تفسير

وأنزلنا الحديد

في قوله تعالى : “أنزلنا الحديد” لماذا لم يقل الله عز وجل خلقنا الحديد؟ جزاك الله خير

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

فقوله تعالى {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} معناه والله أعلم: وأنزَلْنا الحديدَ فيه قُوَّةٌ وصَلابةٌ، ومنه تُصنَعُ آلاتُ الحربِ، وفيه مَنافِعُ للنَّاسِ في مَعايِشِهم، ولِيَعلَمَ اللهُ مَن يَستَعمِلُ السِّلاحَ المُتَّخَذَ مِنَ الحَديدِ في نَصرِ اللهِ ورُسُلِه بالغَيبِ، إنَّ اللهَ قَويٌّ فلا يُعجِزُه شَيءٌ، عزيزٌ لا يُغلَبُ ولا يُقهَرُ سُبحانَه.

قال الشوكاني: (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ أي: خلَقْناه، كما في قَولِه تعالى: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} والمعنى: أنَّه خلَقَه مِن المعادِنِ، وعَلَّم النَّاسَ صَنْعَتَه

يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى: اعلم أن الدَّعوةَ إلى الله تعالى بطَريقَينِ: طَريقِ لِينٍ، وطَريقِ قَسْوةٍ؛ أمَّا طَريقُ اللِّينِ: فهي الدَّعوةُ إلى اللهِ تعالى بالحِكمةِ والمَوعِظةِ الحَسَنةِ، وإيضاحِ الأدِلَّةِ في أحسَنِ أُسلوبٍ وألطَفِه، فإنْ نجَحَت هذه الطَّريقُ فبها ونِعْمَتْ، وهو المطلوبُ، وإنْ لم تَنجَحْ تَعَيَّنَت طَريقُ القَسوةِ بالسَّيفِ حتَّى يُعبَدَ اللهُ وَحْدَه، وتُقامَ حُدودُه، وتُمتَثَلَ أوامِرُه، وتُجتَنَبَ نَواهيه، وإلى هذه الإشارةُ بقَولِه تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ؛ ففيه الإشارةُ إلى إعمالِ السَّيفِ بَعْدَ إقامةِ الحُجَّةِ؛ فإنْ لم تَنفَعِ الكُتُبُ تعَيَّنَت الكَتائِبُ، واللهُ تعالى قد يَزَعُ بالسُّلطانِ ما لا يَزَعُ بالقُرآنِ. انتهى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى