الفتاوى

لعن المتبرجة

فضيلة الشيخ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إذا رأيت امرأة متبرجة وقلت لها: يلعنك الله، هل أكون آثماً؟ أرجو الإفادة.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

فلا يجوز لعن المسلم العاصي على التعيين؛ بمعنى أن تقول: لعن الله فلاناً، أو لعن الله فلانة، أو تخاطب مسلماً أو مسلمة بقولك: لعنك الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك في جملة من أحاديثه، منها ما رواه أبو الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم «إن العبد إذا لعن شيئاً صعدت اللعنة إلى السماء، فتغلَّق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلي الأرض فتغلَّق أبوابها دونها، ثم تأخذ يميناً وشمالاً، فإذا لم تجد مساغاً رجعت إلى الذي لُعن فإن كان أهلاً لذلك، وإلا رجعت إلى قائلها» رواه أبو داود؛ وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا ينبغي لصِدِّيقٍ أن يكون لعاناً» بل أخبر عليه الصلاة والسلام أن معتاد اللعن لا شهادة له ولا شفاعة يوم القيامة فقال عليه الصلاة والسلام «لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة» رواه مسلم. وقالت عائشة رضي الله عنها: «سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه وهو يلعن بعض رقيقه، فالتفت إليه وقال: يا أبا بكرٍ صِدِّيقين ولعَّانين؟! كلا ورب الكعبة مرتين أو ثلاثاً؛ فأعتق أبو بكر يومئذ رقيقه، وأتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: لا أعود» قال الحافظ العراقي رحمه الله: أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت، وشيخه بشار بن موسى ضعفه الجمهور، وكان أحمد حسن الرأي فيه.

وبيَّن عليه الصلاة والسلام أن المسلم ليس من صفاته ولا من أخلاقه اللعن والطعن بل هو طيب الكلام عفيف اللسان لا ينطق زوراً؛ فروى عنه ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء» بل بلغ من عنايته – صلى الله عليه وسلم – بهذا الأمر ألا يقصر نهيه عن لعن المسلم، بل تعداه إلى منع لعن الدواب، كل ذلك لينبهنا على أنه ليس في اللعن بركة ولا فائدة ولا ثواب ولا نفع.  روى عثمان بن الحصين رضي الله عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم – في بعض أسفاره، وامرأة من الأنصار على ناقة فضجرت، فلعنتها فسمع ذلك رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: «خذوا ما عليها ودعوها فإنها ملعونة» قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يعرض لها أحد. رواه مسلم.  قال الإمام النووي رحمه الله: واعلم أن هذا الحديث قد يُستشكل معناه ولا إشكال فيه، بل المراد النهي أن تصاحبهم تلك الناقة، وليس فيه نهي عن ركوبها وبيعها وذبحها في غير صحبة النبي صلى الله عليه وسلم.ا.هـــ

قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى في الإحياء: وإنما أورد هذا لتهاون الناس باللعنة وإطلاق اللسان بها والمؤمن ليس بلعان، فلا ينبغي أن يطلق اللسان باللعنة إلا على من مات على الكفر، أو على الأجناس المعروفين بأوصافهم دون الأشخاص المعينين، فالاشتغال بذكر الله أولى فإن لم يكن ففي السكوت سلامة.ا.هـــــ

وعليه فلا يجوز لك لعن عاصٍ من أهل الإسلام على التعيين، بأن تقول: لعن الله فلاناً؛ لثبوت النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن يجوز لعن العصاة جملة؛ مثلما قال عليه الصلاة والسلام «لعن الله من لعن والديه» «لعن الله من غير منار الأرض» «لعن الله من عَمِل عَمَلَ قوم لوط» وهكذا، لكن في هذه أيضاً لا تعوِّد لسانك اللعن، بل اشغله بذكر الله وما ينفعك من كلام طيب، والله المستعان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى