الأحكام الطبية

جراحة التجميل التحسينية

السلام عليكم شيخ عبد الحي انا طبيبة جلدية من ضمن شغلي حقن مواد في الوجه لمحو التجاعيد او نفخ الشفاه او إدخال خيوط لرفع الوجه وإخفاء التجاعيد وانا ارجو الا اكون بعملي هذا اخالف ربي. ارجو الافادة وكذلك بسأل عن تركيب الرموش. انا مجالي جلدية تجميل.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

فقد عرَّف الأطباء المختصون جراحة التجميل بأنها: “جراحة تجري لتحسين منظر جزء من أجزاء الجسم الظاهرة، أو وظيفته إذا ما طرأ عليه نقص، أو تلف، أو تشوه” وهي تنقسم عندهم إلى نوعين:

الأول: ضروري، ويصفه الأطباء بكونه ضروريًا لمكان الحاجة الداعية إلى فعله، إلا أنهم لا يفرِّقون فيها بين الحاجة التي بلغت مقام الاضطرار (الضرورة) والحاجة التي لم تبلغه (الحاجية) كما هو مصطلح الفقهاء رحمهم الله. ومن أمثلة هذا النوع جراحة التجميل التي تجرى لمعالجة عيب ما في جسم الإنسان، سواء أكانت عيوباً أصلية ولد بها أو عيوباً طارئة نشأت من حوادث أو حروق.

والعيوب التي يولد بها الإنسان وتحتاج إلى تدخل جراحي من أمثلتها:

(1) الشق في الشفة العليا “الشفة المفلوجة”.

(2) التصاق أصابع اليدين، والرجلين.

(3) انسداد فتحة الشرج.

(4) شذوذ الحويضة الخلقي ومن أهمها (ازدواج حويضة الكلية)

ومن أمثلة العيوب المكتسبة الطارئة:

(1) كسور الوجه الشديدة التي تقع بسبب حوادث السير.

(2) تشوه الجلد بسبب الحروق.

(3) تشوه الجلد بسبب الآلات القاطعة.

(4) التصاق أصابع الكف بسبب الحروق.

وهذا النوع من الجراحة الطبية وإن كان مسماه يدل على تعلقه بالتحسين والتجميل إلا أنه توفرت فيه الدوافع الموجبة للترخيص بفعله.

ولا شك أن هذه العيوب يتضرر الإنسان بها حساً ومعنى، وذلك ثابت طبياً، ومن ثم فإنه يشرع التوسيع على المصابين بهذه العيوب بالإذن لهم في إزالتها بالجراحة اللازمة، وذلك لما يأتي:

أولاً: أن هذه العيوب تشتمل على ضرر حسي، ومعنوي، وهو موجب للترخيص بفعل الجراحة لأنه يعتبر حاجة، فتنزل منزلة الضرورة ويرخص بفعلها إعمالاً للقاعدة الشرعية التي تقول: “الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة”.

ثانيًا: يجوز فعل هذا النوع من الجراحة كما يجوز فعل غيره من أنواع الجراحة المشروعة المتقدمة بجامع وجود الحاجة في كل.

فالجراحة العلاجية مثلاً وجدت فيها الحاجة المشتملة على ضرر الألم وهو ضرر حسي، وهذا النوع من الجراحة في كثير من صوره يشتمل على الضرر الحسي والمعنوي.

والجواز فيها مبنيٌّ على وجود الحاجة الداعية إلى فعلها، وهي إما أن تبلغ مقام الضروريات كما في الجراحة العلاجية الضرورية، وجراحة الولادة الضرورية. وإما أن تبلغ مقام الحاجيات كما في الجراحة العلاجية الحاجية، وجراحة الولادة الحاجية، وجراحة التشريح لغرض تعليم الطب، وجراحة الكشف والفحص الطبي، وجراحة التجميل الحاجية.

أو تكون دونهما كما في الجراحة العلاجية الصغرى. وقد يكون جوازها مبنيًا على ورود الإذن الخاص من الشرع بفعلها كما في جراحة الختان.. والله أعلم.

أما النوع الوارد في السؤال فهو من النوع الثاني الذي هو جراحة التجميل التحسينية، وهي: جراحة تحسين المظهر، وتجديد الشباب، والمراد بتحسين المظهر تحقيق الشكل الأفضل، والصورة الأجمل، دون وجود دوافع ضرورية أو حاجية تستلزم فعل الجراحة.

وأما تجديد الشباب فالمراد به إزالة الشيخوخة، فيبدو المسنُّ بعدها وكأنه في عهد الصبا، وعنفوان الشباب في شكله وصورته. قال العلامة الشيخ محمد المختار الشنقيطي حفظه الله تعالى:

والعمليات المتعلقة بهذه الجراحة تنقسم إلى نوعين:

النوع الأول: عمليات الشكل. ومن أشهر صوره:

(1) تجميل الأنف بتصغيره، وتغيير شكله من حيث العرض والارتفاع.

(2) تجميل الذقن، وذلك بتصغير عظمها إن كان كبيرًا، أو تكبيره بوضع ذقن صناعية تلحم بعضلات، وأنسجة الحنك.

(3) تجميل الثديين بتصغيرهما إذا كانا كبيرين، أو تكبيرهما بحقن مادة معينة مباشرة في تجويف الثديين، أو بحقن الهرمونات الجنسية، أو بإدخال النهد الصناعي داخل جوف الثدي بواسطة فتحة في الطية الموجودة تحت الثدي.

(4) تجميل الأذن بردها إلى الوراء إن كانت متقدمة.

(5) تجميل البطن بشد جلدتها وإزالة القسم الزائد بسحبه من تحت الجلد جراحيًا.

وأما النوع الثاني، وهو عمليات التشبيب؛ فإنه يجري لكبار السن، ويقصد منه إزالة آثار الكبر والشيخوخة، ومن أشهر صوره ما يلي:

(1) تجميل الوجه بشد تجاعيده، سواء برفع جزء منه، أو برفع جزء منه ومن الرقبة وهو ما يسمى بالرفع الكامل. وكذلك تجميله بعملية القشر الكيماوي.

(2) تجميل الأرداف، وذلك بإزالة المواد الشحمية في المنطقة الخلفية العليا، أو المنطقة الجانبية من الأرداف ثم تشد جلدتها، ويهذب حجمها بحسب الصورة المطلوبة.

(3) تجميل الساعد، وذلك بإزالة القسم الأدنى من الجلد والشحم.

(4) تجميل اليدين، ويسمى في عرف الأطباء “بتجديد شباب اليدين”، وذلك بشد التجاعيد الموجودة في أيدي المسنين والتي تشوه جمالها.

(5) تجميل الحواجب، وذلك بسحب المادة الموجبة لانتفاخها، نظرًا لكبر السن وتقدم العمر.

فهذه هي مجمل صور الجراحة التجميلية كما بينتها الكتب المختصة بجراحة التجميل.

وهذا النوع من الجراحة لا يشتمل على دوافع ضرورية، ولا حاجية، بل غاية ما فيه تغيير خلقة الله تعالى، والعبث بها حسب أهواء الناس، وشهواتهم، فهو غير مشروع، ولا يجوز فعله، وذلك لما يأتي:

أولاً: لقوله تعالى -حكاية عن إبليس لعنه الله {وَلأمُرَنَّهُمْ فَلَيُغِّيرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} فهذه الآية الكريمة واردة في سياق الذم، وبيان المحرمات التي يسول الشيطان فعلها للعصاة من بني آدم، ومنها تغيير خلقة الله.

وجراحة التجميل التحسينية تشتمل على تغيير خلقة الله والعبث فيها حسب الأهواء والرغبات، فهي داخلة في المذموم شرعًا، وتعتبر من جنس المحرمات التي يسول الشيطان فعلها للعصاة من بني آدم.

ثانيًا: لحديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال: “سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يلعن المتنمصات والمتفلجات للحسن اللآتي يغيرن خلق الله” فهذا الحديث دلَّ على لعن من فعل هذه الأشياء، وعلل ذلك بتغيير الخلقة، وفي رواية: “والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله”، فجمع بين تغيير الخلقة وطلب الحسن، وهذان المعنيان موجودان في الجراحة التجميلية التحسينية، لأنها تغيير للخلقة بقصد الزيادة في الحسن، فتعتبر داخلة في هذا الوعيد الشديد ولا يجوز فعلها.

ثالثًا: لا تجوز جراحة التجميل التحسينية كما لا يجوز الوشم، والوشر، والنمص، بجامع تغيير الخلقة في كل طلبًا للحسن والجمال.

رابعًا: أن هذه الجراحة تتضمن في عدد من صورها الغش والتدليس وهو محرم شرعًا، ففيها إعادة صورة الشباب للكهل والمسن في وجهه وجسده، وذلك مفض للوقوع في المحظور من غش الأزواج من قبل النساء اللاتي يفعلن ذلك، وغش الزوجات من قبل الرجال الذين يفعلون ذلك.

خامسًا: أن هذه الجراحة لا يتم فعلها إلا بارتكاب بعض المحظورات وفعلها، ومن تلك المحظورات التخدير، إذ لا يمكن فعل شيء من المهمات التي سبق ذكرها إلا بعد تخدير المريض تخديرًا عامًا أو موضعيًا، ومعلوم أن التخدير في الأصل محرم شرعاً، وفعله في هذا النوع من الجراحة لم يأذن به الشرع لفقد الأسباب الموجبة للترخيص والإذن به، وعليه فإنه يعتبر باق على الأصل الموجب لحرمة استعماله.

ومن تلك المحظورات -أيضًا- قيام الرجال بمهمة الجراحة للنساء الأجنبيات والعكس، وحينئذ ترتكب محظورات عديدة كاللمس، والنظر للعورة، والخلوة بالأجنبية، وإذا قام بفعلها الرجال لأمثالهم والنساء لأمثالهن فإنه يحصل كشف العورة في بعضها كما في جراحة تجميل الأرداف.

وهذه المحظورات لم يثبت الترخيص فيها من قبل الشرع في هذا النوع من الجراحة لانتفاء الأسباب الموجبة للترخيص فأصبحت باقية على أصلها من الحرمة، فلا يجوز فعل الجراحة التحسينية الموجبة للوقوع فيها.

سادسًا: أن هذه الجراحة لا تخلو من الأضرار والمضاعفات التي تنشأ عنها ففي جراحة تجميل الثديين بتكبيرهما عن طريق حقن مادة السلكون أو الهرمونات الجنسية يؤدي ذلك إلى حدوث أخطار كثيرة إضافة إلى قلة نجاحها.

ونظرًا لخطورتها يقول بعض الأطباء المختصين: “هناك اتجاه علمي بأن مضاعفات إجراء هذه العملية كثيرة لدرجة أن إجراءها لا ينصح به” اهـ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى