هل يصل ثواب قراءة القرآن إلى الميت؟

نحن ـ جمعية الصلاة على الرسول ـ وقد تناقشنا مع إحدى الأخوات التي زارتنا لإقامة درس عن الموتى وكيفية الترحم عليهم، وقالت:
- القرآن لا يصل إلى الميت فهل هذا صحيح؟
- لا يجوز قراءة الفاتحة وإهداء ثوابها للميت لأنها لا تصل إليه
- الدعاء فقط بدون آيات قرآن
ونحن نسأل هل هذا صحيح؟ وهل عمل ختمة القرآن للميت غير صحيح؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
ففي وصول ثواب قراءة القرآن إلى الميت خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى؛ حيث ذهب بعضهم ـ وهم أحمد بن حنبل وكثير من أصحاب مالك والشافعي ـ إلى وصولها، ونسب ذلك السيوطي للأئمة الثلاثة ـ أبي حنيفة ومالك وأحمد ـ حيث قال: الأئمة الثلاثة على وصول ثواب القراءة للميت، ومذهبنا خلافه لقوله تعالى {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} انظر: الإتقان 1/132، وقد استدلوا على ما ذهبوا إليه بأدلة منها:
أولاً: قياساً على ما ثبت نصاً كالحج والعمرة والدعاء، حيث وردت الأحاديث الصحيحة بجواز إهداء ثواب بعض الأعمال كالحج، والصدقة والصوم إلى الميت، ولم تذكر هذه الأحاديث كل الأعمال، فألحقوا ما لم يُذكر بما ذُكر وهذا من باب إلحاق النظير بنظيره لوضوح علته، وهو أن من ملك شيئاً جاز له إهداؤه، فقالوا: يجوز أن يهدي القارئ ثواب قراءته رجاء قبولها للميت المسلم، وهذا نوع من الاستنباط الذي جرى عليه العلماء، منهم العلامة ابن القيم في كتاب الروح.
ثانياً: بما ورد في حديث عائشة رضي الله عنها قالت {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوّذ نفسه بالمعوذات؛ فلما ثقل به المرض كنت أنا أُعوذه بهما وأضَع يده على جسده رجاء بركتها} قال السيوطي رحمه الله تعالى: فهل قراءة المعوذتين إلا نيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كان يفعله بنفسه؟ فإذا صحت النيابة في التعوذ والتبرك بالقرآن فلماذا لا تصح في ثواب القراءة؟
ثالثاً: أن الأمر لا يعدو كونه دعاء، وذلك أن القارئ يقرأ ثم يدعو الله بأن يجعل ثواب ما قرأ لفلان من الناس. قَالَ ابن الحاج المالكي رحمه الله تعالى فِي الْمَدْخَلِ: مَنْ أَرَادَ وُصُولَ ثَوَابِ الْقِرَاءَةِ بِلَا نِزَاعٍ فَلْيَجْعَلْ ذَلِكَ دُعَاءً بِأَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ صِلْ ثَوَابَ ذَلِكَ. انظر: شرح مختصر خليل للخرشي (ج 5/ص468) قال النفراوي رحمه الله تعالى: وَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ لِلْمَيِّتِ ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ وَلِلْقَارِئِ ثَوَابُ الدُّعَاءِ. انظر: الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (ج 3/ ص283)
رابعاً: قياساً على انتفاع الحي بالقرآن، قال السبكي رحمه الله تعالى: الذي دلَّ عليه الخبر بالاستنباط أن بعض القرآن إذا قصد به نفع الميت وتخفيف ما هو فيه، نفعه، إذ ثبت أن الفاتحة لما قصد بها القارئ نفع الملدوغ نفعته، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: وما يدريك أنها رقية؟ وإذا نفعت الحي بالقصد كان نفع الميت بها أولى ا.هــ. انظر: إعانة الطالبين (ج 3/ ص258) ورُدَّ عليه بأن الكلام ليس في مطلق النفع، بل في حصول ثوابها له، وهذا لا يدل عليه حديث الملدوغ.
خامساً: الاستدلال بعمل المسلمين في سائر الأمصار من غير نكير. ففي المغني لابن قدامة المقدسي: قال أحمد بن حنبل: الميت يصل إليه كل شيء من الخير، للنصوص الواردة فيه، ولأن المسلمين يجتمعون في كل مصر، ويقرؤون، ويُهدون لموتاهم من غير نكير، فكان إجماعاً. ا.هـ .
سادساً: أن من عمل عملاً ملك ثوابه ومن ملك شيئا فله أن يهبه ما لم يقم بالموهوب له مانع من الانتفاع بالثواب ولا يمنع منه إلا الكفر والموت ليس بمانع بدليل وصول الدعاء
وهذا هو مذهب الحنفية والحنابلة وبعض متأخري المالكية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما، وهو اختيار المحب الطبري وابن الصلاح والنووي من الشافعية، وقد أفتى به من المتأخرين العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمهم الله جميعاً
وها هنا لا بد من التنبيه إلى أن الرواية عن مالك رحمه الله تعالى في هذه المسألة مختلفة؛ قال العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى: وحكى ابن الفرس عن مذهب مالك أن من قرأ ووهب ثواب قراءته لميت جاز ذلك ووصل للميت أجرُه ونفعُه. فما ينسب إلى مالك من عدم جواز إهداء ثواب القراءة في كتب المخالفين غير محرر. انظر: التحرير والتنوير 14/199
وذهب آخرون ـ وعلى رأسهم الإمام الشافعي ـ إلى عدم وصول ثوابها، واستدلوا على ذلك بما يلي:
أولاً: قوله تعالى {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} حيث إن دلالة الآية ظاهرة في أن الإنسان لا ينتفع إلا بسعي نفسه ما تسبب به في حياته.
ورد عليه بأن ظاهر الآية لا يدل على أن الميت لا ينتفع بالثواب؛ فإن الله تعالى قال {ليس للإنسان إلا ما سعى} وهذا حق، فإنه إنما يستحق سعيه، فهو الذي يملكه، كما أنه لا يملك من المكاسب إلا ما اكتسبه هو، وأما سعي غيره فهو حق وملك لذلك الغير لا له، ولهذا الغير أن يهدي سعيه لمن شاء. فإنه ليس كل ما ينتفع به الحي أو الميت من سعيه، بل قد يكون من سعيه فيستحقه لأنه من كسبه، وقد يكون من سعي غيره فينتفع به بإذن صاحبه، كالدين الذي يوفيه الإنسان عن غيره فتبرأ ذمته.
ثانياً: أن ذلك لم ينقل من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولا من فعل خلفائه الراشدين ولا أصحابه الطيبين رضي الله عنهم والخير كل الخير في اتباعهم. قال الإمام ابن كثير – رحمه الله – في “تفسيره” (4/401) معللاً سبب المنع من وصول ثواب القراءة “إنه ليس من عملهم، ولا كسبهم، ولهذا لم يندُب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته، ولا حثهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم ولو كان خيراً؛ لسبقونا إليه. وباب القربات يُقتصر فيه على النصوص، ولا يُتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء”
وقد أطال الإمام ابن القيم رحمه الله النفس في الرد على هذا فقال: فإن قيل فرسول الله صلى الله عليه وسلم أرشدهم إلى الصوم والصدقة والحج دون القراءة!! قيل: هو لم يبتدئهم بذلك، بل خرج ذلك منه مخرج الجواب لهم، فهذا سأله عن الحج عن ميته فإذن له، وهذا سأله عن الصيام عنه فإذن له، وهذا سأله عن الصدقة فإذن له ولم يمنعهم مما سوى ذلك، وأي فرق بين وصول ثواب الصوم الذي هو مجرد نية وإمساك بين وصول ثواب القراءة والذكر؟ فإن قيل: فهذا لم يكن معروفاً في السلف ولا يمكن نقله عن واحد منهم مع شدة حرصهم على الخير ولا أرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم وقد أرشدهم إلى الدعاء والاستغفار والصدقة والحج والصيام فلو كان ثواب القراءة يصل لأرشدهم إليه ولكانوا يفعلونه!!
فالجواب أن مُورد هذا السؤال إن كان معترفاً بوصول ثواب الحج والصيام والدعاء والاستغفار، قيل له: ما هذه الخاصية التي منعت وصول ثواب القرآن واقتضت وصول ثواب هذه الأعمال؟ وهل هذا إلا تفريق بين المتماثلات؟ وإن لم يعترف بوصول تلك الأشياء إلى الميت فهو محجوج بالكتاب والسنة والإجماع وقواعد الشرع… ثم قال: وأما السبب الذي لأجله لم يظهر ذلك في السلف فهو أنهم لم يكن لهم أوقاف على من يقرأ ويهدي إلى الموتى، ولا كانوا يعرفون ذلك البتة، ولا كانوا يقصدون القبر للقراءة عنده كما يفعله الناس اليوم، ولا كان أحدهم يُشهد من حضره من الناس على أن ثواب هذه القراءة لفلان الميت، ثم يقال لهذا القائل: لو كُلِّفت أن تنقل عن واحد من السلف أنه قال: اللهم اجعل ثواب هذا الصوم لفلان، لعجزت فإن القوم كانوا أحرص شيء على كتمان أعمال البر فلم يكونوا ليشهدوا على الله بإيصال ثوابها إلى أمواتهم. انظر: الروح/143 وقال في موضع آخر: والقائل إن أحداً من السلف لم يفعل ذلك قائل مالا علم له به؛ فإن هذه شهادة على نفي ما لم يعلمه؛ فما يدريه أن السلف كانوا يفعلون ذلك ولا يُشهدون من حضرهم عليه؛ بل يكفي اطلاع علام الغيوب على نياتهم ومقاصدهم لا سيما والتلفظ بنية الإهداء لا يشترط كما تقدم.ا.هــ
ثالثاً: قوله صلى الله عليه وسلم {إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له}
ورُدَّ عليه بأن ذكر الولد ودعائه له خاصان، لأن الولد من كسبه كما قال تعالى {ما أغنى عنه ما له وما كسب} فقد فسر الكسب هنا بالولد، ويؤيد هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم {إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه} رواه أصحاب السنن. فلما كان الأب هو الساعي في وجود الولد كان عمل الولد من كسب أبيه، بخلاف الأخ والعم والأب ونحوهم فإنه ينتفع بدعائهم بل بدعاء الأجانب، لكن ليس ذلك من عمله. والنبي صلى الله عليه وسلم قال {انقطع عمله إلا من ثلاث..} ولم يقل أنه لا ينتفع بعمل غيره، فإذا دعا له ولده كان هذا من عمله الذي لم ينقطع وإن دعا له غيره لم يكن من عمل الوالد ولكنه ينتفع به
ومن هنا يعلم أن في المسألة خلافاً قوياً بين أهل العلم، وأن الذي عليه جمهورهم هو القول بوصول ثواب القراءة للميت؛ وعليه فما ينبغي النكير على من فعله ولا على من أفتى به؛ بل لعل هذا هو الراجح والله أعلم.
وأما عمل الختمة بما جرت عليه عادة الناس اليوم من اجتماعهم في بيت الميت، وإمساك كل واحد بجزء من القرآن يقرأ سراً، ويعتبرون ذلك ختمة للميت مع ما يتبع ذلك من صناعة الطعام؛ فإنه بدعة محدثة اشتملت على عدة محاذير منها:
- أنه لم يكن من فعل السلف رضي الله عنهم أنهم يجتمعون في بيت الميت على هذه الصفة، ولو كان لنقل
- أن الاجتماع في بيت الميت معدود في النياحة المنهي عنها؛ كما في حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه {كنا نعد الاجتماع في بيت الميت وصناعة الطعام من النياحة} رواه أحمد وابن ماجه
- أن هذا العمل لا يخلو من رياء ومجاملة، ومعلوم أن شرط القربة ـ لتقع من الله بموقع القبول ـ أن يبتغى بها وجه الله
- ما يقع من التكلف من قبل أهل الميت في صناعة الطعام وإثقال كاهلهم بتلك المصاريف الباهظة واعتقاد ذلك كله سُنَّةً




