الفتاوى

  • شعر المولود قصير فهل اتصدق بوزنه؟

    لي مولود ولد بشعر قصير جداً لا نستطيع حلقه فكيف أتصدق بوزنه فضة مع العلم أنه مر على ولادته عشرة أيام حتى الحين، ونسألكم عن حكم العقيقة في اليوم الواحد والعشرين؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فالسنة أن يُحلق رأس المولود في يوم سابعه ـ قصيراً كان أم طويلاً ـ ويتصدق بوزنه فضة؛ لما رواه مالك والبيهقي وغيرهما مرسلاً عن محمد بن علي بن الحسين قال {وزنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شعر حسن وحسين وزينب وأم كلثوم فتصدقت بزنة ذلك فضة} ورواه البيهقي مرفوعاً من رواية عليٍّ رضي الله عنه {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر فاطمة أن تتصدق بزنة شعر الحسين فضة} قال النووي رحمه الله تعالى: وفي إسناده ضعف. وفي مصنف عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن جريج قال: سمعت محمد بن علي يقول: {كانت فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يولد لها ولد إلا أمرت بحلق رأسه وتصدقت بوزن شعره ورقا} قال ابن القيم رحمه الله تعالى: قال أبو عمر بن عبد البر: أما حلق رأس الصبي عند العقيقة فإن العلماء كانوا يستحبون ذلك وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في  حديث العقيقة ويحلق رأسه ويسمى.ا.هـ وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى في المغني: يُستحب أن يحلق رأس الصبي يوم السابع، ويُسمَّى.ا.هـ وكذا قال النووي رحمه الله تعالى في المجموع وابن حزم الظاهري في المحلى بالآثار وغيرهم من أهل العلم؛ استدلالاً بالروايات السابقة.

    وأما العقيقة فالسنة أن تكون في اليوم السابع للمولود؛ لما رواه أهل السنن عن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى فيه ويحلق رأسه} قال الترمذي: هذا حديث حسن. فإن فات يوم ا لسابع ولم يُعقَّ عنه ففي تضاعيفه؛ لما رواه أبو داود في كتاب المسائل قال: سمعت أبا عبد الله ـ يعني الإمام أحمد ـ يقول: العقيقة تُذبح يوم السابع. وقال صالح بن أحمد: قال أبي في العقيقة: تُذبح يوم السابع، فإن لم يفعل ففي أربع عشرة، فإن لم يفعل ففي إحدى وعشرين. وقال الميموني: قلت لأبي عبد الله: متى يعق عنه؟ قال أما عائشة فتقول: سبعة أيام وأربعة عشرة ولأحد وعشرين.ا.هـ

  • مسابقات شركات الاتصال

    اشتريت شريحة اتصال بعد أن علمت أن هنالك جوائز للمشتركين فهل تحل لي إذا فزت بها؟ وكيف أتصرف فيها إذا كانت غير حلال؟

    الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، فلا يجوز لك المشاركة في مثل هذه المسابقات التي يفوز فيها القليل ويخسر فيها الكثير؛ لأنها نوع من القمار، وهي تشتمل على غَرَر ظاهرٍ؛ لأن الاشتراك لا يراد منه غرض الاتصال؛ وإنما غرض الربح غير المضمون؛ فتضيع أموال أغلب المشاركين في هذه المسابقات، ويكون الربح الأكبر لشركات الاتصال التي تُغرِّرُ بآلاف الناس وتتحصَّل على اشتراكِ كلِّ المتسابقين ولا تعطي إلا أقلَّ القليل تغريراً بضعفاء الناس والباحثين عن الربح بأي سبيل؛ فهذه المعاملة قمارٌ محرَّمٌ. والله يغنيك بالحلال عن الحرام. {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا}. الطلاق 2-3.

  • تزوجت كتابية من دون ولي

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أنا متزوج منذ ما يزيد عن سنة من كتابية أجنبية، وكان الزواج بحضور شاهدين، لكن بدون ولي؛ لأن والدها متوفى، والآن أريد أن أوثق هذا الزواج بالمحكمة، فهل يلزم إخبارهم بالمحكمة عن الزواج الذي حصل بدون ولي؟ لأنني نويت الزواج بمذهب أبي حنيفة، وبالمحكمة يعتمدون مذهب الجمهور. فهل من مخرج حيث أنني لا أريد فسخ الزواج؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فليس لك أيها الأخ أن تنتقي من المذاهب ما  تشتهيه وترى فيه حلاً لمشكلتك، بل الواجب عليك سؤال أهل العلم والتقيد بما يفتونك به؛ لقوله تعالى ((فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)) وهذه الكتابية لا ولاية لأهلها عليها إذا كانوا على غير دين الإسلام، لكن لا ينعقد الزواج بغير ولي، لقول النبي صلى الله عليه وسلم {لا نكاح إلا بولي} وقوله صلى الله عليه وسلم {أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل} وعليك أن تخبر المحكمة بذلك، والسلطان ولي من لا ولي له؛ أي أن للقاضي تزويجك بحضور الشهود، ويكون نكاحك صحيحاً لا شبهة فيه إن شاء الله، والله الموفق والمستعان.

  • الشك في البلوغ

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا يا شيخنا ولدت بتاريخ 1997/2/28 ميلادي و ١٤١٧/١٠/٢١ هجري تقريباً؛ وبلغت الخامسة عشرة سنة هجرية في  ١٤٣٢/١٠/٢١؛ أي بعد رمضان ب ٢١ يوم؛ أتممت ١٥ سنة هجرية  وأنا أشك إذا ما كنت في رمضان ١٤٣٢ بالغاً أم لا لأنني غير متأكد من وقت بلوغي وأشك فيه أكان قبله أم بعده؟  فهل عليَّ شيء؟ وشكراً. (أرجو عدم نشر الفتوى)

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فالبلوغ يثبت في حق الذكر بالاحتلام أو الإنبات ولو كان ذلك قبل بلوغ الخمسة عشر حولاً؛ وأما الأنثى فيثبت في حقها بالاحتلام والإنبات والحيض؛ وعليه فمتى ما حصلت إحدى هذه العلامات فإنه يجري على العبد القلم وتلزمه التكاليف الشرعية كلها؛ أما إذا لم تظهر إحدى هذه العلامات – أعني الاحتلام أو الإنبات أو نزول دم الحيض- فإنه يحصل البلوغ بتمام خمسة عشر حولاً قمريا وليس ببداية خمسة عشر حولاً قمريا؛ وعليه فالمطلوب منك أن تراجع تاريخ ميلادك من أجل أن تتأكد من بلوغك الحلم؛ فإن كان ذلك قد حصل لزمك قضاء تلك الأيام التسعة التي أفطرتها من رمضان، والله الموفق والمستعان.

  • سب الدين عند الغضب

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. أعاني منذ فترة من آلام نفسيه تأتينى فى شكل نوبات أكون فيها شديد الغضب ولا أشعر بما أقول وأفعل!! وفى إحدى تلك المرات كنت غاضبًا جدا وأقود السيارة وتهت عن الطريق فقمت بضرب الموبايل بطبلون السيارة وفوجئت بأني سببت الدين!! فاستغربت جدا لما بدر منى!!وبما نطق لسانى!!! فكيف أكفر عن ذلك؟ أفيدونا مأجورين ..  وجزاكم الله خيرًا.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فسبُّ دين الإسلام كفر بإجماع المسلمين؛ سواء أكان السابُّ جاداً أم هازلاً؛ لقوله تعالى {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} وسواء في ذلك أن يكون السب سباً لله عز وجل أو لرسوله صلى الله عليه وسلم أو لواحد من الأنبياء المجمع على نبوتهم؛ أو لواحد من الملائكة المجمع على ملائكيتهم أو استهزاء بشعيرة من شعائر الدين؛ فهذا كله ردة – والعياذ بالله – وإن كان بعضها أفحش من بعض. وقد سئل الشيخ عليش المالكي رحمه الله تعالى: ما قولكم في رجل جرى على لسانه سب الدين من غير قصد، هل يكفر أو لا بد من القصد؟ فأجاب: نعم ارتد؛ لأن السب أشد من الاستخفاف، وقد نصوا على أنه ردة؛ فالسب ردة بالأولى. وفي المجموع: ولا يعذر بجهل وزلل لسان. انتهى من (فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك)

    فعلى السائل أن يتوب إلى الله تعالى توبة نصوحاً ويكثر من فعل الصالحات، وقد قال سبحانه {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين} ونسأل الله تعالى أن يتوفانا مسلمين

  • الإحرام من التنعيم

    في الحج: هل يصح عمل عمرة لشخص متوفى بأن يذهب الحاج من مكة إلى التنعيم ويحرم من هناك، ثم يعود إلى مكة لعمل العمرة؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فيصح للحاج أو غيره ممن هم في مكة أن يخرج إلى أي مكان في الحل – التنعيم أو غيره – ثم يحرم من هناك بعمرة عنه أو عن غيره – من ميت أو حي عاجز بدنيا – استدلالاً بفعل أمنا عائشة رضي الله عنها؛ حين فرغت من الحج وطلبت من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأذن لها في عمرة؛ فأمر أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما أن يخرج بها إلى الحل لتحرم بعمرة، والله تعالى أعلم.

  • لمن تعطى زكاة الفطر؟

    لمن تعطى زكاة الفطر؟ وما هي الحكمة من إخراجها؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فإن مصرف زكاة الفطر عند جمهور العلماء صنفان من الناس، هما الفقراء والمساكين، وأما الحكمة من إيجاب زكاة الفطر ـ والله أعلم ـ أمران هما: تطهير الصائم مما قد يكون علق بصيامه مما ينقص أجره، ثم إغناء المساكين عن السؤال في يوم العيد؛ ليجدوا كفايتهم ويشاركوا المسلمين فرحتهم؛ وقد  روى أبو داود في باب زكاة الفطر عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: (فرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين) وفي سنن البيهقي والدارقطني عن ابن عمر  ـ رضي الله عنهما ـ مرفوعاً {أغنوهم في هذا اليوم}

  • هل الثوب السوداني زي شرعي؟

    السؤال: هل الثوب السوداني يعتبر زياً شرعياً؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد أوجبت الشريعة على المرأة ألا تخرج من بيتها أو تبدو أمام غير زوجها ومحارمها إلا وقد سترت زينتها وأخذت حجابها، ولم تفرض عليها زياً بعينه بحيث يقال: إنه هو المجزئ وما عداه فلا، وعليه نقول: إذا كان الثوب السوداني الذي ترتديه المرأة تتوافر فيه الشروط الشرعية من حيث كونه ساتراً فضفاضاً صفيقاً لا يشف عن لون البشرة غير زينة في نفسه فهو ثوب شرعي، ومتى ما تخلف شرط مما مضى ذكره فليس شرعياً، والله تعالى أعلم.

  • زكاة الفطر عن الجنين

    السلام عليكم ورحمة الله، سؤالي عن إخراج زكاة الفطر للجنين فى بطن أمه ما حكمها؟ وجزاكم الله خيرا

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فالذي عليه جمهور الفقهاء على أن زكاة الفطر عن الجنين ليست واجبة، بل هي مستحبة؛ استدلالاً بفعل السيد الجليل عثمان بن عفان رضي الله عنه؛ حيث روى عنه ابن حزم الظاهري أنه كان يعطي صدقة الفطر عن الصغير والكبير والحمل. وعن أبي قلابة قال: كان يعجبهم أن يعطوا زكاة الفطر عن الصغير والكبير حتى عن الحمل في بطن أمه. قال ابن حزم، وأبو قلابة أدرك الصحابة وصحبهم وروى عنهم. وعن سليمان بن يسار: أنه سئل عن الحمل أيزكي عنه؟ قال نعم. قال ابن حزم: ولا يعرف لعثمان في هذا مخالف من الصحابة.ا.هـــــ

    وقد ذكر الشوكاني رحمه الله تعالى في نيل الأوطار أن ابن المنذر نقل الإجماع على أنها لا تجب عن الجنين، وكان أحمد يستحبه ولا يوجبه، وعليه فلو أخرجتها عن الجنين فلك الأجر، وإن لم تفعل فلا شيء عليك. والعلم عند الله تعالى.

  • عمرة وختمة لميت

    السلام عليكم ورحمة الله توفي لنا أخ في السعودية وحبينا أن نعمل له عمرة نحن مجموعة كل واحد يعمل العمرة ويهبها له، وفي يوم الجمعة عملنا ختمة للقرآن ووهبنا أجرها له فما الحكم في ذلك؟؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فالميت ينتفع بثواب الصدقة، سواء في ذلك ما عمله في حياته أو ما عمل له بعد مماته، وقد دل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن قال له «إن أمي افتلتت نفسها وإني أظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم» رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها. وقد ذكر مسلم رحمه الله في مقدمة صحيحه عن ابن المبارك أنه قال: «ليس في الصدقة خلاف» قال النووي رحمه الله تعالى: وفي هذا الحديث أن الصدقة عن الميت تنفع الميت ويصله ثوابها.ا.هـ وروى أحمد والنسائي عن سعد بن عبادة رضي الله عنه أن أمه ماتت فقال: «يا رسول الله، إن أمي ماتت أفأتصدق عنها؟ قال: نعم. قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء» قال الحسن: فتلك سقاية آل سعد بالمدينة. وكذلك العمرة يصل ثوابها إلى الميت سواء كان المعتمر عنه أحد أوليائه أو كان أجنبياً عنه.

    وأما تلاوة القرآن فمن المسائل التي اختلف فيها أهل العلم؛ فالمشهور من مذهب الشافعي وجماعة من أصحابه أنه لا يصل إلى الميت ثواب قراءة القرآن، وذهب أحمد ابن حنبل وجماعة من العلماء وجماعة من أصحاب الشافعي إلى أنه يصل، كذا ذكره النووي رحمه الله تعالى في الأذكار، قال بعض أهل العلم: وينبغي الجزم به ـ أي وصول الثواب ـ إذا سأل الله إيصال ثواب قراءته؛ لأنه دعاء، فإذا جاز الدعاء للميت بما ليس للداعي فلأن يجوز بما هو له أولى، ويبقى الأمر موقوفاً على استجابة الدعاء. قال الصنعاني رحمه الله تعالى في سبل السلام:  وهذا هو القول الأرجح دليلاً.ا.هــــ وقال ابن قدامة في المغني: وأي قربة فعلها وجعل ثوابها للميت المسلم نفعه ذلك إن شاء الله، أما الدعاء والاستغفار والصدقة وأداء الواجبات فلا أعلم فيه خلافاً إذا كانت الواجبات مما يدخله النيابة، وقد قال الله تعالى {والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} وقال الله تعالى {واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} ودعا النبي صلى الله عليه وسلم لأبي سلمة حين مات، وللميت الذي صلى عليه في حديث عوف بن مالك، ولكل ميت صلى عليه، ولذي النجادين حين دفنه، وشرع الله ذلك لكل من صلى على ميت، وسأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: إن أمي ماتت؛ فينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: «نعم» رواه أبو داود. وروي ذلك عن سعد بن عبادة. وجاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى» وقال للذي سأله: إن أمي ماتت، وعليها صوم شهر, أفأصوم عنها؟ قال: «نعم» وهذه أحاديث صحاح، وفيها دلالة على انتفاع الميت بسائر القرب؛ لأن الصوم والحج والدعاء والاستغفار عبادات بدنية، وقد أوصل الله نفعها إلى الميت، فكذلك ما سواها، مع ما ذكرنا من الحديث في ثواب من قرأ يس، وتخفيف الله عن أهل المقابر بقراءته. إلى أن قال رحمه الله: ولنا ما ذكرناه، وأنه إجماع المسلمين، فإنهم في كل عصر ومصر يجتمعون ويقرءون القرآن، ويهدون ثوابه إلى موتاهم من غير نكير. ولأن الحديث صح عن النبي صلى الله عليه وسلم «إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه» والله أكرم من أن يوصل عقوبة المعصية إليه، ويحجب عنه المثوبة، ولأن الموصل لثواب ما سلموه، قادر على إيصال ثواب ما منعوه، والآية {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} مخصوصة بما سلموه، وما اختلفنا فيه في معناه، فنقيسه عليه.أ.هـ

    وليس هذا خاصاً بالولد، بل كل من عمل عملاً مما تدخله النيابة ونوى إيصال ثوابه إلى الميت وصل بإذن الله ولداً كان أو غيره؛ لإجماع العلماء على وصول ثواب الدعاء والصدقة للميت وإن كان من غير الولد؛ لحديث المُحْرِم عن أخيه شبرمة، ولم يستفصل النبي صلى الله عليه وسلم هل أوصى شبرمة أم لا؟ ولحديث عائشة رضي الله عنها «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» متفق عليه وكذلك قراءة يس من الولد وغيره لحديث «اقرءوا على موتاكم يس» وبالدعاء لحديث «استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل» ولقوله تعالى {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} ولما ثبت من الدعاء للميت عند الزيارة كحديث بريدة رضي الله عنه «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعَلِّمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية» رواه مسلم

    وأما استدلال بعض العلماء بقوله تعالى {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} فقد أجيب عنه بأن ذلك من طريق العدل؛ وأما من طريق الفضل فله ما سعى وما سُعِي له، أو أن اللام في قوله {للإنسان} بمعنى على؛ أي ليس على الإنسان إلا ما سعى، وأيضاً فإنه مخصوص بأن الميت ينتفع بثواب ما أهدي إليه من الصدقات والحج والعمرة والدعاء، فكذلك ينتفع بالقراءة. قال الشيخ تقي الدين أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله فقد خرق الإجماع، وذلك باطل من وجوه كثيرة:

    أحدها: أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره، وهو انتفاع بعمل الغير. ثانيها: أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الموقف في الحساب؛ ثم لأهل الجنة في دخولها. ثالثها: أنه صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الكبائر في الخروج من النار، وهذا انتفاع بسعي الغير. رابعها: أن الملائكة يستغفرون ويدعون لمن في الأرض، وذلك منفعة بعمل الغير. خامسها: أن الله تعالى يخرج من النار من لم يعمل خيراً قط – أي من المؤمنين – بمحض رحمته، وهذا انتفاع بغير عملهم. سادسها: أن أولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم، وذلك انتفاع بمحض عمل الغير. سابعها: قال الله تعالى في قصة الغلامين اليتيمين {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً} فانتفعا بصلاح أبيهما، وليس من سعيهما. ثامنها: أن الميت ينتفع بالصدقة عنه، وبالعتق، بنص السنة والإجماع، وهو من عمل الغير. تاسعها: أن الحج المفروض يسقط عن الميت، بحج وليه بنص السنة، وهو انتفاع بعمل الغير. حادي عشر: المدين قد امتنع صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليه حتى قضى دينه أبو قتادة، وقضى دين الآخر على بن أبى طالب، وانتفع بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم وهو من عمل الغير. ثاني عشر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن صلى وحده «ألا رجل يتصدق على هذا فيصلى معه» فقد حصل له فضل الجماعة بفعل الغير. ثالث عشر: أن الإنسان تبرأ ذمته من ديون الغير، إذا قضاها عنه قاض، وذلك انتفاع بعمل الغير. رابع عشر: أن من عليه تبعات ومظالم، إذا حلل منها سقطت عنه، وهذا انتفاع بعمل الغير. خامس عشر: أن الجار الصالح ينفع في المحيا وفى الممات – كما جاء في الأثر – وهذا انتفاع بعمل الغير. سادس عشر: أن جليس أهل الذكر يُرحم بهم، وهو لم يكن معهم، ولم يجلس لذلك بل لحاجة عرضت له، والأعمال بالنيات، فقد انتفع بعمل غيره. سابع عشر: الصلاة على الميت، والدعاء له في الصلاة، انتفاع للميت بصلاة الحي عليه وهو عمل غيره. ثامن عشر: أن الجمعة تحصل باجتماع العدد، وكذا الجماعة بكثرة العدد وهو انتفاع للبعض بالبعض. تاسع عشر: أن الله تعالى قال لنبيه {وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} وقال تعالى {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ..} فقد رفع الله تعالى العذاب عن بعض الناس بسبب بعض، وذلك انتفاع بعمل الغير. تمام العشرين: أن صدقة الفطر تجب على الصغير وغيره ممن يمونه الرجل، فإنه ينتفع بذلك من يُخرِج عنه، ولا سعى له فيها.

    ثم قال رحمه الله: ومن تأمل العلم وجد انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى، فكيف يجوز أن تتأول الآية الكريمة، على خلاف صريح الكتاب والسنة، وإجماع الأمة.ا.هـ

زر الذهاب إلى الأعلى