غثاء السيل

الحمدُ للهِ الذي لهُ ما في السماواتِ وما في الأرضِ ولهُ الحمدُ في الآخرةِ وهوَ الحكيمُ الخبيرُ، يعلمُ ما يلجُ في الأرضِ وما يخرجُ منها وما ينزلُ من السماءِ وما يعرجُ فيها وهوَ الرحيمُ الغفورُ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ وهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا ونبيَّنا وإمامَنا وعظيمَنا محمدًا رسولُ اللهِ، الرحمةُ المهداةُ والنعمةُ المسداةُ، والسراجُ المنيرُ والبشيرُ النذيرُ، أرسلهُ ربُّهُ بالهدى ودينِ الحقِّ ليظهرَهُ على الدينِ كلِّهِ ولو كرهَ المشركونَ، اللهمَّ صلِّ وسلمْ وباركْ عليهِ، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ الذين عزَّروهُ ونصروهُ واتبعوا النورَ الذي أُنزلَ معهُ أولئكَ همُ المفلحونَ.
يا أيها الذينَ آمنوا اتقوا اللهَ حقَّ تقاتِهِ ولا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمونَ (آل عمران: ١٠٢)، يا أيها الناسُ اتقوا ربَّكمُ الذي خلقَكم من نفسٍ واحدةٍ وخلقَ منها زوجَها وبثَّ منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا اللهَ الذي تساءلونَ بهِ والأرحامَ إنَّ اللهَ كانَ عليكم رقيبًا (النساء: ١)، يا أيها الذينَ آمنوا اتقوا اللهَ وقولوا قولًا سديدًا يصلحْ لكم أعمالَكم ويغفرْ لكم ذنوبَكم ومن يطعِ اللهَ ورسولَهُ فقد فازَ فوزًا عظيمًا (الأحزاب: ٧٠-٧١).
أما بعدُ أيها المسلمونَ عبادَ اللهِ فمن معجزاتِ سيدِنا رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ أنَّ ربَّهُ جلَّ جلالُهُ قد نبَّأهُ من الغيوبِ التي تقعُ في قابلِ الأيامِ، وقد أخبرَنا بها صلواتُ ربي وسلامُهُ عليهِ، وقد وقعتْ تلكَ الغيوبُ كما أخبرَ وسيقعُ بعضُها، أخبرَنا صلواتُ وسلامُهُ عليهِ ما يكونُ في قابلِ الأيامِ من الفتنِ والملاحمِ وأشراطِ الساعةِ، كما أخبرَنا عما يكونُ من الفتوحاتِ، أخبرَ أصحابَهُ رضوانُ اللهِ عليهم أنَّ العراقَ ستفتحُ وأنَّ الشامَ ستفتحُ وأنَّ مصرَ ستفتحُ، وأنَّ الناسَ سينجفلونَ إلى تلكَ البلادِ لما فيها من الخيراتِ، قالَ صلواتُ ربي وسلامُهُ والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلمونَ.
وأخبرَ بعضَ أصحابِهِ رضوانُ اللهِ عليهم بما يقعُ لهم من الحوادثِ في قابلِ الأيامِ فكانَ الأمرُ كما قالَ، ومن معجزاتِهِ صلواتُ ربي وسلامُهُ عليهِ أنهُ قالَ يوشكُ أن تتداعى عليكم الأممُ كما تتداعى الأكلةُ إلى قصعتِها، قالوا أومن قلةٍ يومئذٍ يا رسولَ اللهِ قالَ بل أنكم يومئذٍ كثيرٌ ولكنكم غثاءٌ كغثاءِ السيلِ، ينزعُ اللهُ المهابةَ من قلوبِ أعدائِكم ويقذفُ في قلوبِكم الوهنَ، قالوا وما الوهنُ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ حبُّ الدنيا وكراهيةُ الموتِ.
نبيُّنا صلواتُ ربي وسلامُهُ عليهِ وأصحابُهُ رضوانُ اللهِ عليهم كانوا قلةً مستضعفينَ في الأرضِ، كانوا قليلًا عددَهم، ومع ذلكَ أظهرَهم اللهُ عزَّ وجلَّ على أعدائِهم، ومكَّنَ لهم في الأرضِ ففتحتْ في عهدهِ صلواتُ ربي وسلامُهُ عليهِ جزيرةُ العربِ كلُّها ودخلَ أهلُ اليمنِ في الإسلامِ سلمًا، ثم بعدَ وفاتِهِ صلواتُ ربي وسلامُهُ عليهِ ما أتى على الناسِ سوى عشرينَ سنةً حتى كانوا قد أسقطوا أعظمَ إمبراطوريتينِ على وجهِ الأرضِ، إمبراطوريةَ فارسَ في ناحيةِ الشرقِ وإمبراطوريةَ الرومِ في ناحيةِ الغربِ، وتحققَ قولُ ربِّنا جلَّ جلالُهُ {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِى لَا يُشْرِكُونَ بِى شَيْـًٔا} (النور: ٥٥).
أيها المسلمونَ عبادَ اللهِ حينَ نسمعُ قولَ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ بل أنكم يومئذٍ كثيرٌ ولكنكم غثاءٌ كغثاءِ السيلِ ينزعُ اللهُ المهابةَ من قلوبِ أعدائِكم ويقذفُ في قلوبِكم الوهنَ، وفسَّرَ صلواتُ ربي وسلامُهُ عليهِ بأنهُ حبُّ الدنيا وكراهيةُ الموتِ، هذا الحديثُ حينَ نسمعُ نجدُهُ أصدقَ ما يكونُ وأجلى ما يكونُ وأوضحَ ما يكونُ في وصفِ واقعِ الأمةِ المسلمةِ في أيامِنا هذهِ، حينَ تحملُ لنا أنباءُ هذا الأسبوعِ بأنَّ خمسَ عشرةَ دولةً اجتمعتْ على مستوى وزراءِ الخارجيةِ، فيها أربعُ دولٍ تنتسبُ إلى الإسلامِ، هذهِ الدولُ كلُّها على رأسِها الدولُ الصليبيةُ التي تمولُ العدوانَ على المسلمينَ في غزةَ بالمالِ والسلاحِ والإعلامِ كبريطانيا وفرنسا وكندا ثم دولٌ أخرى تغيَّرتْ مواقفُها كإسبانيا وإيرلندا ونحوَ ذلكَ، هذهِ الدولُ أجمعتْ على إدانةِ ما قامَ بهِ المسلمونَ في غزةَ في السابعِ من أكتوبرَ، حينَ شنُّوا ذلكَ الهجومَ على مستوطناتِ الصهاينةِ، فأسروا من أسروا وقتلوا من قتلوا قيامًا بالواجبِ في مكافحةِ المحتلِّ والجهادِ في سبيلِ اللهِ ومدافعةِ العدوِّ الصائلِ عملًا بقولِ ربِّنا جلَّ جلالُهُ {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ٱلَّذِينَ أُخْرِجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ} (الحج: ٣٩-٤٠).
هذهِ الآيةُ عملَ بها هؤلاءِ المجاهدونَ، جاءتْ إدانتُهم هذا البيانُ الصادرُ عن تلكَ الدولِ مع مطالبةٍ لهؤلاءِ المجاهدينَ بتسليمِ أسلحتِهم للسلطةِ العميلةِ في الضفةِ الغربيةِ، وها هنا أيها المسلمُ عبادَ اللهِ لابدَّ أن ننبهَ إلى وجوهٍ أربعةٍ نحفظُها حفظًا، أنهُ لا يجوزُ تسليمُ المجاهدينَ أسلحتَهم ولا أن يلقوا بأيديهم، لوجوهٍ أولُها أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ أمرَنا بإعدادِ القوةِ، أمرَنا جميعًا معشرَ المسلمينَ، فقالَ جلَّ من قائلٍ {وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} (الأنفال: ٦٠)، اللهُ جلَّ جلالُهُ أمرَنا بإعدادٍ بكلِّ أنواعِها قوةً ماديةً قوةً دفاعيةً قوةً اقتصاديةً قوةً معنويةً إلى غيرِ ذلكَ من أنواعِ القوةِ، الإعدادُ كلُّهُ مطلوبٌ ومن الإعدادِ يملكُ المسلمونَ السلاحَ وأن يحرصوا عليهِ، وألا يفرِّطوا فيهِ، وألا يلقوا بأيديهم لأنَّ هذا السلاحَ هوَ الذي يضمنُ لهم أن يستطيعوا مكافأةَ عدوانٍ ترهبونَ بهِ عدوَّ اللهِ وعدوَّكم وآخرينَ من دونِهم لا تعلمونَهم اللهُ يعلمُهم.
هؤلاءِ يطالبونَ المجاهدينَ بأن يسلموا أسلحتَهم لأولِ العملاءِ الذينَ قد سُمُّوا بالسلطةِ الوطنيةِ، والذينَ صاروا عينًا للعدوِّ على المجاهدينَ، وصاروا حراسًا لدولةِ الكيانِ، وصاروا باطشينَ بهؤلاءِ المجاهدينَ كلَّ سبيلٍ، ثانيًا اللهُ جلَّ جلالُهُ أمرَ نبيَّهُ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ وأصحابَهُ ألا يغفلوا عن أسلحتِهم ولو كانوا يؤدونَ صلاتَهم، فقالَ جلَّ من قائلٍ مخاطبًا عليهِ الصلاةُ والسلامُ {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوٓا۟ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا۟ فَلْيَكُونُوا۟ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا۟ فَلْيُصَلُّوا۟ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا۟ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ۗ وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَٰحِدَةً} (النساء: ١٠٢)، اللهُ جلَّ جلالُهُ يخبرُنا عما تكنُّهُ صدورُهم وما تضمرُهُ نفوسُهم {وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَٰحِدَةً}، لو أنَّ هؤلاءِ المجاهدينَ سلموا أسلحتَهم فإنهم سيميلونَ عليهم ميلةً واحدةً.
ثالثًا مما ينبغي التنبهُ لهُ، هذا السلاحُ الذي بأيدي المجاهدينَ، وهذهِ العملياتُ البطوليةُ التي ينكأونَ بها عدوَّهم، ويسببونَ فيهم مقتلةً وجروحًا وآلامًا وأزماتٍ كما قالَ ربُّنا {إِن تَكُونُوا۟ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ} (النساء: ١٠٤)، وقالَ جلَّ من قائلٍ {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ} (آل عمران: ١٤٠)، هذا السلاحُ هوَ الذي يمنعُ تهجيرَ أهلِ غزةَ، هوَ الذي يضمنُ لهم مواجهةَ الرعبِ بالرعبِ، وإن لم يكنْ مثلَهُ، وإن كانَ دونَهُ، لأنهم لا ما يملكُ عدوُّهم، ليستْ لهم سيطرةٌ على الجوِّ ولا يستطيعونَ أن يباشروا هدمًا من البحرِ لكنهم ينكأونَ عدوَّهم بشهادةِ عدوِّهم وبما ألقى اللهُ من الرعبِ في قلوبهم.
هؤلاءِ يريدونَ أن يخدعوا المسلمينَ، يقولونَ بعدَ تسليمِ السلاحِ يكونُ هناكَ حلٌّ بإقامةِ دولتينِ، دولةٍ فلسطينيةٍ إلى جوارِ دولةِ المغتصبِ، سبحانَ اللهِ! اللهُ جلَّ جلالُهُ يقولُ لنا {فَٱعْتَبِرُوا۟ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَبْصَـٰرِ} (الحشر: ٢)، التاريخُ القريبُ والتاريخُ البعيدُ، شاهدٌ على أنَّ القومَ لا عَهْدَ لهم ولا ميثاقَ، اللهُ جلَّ جلالُهُ يقولُ {أَوَكُلَّمَا عَـٰهَدُوا۟ عَهْدًا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٌ مِّنْهُم ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} (البقرة: ١٠٠)، هكذا تقرعُ الآيةُ {أَوَكُلَّمَا عَـٰهَدُوا۟ عَهْدًا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٌ مِّنْهُم ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ} أي بل أكثرُهم ينبذونَ، ثم كلامٌ مستقلٌّ {لَا يُؤْمِنُونَ}، الكلُّ لا يؤمنونَ.
هؤلاءِ فيما مضى في الأربعينياتِ من القرنِ الماضي لما احتلتْ فلسطينُ، كيفَ احتلتْ؟ جاءتْ جيوشٌ عربيةٌ من دولٍ ستةٍ تأتمرُ بأمرِ قياداتٍ خائنةٍ، بل كانَ قائدُ بعضِها هوَ رجلٌ بريطانيٌّ صليبيٌّ، هذهِ الجيوشُ أقنعتْ أهلَ فلسطينَ في كثيرٍ من القرى بأن يسلموا أسلحتَهم، قالوا لهم ونحنُ نتولى الدفاعَ عنكم، استلموا تلكَ الأسلحةَ من أولئكَ المجاهدينَ الذينَ سلموا أسلحتَهم طواعيةً ثقةً بتلكَ الوعودِ التي بُذلتْ ثم ماذا كانتْ النتيجةُ؟ أخليَ الطريقُ لعصاباتِ الصهاينةِ من أجلِ أن يحدثوا مجازرَ وحشيةً ومذابحَ جماعيةً تحملُ الناسَ على الفرارِ من تلكَ الأرضِ، هذا الذي حصلَ فيما مضى.
وأما في التاريخِ القريبِ، فما الذي كانَ بعدَ اتفاقياتِ أوسلو؟ تلكَ التي زعمَ فيها أنهُ ستقومُ دولةٌ لأهلِ فلسطينَ على غزةَ وأريحا كما زعموا ثم بعدَ ذلكَ ماذا كانتْ النتيجةُ؟ لا شيءَ، ما حصدَ الناسُ إلا هشيمًا، كانتْ تلكَ الاتفاقياتُ كسرابٍ بقيعةٍ يحسبُ الظمآنُ ماءً حتى إذا جاءهُ لم يجدْهُ شيئًا، هكذا الحالُ مع هؤلاءِ، هذهِ الدولُ التي أبرمتْ تلكَ الاتفاقيةَ أو أعلنتْها خلالَ هذا الأسبوعِ، بعضُها يمولُ الكيانَ الصهيونيَّ بالمالِ والسلاحِ والرجالِ والمعلوماتِ ووسائلِ التجسسِ إلى جوارِ الدعمِ الإعلاميِّ في المنظماتِ الأمميةِ وغيرِها، بعضُها مشاركٌ في العدوانِ بنفسِهِ وبعضُها ساكتٌ صامتٌ ممالي، فهم ما بينَ عميلٍ وخائنٍ ومباشرٍ ومتسببٍ، كلُّهم يشاركونَ ويتحملونَ تلكَ المسئوليةَ.
هؤلاءِ لا لهم بعهدٍ ولا ذمةٍ بل كما قالَ ربُّنا جلَّ جلالُهُ {لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً} (التوبة: ١٠)، الإ فليعلمْ كلُّ مسلمٍ أنَّ ما لا يتمُّ الواجبُ إلا بهِ فهوَ واجبٌ، الجهادُ في سبيلِ اللهِ واجبٌ، مكافحةُ المحتلِّ الغاصبِ واجبٌ، مواجهةُ العدوِّ واجبةٌ، هذا الواجبُ لا يتمُّ إلا بأن يكونَ السلاحُ بأيدينا، واجبٌ علينا أن على ما في أيدينا وأن نحرصَ على تطويرِهِ وأن نبصرَ الناسَ بما يرادُ لهم، فإنَّ تلكَ الثلةَ المجاهدةَ والعصابةَ المؤمنةَ التي تدافعُ عن الأمةِ في أرضِ غزةَ، لا قدرَ اللهُ لو أنها هُزمتْ أو أنها كُسرتْ فعلى الأمةِ السلامُ.
الآنَ في ظلِّ هذا العدوانِ يعلنُ الرئيسُ الأمريكيُّ الصليبيُّ أنَّ ستةَ دولٍ مسلمةٍ جاهزةٌ التطبيعَ مع الكيانِ الصهيونيِّ في ظلِّ العدوانِ في ظلِّ التجويعِ في ظلِّ المجازرِ الوحشيةِ التي نسمعُ أخبارَها في كلِّ صباحٍ بعدَ ذلكَ ستَّ دولٍ جاهزةٌ للتطبيعِ، سبحانَ اللهِ فإذا سلمَ هؤلاءِ المجاهدونَ سلاحَهم ووضعتِ الحربُ أوزارَها ماذا ينتظرُ الناسُ؟ ويلٌ للعربِ من شرٍّ قد اقتربَ، أسألُ اللهَ أن ينصرَ إخوانَنا المجاهدينَ، وأن يثبتَ أقدامَهم، وأن يقوِّيَ شوكتَهم وأن يحفظَ أسلحتَهم، وأن يضاعفَ قوتَهم وأن يباركَ جهادَهم، وأن ينصرَهم على القومِ الكافرينَ.
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ والعاقبةُ للمتقينَ ولا عدوانَ على الظالمينَ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ إلهُ الأولينَ والآخرينَ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُهُ النبيُّ الأمينُ، بعثَهُ اللهُ بالهدى واليقينِ، لينذرَ من كانَ حيًّا ويحقَّ القولُ على الكافرينَ، اللهمَّ صلِّ وسلمْ وباركْ عليهِ وعلى إخوانِهِ الأنبياءِ والمرسلينَ وآلِ كلٍّ وصحبِ كلٍّ أجمعينَ، واحسنَ اللهُ ختامي ختامَكم وختامَ المسلمينَ، وحشرَ الجميعَ تحتَ لواءِ سيدِ المرسلينَ.
أما بعدُ أيها المسلمونَ فاتقوا اللهَ حقَّ تقاتِهِ، وتوبوا إلى اللهِ جميعًا أيها المؤمنونَ لعلكم تفلحونَ، واعلموا إخوتي في اللهِ أنَّ تجويعَ أهلِ غزةَ مؤامرةٌ يشاركُ فيها المنافقونَ من حكامِ العربِ، ثم يجرونَ تمثيلياتٍ مفضوحةٍ حينَ يبدو أنَّ في الشعوبِ حراكًا، أنهُ قد ضاقتْ صدورُ الناسِ بما يصيبُ إخوانَهم في غزةَ، يجرونَ تمثيلياتٍ مضحكةٍ لا تنطلي على أحدٍ، يدخلونَ بعضَ شاحناتٍ لا تكفي ولا لعشرِ سكانِ غزةَ بوجبةٍ واحدةٍ ثم بعدَ ذلكَ تأتي طائراتٌ من دولةِ المؤامراتِ من أجلِ أن يقالَ بأنها قد أسقطتْ مساعداتٍ لأهلِ غزةَ ثم يتبينَ بأنها طرودٌ فارغةٌ لا شيءَ فيها، يخادعونَ والذينَ آمنوا وما يخدعونَ إلا أنفسَهم وما يشعرونَ، هذا دأبُ المنافقينَ من قديمٍ، وهذا صنيعُهم من أيامِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ.
أيها المسلمونَ عبادَ اللهِ هذهِ الأنظمةُ الخائرةُ العميلةُ، كلُّ نفسٍ تزهقُ، كلُّ روحٍ تذهبُ، كلُّ نفسٍ تتلفُ من أهلِ غزةَ، يتحملونَ وزرَها يومَ القيامةِ، فمن أجاعَ أهلَ غزةَ أجاعَهُ اللهُ يومَ يقولُ هذهِ الدنيا ليستْ نهايةَ المطافِ، نبيُّنا عليهِ الصلاةُ والسلامُ قالَ يحشرُ الناسُ يومَ القيامةِ أجوعَ ما كانوا قطُّ وأظمأَ ما كانوا قطُّ وأعرى ما كانوا قطُّ، فمن أطعمَ مسلمًا على جوعٍ أطعمَهُ اللهُ من ثمارِ الجنةِ، ومن سقى مسلمًا على ظمأٍ سقاهُ اللهُ من الرحيقِ المختومِ، ومن كسى مسلمًا على عريٍ كساهُ اللهُ من حللِ الجنةِ، الجزاءُ من جنسِ العملِ.
هؤلاءِ الذين يعمدونَ إلى تجويعِ أهلِ غزةَ ومحاصرتِهم ومنعِ القوافلِ التي تريدُ الوصولَ إليهم والبطشِ بالمشاركينَ فيها، وفي الوقتِ نفسِهِ يعمدونَ إلى القبضِ على كلِّ من يحاولُ أن مساعدةً ولو يسيرةً، هؤلاءِ جزاؤُهم عندَ اللهِ أن يجوعوا وأن يعطشوا يومَ القيامةِ ولا يظلمُ ربُّكَ أحدًا، أما أهلُ غزةَ فما بقيَ لهم إلا اللهُ، أسألُ اللهَ عزَّ وجلَّ أن يطعمَ جائعَهُ وأن يكسوَ عاريَهم وأن يؤمنَ خائفَهم وأن يحفظَهم بما يحفظُ بهِ عبادَهُ الصالحينَ.
اللهمَّ انصرْ إخوانَنا المجاهدينَ في بيتِ المقدسِ وفي أكنافِ بيتِ المقدسِ، اللهمَّ كنْ لهم معينًا ونصيرًا، اللهمَّ كنْ له مقويًا وظهيرًا، اللهمَّ احفظْهم من بينِ أيديهم ومن خلفِهم وعن أيمانِهم وعن شمائلِهم ومن فوقِهم، ونعيذُهم بعظمتِكَ أن يغتالوا من تحتِهم، اللهمَّ ربَّ السماواتِ وربَّ الأرضِ وربَّ العرشِ العظيمِ ربَّنا وربَّ كلِّ شيءٍ، فالقَ الحبِّ والنوى منزلَ التوراةِ والإنجيلِ والفرقانِ، يا إلهَ العالمينَ يا سيدَنا ويا مولانا ويا رغبتَنا نسألُكَ في هؤلاءِ الطواغيتِ الذين يتآمرونَ على إخوانِنا أن تبيدَ خضراءَهم، وأن تزيلَ دولَهم وأن تدمدمَ عليهم بذنوبِهم، وأن ترينا فيهم عجائبَ قدرتِكَ، وأن تنزلَ بهم بأسَكَ الذي لا يردُّ عن القومِ المجرمينَ، وأن تخلِّصَ المسلمينَ من شرورِهم، وأن تحيطَ بهم فإنهم لا يعجزونَكَ، يا ربَّ العالمينَ.
هذا الدعاءُ ومنكَ الإجابةُ، وهذا الجهدُ عليكَ التكلانُ، ولا حولَ لا قوةَ إلا بكَ، اللهمَّ ارنا الحقَّ حقًّا وارزقْنا اتباعَهُ، وارنا الباطلَ باطلًا ولا تجعلْنا اتباعَهُ، اجعلْ لنا من كلِّ همٍّ فرجًا، ومن كلِّ ضيقٍ مخرجًا، ومن كلِّ بلاءٍ عافيةً، نسألُكَ أن تستعملَ فيما يرضيكَ عنا يا أرحمَ الراحمينَ ويا أكرمَ الأكرمينَ، اللهمَّ اغفرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ والمسلمينَ والمسلماتِ، الأحياءِ منهم والأمواتِ، إنكَ سميعٌ قريبٌ مجيبُ الدعواتِ، وأقمِ الصلاةَ.




