حقوق الأبناء على الآباء

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخ عبد الحي، هل يوجد ما يتعلق بحقوق الأبناء على الآباء في الدين؟ غير أن يحسن اختيار أمه واختيار اسمه، هل للآباء فقط لأنهم أوجدونا حق مطلق علينا؟ ونحن نعلم يقيناً أن ما يفعلونه ظلم، من سبّ أو شتم أو سوء معاملة ويتذرعون بأن لهم مطلق الحق علينا؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ودين الله عز وجل وسط فلا إفراط فيه ولا تفريط؛ وتربية الأولاد عمل كبير ينبغي فيه السير بالقسط والعدل من غير وكس ولا شطط؛ وذلك يكون بأمور لا بد من الإحاطة بها؛ فقد جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشكو عقوق ولده، فدعا عمر بالولد ووبخه وناصحه، فقال الولد: لا تعجل يا أمير المؤمنين، أليس لي حق على أبي كما له حق عليَّ؟ قال: نعم، قال: فما حقي عليه؟ قال: أن يحسـن اختيار أمك، ويسميك اسماً حسناً، ويحفظك القرآن، قال الولد: فإن أبي لم يفعل شيئاً من ذلك: أما أمي هي أمة زنجية خرقاء اشتراها بدرهمين فولدتني فسماني جعلاً، ولم يحفظني من القرآن آية. فقال عمر للأب: اخرج فقد سبقت ولدك إلى العقوق.
فلا بد للوالد أن يستحضر ما أعد الله له من ثواب في تربيته أولاده ونفقته عليهم؛ فقد روى مسلم والترمذي عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه على فرسه في سبيل الله ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله). قال أبو قلابة: بدأ بأبي العيال، وأي رجل أعظم أجراً من رجل ينفق على عيالـه صغاراً يعفهم الله به أو ينفعهم الله به ويغنيهم. رواه مسلم. وعن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: مرَّ على النبي صلى الله عليه وسلم رجل فرأى أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم من جلَده ونشاطه، فقالوا يا رسول الله: لو كان هذا في سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً فهو في سبيل الله).. الحديث رواه الطبراني، وفي الحديث (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول) والأحاديث في هذا المعنى كثيرة..
وسأل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما الأحنف بن قيس عن الولد: فقال: يا أمير المؤمنين: أولادنا ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا، نحن لهم أرض ذليلة، وسماء ظليلة، فإن طلبوا فأعطهم، وإن غضبوا فأرضهم، يمنحوك ودّهم، ويحبوك جهدهم، ولا تكن عليهم ثقلا فيتمنوا موتك ويكرهوا قربك ويملوا حياتك، فقال معاوية: لله أنت، لقد دخلت عليَّ وإني لمملوء غيظاً على يزيد ولقد أصلحت من قلبي له ما كان فسد..
وليس صحيحاً أن للوالدين مطلق الحق في أن يفعلا ما يشاءان بل عليهما التقيد بآداب الشرع وأحكامه، فقد قال عمر بن ذر الهمداني لأبيه يعاتبه: يا أبت إن عظيم حقك عليَّ لا يذهب صغير حقي عليك، والذي تمت به إليَّ أمتّ بمثله إليك، ولست أزعم أنا سواء، ولكني أقول لا يحل الاعتداء”
والطرق لجعل الأبناء بارين كثيرة منها:
1- تربيتهم على الطاعة وتعظيم الدين والتمسك به: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً..) وقال تعالى عن إسماعيل: (وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضياً).
بعث الخليفة عبد العزيز بن مروان ابنه عمر إلى المدينة يتأدب بها، وكتب إلى صالح بن كيسان يتعاهده، فأبطأ الغلام يوماً عن الصلاة فقال له مؤدبه صالح بن كيسان: ما حبسك؟ قال: كنت أرجّل شعري فقال: بلغ من تسكين شعرك أن تؤثره على الصلاة؟ فكتب إلى أبيه بذلك.. فبعث الأب رسولاً إليه فما كلمه حتى حلق شعره. وفقد هشام بن عبد الملك ولده يوم جمعة فسأله عن سبب تأخره؟ فقال: إن بغلتي مرضت فعجزت عني، فقال: أما يمكنك المشي؟! ثم منعه أن يركب سنة، وألزمه أن يشهد الجمعة ماشياً.
ومما يجلب برَّ الأولاد: أن يداوم الأب على الدعاء لهم بالصلاح قال صلى الله عليه وسلم: (ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد لولده، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر) رواه أبو داود والترمذي. وقد كان ذلك دأب الأنبياء والصالحين، قال تعالى حاكياً سليمان أنه قال في دعائه: {رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي}
وكان من دعاء الصالحين أنهم قالوا: {ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً}
قال هشام بن حسان: سمعت سعيد بن جير يقول: إني لأزيد في صلاتي من أجل ابني. قال هشام: رجاء أن يحفظه الله.
ومن ذلك: أن يكون الأب نفسه صالحاً طائعاً لله تعالى؛ ذكر بعض المفسرين عند قوله تعالى في قصة الخضر وموسى لما أصلح جدار الغلامين وقال: {وكان أبوهما صالحاً} ذكروا: أن هذا الأب الصالح هو جدهم السابع، وقيل: العاشر، فبلغت بركة صلاحه وعبادته السابع من عقبة.
لذا جاء في بعض الإسرائيليات أن الله تعالى (أوحى إلى بعض أنبيائه: إني إذا رضيت أنعمت ونعمتي لا يوازيها شيء، وإذا غضبت لعنت ولعنتي تبلغ السابع من الولد).
ومما يجلب بر الأبناء: أن يكون الأب رفيقاً في التعامل معهم ولا يكون دائماً تلفاً قاسياً إلا إن احتاج الأمر لذلك، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه) رواه البخاري.
قال أحد العلماء لما تكلم عن أدب الأب المسلم: ويعينهم على بره، ولا يكلفهم من البر فوق طاقتهم ولا يلحّ عليهم وقت ضجرهم، ولا يمنعهم من شيء مباح يريدونه مخافة أن يعصوه في ذلك فيستوجبون النار.
وكان يقال: الولد ريحانتك سبعاً، وخادمك سبعاً، وهو بعد ذلك صديقك أو عدوك أو شريكك.
ومن عجيب ما يروى في ذلك ما ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد بسند رجاله ثقات عن أبي ليلى قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وعلى صدره أو بطنه الحسن بن علي، فبال الغلام فرأيت بوله أساريع – أي طرائق – فقمت إليه: فقال: (دعوا ابني لا تفزعوه حتى يقضي بوله، ثم أتبعه الماء). وروى مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: (ما رأيت أحداً كان أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم). ودخل عليه الأقرع بن حابس رضي الله عنه فرآه يُقبِّل الحسن، فقال الأقرع: تقبلون الصبيان! إن لي عشرة من الولد ما قبّلت واحداً منهم، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا أملك أن نزع الله الرحمن من قبلك) رواه مسلم.
ومما يجلب بر الآباء: أن يقدم الأب رضا الله تعالى على رضاهم، ولا تحمله عاطفته وحبه على تنفيذ ما يشتهونه وإن كان محرماً. قال صلى الله عليه وسلم: (من طلب رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط الناس) رواه الترمذي. ومن الأمثلة الرائعة في ذلك: أن شريح بن الحارث القاضي: قال له ابنه: يا أبتِ إن بيني وبين قوم خصومة فأعرضها عليك فإن كان الحق لي خاصمتهم وطلبت حقي، وإن كان لهم سكتُّ، فلما قصّ عليه قال: بل خاصمهم، فلما اختصموا إلى شريح قضى لهم على ابنه، فلما خرجوا، عاتبه ابنه، وقال يا أبي لو لم أشاورك قبلها لما لُمْتك، فقال شريح: والله يا بني لأنت أحب إليَّ من ملء الأرض من مثلهم، ولكن الله أعز عليَّ منك، أن أخبرك أن القضاء عليك فتصالحهم فتذهب ببعض حقهم.
ومن أعظم الأسباب الجالبة للعقوق الدافعة للبر، التفرقة بين الأولاد في التعامل أو العطية أو غير ذلك والظلم مرتعه وخيم، فإن هذا يفسد الأولاد على أبيهم أولاً، ويورث الشحناء والبغضاء بينهم ثانياً، خاصة إن كانوا من أمهات شتى..
وهب بشير بن سعد رضي الله عنه ولده النعمان غلاماً (عبداً) ثم جاء ليشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك فسأله: يا بشير ألك ولد سوى هذا؟ قال: نعم، فقال: أكلهم وهبت له مثل هذا؟ قال: لا، قال: فلا تشهدني إذاً، فإني لا أشهد على جور.، اتقوا لله واعتدلوا بين أولادكم. رواه مسلم.
فالتفريق بين الأولاد في إعطاء المال أو تكاليف حاجات البيت، أو حتى الإكثار من الثناء على أحدهم أمام إخوانه أو أخواته، أو الانتصار لأحدهم دائماً، حتى وإن كان هو أصغرهم أو أكبرهم، كل ذلك مما يثير الحسد والبغضاء في نفوسهم لأخيهم وقد يتعدى هذا إلى والدهم، نعم قد يحتاج الأب إلى مكافأة بعضهم أو الثناء عليه دون بعض لفوز أحرزه، أو نحو ذلك، فهذا لا بأس به إذا كان بقدر موزون.
ومن أصول التربية الإسلامية: الحكمة في التوجيه فقد جاءت الشريعة على التيسير والتسديد والمقاربة، والأب وإن كان – على الأغلب – أعقل وأخبر بالأمور من أبنائه، إلا أنه ينبغي أن يحترم شخصية ابنه ويترك له مجال الاختيار والتصرف، ولا يعترض عليه في كل صغيرة وكبيرة، دعه يخطئ ليصيب، ويحاول لينجح.
ومن الملاحظ أن بعض الآباء يعقد لأبنائه دائماً مجالس تحقيق يعاتب ويلاحظ ويوجه، وهذا حسن ولكنه يملهم.. روى البخاري أنه صلى الله عليه وسلم كان يتخول أصحابه بالموعظة مخافة السامة عليهم!! قال بعض أهل العلم موجِّهاً الآباء: “ولا تكثر القول عليه بالعتاب في كل حين، فإنه يهون عليه سماع الملامة، وركوب القبائح، ويسقط وقع الكلام من قلبه، وليكن الأب حافظاً هيبة الكلام معه فلا يوبخه إلا أحياناً”.
ومن أعظم صفات الكرام التغافل عن السيئات.
ليس الغبي بسيد في قومه لكـن سيد قومه المتغابي
بل ينبغي على الأب أن ينوع الأساليب في نصح ولده فلا تكون دائماً مباشرة بل يكون أحياناً كما قيل: إياكِ أعني واسمعي يا جارة، فيذكر له مرة قصة، ويعاتبه أخرى مع شيء من المزح والتلطف.
إذا رمت يوماً أن تسود قبيلة فبالحكم سُد لا بالتسلط والكبر.
ومن أعظم حقوق الأبناء على الآباء: المخالطة لأبنائهم، فإن الأبناء الصغار قد لا يدركون الحياة بعقولهم وأفهامهم لكنهم يدركونها بعيونهم وبما يشاهدونه من ملاطفة ومخالطة أما عندما ينشغل الأب صباحاً ومساء عن أولاده، ويكل تربيتهم إلى أمهم ولا يكون همه إلا ملء بطونهم، وكسوة أجسامهم، فهذا هو التضييع المورث للجفاء.




