
الحمد لله ربِّ العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله إله الأولين والآخرين، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبدُ الله ورسوله النبي الأمين، بعثه الله بالهدى ودين الحق، لينذر من كان حيًّا ويحق القول على الكافرين. اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين، وآل كلٍّ وصحب كلٍّ أجمعين، وأحسن الله ختامي وختامكم وختام المسلمين، وحشرنا جميعًا تحت لواء سيد المرسلين.
أما بعد، أيها المسلمون عباد الله، إن ربنا جلَّ جلاله يخاطب نبيَّه صلى الله عليه وسلم فيقول: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.
إذا كان المصطفى صلى الله عليه وسلم – وهو أطهر الناس قلبًا، وأحسنهم هديًا، وأكثرهم تعلقًا بالله – يُحذَّر من الفتنة، فكيف بنا نحن؟ لا شك أننا جميعًا معرضون لها.
الفتنة في القرآن تطلق على أربعة معانٍ: الأول: الابتلاء والاختبار، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ وقوله: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾. الثاني: الكفر والشرك، كقوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ و﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾. الثالث: الحجة، كقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. الرابع: الإحراق بالنار، كقوله: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾.
والفتنة في الجملة نوعان: فتنة شهوات، وفتنة شبهات. أما فتنة الشهوات فأكثر الناس فيها غارقون: فتنة المال، فتنة الجاه، فتنة النساء والمحرمات، وكثير لا يبالي بما انتهك من حرمات في سبيل الوصول إلى مراده. وأما فتنة الشبهات فهي الصد عن سبيل الله وتزيين الباطل، وهي تطل علينا اليوم في كل ساعة عبر الفضائيات ووسائل التواصل: هجوم على السنة، تشكيك في السيرة، ترويج للإلحاد، ادعاء أن أحكام الإسلام لا تصلح للعصر، وصف الجهاد بالإرهاب، زعم أن الإسلام ظلم المرأة بالحجاب والتعدد والميراث… إلى غير ذلك من الشبهات التي تُبث ليل نهار.
ثم يأتي تزيين الشهوات وإظهار المحرمات في صورة حسنة، ودعاة هؤلاء «دعاة على أبواب جهنم، من أجابه إليها قذفوه فيها»، وقد لبس كثير منهم زي العلماء وتكلموا بألسنتنا ليحرفوا الكلم عن مواضعه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيكون في آخر الزمان أناس يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم» (رواه مسلم).
وما أكثر الشباب اليوم الذين يريدون أن يسمعوا كل شيء بحجة «حب الاستطلاع»، فتقع الشبهة في القلب ثم لا يستطيعون التخلص منها.
فما المخرج؟ أولاً: تقوى الله، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾. ثانيًا: الاعتصام بالكتاب والسنة، ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. ثالثًا: البعد عن مواطن الفتنة، قال صلى الله عليه وسلم: «من سمع بالدجال فلينأ عنه، فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات». وقال تعالى لنبيه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾، وقال لنا: ﴿وَقَدْ نَزَلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾.
إياكم والمجالس التي يُعصى الله فيها، أو تُطرح فيها الشبهات، سواء كانت وجاهية أو عبر الفضائيات أو وسائل التواصل.
نسأل الله أن يجيرنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يحيينا مسلمين ويتوفانا مسلمين، ويلحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين.
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله. أيها المسلمون اتقوا الله حق تقاته وتوبوا إليه جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون.
اعلموا أن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم إذا هلك كبير من كبار المنافقين أو من أعداء الدين أن يفرح ويسر ويسجد لله شاكرًا، فقال يوم هلاك أبي جهل: «الله أكبر، هذا فرعون هذه الأمة». فإذا هلك من كان ردءًا للصهاينة وعونًا لهم على إخواننا في غزة، وأسرف في دماء المسلمين، فلا شك أننا نفرح ونسر، ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾، فهلاك المنافقين والمفسدين رحمة من الله بعباده.
اللهم انصر إخواننا المجاهدين في كل مكان، ثبت أقدامهم، قوِّ شوكتهم، اجمع كلمتهم، سدد رميهم، احفظهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ومن فوقهم، ونعيذهم بعزتك أن يُغتالوا من تحتهم. اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين، اللهم انصر من نصر الدين واخذل من خذل الدين.
اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اجعل لنا من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ومن كل بلاء عافية، يسر أمورنا، واشرح صدورنا، واغفر ذنوبنا، وطهر قلوبنا، واستر عيوبنا، ونفس كربنا، وحسن أخلاقنا، وسع أرزاقنا، وبلغنا آمالنا، واختم بالباقيات الصالحات أعمالنا. يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك، احفظنا بالإسلام قائمين واحفظنا بالإسلام قاعدين واحفظنا بالإسلام راقدين، ولا تشمت بنا الأعداء ولا الحاسدين، اجعل يومنا خيرًا من أمسنا وغدنا خيرًا من يومنا، ووفقنا لما تحب وترضى، وخذ بنواصينا إلى البر والتقوى، واختم لنا بخاتمة السعادة أجمعين، واجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتوفنا وأنت راضٍ عنا.
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات. اللهم أطفئ نار الحرب في السودان، ورد المتمردين البغاة خاسئين، وعليك بهم وبمن ساندهم وقواهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، وأرنا فيهم عجائب قدرتك، واشف منهم صدور قوم مؤمنين.




