، وَلَوْ كَانَ أَخَاهُ.
ٱبْنُ عُمَيْرٍ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُ، بَعْدَمَا ٱنْقَضَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ، رَأَىٰ رَجُلًا مِنَ ٱلْأَنْصَارِ يَسُوقُ أَخَاهُ أَبَا عَزِيزِ بْنِ عُمَيْرٍ، أَبُو عَزِيزِ بْنِ عُمَيْرٍ أَخُو مُصْعَبٍ، يَسُوقُهُ ٱلْأَنْصَارُ أَسِيرًا، فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُ: أَشْدُدْ وَثَاقَهُ، وَأَغْلِ فِدَاءَهُ، فَإِنَّ أُمَّهُ ذَاتُ مَالٍ. يَقُولُ لَهُ: أَحْسِنْ رِبَاطَهُ، قَيِّدْ قَيْدًا وَثِيقًا، وَٱطْلُبْ فِيهِ ثَمَنًا غَالِيًا، لِأَنَّ أُمَّهُ ٱلَّتِي هِيَ أُمُّ مُصْعَبٍ، فَإِنَّ أُمَّهُ ذَاتُ مَالٍ. قَالَ لَهُ أَبُو عَزِيزٍ مُتَعَجِّبًا: أَهَذِهِ وَصَاتُكَ بِي يَا أَخِي؟ هَذَا ٱلَّذِي تُوَصِّي بِهِ أَخُوكَ ٱبْنُ أُمِّكَ وَأَبِيكَ؟ فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُ: إِنَّهُ أَخِي دُونَكَ، هَذَا ٱلْأَنْصَارِيُّ هُوَ أَخِي، أَنْتَ لَسْتَ أَخِي، قَطَعَ ٱلْإِسْلَامُ مَا بَيْنَنَا. ٱللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ يَقُولُ: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: ١٠]. هَذِهِ ٱلْمَعَانِي أَيُّهَا ٱلْمُسْلِمُونَ عِبَادَ ٱللَّهِ غَابَتْ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ ٱلنَّاسِ.
كَثِيرٌ مِنَ ٱلنَّاسِ يُقَدِّمُ مَوْطِنَهُ، قَبِيلَتَهُ، جَمَاعَتَهُ، عَلَىٰ شَيْءٍ يُقَدِّمُهَا عَلَىٰ دِينِهِ، عَلَىٰ إِيمَانِهِ. هَذِهِ ٱلْأُخُوَّةُ ٱلْجَاهِلِيَّةُ، ٱلْإِسْلَامُ قَدْ قَطَعَهَا. لَمَّا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ مِنْ أَهْلِ ٱلشِّرْكِ، عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَٱلْوَلِيدُ بْنُ يَوْمِ بَدْرٍ يَطْلُبُونَ ٱلْمُبَارَزَةَ، ٱلنَّبِيُّ عَلَيْهِ ٱلصَّلَاةُ وَٱلسَّلَامُ قَالَ: قُمْ يَا حَمْزَةُ، قُمْ يَا عَلِيُّ، قُمْ يَا عُبَيْدَةُ ٱبْنُ ٱلْحَارِثِ. ٱخْتَارَ عَلَيْهِ ٱلصَّلَاةُ وَٱلسَّلَامُ ثَلَاثَةً مِنْ بَنِي عَمُومَةِ هَؤُلَاءِ ٱلْمُشْرِكِينَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُبَارِزُوهُمْ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ ٱلْمُبَارَزَةَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ قَاتِلًا أَوْ مَقْتُولًا. فَقَتَلَ ٱلثَّلَاثَةُ ٱلثَّلَاثَةَ، وَأَنْزَلَ ٱللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَوْلَهُ: {هَٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ} [الحج: ١٩]. قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجْثُو لِلْخُصُومَةِ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ.
يَا أَيُّهَا ٱلْمُسْلِمُونَ يَا عِبَادَ ٱللَّهِ، إِنَّ رَسُولَ ٱللَّهِ صَلَّىٰ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا أَنَّ مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ وَأَبْغَضَ لِلَّهِ وَأَعْطَىٰ لِلَّهِ وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدِ ٱسْتَكْمَلَ ٱلْإِيمَانَ. يُعَلِّمُنَا أَنَّ ثَلَاثَةً مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ ٱلْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ ٱلْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، مَا يُحِبُّهُ مِنْ أَجْلِ جِنْسِهِ، وَلَا مِنْ أَجْلِ قَبِيلَتِهِ، وَلَا مِنْ أَجْلِ مَنْفَعَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ بَيْنَهُمَا، وَإِنَّمَا يُحِبُّهُ لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي ٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ ٱللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ بِهِ فِي ٱلنَّارِ. قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَٰنُكُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ [التوبة: ٢٤].
ٱللَّهُمَّ ٱجْعَلِ ٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ رَبِيعَ قُلُوبِنَا، وَنُورَ صُدُورِنَا، وَذَهَابَ هُمُومِنَا، وَجَلَاءَ أَحْزَانِنَا، وَسَائِقَنَا إِلَىٰ جَنَّاتِكَ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ. تُوبُوا إِلَىٰ ٱللَّهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ. ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ، وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَىٰ ٱلظَّٰلِمِينَ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ إِلَٰهُ ٱلْأَوَّلِينَ وَٱلْآخِرِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ ٱللَّهِ وَرَسُولُهُ ٱلنَّبِيُّ ٱلْأَمِينُ، بَعَثَهُ ٱللَّهُ بِٱلْهُدَىٰ وَٱلْيَقِينِ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ ٱلْكَٰفِرِينَ. ٱللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ إِخْوَانِي ٱلْأَنْبِيَاءِ وَٱلْمُرْسَلِينَ، وَآلِ كُلٍّ وَصَحْبِ كُلٍّ أَجْمَعِينَ، وَأَحْسَنَ ٱللَّهُ خِتَامِي وَخِتَامَكُمْ وَخِتَامَ ٱلْمُسْلِمِينَ، وَحَشَرَ ٱلْجَمِيعَ تَحْتَ لِوَاءِ سَيِّدِ ٱلْمُرْسَلِينَ.
أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا ٱلْمُسْلِمُونَ، فَٱتَّقُوا ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَتُوبُوا إِلَىٰ ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وَٱعْلَمُوا إِخْوَتِي فِي ٱللَّهِ أَنَّ هَذِهِ ٱلْأَحْدَاثَ يَسُوقُهَا رَبُّنَا جَلَّ جَلَالُهُ لِيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا، وَلَا يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَابَ. ٱلْمُؤْمِنُونَ لَابُدَّ أَنْ نَعْلَمَ بِأَنَّ كَلَامَ رَبِّنَا جَلَّ جَلَالُهُ فِي كِتَابِهِ حَقٌّ، وَأَنَّ سِيرَةَ نَبِيِّنَا صَلَّىٰ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقٌّ، وَأَنَّ تَصَرُّفَاتِهِ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ كَنَبِيٍّ مُرْسَلٍ، أَوْ كَزَعِيمٍ قَائِدٍ، أَوْ كَسِيَاسِيٍّ مُحَنَّكٍ، إِنَّمَا جَاءَتْ مِنْ أَجْلِ أَنْ نَتَّخِذَهَا أُسْوَةً وَقُدْوَةً. فَلَيْسَتِ ٱلسِّيرَةُ أَيُّهَا ٱلْمُسْلِمُونَ حِكَايَاتٍ تُسْرَدُ، بَلِ ٱلسِّيرَةُ مِرْآةٌ نَرَىٰ فِيهَا وَاقِعَنَا، وَنَسْتَشْرِفُ فِيهَا مُسْتَقْبَلَنَا. ثُمَّ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [النور: ١١].
كَثِيرٌ مِنَ ٱلنَّاسِ إِذَا رَأَىٰ ٱسْتِئْسَادَ هَؤُلَاءِ ٱلْيَهُودِ، وَٱسْتِنْصَارَهُمْ بِٱلصَّلِيبِيِّينَ، فَهُمْ مَعَ ٱلْمُنَافِقِينَ مَعَ مَا عَلَيْهِ ٱلْمُسْلِمُونَ مِنْ ضَعْفٍ وَهَوَانٍ، كَثِيرٌ مِنَ ٱلنَّاسِ يَسْكُنُ قَلْبَهُ تَشَاؤُمٌ لَا حُدُودَ لَهُ. لَكِنْ نَقُولُ: لَا، هَذِهِ ٱلْأَحْدَاثُ ٱلَّتِي مَرَّتْ بِرَسُولِ ٱللَّهِ صَلَّىٰ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ رَضْوَانُ ٱللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَقَدْ كَانُوا كَمَا قَالَ رَبُّنَا قِلَّةً مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلْأَرْضِ يَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَهُمُ ٱلنَّاسُ، كَانُوا كَمَا وَصَفَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلْقُرْآنِ: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران: ١٢٣]. كَانُوا أَذِلَّةً، هَذَا وَصْفُ رَبِّنَا جَلَّ جَلَالُهُ فِي ٱلْقُرْآنِ ٱلْكَرِيمِ. لَكِنْ أَنْ نُوقِنَ أَيْضًا أَيُّهَا ٱلْمُسْلِمُونَ عِبَادَ ٱللَّهِ أَنَّ ٱلنَّصْرَ يَأْتِي بِهِ ٱللَّهُ مَتَىٰ شَاءَ كَيْفَ شَاءَ.
هَؤُلَاءِ ٱلْيَهُودُ ٱلَّذِينَ كَانُوا فِي حُصُونِهِمْ آمِنِينَ، ظَنُّوا أَنَّ تِلْكَ ٱلْحُصُونَ كَافِيَتُهُمْ وَمَانِعَتُهُمْ، قَالَ ٱللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَأَتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ} [الحشر: ٢]. وَقَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ: {قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَىٰ ٱللَّهُ بُنْيَٰنَهُم مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَىٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ} [النحل: ٢٦]. ٱللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، وَعَلَىٰ ٱلْعِبَادِ أَنْ يَأْخُذُوا بِٱلْأَسْبَابِ. إِخْوَانُنَا أَخَذُوا بِٱلْأَسْبَابِ، تَوَكَّلُوا عَلَىٰ ٱللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، ٱنْقَطَعَ رَجَاؤُهُمْ إِلَّا فِي ٱللَّهِ، تَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلْأَسْبَابُ، وَغُلِّقَتْ فِي وُجُوهِهِمُ ٱلْأَبْوَابُ، لَكِنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ مُتَعَلِّقُونَ بِحَبْلِ ٱللَّهِ: {وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [آل عمران: ١٠١].
أَسْأَلُ ٱللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَنْصُرَهُمْ نَصْرًا عَزِيزًا، وَأَنْ يَفْتَحَ لَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا، وَأَنْ يَحْفَظَهُمْ بِمَا يَحْفَظُ بِهِ عِبَادَهُ ٱلصَّالِحِينَ، وَأَنْ يَصْرِفَ عَنْهُمْ شَرَّ كُلِّ ذِي شَرٍّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ. ٱللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ بِنُورِ وَجْهِكَ ٱلَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ، أَنْ تَحْفَظَ إِخْوَانَنَا فِي غَزَّةَ بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ ٱلصَّالِحِينَ، ٱللَّهُمَّ كُنْ لَهُ مُؤَيِّدًا وَنَصِيرًا، ٱللَّهُمَّ ٱحْفَظْهُمْ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ، وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَآئِلِهِمْ وَمِن فَوْقِهِمْ، وَنَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ يُغْتَالُوا مِن تَحْتِ، أَنْزِلْ بِهِمْ بَأْسَكَ ٱلَّذِي لَا يُرَدُّ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ. ٱللَّهُمَّ ٱقْذِفِ ٱلرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ، ٱللَّهُمَّ زَلْزِلْ أَرْكَانَهُمْ، وَهَدِّمْ بُنْيَانَهُمْ، وَقَوِّضْ دَوْلَتَهُمْ، وَٱلْقِ ٱلرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ، وَأَرِنَا فِيهِمْ عَجَآئِبَ قُدْرَتِكَ يَا رَبَّ ٱلْعَٰلَمِينَ، إِنَّكَ عَلَىٰ مَا تَشَآءُ قَدِيرٌ.
ٱللَّهُمَّ ٱنْصُرْ إِخْوَانَنَا فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَأَبْرِمْ لِإِخْوَانِنَا فِي ٱلشَّامِ أَمْرَ رُشْدٍ يُعِزُّ فِيهِ وَلِيُّكَ، وَيُذِلُّ فِيهِ عَدُوُّكَ، وَيُؤْمَرُ فِيهِ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيُنْهَىٰ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ، يَا سَمِيعَ ٱلدُّعَاءِ. ٱللَّهُمَّ أَطْفِئْ نَارَ ٱلْحَرْبِ فِي ٱلسُّودَانِ، ٱللَّهُمَّ أَطْفِئْ نَارَ ٱلْحَرْبِ فِي ٱلسُّودَانِ، ٱللَّهُمَّ أَطْفِئْ نَارَ ٱلْحَرْبِ فِي ٱلسُّودَانِ. ٱللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِٱلْمُتَمَرِّدِينَ ٱلْبُغَاةِ ٱلظَّالِمِينَ، ٱللَّهُمَّ أَرِنَا فِيهِمْ عَجَآئِبَ يَا رَبَّ ٱلْعَٰلَمِينَ، وَرُدَّنَا إِلَىٰ دِيَارِنَا سَالِمِينَ غَانِمِينَ، وَوَلِّ عَلَيْنَا خِيَارَنَا، وَٱنْزِعِ ٱلْوَلَايَةَ مِنْ شِرَارِنَا، إِنَّكَ عَلَىٰ مَا تَشَآءُ قَدِيرٌ. رَبَّنَا آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلْءَاخِرَةِ حسنة




