الفتاوى

  • الصلاة خلف الصف

    ما هو رأي الدين في من يحضر إلى الصلاة ويجد أن الصفوف مكتملة؛ هل الأفضل أن يصلي وحده أم يجر شخصاً من الصف ليصلي معه، وجزاكم الله خيراً؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالأفضل أن يحاول أن يجد لنفسه مكاناً في الصف؛ لأن الناس ـ في الغالب ـ يتركون فرجات فيما بينهم؛ فيمكنه ـ والحال كذلك ـ أن يجد مكاناً، وأما إذا تعذر عليه ذلك فليصل وحده والصلاة صحيحة إن شاء الله؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد وابن ماجه عن علي بن شيبان رضي الله عنه {لا صلاة لمنفرد خلف الصف} محمول على من فعل ذلك اختياراً، أما من فعله اضطراراً فلا شيء عليه وصلاته صحيحة وهذا هو أوسط أقوال العلماء رحمهم الله تعالى.

    وما ينبغي له أن يتخطى الصفوف ليقف إلى جوار الإمام؛ لأن السنة أن يكون الإمام وحده أمام الناس؛ ولا يجر أحداً ليقيم معه صفاً؛ لئلا يشوش عليه صلاته ولئلا ينقله من مكان فاضل إلى مكان مفضول، خاصة إذا علمنا أن الحديث في ذلك لا يصح، أعني حديث وابصة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال لرجل صلى خلف الصف {أيها المصلي: هلا دخلت في الصف، أو جررت رجلاً من الصف؟ أعد صلاتك} قال الشوكاني رحمه الله تعالى: وفيه السري بن إسماعيل وهو متروك، وله طريق أخرى في تاريخ أصبهان لأبي نعيم، وفيها قيس بن الربيع وفيه ضعف، ولأبي داود في المراسيل من رواية مقاتل بن حيان مرفوعاً {إن جاء رجل فلم يجد أحدا فليختلج إليه رجلا من الصف فليقم معه فما أعظم أجر المختلج} والعلم عند الله تعالى.

  • أين الله؟

    هنالك من يقول انه لا يجوز تحديد مكان لله جل جلاله بان نقول أن الله في السماء، وهنالك من يقول بان الله جل جلاله  في السماء أي الفريقين اصح؟ وما الدليل على ذلك؟ أرجو الإفادة بأسرع وقت ممكن وجزاكم الله خيراً

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالذي أنصحك به أخي أن تعنى بتصحيح عقيدتك وتقويم سلوكك والتزود من العلم الشرعي النافع ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، وإياك والمراء في الدين؛ فما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، وأما بخصوص ما سألت عنه فإن الذي عليه أهل الحق بأن الله تعالى مستو على عرشه بائن من خلقه، وأنه موصوف بصفة العلو؛ كما نطقت بذلك آيات القرآن؛ فقال سبحانه {الرحمن على العرش استوى} وقال سبحانه {الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش} وقال سبحانه {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور}

    وهو سبحانه في كل مكان بعلمه؛ كما قال سبحانه {وهو معكم أينما كنتم} وقال سبحانه {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا} فهذه أدلة القرآن الكريم ومثلها في السنة كثير، وهي كافية للمسلم الموحِّد، والله الهادي إلى سواء السبيل.

  • التشكيك في عذاب القبر

     أطل علينا من قناة الشروق في برنامج مقاربات دكتور يدرس في جامعة النيلين (لا داعي لذكر اسمه) كان يقول إن الأحاديث التي يجب أن نقر بصحتها هي فقط التي لها تأييد من آيات القرآن، أما غير ذلك فهو مشكوك فيها بحجة أن الأحاديث لم يتم جمعها إلا في عهد عمر بن عبد العزيز أي بعد قرن ويزيد من وفاة المصطفى عليه أفضل السلام … وكذلك ينكر عذاب القبر بحجة أن العذاب لا يجدي إلا إذا كان الإنسان حياً وليس هناك حياة بعد الموت إلا عند البعث يوم القيامة وجاء بآيات استدل بها منها علي سبيل المثال {من بعثنا من مرقدنا….} ما حكم هذا الكلام؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

     فقول هذا القائل إن السنة لم تدوَّن إلا بعد مائتي سنة من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم هو قولٌ مجافٍ للحقيقة؛ إذ في الأمر تفصيل يحسن الإحاطة به؛ حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم قد منع من ذلك في بداية الأمر حيث روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تكتبوا عني شيئاً سوى القرآن، ومن كتب عني شيئاً سوى القرآن فليمحه” رواه مسلم. ثم أباحه بعد ذلك بدليل قصة أبي شاهٍ اليمني – التي رواها أبو هريرة رضي الله عنه – حين التمس من النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب له شيئاً سمعه في خطبته عام فتح مكة” فقال صلى الله عليه وسلم ” اكتبوا لأبي شاة” متفق عليه، ويدل على أن الكتابة قد حصلت من زمان النبي صلى الله عليه وسلم حديث عليٍّ رضي الله عنه في الصحيحين حين سئل: هل خصَّكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء من الوحي؟ فقال: “لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهماً يؤتيه الله رجلاً في كتابه وما في هذه الصحيفة” ثم ذكر أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم مكتوبة فيها. وفي البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: “لم يكن أحد أكثر حديثاً عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب” وفي رواية: “استأذن رسول الله في الكتابة فأذن له” وفي السنن: أن عبد الله بن عمرو قال يا رسول الله: أكتب عنك في الرضا والغضب؟ فقال اكتب فو الذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق” وأشار بيده إلى فيه.

    وليس في ذلك غرابة فإن أموراً أخرى من جنس ذلك قد نهي عنها ثم أبيحت؛ كنهيه صلى الله عليه وسلم عن زيارة القبور ثم ترخيصه فيها، ونهيه عن القراءة في كتب أهل الكتاب ثم إباحته ذلك، فلعل النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك أولاً خشية اختلاط كلامه بالقرآن حين يكون في الصحف؛ ثم إذن حين أمن ذلك. أو لعله أذن في الكتابة عنه لمن خشي عليه النسيان، ونهى عن الكتابة عنه لمن وثق بحفظه مخافة الاتكال على الكتابة، ثم زال الاختلاف، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته، ولولا التدوين لدرس في الأعصر الأخيرة.

    وقد كان الصحابة يكتب بعضهم لبعض؛ ففي مسند الإمام أحمد عن أبي عثمان النَّهدي قال: كنا مع عتبة بن فَرقَد فكتب إليه عمر بأشياء يحدثه عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكان فيما كتب إليه أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “لا يَلبَسُ الحريرَ في الدنيا إلا من ليس له في الآخرة منه شيء، إلا هكذا” وقال بإصبعيه السبابة والوسطى. قال أبو عثمان: فرأيت أنها أزرار الطيالسة، وكذلك التابعون لهم بإحسان؛ فهذا عروة بن الزبير ـ رضي الله عنهما ـ ينقل عن خالته السيدة عائشة رضوان الله عليها فتقول له: يا بنيَّ، بلغني أنك تكتب عنِّي الحديث ثم تعود فتكتبه. فقال لها: أسمعه منك على شيء ثم أعود فأسمعه على غيره. فقالت: هل تسمع في المعنى خلافًا؟ قال: لا. قالت: لا بأس بذلك. وهذا عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يرسل إلى أبي بكر بن حزم عامله وقاضيه على المدينة قائلاً: (انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء) وأمره أن يكتب ما عند عمرة بنت عبد الرحمن، والقاسم بن محمد. ورغب إلى محمد بن مسلم الزهري أن يكتب بقية حديث أهل المدينة. بل أرسل إلى ولاة الأمصار كلها وكبار علمائها يطلب منهم مثل هذا، فقد أخرج أبو نعيم في تاريخ أصبهان أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أهل الآفاق (انظروا إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجمعوه)

    يقول الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله تعالى: فلما كان عهد عثمان سُمح للصحابة أن يتفرقوا في الأمصار واحتاج الناس إلى الصحابة، وخاصة صغارهم، بعد أن أخذ الكبار يتناقصون يومًا بعد يوم، فاجتهد صغار الصحابة بجمع الحديث من كبارهم فكانوا يأخذونه عنهم. كما كان يرحل بعضهم إلى بعض من أجل طلب الحديث، فقد أخرج البخاري في الأدب المفرد، وأحمد والطبراني والبيهقي، واللفظ له، عن جابر بن عبد الله قال: بلغني حديث عن رجل من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم أسمعه، فابتَعتُ بعيرًا فشددتُ عليه رَحلي ثم سرت إليه شهرًا حتى قدمت الشام، فإذا هو عبد الله بن أُنيس الأنصاري، فأتيته فقلت له: حديثٌ بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المظالم لم أسمعه، فخشيت أن أموت أو تموت قبل أن أسمعه. فقال: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: “يُحشر الناس غُرْلًا بُهْمًا” قلنا: وما بُهْمٌ؟ قال: “ليس معهم شيء، فيناديهم نداء يَسمعه من بعُد كما يَسمعه من قرُب: أنا الدَّيَّان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وأحدٌ من أهل الجنة عنده مَظلَمة حتى أقتَصَّها منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحدٌ من أهل النار يطلبه بمَظلَمة حتى أقتَصَّها منه حتى اللطمة. قلنا: كيف وإنما نأتي عُراةً غُرْلًا بُهْمًا؟ قال: “بالحسنات والسيئات”.

    وأخرج البيهقي وابن عبد البر عن عطاء بن أبي رباح أن أبا أيوب الأنصاريَّ رحل إلى عتبة ابن عامر يسأله عن حديث سمعه من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يبق أحد سمعه منه غيره، فلما قدم إلى منزل مَسلَمة بن مَخلَد الأنصاري، وهو أمير مصر، فخرج إليه فعانقه ثم قال: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ قال: حديث سمعته من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ستر المؤمن. فقال: نعم، سمعتُ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: “من ستر مؤمنًا في الدنيا على كُربته ستره الله يوم القيامة” ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته، فركبها راجعًا إلى المدينة، فما أدركته جائزة مَسلَمة إلا بعريش مصر.

    وخلاصة القول أن السنة قد بدأ تدوينها من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استكمل الصحابة ذلك بعد وفاته.

    وأما قوله بأن عذاب القبر لا فائدة فيه لأن العذاب لا يؤثر إلا على الحي فقول باطل؛ وهذا القائل إنما أتي من جهة أنه يحكِّم عقله في نصوص الشرع؛ فما قَبِلَه عقله فبها وما لا فلا!! ولا شك أن في هذا المسلك افتياتاً على الشرع لأن الغيبيات لا مدخل للعقول في تكييفها، بل ينبغي الاقتصار فيها على السمعيات، أعني ما جاء في القرآن وما ثبت في صحيح سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ويكفينا أن عالم الأرواح لا نملك تكييفاً له وقد قال الله تعالى {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} فلا يحق لعاقل أن يحتج بمثل هذا الكلام على نصوص ثابتة متواترة في القرآن والسنة؛ كقوله تعالى {ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق} وقوله تعالى {النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} وقول النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه “تعوذوا بالله من عذاب القبر” وقوله دبر كل صلاة “اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر” وقوله “إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير؛ بلى إنه لكبير” وقوله عليه الصلاة والسلام “إن هؤلاء يعذبون في قبورهم عذاباً تسمعه البهائم” إلى غير ذلك من النصوص، ويمكن للسائل أن يحيل هذا المشكك – إن كان طالباً للحق لا تابعاً للهوى – إلى بعض كتابات أهل العلم ككتاب (التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة) للإمام أبي عبد الله القرطبي رحمه الله تعالى، أو كتاب (الروح) للإمام أبي عبد الله بن القيم رحمه الله تعالى، أو كتاب (شرح الصدور) للإمام الجلال السيوطي رحمه الله تعالى، والله الهادي إلى سواء السبيل.

  • الشهادة على نكاح على حامل

    هل يجوز الشهادة على زواج قد ارتكب فيه الزنا، ونتج عنه حمل قبل أن يحصل فيه موافقة أولياء الأمر؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فلا يصح الزواج بغير ولي؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم {لا نكاح إلا بولي} وقوله صلى الله عليه وسلم {أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل} وعليه فلا ينبغي لك الشهادة على مثل هذا العقد، بل الواجب عليك بذل النصيحة لهذين اللذين وقعا في الزنا، وكذلك نصح أولياء الفتاة بتزويجها ـ جرياً على مذهب بعض أهل العلم القائلين بصحة العقد على الحامل إذا كان العاقد هو صاحب الحمل ـ وطلباً للستر على الأعراض وتشوفاً لإثبات نسب هذا الطفل بعد خروجه إلى الحياة، والله تعالى أعلم.

  • يسهو فيقرأ سراً في الجهرية

    فضيلة الشيخ عبد الحى يوسف السلام عليكم، السؤال: في الصلاة الجهرية أسهو فأقرأ كم أية من الفاتحة سراً، هل أبدأ من الأول أم أجهر متى ما تذكرت؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فمن السنة أن يجهر المصلي في الفجر والأوليين من المغرب والعشاء؛ وإذا نسي فأسرَّ في موضع الجهر فإن عليه أن يسجد للسهو قبل السلام على اعتبار أن ذلك نقصان من الصلاة، وأما إذا تذكر أثناء القراءة فعليه أن يجهر حال تذكره، ولا يلزمه أن يعيد القراءة مرة أخرى، والله تعالى أعلم.

  • تسليمة واحدة في الصلاة

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أسال عن الإمام الذي يسلم تسليمة واحدة فقط، ما حكم المأمومين في السلام, هل يجوز أن يسلم المأموم تسليمتين؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالفرض هو التسليمة الواحدة، وقد نقل ابن حزم رحمه الله الإجماع على أن من اقتصر عليها أجزأته، ويشترط في السلام أن يكون معرفاً بأل، وأن يكون بهذا اللفظ {السلام عليكم} والدليل على الاقتصار على التسليمة الواحدة ما رواه الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل قالت: ثم يجلس فيتشهد ويدعو، ثم يسلم تسليمة واحدة {السلام عليكم} يرفع بها صوته. ورواه النسائي وابن حبان وغيرهما، وقد أخرج نحوه الترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم والدارقطني بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه} وقال الحاكم: هو صحيح على شرط البخاري ومسلم. وقال آخرون: هو ضعيف، وقال البغوي في شرح السنة: في إسناده مقال. وقال الترمذي: لا نعرفه مرفوعاً من هذا الوجه. قال العلامة الشيباني رحمه الله تعالى في تبيين المسالك شرح تدريب السالك لأقرب المسالك: وإذا كانت أحاديث التسليمة الواحدة لم تصح؛ فإن عمل أهل المدينة بها يقويها؛ فقد ذكر ابن عبد البر أن الاقتصار على التسليمة الواحدة روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث سعد بن أبي وقاص، ومن حديث عائشة ومن حديث أنس، إلا أنها معلولة لا يصححها أهل العلم بالحديث، ونقل عن الليث بن سعد قوله: أدركت الأئمة والناس يسلمون تسليمة واحدة: السلام عليكم. قال ابن عبد البر: والعمل المشهور بالمدينة التسليمة الواحدة، وهو عمل توارثه أهل المدينة كابراً عن كابر، ومثله يصح فيه الاحتجاج بالعمل في كل بلد لأنه لا يخفى، لوقوعه في كل يوم مراراً، وكذلك العمل بالكوفة وغيرها مستفيض عندهم بالتسليمتين متوارث عندهم أيضا.ا.هـ

    وعليه فلا حرج على هذا الإمام الذي يقتصر على تسليمة واحدة باستمرار، ولعمله وجه في السنة، والله تعالى أعلم.

  • جلسة الحبوة

    ما هي جلسة الحبوة، وهل هناك نهي عنها؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد

    الاحتباء كما عرفه ابن الملقن رحمه الله تعالى في كتاب (التوضيح بشرح الجامع الصحيح): هو أن يقعد على إليتيه وينصب ساقيه ويحتزم بالثوب على حقويه وركبتيه، وفرجه بادْ، كانت العرب تفعله؛ لأنه أرفق لها في جلوسها. وقال البخاري في اللباس: هو أن يحتبي بثوب وهو جالس ليس على فرجه منه شيء. أما من نصب ساقيه وتحزّم بالثوب على حقويه وقد ستر فرجه فلا حرج عليه في ذلك. فعن مالك، أنّه بلغه أنّ عبد الله بن عمر كان يحتبي يوم الجمعة والإمام يَخْطُبُ. رَوَى ابنُ نافع عن مالكٌ أنّه لا بأس أنّ يحتبي يوم الجمعة والإمام يخطبُ، وله أنّ يمدّ رِجْلَيه؛ لأنّ ذلك مَعُونَة له على ما يريده من أمره، فليفعل من ذلك ما هو أَرْفَق به. والله الموفق والمستعان.

  • لا نكاح إلا بوليّ

    أحسن الله اليكم شيخنا الحبيب، مسألة النكاح بولي هل هناك نصّ ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه لا نكاح الا بولي، وكذلك سمعت أن بعض الصحابة من حوزوا النكاح بلا ولي كعلي رضى الله عنه (أنه إذا دخل بها بعد النكاح بلا ولي جاز) أخرجه ابن ابي شيبة وعبد الرزاق، ومن التابعين كذلك الزهري وعطاء جوزا النكاح بلا ولي، وحديث المستدل في هذا الباب معلّ أعلّه البخاري وابن معين؟ هل من تفصيل في هذه المسألة شيخنا وجزاكم الله خير الجزاء

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى أله وصحبه أجمعين، أما بعد

    فإن القول باشتراط الولي في صحة النكاح هو قول جمهور العلماء – منهم المالكية والشافعية والحنابلة – وذلك لأن الله تعالى ما خاطب بالنكاح النساء بل خاطب أولياءهن فقال سبحانه {فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف} وقال جل من قائل {ولا تُنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا نكاح إلا بولي) رواه أحمد وأبو داود، وهذا الحديث رَوَتْهُ عَائِشَةُ، وَأَبُو مُوسَى، وَابْنُ عَبَّاسٍ. قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: سَأَلْت أَحْمَدَ وَيَحْيَى عَنْ حَدِيثِ {: لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ}. فَقَالَا: صَحِيحٌ.

    وقال عليه الصلاة والسلام: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل. فنكاحها باطل. فنكاحها باطل) رواه أحمد وأبو داود وصححه السيوطي والألباني. فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ الزُّهْرِيَّ رَوَاهُ وَقَدْ أَنْكَرَهُ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: سَأَلْت الزُّهْرِيَّ عَنْهُ فَلَمْ يَعْرِفْهُ. قُلْنَا لَهُ: لَمْ يَقُلْ هَذَا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٌ غَيْرُ ابْنِ عُلَيَّةَ، كَذَلِكَ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَيَحْيَى، وَلَوْ ثَبَتَ هَذَا لَمْ يَكُنْ حُجَّةً ; لِأَنَّهُ قَدْ نَقَلَهُ ثِقَاتٌ عَنْهُ، فَلَوْ نَسِيَهُ الزُّهْرِيُّ لَمْ يَضُرَّهُ؛ لِأَنَّ النِّسْيَانَ لَمْ يُعْصَمْ مِنْهُ إنْسَانٌ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (نَسِيَ آدَم، فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ).

    قال ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى في (المغني): النكاح لَا يَصِحُّ إلَّا بِوَلِيٍّ، وَلَا تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ تَزْوِيجَ نَفْسِهَا وَلَا غَيْرِهَا، وَلَا تَوْكِيلَ غَيْرِ وَلِيِّهَا فِي تَزْوِيجِهَا. فَإِنْ فَعَلَتْ، لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ. رُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ الْعَنْبَرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وَأَبِي يُوسُفَ: لَا يَجُوزُ لَهَا ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَلِيِّ، فَإِنْ فَعَلَتْ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَتِهِ.ا.هــــ كلامه رحمه الله تعالى.

     وأما الحنفية رحمهم الله فقد أجازوا نكاح المرأة نفسها ولم يشترطوا الولي؛ استدلالا بقياس تصرفها في نفسها على تصرفها في مالها؛ حيث أباحت لها الشريعة ذلك؛ وقد أجاب الجمهور على ذلك من ثلاثة أوجه:

    أولها: القدح في ذلك القياس بالقادح المسمى فساد الاعتبار؛ لأنه قد ورد في مقابل النصوص الصحيحة.

    ثانيها: أنه قياس مع الفارق لأن العرض أغلى من المال وأعز.

    ثالثها: أن تصرفها في مالها يعود ضرره عليها وحدها، أما تصرفها في نفسها بتزويجها من غير كفء فإن الضرر يعود على الأسرة والقبيلة، والله تعالى أعلم.

  • السماسرة

    سؤال في البيع والشراء.. أدخل احياناً إلى سوق الأغنام لأبيع أغنام قد اشتريتها من البوادي، وهذا السوق يسيطر علية مجموعه من الشريطية (الدلالين) فإذا جئت ببضاعتي زهَّدوا فيها وعيَّبوا فيها لكي يبخسوني في السعر. ثم يبايعوني ويعطوني سعراً زهيدا.. ثم يتركوني فإذا جاء زبون من خارج السوق ممن يتعامل معهم ويريد غنماً قالوا هذا عليها كذا وكذا!! فيقوم الزبون ويزيد شيئاً يسيراً بحكم أنه يرى أن الذي أراد أن يشتري قبله قد وضع سعراً مناسباً للبضاعة، وهو لا يعلم أن هؤلاء إنما وضعوا سعرا للمكر بي.. ولكي يسيطروا هم على السوق ولا ينافسهم أحد في السوق.. ولكي أبيع لهم بثمن بخس ثم هم بحسب خبرتهم ومعرفتهم بالسوق يحصدون مكاسب كبيرة على حسابي… هذا كله مقدمة لسؤال وهو:

    هل يجوز لي أني إذا جئت إلى السوق ومعي بضاعة أن أقول لهم هذه عليها كذا وكذا بحيث أني سأجعل لي مكسب ٢٥%مثلاً إذا اشتريت غنمة ب١٠٠سأقول لهم: هذه عليها ١٢٥ وسأجعل قبل أن أقول هذا الكلام أحد اصحابي يقول لي اشتريت ب١٢٥وانا أقول له: لا أريد أكثر بالتنسيق معه حتى لا أدخل في الكذب.. هل يجوز لي هذا لأني رأيت أنه لا يصلح معهم إلا هذه الطريقة.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد

    فهذه من مفاسد الأخلاق التي جبل عليها كثير من المتعاملين في الأسواق والواجب عليك معرفة هذه الأحكام:

    أولاً: صنيع أولئك (الشريطية) قد بلغ من السوء مبلغه؛ لما فيه من الكذب والله لا يحب الكاذبين، وذلك حين يصفون تلك البضاعة بما ليس فيها من العيوب، ولما فيه من المضارة والمشاقة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (من ضار ضار الله به، ومن شاق شاق الله عليه)

    ثانياً: إعطاؤهم السعر الزهيد الذي فيه غبن عمل محرّم؛ لأن الله تعالى قال {ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين}

    ثالثاً: لا يجوز لك الإخبار بغير السعر الذي اشتريت به؛ لأن نبينا صلى الله عليه وسلم قد نهى عن ذلك، حيث قال (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: … ورجل حلف على سلعة أنه اشتراها بكذا وهو كاذب) لكن يمكنك أن تضع السعر الذي تريده من غير وكس ولا شطط؛ مع يقينك أن الله تعالى هو القابض الباسط وأن الارزاق مقسومة مكتوبة، والله الموفق والمستعان.

  • يريد الخطبة ويخاف أن يُرفض

    السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته يا شيخنا الموقر أما بعد، أنا طالب في السنة الأخيرة وبيني وبين التخرج 5 شهور فقط وأريد أن أتقدم لخطب ابنة الجيران مع العلم أنها ذات خلق ودين وجمال وكذلك أهلها من ذوي الدين مشكلتي تتمثل في الآتي:

    1- أخاف من رفض أهلها لي لأنهم (على حد علمي) لا يزوجون بناتهم إلا من شباب العائلة.

    2- والداي لا يريدان أن يزوجاني إلا بعد أن أكون نفسي وأنا مؤمن بقول الحق عز وجل: {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله}.

    فكرتي هي أن أخطبها وبعد أن تكمل هي دراستها الجامعية أتقدم لعقدها، أفيدوني جزاكم الله خيرا لأني والذي خلق السماوات والأرض في حيرة شديدة من أمري. وشكرا جزيلا.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فإنني أذكرك – أخي – بقول الله عز وجل {وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} فلا تعلق قلبك بشيء من الدنيا قد يحصل وقد لا يحصل، بل سل الله أن يقدر لك الخير، والمطلوب منك حيال هذا الأمر الذي أهمك أمور:

    أولها: أن تستشير من تثق به من إخوانك وأصحابك من ذوي المروءة والنُّهى

    ثانيها: أن تستخير الله عز وجل بصلاة ركعتين ثم الدعاء المأثور، وحبذا لو كان ذلك في ثلث الليل الآخر

    ثالثها: أن تكثر من الاستغفار فإنه مستلزم لتفريج الهم وتنفيس الكرب

    رابعها: أن تكثر من الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكفيك الله ما أهمك وأغمك

    خامسها: أن تقدم على طرق باب جيرانكم وطلب ابنتهم مع التوكل على الله تعالى؛ فإن قبلوا بك فالحمد لله وذلك ما كنت تبغي، وإلا فاعلم أن الله تعالى لن يضيعك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «ما من عبد يدعو الله تعالى بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل له الإجابة في الدنيا، وإما أن يدخر له في الآخرة مثلها، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها»

    سادسها: احرص على رضا والديك ووضعهما في حقيقة الأمر واستعن على ذلك بمن يملك التأثير عليهما، والله المستعان.

زر الذهاب إلى الأعلى