حكم نقل الميت

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.
فإن تحصيل القول في هذه المسألة أن العلماء ـ رحمهم الله ـ مختلفون في حكمها، فقد قال ابن حبيب من المالكية: لا بأس بأن يحمل الميت من البادية إلى الحاضرة ومن موضع لآخر، مات سعيد بن زيد وسعد بن أبي وقاص بالعقيق فحملا للمدينة، ورواه ابن وهب، وروى لا باس به للمصر إن قرب، فتح العلي المالك 1/158
وقيَّد المالكية ذلك الجواز بألا يترتب علبه ضرر للميت بانتهاك حرمته بانفجاره أو تغيُّره أو كسر عظامه.
وعند الأحناف يُكره النقل من بلد إلى بلد ويستحب أن يدفن كلٌ في مقبرة البلد التي مات بها، ولا بأس بنقله نحو ميل أو ميلين؛ لأن المسافة إلى المقابر قد تبلغ هذا المقدار.
وعند الشافعية يحرم نقل الميت من بلد إلى بلد، إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس، فإنه يجوز النقل إلى إحدى هذه البلاد لشرفها وفضلها، ولو أوصى بنقله إلى غير هذه الأماكن الفاضلة لا تنفذ وصيته؛ لما في ذلك من تأخير دفنه وتعرضه للتغير.
وبعد عرض هذه الأقوال لأئمة المذاهب رحمهم الله يمكننا القول بأن الميت لا يخلو من حالين: إما أن يموت في أرض إسلامية قطانها مسلمون يقومون على أمره من غسل وكفن وصلاة ودفن وللمسلمين بها مقبرة مصونة، وإما أن يموت بدار كفر ليس للمسلمين بها مقبرة، وعلى الحال الأولى نقول لا يجوز نقل الميت لأن نقله ـ والحال ما ذكرنا تترتب عليه مفاسد عديدة منها:
1ـ تعريضه لانتهاك الحرمة إذ لا يتأتى نقله إلا بعد استخراج أحشائه وتعرضه للمثلة
2ـ تعريضه للتغير بطول المكث؛ خاصة إذا أن العلماء أباحوا الخبب في حمل الجنازة إذا خيف تغيرها، وأباحوا دفنها في الأوقات المنهي عنها بالسبب نفسه
3ـ تأخير دفنه بما يتعارض مع الأمر النبوي (أسرعوا بالجنازة)
4ـ إنفاق الأموال الكثيرة في إجراءات التحنيط والنقل، وقد أولى بها أهله وذووه، ولما قيل لأبي بكر ألا نأتيك بكفن جديد؟ قال: إن الحي أولى بالجديد من الميت.
5ـ إرهاق أهله بالبقاء في حال ترقب انتظاراً لوصول الجثمان، بما يمتد أحياناً إلى أيام طويلة وما يتبع ذلك من نفقات باهظة
ولو فرض أن هناك مصلحة في نقله من تطييب قلوب أهله بدفنه بينهم فإنها ملغاة بجنب تلك المفاسد الكثيرة.
أما إذا كان قد مات بدار كفر حيث لا يوجد للمسلمين مقابر مستقلة أو هي موجودة لكنها باهظة الثمن فإنه يمكن في تلك الحال القول بجواز أو أفضلية نقله لأن المصلحة ـ والحال هذه ـ متحققة، والله تعالى أعلم




