خطب الجمعة

من تشبه بقوم فهو منهم

خطبة الجمعة 26-12-2025

الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض، وله الحمد في الآخرة، وهو الحكيم الخبير. يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، وهو الرحيم الغفور.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن سيدنا ونبينا وإمامنا وعظيمنا محمدًا رسول الله، الرحمة المهداة والنعمة المسداة والسراج المنير، والبشير النذير، أرسله ربه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.

اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الذين عذروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، أولئك هم المفلحون.

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.

يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا.

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا.

أما بعد، أيها المسلمون عباد الله، فإن ربنا جل جلاله قد أقام هذا الكون على سنة الاختلاف، فالناس مختلفون في عقائدهم وطبائعهم، في ألسنتهم وألوانهم، كما قال جل من قائل: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ﴾.

وهذا الاختلاف أظهر ما يكون في العقائد، فالناس ما بين مؤمن وكافر، ما بين بر وفاجر، ما بين مخلص ومنافق. ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟ ما جاء الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم بإكراه الناس على دينهم، بل ربنا جل جلاله في القرآن قد أكد مرارًا على أن أكثر الناس على الكفر، على أن أكثر الناس الفسق والفجور والعصيان: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. هذه سنة الله الكونية التي أقام عليها هذا العالم.

أيها المسلمون عباد الله، لما بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم على حين فترة من الرسل وانقطاع من الوحي، وقد مقت أهل الأرض جميعًا عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، حاول المشركون أن يزعزعوا عقيدته وأن يصلوا معه إلى حل وسط كما يقول الناس. فجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا له: يا محمد، إن كنت تريد مالًا جمعنا لك حتى تكون أغنانا، إن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا، إن كنت تريد نساءً فانظر أجمل نساء قريش نزوجك عشرًا، إن كان الذي يأتيك رئيًا من الجن التمسنا لك الطب، فإن أبيت هذا كله عرضنا عليك خطة ترضاها. قال عليه الصلاة والسلام: وما ذاك؟ قالوا: نعبد إلهك سنة وتعبد آلهتنا سنة، فإن كان الذي عندنا خيرًا مما عندك أصبته، وإن كان الذي عندك خيرًا مما عندنا أصبناه.

فأنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. وما قدروا الله حق قدره.

وأنزل عليه تلك السورة التي نقرأها إذا أصبحنا في نافلة الصبح وإذا أمسينا في نافلة المغرب: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾. مفارقة ومفاصلة بين الكفر والإيمان، بين الحق والباطل، بين الهدى والضلال. فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ فأنى تُصرفون.

أيها المسلمون عباد الله، من نعمة الله علينا أنه بهذا الدين القويم، دين قائم على عقيدة واضحة: أن الله واحد لا شريك له، لا في ذاته ولا في صفاته. هل تعلم له سميًّا؟ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وأنه ليس لأحد من الخلق شيء من خصائص الألوهية. الله جل جلاله واحد أحد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.

دين قائم على شريعة سمحة: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

دين قائم على أخلاق جمعت الفضائل كلها، قدوتنا فيها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أثنى عليه ربه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. أخلاق ليس فيها ذل ولا خنوع، وليس فيها استجابة لنزغات الشيطان. ليس في ديننا: من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر، ومن أخذ ثوبك فأعطه الرداء، ومن سخرك ميلًا فاذهب معه اثنين. لا، ديننا يدعونا إلى العزة، يدعونا إلى القوة، يدعونا إلى الشعور بأننا نحن الأعلون لأننا مؤمنون. وفي الوقت نفسه يرغبنا في العفو والصفح والتسامح: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾، ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.

أيها المسلمون عباد الله، أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخالف أهل الكتاب، وألا نتبع سننهم، بل شدد النكير على أصحابه رضوان الله عليهم لما ظهر من بعضهم من تشبه بأولئك الذين كفروا. لما كان قافلًا من غزوة حنين صلوات ربي وسلامه عليه، فمر الصحابة على أناس يعبدون شجرة قد علقوا فيها أنواطًا، فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. قال: الله أكبر، إنها السنن، قلتم كما قال بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه. قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ أي فمن غيرهم؟ هؤلاء الذين يتشبهون باليهود والنصارى. النبي صلى الله عليه وسلم يقرع أسماعهم بهذه الكلمة التي تدل على كراهيته صلى الله عليه وسلم وبغضه لمسلك أولئك الذين غضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرًا.

أيها المسلمون عباد الله، عليه الصلاة والسلام حرص على مخالفتهم في كل شيء: في العادات، في العبادات، في الأخلاق، في الهيئة والمظهر. ففي العبادات، لما هاجر عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، كان إذا حان وقت الصلاة يؤذن الصحابة بعضهم بعضًا، يعلم بعضهم بعضًا: هيا على الصلاة، هيا على الصلاة. فصاروا يتناقشون فيما بينهم كيف يدعون إلى الصلاة، فقال بعضهم: نتخذ بوقًا. يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل اليهود. فقال بعضهم: نتخذ ناقوسًا. فكرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل النصارى. ثم جاءه عبد الله بن زيد بن عبد ربه، فقال: يا رسول الله، إني رأيت فيما يرى النائم – ولو شئت لقلت ما كنت نائمًا، بين أنا بين النائم واليقظان – إذ أتاني رجل عليه ثوبان أبيضان بيده ناقوس، فقلت: يا عبد الله، تبيعني؟ قال: ولِمَ؟ قال: نتخذه نداء للصلاة. قال: ألا أدلك على خير من ذلك؟ فاستقبل القبلة ثم قال: الله أكبر الله أكبر… (كلمات الأذان المعروفة)، ثم لبث حينًا فجاء فقال مثلما قال أولًا غير أنه زاد: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة. فقال عمر: يا رسول الله، والله إني رأيت مثل الذي رأى غير أنه سبقني. فقال عليه الصلاة والسلام: إنها رؤيا حق. ثم قال لعبد الله بن زيد: لقنها بلالًا فإنه أندى منك صوتًا.

فكان هذا الأذان الذي ننعم به في ديار الإسلام في كل يوم وليلة خمس مرات، ما كنا مشابهين لليهود في بوقهم ولا للنصارى في ناقوسهم، وإنما إذا أردنا أن ندعو إلى الصلاة فإننا نكبر الله، نهلله، نشهد لمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة، ندعو إلى الصلاة، ندعو إلى الفلاح، ثم نختم بالتكبير والتهليل كما بدأنا. هذا وديننا معشر المسلمين.

وكذلك في العادات الاجتماعية، نبينا صلى الله عليه وسلم لما جاءه أحد الناس فقال: أنعمت صباحًا، ما رد عليه الصلاة والسلام، بل قال له: إن الله أبدلنا بتحية هي خير مما قلت: السلام عليكم ورحمة الله. هذه تحية أهل الإسلام.

ونهانا صلى الله عليه وسلم أن يحيي بعضنا بعضًا أن يشير بإصبعه أو يشير بيده. قال عليه الصلاة والسلام: الإشارة بالأصابع تحية اليهود، مثلما يصنع الآن بعض شبابنا إذا لقي بعضهم بعضًا فإنه يشير إليه من بعيد ولا يتلفظون بالسلام. والإشارة بالأيدي تحية النصارى. ليس كذلك، نحن المسلمين يلقي السلام بعضنا على بعض: أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام. ألق السلام على من عرفت ومن لم تعرف.

سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس مع أصحابه، فجاء رجل فقال: السلام، فقال عليه الصلاة والسلام: عشر. فجاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فقال عليه الصلاة والسلام: عشرون. فجاء ثالث فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال عليه الصلاة والسلام: ثلاثون. ثلاثون حسنة في لحظات معدودات يزهد الناس فيها ويستبدلون بها تحيات أخرى لا هي من ديننا ولا من حضارتنا ولا من هدي نبينا صلى الله عليه وسلم.

أيها المسلمون عباد الله، نبينا عليه الصلاة والسلام أمرنا أن نخالف أهل الكتاب في أعيادهم ومواسمهم، لأن الله جل جلاله أنزل عليه: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾. لما قدم المدينة عليه الصلاة والسلام لأهلها يومين يلعبون فيهما، عندهم عيدان يلعبون فيهما يلهون كصنيع الناس في الأعياد، فقال عليه الصلاة والسلام: إن الله قد أبدلنا بهما خيرًا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر. هذان عيدنا معشر أهل الإسلام.

يا إخوتاه يا معشر المسلمين، إن لنا ديننا وعقيدتنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، إن لنا عباداتنا وأخلاقنا ومعالم ديننا الواضحة الجلية، لسنا بحاجة أن نقلد غيرنا، فإن غيرنا ما بين مغضوب عليه وضال، وفي كل صلاة نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.

ترى كثيرًا من الناس ممن ينتسب إلى الإسلام الليلة التي يسمونها رأس السنة، ويخصها بعادات ليست في غيرها، ولربما تنفق في ذلك الأموال الطائلة في ألعاب نارية وسهرات ماجنة، ويتبارى صهاينة العرب في أن يجمعوا الناس من كل فج من أهل الكفر والفسوق والعصيان من أجل أن يطلقوا تلك الألعاب النارية ويتفاخرون بأنهم قد أنفقوا عليها كذا وكذا من الأموال، يسلكون سبيل المغضوب عليهم والضالين. فإياكم وإياهم لا يضلونكم عن دينكم.

واعلموا إخوة الإسلام أنه ليس في هذا دعوة إلى الكراهية كما يدعي بعض من زاغ ومال عن الصراط المستقيم، بل نحن معشر أهل الإسلام نقرأ في كتاب ربنا: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. إن تبروهم، إذا كان لك جار على غير ملة الإسلام لا مانع من أن تعوده إذا مرض، أن تعزيه إذا مات له ميت، أن تغيثه إذا احتاج إلى غوث، لا مانع من أن تعامله بالحسنى. لكن أن تقلده في دينه، أن تحال إليه في ضلالاته، أن تجامله فيما لا ينبغي أن تجامل فيه، فذاك الذي نهينا عنه.

أسأل الله عز وجل أن يرزقنا إيمانًا صادقًا، ويقينًا ليس بعده كفر، ورحمة ننال بها شرف كرامته في الدنيا والآخرة. اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين والحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين.

توبوا إلى الله واستغفروه.

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله إله الأولين والآخرين، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله النبي الأمين، بعثه الله بالهدى واليقين لينذر من كان حيًّا ويحق القول على الكافرين.

اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين وآل كل وصحب كل أجمعين. وأحسن الله ختامي وختامكم وختام المسلمين، وحشر الجميع تحت لواء سيد المرسلين.

أما بعد، أيها المسلمون، فاتقوا الله حق تقاته، وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون.

واعلموا إخوتي في الله أنه قد دخل علينا هذا الشهر المبارك الذي هو أحد الأشهر الحرم التي قال في تعظيمها: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾.

هذا الشهر مبارك، شهر رجب مقدمة بين يدي رمضان، مطلوب منا تعظيمه، مطلوب منا أن نكثر فيه من الطاعات والقربات: صلاة وصيامًا وصدقة وذكرًا لله عز وجل، وقراءة للقرآن، وصلة للأرحام، وإحسانًا للجيران، وغير ذلك من أنواع القربات. فإن الحسنات فيه لا كما هي في غيره، فإن الحسنة تعظم إذا كان للزمان حرمة أو كان للمكان حرمة. أسأل الله أن يعيننا على ذلك.

وقد نُعي إلينا قبل أيام رجل من أهل السودان ممن جاهدوا في الله حق جهاده، وأبلوا بلاءً حسنًا في الدفاع عن الدين والعرض، قائد الفرقة الثانية والعشرين مشاة، وهو اللواء معاوية حمد عبد الله. أسأل الله أن يتغمده برحمته. كان رجلًا قرآنيًّا محبًّا للدين، معظمًا لشعائره وشرائعه، ذا قصد حسن في قتاله وبلائه، وأكرمه الله عز وجل بأن يكون ثلاثة من أولاده من حملة كتاب الله.

هذا هو العسكري المسلم المثال، هذا الذي تعلق عليه الآمال، هذا الذي يرجى منه أن ينصر الدين وأن يزود عن العرض والحريم وأن يحمي ديار المسلمين. هذا الذي نريده في بلادنا معشر أهل الإسلام، لا يكون من ينتسب إلى العسكرية سكيرًا أو مائلًا أو زير نساء أو عميلًا أو خوانًا أو كافرًا آثمًا، نعوذ بالله من ذلك. فأمثال هؤلاء لا تنصلح بهم البلاد ولا يصلح العباد.

هذا الرجل قتل وهو مقبل غير مدبر، يرجو ما عند الله من أجر وثواب. أسأل الله عز وجل أن يجعل قبره روضة من رياض الجنة، وأن يرفع درجته في عليين، وأن يجعله من أصحاب اليمين، وأن يرحم شهداءنا كلهم أجمعين، وأن يجعلهم في شفاعة خير المرسلين صلوات الله وسلامه عليه.

نسأل الله عز وجل أن يطفئ نار الحرب في السودان، وأن يرد أولئك البغاة المتمردين على أعقابهم خاسرين، وأن يهلك من يمدهم بالأموال والرجال، وأن يجعل أموالهم غنيمة للمسلمين. ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم.

اللهم إنا نسألك لإخواننا في غزة صبرًا جميلًا وفرجًا قريبًا وعافية من البلايا وغنى عن الناس. اللهم أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف.

اللهم إنا نسألك رحمة تهدي بها قلوبنا وتجمع بها شملنا وتلم بها شعثنا وتبيض بها وجوهنا وتصلح بها ديننا وتزكي بها عملنا وترفع بها شاهدنا وتحفظ بها غائبنا وتدفع بها الفتن عنا يا سميع الدعاء.

اللهم اجعل لنا من كل هم فرجًا ومن كل ضيق مخرجًا ومن كل بلاء عافية. اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. اجعل خير أعمالنا خواتمها وخير أعمارنا أواخرها وخير أيامنا يوم نلقاك.

اللهم اجز عنا نبينا صلى الله عليه وسلم أفضل وأكمل وأجزل ما جزيت به نبيًّا عن أمته ورسولًا عن من أرسل إليهم. اللهم آته الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته يغبطه به الأولون والآخرون.

اللهم اجمع بيننا وبينه كما آمنا به ولم نره، ولا تفرق بيننا وبينه حتى تدخلنا مدخله. اللهم أره حوضه واسقنا بيده الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبدًا، واجعل وجوهنا من الوجوه الناضرة الناظرة إلى وجهك الكريم برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى