الفتاوى

  • قتل امرأة في حادث سيارة

    أسال عن الذي يقود عربة، ثم يعمل بها حادث غير مقصود؛ فيصيب امرأة كبيرة؛ فتنقل إلى المستشفى، ثم تموت في نفس اليوم هل عليه كفارة؟ أو ماذا عليه أن يفعل؟ مع العلم بأن أهل المرأة المتوفاة قد عفوا عن الدية، وجزاكم الله خيراً.

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فهذا الشخص قاتلٌ خطأً، وقد قال ربنا سبحانه {ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليماً حكيما} وعليه فإن المطلوب من هذا الشخص صيام شهرين متتابعين، ولا يضره أن يكون الشهران ستين يوماً أو تسعة وخمسين، والله تعالى أعلم.

  • استعار مالا ليشغّله

    ما حكم شخص استعار مبلغاً من المال ليشغله لصاحبه وهو بدوره يستفيد ولكنهما لم يتفقا على الفائدة؟ هل هذا يعتبر ربا؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فهذه المعاملة تكون صحيحة لو جرت على أحكام عقد المضاربة المعروف في الشريعة الإسلامية، وذلك بأن يكون المال من شخص، والجهد من آخر، على أن يتقاسما الأرباح بنسبة مشاعة؛ كالنصف أو الثلث أو الربع، ونحو ذلك على ما يتراضى عليه الطرفان، وهما كذلك شريكان في الوضيعة ـ أي الخسارة ـ فالأول خسر ماله والآخر خسر جهده، وعليه تكون المعاملة سالمة من الربا، جارية على مراد الشرع الحنيف، والله تعالى أعلم.

  • حكم التأمين

    ما حكم التأمين الصحي؟ مع العلم أن هناك مبلغاً يخصم من المرتب سواء رضينا أم أبينا؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فالتأمين المباح شرعاً هو التأمين التعاوني؛ وهو أن يتفق عدة أشخاص على أن يدفع كل منهم اشتراكاً معيَّناً لتعويض الأضرار التي قد تصيب أحدهم إذا تحقق خطر معيَّن، كما هو الشائع عند سائقي سيارات الأجرة والباصات السفرية؛ ووجه جوازه أنه من عقود التبرعات التي يقصد منها المواساة والتعاون على تفتيت الأخطار، والاشتراك في تحمل المسئولية عند نزول الكوارث، وذلك عن طريق إسهام أشخاص بمبالغ نقدية تخصص لتعويض من يصيبه الضرر، فجماعة التأمين التعاوني لا يستهدفون تجارة، ولا ربحاً من أموال غيرهم، وإنما يقصدون توزيع الأخطار بينهم والتعاون على تحمل الضرر؛ ففعلهم هذا داخل في عموم قوله تعالى {وتعاونوا على البر والتقوى}

    أما التأمين القائم على دفع قسط ثابت من قبل الشخص المؤمَّن له إلى جهة معينة وهي شركة التأمين؛ وتتعهد الشركة بموجب ذلك دفع مبلغ معيَّن عند تحقق خطر معيَّن ـ حسب العقد ـ من حَرَقٍ أو غَرَقٍ أو هَدْمٍ أو سرقة ونحو ذلك، ويكون العوض المدفوع إما إلى شخص المؤمَّن له أو ورثته؛ كالذي تفعله شركات التأمين على الحياة أو السيارات أو المباني؛ وعقد التأمين ـ بالصورة هذه ـ عقد فاسد قد أحاطت به عوامل البطلان من كل جانب، لكونه عقد معاوضة لا تبرع، وقد خالف الشريعة الإسلامية من وجوه عدة منها:

    أولاً: اشتماله على الغرر الفاحش المؤثر في عقود المعاوضات المالية؛ حيث يدفع الشخص المؤمن القسط الثابت، ثم هو لا يدري ـ وقت العقد ـ مقدار ما يعطي أو يأخذ؛ فقد يرجع إليه المال الذي دفعه أضعافاً مضاعفة، وذلك في حال حصول الحادث المشروط في العقد، وقد يضيع عليه ماله الذي دفعه، وكذلك شركة التأمين قد تغرم القسط أضعافاً مضاعفة، وقد تنال مال الشخص المؤمَّن له في غير مقابل، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر

    ثانياً: اشتماله على الربا بنوعيه ربا الفضل وربا النسيئة؛ حيث ينطبق على هذا العقد تعريف الربا الذي هو زيادة مال بلا مقابل في معاوضة مال بمال، فلو أن الشركة دفعت للمستأمن أو لورثته أكثر مما دفعه من النقود لها، فهو ربا فضل، ثم إنها تدفع ذلك بعد مدة من دفع المستأمن القسط فيكون ربا نسيئة، وكلاهما حرام داخل في عموم قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله…}

    ثالثاً: اشتماله على أكل أموال الناس بالباطل؛ حيث تلتزم الجهة المؤمَّن لديها ـ الشركة ـ بضمان الشيء التالف بالغرق أو الحرق أو الهدم أو التلف أو السرقة دون أن تكون متسببة في ذلك ولا مباشرة له، وقد قال سبحانه {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون}

    رابعاً: في عقد التأمين بالصورة الشائعة الآن تحريض للناس على أسباب الفساد؛ حيث يعمد كثيرون إلى الاستهتار بأرواح الناس وممتلكاتهم؛ لعلمهم بأن شركة التأمين ستضمن ما يكون من تلف للأموال أو إزهاق للأنفس {والله لا يحب الفساد}

    خامساً: في عقد التأمين بالصورة الشائعة الآن شبه من الميسر؛ حيث يدفع الشخص المؤمَّن له مالاً، ويتوكف أن يرجع إليه أضعافاً مضاعفة، وقد لا يرجع إليه شيء أصلاً، وهذا هو القمار؛ لما فيه من المخاطرة في معاوضات مالية مالية، والغُنم بلا مقابل أو مقابل غير مكافئ، أو الغرم بلا جناية أو تسبب فيها؛ وقد قال سبحانه {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون * إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون}

    وهذا الحكم يسري على التأمين الصحي مثلما يسري على غيره من أنواع التأمين ـ سوى التعاوني ـ إذ قد تحقق فيه الغرر والربا والقمار وأكل أموال الناس بالباطل؛ فلربما يدفع شخصٌ الأقساط زماناً طويلاً ولا يحتاج إلى علاج، ورب آخر لا يدفع إلا يسيراً ثم يصاب بداء عضال يحتاج علاجه إلى مال كثير، يربو على ما دفعه أضعافاً مضاعفة.

    ولو استدل بعض الناس على جوازه بأن فيه تحقيقاً لمصالح الناس، والشريعة ما جاءت إلا لجلب المصالح وتكثيرها ودرء المفاسد وتقليلها، فإن الجواب على ذلك أن المصلحة التي شهد الشرع بإلغائها لا اعتبار لها؛ لأن الشريعة لم تلغها إلا لغلبة جانب المفسدة فيها على جانب المصلحة، وإن بدا للناس خلاف ذلك؛ ويشهد لهذا قوله تعالى {ويسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} فلم تعتبر المصلحة في الخمر والميسر لكونها مرجوحة في جانب المفسدة الكبيرة. ولو استدل بعضهم بقاعدة “الضرورات تبيح المحظورات” فالجواب أن المباح في كسب المال من طرقه المشروعة أكثر بكثير من المحرَّم، وليس هناك ضرورة معتبرة شرعاً تلجئ إلى ما حرَّمه الشرع من التأمين. وقد يقول بعضهم: إن هذا أمر متعارف عليه في دنيا الناس اليوم من غير نكير فوجب القول بإباحته!! والجواب على ذلك بأن العرف لا اعتبار له إذا خالف الشرع، وكذلك لا اغترار بكثرة الواقعين فيه؛ فإن الله تعالى قال {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله}

    والبديل الشرعي لذلك أن يُشجَّعَ المسلمون ـ أفراداً وجماعات ـ على التأمين التعاوني، وتُعمَّمَ فكرته على سائر المدن والقرى بحسب الأخطار التي يراد تغطيتها، والفئات التي يراد استفادتها منه؛ فيكون هناك قسم للتأمين الصحي، وآخر ضد العجز والشيخوخة، وثالث للباعة المتجولين، ورابع للتجار، وهكذا.

  • طلقني وأرجعني في نفس الليلة

    زوجي طلقني طلقة واحدة، وفى نفس الليلة اعتذر لي؛ فهل تعتبر طلقة؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فإذا كان الزوج قد تلفظ بالطلاق فهو واقع، وتحسب عليه طلقة، والرجعة صحيحة إذا كانت تلك الطلقة هي الأولى أو الثانية، أما إذا كانت المكملة للثلاث فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره، والله تعالى أعلم.

  • مُحفّظ قرآن يسيء للأطفال

    السلام عليكم، نحن في بلجيكا، نحث على تعليم أولادنا في المساجد العربية والقرآن، عند إمام المسجد، لكني أصبت بالصدمة عندما حكى لي ابني أن الإمام يدعوه بالحمار أو رأس البغل…عندما يخطئ، وأنا في بيتي لا تذكر تلك الكلمات، ذهب الأب وتكلم مع الإمام فأحرج وقال: إنه ينعت الآخرين، بعدها قال لي ابني: إنه أخافه لكي لا يحكي لي ما يحدث معه، مع أن ابني تعلم جيداً عند هذا الإمام وصعب هنا، وجود معلمين أكفاء؟ فماذا أفعل هل أتركه عنده أم أوقفه عن التعلم لكي لا يتأثر بإمام يجهل سوء كلامه؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فأنتم مأجورون على سعيكم في تعليم أولادكم كلام الله تعالى ولغة كتابه؛ ليكون ذلك بركة ورحمة عليهم وعليكم في الدنيا والآخرة؛ وقد صح عن رسول الله e من حديث عثمان رضي الله عنه أنه قال {خيركم من تعلم القرآن وعلمه} وهذا المعلم لم يتق الله تعالى في أبناء المسلمين الذين جعلوهم أمانة بين يديه؛ ليربيهم على هدي القرآن وأدب القرآن، وقد قال سبحانه {ولا تنابزوا بالألقاب} فمن وصف مسلماً ـ صغيراً أو كبيراً ـ بالحمار أو رأس البغل فهو آثم من جهتين: أولاهما مخالفة النهي الصريح الوارد في الآية، وثانيهما الوقوع في الكذب؛ إذ المرء ليس بحمار ولا رأس بغل، وهذا الإمام آثم من جهة ثالثة وهي ضرب المثل السيئ والقدوة السيئة لهؤلاء الصغار.

    وما قمت به من توجيه العتب لهذا الإمام ونهيه عن هذا المنكر هو ما ينبغي فعله؛ وعليك أن تحث الآخرين على نصحه، وفي الوقت نفسه لكم أن تبحثوا عن معلم آخر يحسن تعليم الصغار القرآن واللغة العربية، ويتجنب ما يقع فيه هذا المعلم من تلقين الأولاد تلك الألفاظ السيئة، ولا تسع في سحب ولدك من تلك الحلقات؛ لأن مصلحتها راجحة وخيرها عميم، والله تعالى أعلم.

  • حد المرتد

    أرجو توضيح حد المرتد من الكتاب والسنة، وأرجو سرعة الرد للأهمية وشكراً.

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فحد المرتد ثابت بإجماع المسلمين، وقد نقل هذا الإجماع ابن قدامة رحمه الله في المغني فقال: أجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد؛ وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاذ وأبي موسى وابن عباس وخالد وغيرهم؛ ولم ينكر ذلك فكان إجماعاً.ا.هـ وقد ثبتت بذلك الأحاديث في السنة المطهرة كقوله صلى الله عليه وسلم {من بدل دينه فاقتلوه} متفق عليه، وقوله صلى الله عليه وسلم {لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث: زنا بعد إحصان، وكفر بعد إيمان، والنفس بالنفس} متفق عليه، ومن أهل العلم من يرى أن حد المرتد ثابت بالقرآن في آية الحرابة {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا..} الآية، وقد طبَّق هذا الحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين عن أبي بردة رضي الله عنه في قصة قدوم معاذ على أبي موسى في اليمن؛ قال {فلما قدم عليه ألقى له وسادة؛ قال: انزل. وإذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: كان يهودياً فأسلم؛ ثم تهود! قال: اجلس. قال: لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله. ثلاث مرات فأمر به فقتل، وجرى بذلك عمل المسلمين في سائر الأعصار، والعلم عند الله تعالى.

  • قطع غيار مقلدة

    أنا تاجر قطع غيار سيارات، سؤالي هو: أنا أستورد من شرق آسيا في المقلد، وأبيع مقلد، ولكن بعض التجار يبيع أصلي، فما حكم بيعي أنا؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فإذا كانت هذه البضاعة مستوردة بعلم الجهات المختصة المعنية بالمواصفات والمقاييس؛ فلا حرج عليك في بيعها شريطة أن لا يصحب بيعها تدليس، وذلك بأن يصور للمشتري أنها بضاعة أصلية وهي ليست كذلك، بل لا بد أن يعلم مشتريها حقيقتها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم حين سئل: أي الكسب أطيب؟ قال {عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور} رواه أحمد والحاكم، قال أهل العلم: البيع المبرور ما اشتمل على ثلاث شروط وهي: الصدق والبيان وموافقة الشرع، أي الصدق في الوصف والبيان للعيب، والله تعالى أعلم.

  • سرقة البرامج بالكراك

    هناك برامج غالية لا نستطيع شراءها فنستخدم الكراك، وعندنا كذلك معظم بائعي البرامج يستخدمون الكراك منهم، يعني يبيعون البرنامج والكراك معه؛ فهل يجوز الشراء منهم؟ وهل يجوز نسخ البرامج لاستخدامها لأنها غالية الثمن؟ وهل يجوز شراؤها إن كانت منسوخة؟ وإن كان استخدام الكراك والنسخ سرقة فهل هي من كبائر الإثم؟ نحن بحاجة لاستخدام هذه البرامج….أفيدونا؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فلا يجوز للمسلم أن يسلك مثل هذه السبل الملتوية التي فيها اعتداء على حقوق الناس، حيث لا يخفى على كل ذي بصيرة أن هذه البرامج قد بذلت في إعدادها أموال، وفرغت لها جهود وأوقات، فلو أبيح لكل امرئ أن ينسخ منها ويبيع؛ لأفضى ذلك إلى ضياع الحقوق وشيوع الفوضى في دنيا الناس، وقد قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} وقال النبي صلى الله عليه وسلم {من غش فليس منا} وعليه فلا يجوز لمسلم ممارسة هذا العمل، ولا شراء البرامج ممن يعمد إلى مثل هذا الغش؛ لعموم قوله تعالى {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} ثم إن الحاجة إليها لا يبرر سرقتها؛ وإلا لأبيح لكل محتاج أن يسرق ما تدعو إليه حاجته؛ خاصة إذا علمنا أن هذه الحاجة ليست منزَّلة منزِلة الضرورة التي يترتب عليها خطر على حياة المرء، والله تعالى أعلم.

  • ما هي الفراسة؟

    ما هي الفراسة؟ وما هي حدودها؟ وهل يستطيع شخص مؤمن أن يعرف خفايا شخص آخر مثلاً يعرف وظيفته؟ وكيف نرد على من يقول هذا؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فالفراسة هي الاستدلال بالأمور الظاهرة على الأمور الخفية، وأيضاً هي ما يقع في القلب بغير نظر وحجة، ففي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {اتقوا فراسة  المؤمن فإنه ينظر بنور الله} ثم قرأ {إن في ذلك لآيات للمتوسمين} قال أبو عيسى: هذا حديث غريب إنما نعرفه من هذا الوجه، وقد روي عن بعض أهل العلم في تفسير هذه الآية {إن في ذلك لآيات للمتوسمين} قال: للمتفرسين.ا.هـ وهذا الحديث أخرجه أيضاً البخاري في التاريخ وابن جرير وابن أبي حاتم وابن السني وأبو نعيم وابن مردويه والخطيب، وأخرجه الحكيم الترمذي والطبراني وابن عدي عن أبي أمامة، وأخرجه ابن جرير في تفسيره عن ابن عمر.

    وقد قسَّم ابن الأثير الفراسة إلى قسمين: الأول ما دل ظاهر هذا الحديث عليه {اتقوا فراسة المؤمن} وهو ما يوقعه الله تعالى في قلوب أوليائه؛ فيعلمون أحوال بعض الناس بنوع من الكرامات وإصابة الظن والحدس. الثاني نوع يتعلم بالدلائل والتجارب والخلق والأخلاق فتعرف به أحوال الناس.ا.هـ وقال المناوي: اتقوا فراسة المؤمن، أي اطلاعه على ما في الضمائر بسواطع أنوار أشرقت في قلبه؛ فتجلت له بها الحقائق، فإنه ينظر بنور الله؛ أي يبصر بعين قلبه المشرق بنور الله تعالى.

    وبخصوص ما ورد في سؤالك أذكر لك قصة حكم الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى عليها بالصحة؛ وهي ما أخرجه الحاكم عن قتيبة قال: رأيت محمد بن الحسن والشافعي قاعدين بفناء الكعبة؛ فمرَّ رجل فقال أحدهما لصاحبه: تعال حتى نزكن ـ أي نتفرس ـ على هذا الآتي؛ أي حرفة معه؟ فقال أحدهما: خياط. وقال الآخر: نجار. فبعثا إليه فسألاه؛ فقال: كنت خياطاً وأنا اليوم نجار!!

    وعليه: فقد يستطيع الإنسان بفراسته أن يعرف وظيفة الآخر وما هو عليه، لكن ليحذر المرء من أناس يدعون الفراسة، وهم أهل حيل ومخرقة ولهم اتصال بالجن، ليمارسوا على الناس أنواعاً من الدجل والخرافة، والله تعالى أعلم.

  • أوصى أن لا يُعفى عن القاتل

    إنسان طعن آخر بسكين، وقد عاش المعتدى عليه أسبوعاً، وقبل موته أوصى بألا يعفى عن القاتل، والآن يريد بعض أولياء الدم العفو، فهل يحق لهم ذلك؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فإن قتل النفس التي حرم الله عمداً عدواناً يعد من أكبر الكبائر، يبين ذلك قول الله تعالى {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً}، وروى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال في حجة  الوداع {إن  دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا} فالذي أقدم عليه ذلك الشخص من طعن الآخر بالسكين متعمداً كبيرة من أكبر الكبائر.

    والقصاص حق لأولياء الدم؛ يشهد لهذا ما ذكره أهل السير والتاريخ من وصية الإمام علي رضي الله عنه ابنه الحسن قبل موته، حيث ورد فيها {وفي ليلة وفاته ليلة الواحد والعشرين من رمضان أول وصية أوصى بها الإمام علي ابنه الحسن فقال: يا بني أنت ولي الأمر من بعدي وولي الدم فإن عفوت فلك، وإن قتلت فضربة مكان ضربة ولا تأثم.ا.هـ حيث ورد في كلامه رضي الله عنه وصية لولده بأن لا يزيد على ما فعله الجاني، وأن له العفو إن أحب، وعلى ذلك فإن لأولياء الدم التنازل عن حقهم في القصاص مطلقاً أو على دية، قال خليل بن إسحاق رحمه  الله تعالى: والاستيفاء للعاصب؛ وذلك لأن الحق في القصاص إنما يثبت بعد الموت، والمطالبة به قبل ذلك أو العفو هما من باب المطالبة أو العفو عن حق قبل وجوبه. والله تعالى أعلم

زر الذهاب إلى الأعلى