الفتاوى

  • أخذ الأجر على صلاة التهجد

    السلام عليكم، مع اقتراب شهر رمضان فإن بعض لجان المساجد تهيئ لصلاة التهجد.. سؤالي أن بعض القراء صار يشترط أجراً معيناً ليصلي بالناس تهجد العشر الأواخر، وفيهم من يصلي بالناس ركعتين في مسجد وركعتين في آخر بنظام المقاولة (تصل لمليون جنيه للركعة الواحدة) فما حكم هذا الأمر الذي يشترطونه؟ وهل يدخل ضمن: “إن أحق ما اتخذتم عليه أجرًا كتاب الله”؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فالذي عليه جمهور العلماء هو جواز أخذ الأجرة على القرب ـ كالأذان والإمامة وتعليم العلم وإقراء القرآن ـ لقوله صلى الله عليه وسـلم “إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله” رواه البخاري، ولحديث سهل بن سعد رضي الله عنه في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسـلم جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك؛ فقامت قياماً طويلاً؛ فقام رجل فقال: يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة؟  فقال صلى الله عليه وسـلم “هل عندك من شيء تصدقها إياه؟” فقال: ما عندي إلا إزاري هذا!! فقال النبي صلى الله عليه وسـلم “إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك، فالتمس شيئا” فقال: ما أجد شيئا. فقال “التمس ولو خاتماً من حديد” فالتمس فلم يجد شيئاً؛ فقال له النبي صلى الله عليه وسـلم “هل معك من القرآن شيء؟” فقال: نعم سورة كذا وسورة كذا يسميها. فقال النبي صلى الله عليه وسـلم “قد زوجتكها بما معك من القرآن” وفي رواية “قد ملكتكها بما معك من القرآن” ولمسلم وفي رواية لأبي داود “علِّمها عشرين آية وهي امرأتك” ولأحمد “قد أنكحتكها على ما معك من القرآن” ووجه الدلالة من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسـلم جعل تعليم القرآن مهراً للمرأة.

    ثم إن المعلم والإمام ونحوهما إنما يأخذون الأجرة على كونهم قد حبسوا أنفسهم على تعليم العلم وإقراء القرآن، وقد منعهم ذلك من السعي على قوتهم وقوت أهلهم وعيالهم، ولو مُنعوا من أخذ الأجرة لتعين عليهم الضرب في الأرض سعياً على الرزق مما يفوت تفرغهم للإمامة والتعليم؛ فيحصل بذلك ذهاب العلم واندراس معالمه.

    هذا وما يحصل من بعضهم من اشتراط المبالغ الباهظة وفرض الشروط القاسية للإمامة أو الرقية أو التعليم، وكذلك ما يحصل من بعضهم من الانتقال في المساجد وتتبع الموائد إنما يتنافى مع ما ينبغي أن يكون عليه أهل القرآن من الرغبة فيما عند الله والزهد فيما في أيدي الناس، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسـلم من مثل هذا المسلك بقوله “اقْرَءُوا الْقُرْآنَ، وَسَلُوا اللهَ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَجِيءَ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ النَّاسَ بِهِ” رواه أحمد، والله تعالى أعلم.

  • صورة الفتاة لخاطبها

    السلام عليكم ورحمة الله تعال وبركاته، هل يجوز ارسال صوري إلى خطيبي عبر الهاتف؟؟ (وقد سبق وأن رفضت فغصب وأخاف أن يتخلى عني، ماذا أفعل، وقد كان ذلك قبل الخطبة الرسمية ووعدته أني بعدها سأرسلها فهل أرسلها)؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فإذا كان طلبه لهذه الصورة من أجل أن يرى منك ما يدعوه إلى نكاحك، أو من أجل أن يُطلع على ذلك من يستشيرهم من أهله وقرابته، وهو شخص موثوق في دينه وخلقه فلا حرج عليك في إرسال الصورة إليه؛ لأن الأدلة الشرعية قضت بإباحة أن ينظر الإنسان إلى الفتاة التي يريد خطبتها؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم “انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما” رواه أحمد وأصحاب السنن إلا أبا داود، وقال “انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا” رواه أحمد والنسائي، وقال “إذا خطب أحدكم أحدكم إمرأة فلا جناح عليه أن ينظر منها إذا كان إنما ينظر إليها لخطبة وإن كانت لا تعلم” رواه أحمد، وجمهور العلماء على أن النظر المباح هو ما كان للوجه والكفين فقط.

    لكن الذي أفهمه من السؤال أن الرجل قد خطب؛ لأنك تقولين: سأرسلها بعد الخطبة الرسمية؛ أي أنه قد فرغ من أمره وحدد وجهته بإمضاء تلك الخطبة؛ فإذا كان الأمر كذلك فما الحاجة إلى تلك الصورة؟ وما مبرر ترداده النظر إليها؟ إن ذلك لا يجوز له ولا لك؛ لأنك أجنبية عنه وليس بينكما سوى وعد بالزواج، أسأل الله أن ييسر أموركما ويؤلف بين قلوبكما، والله الموفق والمستعان.

  • اشتراط القرشي لإمامة المسلمين

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحسن الله إليكم، ما الراجح في اشتراط القرشية في خلافة المسلمين، وهل هو شرط صحة أم شرط أفضلية؟ أرجو الإجابة باختصار

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد

    فجماهير أهل العلم على أن خليفة المسلمين يجب أن يكون من قريش، بل حكى غير واحد من أهل العلم الإجماع على ذلك، وذلك استدلالا بالسنة الصحيحة، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: (الأئمة من قريش) رواه أحمد، وأصله في الصحيحين بغير هذا اللفظ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (الناس تبع لقريش في هذا الشأن، مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم) متفق عليه، واستدلالاً بفعل الصحابة رضي الله عنهم حيث لم يحتجوا على الصديق أبي بكر رضي الله عنه يوم السقيفة حين استدل بهذه النص وما كان مثله على أن الخلافة ليست في الأنصار وإنما هي في قريش. قال النووي في شرحه لصحيح مسلم عند هذا الحديث: هذا الحديث وأشباهه دليل ظاهر على أن الخلافة مختصة بقريش، لا يجوز عقدها لأحد غيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة فكذلك من بعدهم.

    وهذا الشرط إنما يكون في حال اختياره من قبل الناس؛ أما إذا كانت إمامة غلبة أو عهد فإنها جائزة في غير قريش وذلك منعاً للفتنة وتسكيناً لثائرتها، يقول الدكتور عبد الله بن عمر الدميجي في رسالته: (الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة) وهذا الشرط كغيره من الشروط السابقة التي لا تُشترط إلا عند الاختيار من قبل أهل الحل والعقد، أما إذا كان تولي الإمام للإمامة بغير هذه الطريقة، فلا يشترط فيه القرشية، كالمتغلب مثلاً، ومن عهد إليه من إمام سابق وخشيت الفتنة إن عُزل، ففي مثل هذه الحالة تجب طاعته في غير معصية، والجهاد معه ونحو ذلك، وله من الحقوق ما للقرشي بنص الأحاديث السابقة والموجبة لطاعة المتغلب وإن لم تكتمل فيه جميع هذه الشروط. اهـ.

    والحكمة في تخصيص قريش بهذا المنصب ما ذكره ابن خلدون رحمه الله في مقدمته من العصبية التي لقريش في العرب؛ حيث إنهم مجمعون على أنها أفضل قبائل العرب ولها يدينون. يقول الدكتور الدميجي: الحكمة -فيما أرى والله أعلم- أن قريشاً هي أفضل قبائل العرب بنص الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فعن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله اصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) رواه مسلم.

    فالعرب في الأجناس وقريش في العرب مظنة أن يكون فيهم الخير أعظم مما يوجد في غيرهم، ولهذا كان منهم أشرف خلق الله تعالى صلى الله عليه وسلم الذي لا يماثله أحد في قريش، فضلاً عن وجوده في سائر العرب وغير العرب، وكان منهم الخلفاء الراشدون، وسائر العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم، وغيرهم ممن لا يوجد له نظير في العرب وغير العرب، وكان في العرب السابقون الأولون ممن لا يوجد لهم نظير في سائر الأجناس، فلا بد أن يوجد في الصنف الأفضل ما لا يوجد مثله في المفضول، فمظنة وجود الفضلاء في قريش أكثر من مظنة وجودهم في غيرها، ولم يخص النبي صلى الله عليه وسلم بني هاشم دون غيرهم من قريش وهم أفضل بطون قريش، لأنها بطن من قبيلة فعددها محصور وقليل، فلا يلزم أن يكون الفضلاء فيها، كما أن أفضل الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن فيهم، وإنما في بني تيم وهو أبو بكر، ثم عمر من بني عدي ثم عثمان من بني أمية ثم علي من بني هاشم.

    ومما يدل على فضل العرب على غيرهم قول الإمام أحمد في رواية الإصطخري عند ذكر عقيدته: ويعرف للعرب حقها وفضلها وسابقتها ويحبهم لحديث: (حبهم إيمان، وبغضهم نفاق). ولا يقول بقول الشعوبية وأراذل الموالي الذين لا يحبون العرب ولا يقرون لهم بفضل، فإن لهم بدعاً ونفاقاً وخلافاً. طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (1/30).

    ومن الحكمة أيضاً أن الله سبحانه وتعالى قد ميزهم عن غيرهم من سائر القبائل بقوة النبل وسداد الرأي، وهما صفتان هامتان وضروريتان للإمام، يدل على ذلك الحديث الذي رواه أحمد بسنده عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن للقرشي مثلي قوة الرجل من غير قريش) فقيل للزهري: ما عني بذلك؟ قال: نبل الرأي رواه أحمد في مسنده، قال عنه السبكي: إسناده صحيح. كما في طبقات الشافعية الكبرى (1/191).

    والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه على شرط البخاري ومسلم وأقره الذهبي. قد يكون هذا السبب في تخصيص قريش بالإمامة وقد يكون غيره ولا أثر لعدم معرفتنا الحكمة من ذلك على الحكم العام والعمل به وهو اشتراط القرشية في المرشح للإمامة. انتهى بتصرف يسير جداً.

  • هل هذه رشوة؟

    فضيلة الدكتور عبد الحي..

    السلام عليكم ورحمة الله، وحمداً لله تعالى على سلامتكم..

    لديَّ سؤال بارك الله فيكم:

    هنا في البلد المسلم العربي الذي أعيش فيه شركة عقارية كبيرة ميزتها الحسنة هي أن ثمن استئجار عقارها ثابت لفترة طويلة، ليس كباقي العقارات الأخرى والتي تزيد قيمة إيجاراتها من فترة إلى أخرى، لكن هذه الميزة استغلها بعض العاملين فيها للمصلحة الخاصة، وهي حجز أي عقار خالي لمستأجر جديد بدفع مبلغ زيادة خارج نطاق العقد. ولكن لا أدري إن كان كل المسئولين يعلمون بهذا الأمر أم لا. هل يأثم المستأجر الذي يدفع ذلك المبلغ الزائد حتى إذا اضطر إلى ذلك لعدم قدرته على الاستئجار من مكان آخر؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فهذا المبلغ المدفوع خارج العقد لذلك الموظف رشوة يأكلها صاحبها سحتاً، ولا يجوز لك دفعها إلا إذا كنت مضطراً لذلك المسكن؛ ولا يخفى عليك قول النبي صلى الله عليه وسلم “لعن الله الراشي والمرتشي والرائش” وقد أفتى بعض أهل العلم بأن المضطر إلى الشيء يدفع الرشوة ويكون الإثم على الآخذ وحده؛ كما قال ذلك الإمام أبو سليمان الخطابي وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهما من أهل العلم، وذلك فيما لو تعينت الرشوة سبيلاً وحيداً لنيل الحق أو دفع الظلم؛ وقد ذكروا أن ابن مسعود رضي الله عنه حين كان بالحبشة قد دفع ديناراً ليخلى سبيله بعدما تعرض له بعض الظلمة. قال الإمام الخطابي رحمه الله في شرح قوله عليه الصلاة والسلام {لعن الله الراشي والمرتشي}: وإنما يلحقهما العقوبة معاً إذا استويا في القصد والإرادة؛ فرشا المعطي لينال به باطلاً ويتوصل به إلى ظلم، فأما إذا أعطى ليتوصل به إلى حق أو يدفع عن نفسه ظلماً فإنه غير داخل في هذا الوعيد. وروي أن ابن مسعود أخذ في شيء وهو بأرض الحبشة فأعطى دينارين حتى خُلي سبيله. وروي عن الحسن والشعبي وجابر بن زيد وعطاء أنهم قالوا لا بأس أن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم. وكذلك الآخذ إنما يستحق الوعيد إذا كان ما يأخذه، أما على حق يلزمه أداؤه فلا يفعل ذلك حتى يُرشا أو عمل باطل يجب عليه تركه فلا يتركه حتى يصانع ويرشا.ا.هــــــــــ

  • تعزية المعتدة

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته…

    نسأل عن تقديم العزاء لامرأة توفي زوجها عبر الهاتف وهي في فترة العدة من زملائها في العمل لأنها لا تقابلهم هل يجوز أم لا؟ وجزاكم الله خيرا

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فلا حرج في تقديم العزاء للمرأة المعتدة سواء عبر الهاتف أو مباشرة؛ لأن العزاء في ذاته قربة وطاعة، وقد عزى النبي صلى الله عليه وسـلم أسماء بنت عميس رضي الله عنها في وفاة زوجها جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وهي في العدة، ففي مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال: ثم أمهل آل جعفر ثلاثاً أن يأتيهم؛ ثم أتاهم فقال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ادعوا لي ابني أخي، قال: فجيء بنا كأنا أفرخ؛ فقال: ادعوا لي الحلاق. فجيء بالحلاق فحلق رءوسنا ثم قال: أما محمد فشبيه عمنا أبى طالب، وأما عبد الله فشبيه خلقي وخلقي، ثم أخذ بيدي فأشالها فقال: اللهم اخلف جعفراً في أهله وبارك لعبد الله في صفقة يمينه. قالها ثلاث مرار؛ قال: فجاءت أمنا فذكرت له يتمنا وجعلت تُفرح له – أي تدخل الحزن عليه – فقال: العيلة تخافين عليهم وأنا وليهم في الدنيا والآخرة؟” قال الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.  والعلم عند الله تعالى.

  • آداب تلاوة القرآن

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد

    فإن تلاوة القرآن الكريم – تعبداً أو تحصناً أو استشفاءً أو استدلالا – من أعظم العبادات، وصاحبها على خير عظيم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: {ألم} حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) رواه الترمذي، وقال عليه الصلاة والسلام (اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرؤوا الزهراوين – البقرة وآل عمران – فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما) رواه مسلم، وقارئ القرآن مأجور سواء أكان تلاوته سليمة وقد أقام حروفها وأحسن مخارجها، أو اعترى ذلك كله شيء من خلل ما دام قد بذل جهده؛ قال عليه الصلاة والسلام (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران) متفق عليه.

    ولما كانت تلاوة القرآن عبادة يؤجر صاحبها؛ فلا بد له من أن يلتزم آدابها من أجل أن يقع أجره على الله تعالى، وهذه الآداب تتمثل في:

    أولاً: إخلاص النية لله عز وجل؛ وذلك بأن تكون نيته الاستجابة لأمر الله حين قال {فاقرؤوا ما تيسر من القرآن} وحين قال {ورتل القرآن ترتيلا} وأن يرجو بتلاوته وجه الله عز وجل، لا يلتمس من الناس أجراً ولا ثناء ولا سمعة؛ عملاً بقوله تعالى {ألا لله الدين الخالص} وقوله {فاعبد الله مخلصاً له الدين}

    ثانياً: أن يكون على طهارة كاملة في بدنه وثيابه ومكانه؛ وذلك شرط فيما لو كانت التلاوة تقتضي مس المصحف، أما إن كانت عن ظهر قلب أو من غير المصحف فالطهارة شرط كمال لا شرط صحة؛ قال أبو زكريا النووي رحمه الله تعالى: (أجمع المسلمون على جواز قراءة القرآن للمحدث، والأفضل أن يتطهر لها) ويعني بالحدث هنا الحدث الأصغر كبول وغائط وخروج ريح ونحو ذلك.

    ثالثاً: الاستياك؛ وذلك حتى يطهِّر فمه لتلاوة أعطر الكلام وأفخمه، وقد ذكر أهل العلم أن قراءة القرآن من المواطن التي يتأكد فيها استحباب السواك؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إن العبد إذا تسوك ثم قام يصلي، قام الملك خلفه فيستمع لقراءته، فيدنو منه أو كلمة نحوها، حتى يضع فاه على فيه، فما يخرج من فيه شيء من القرآن إلا صار في جوف الملك، فطهروا أفواهكم للقرآن) رواه البزار.

    رابعاً: أن يكون في جلسته على هيئة حسنة، وذلك بأن يجلس متربعاً مستقبلاً القبلة ساتراً لعورته مستحضراً عظمة من يتلو كلامه؛ وقد قال بعض السلف (من أراد أن يكلمه ربه فليقرأ القرآن) وهذا كله من باب الكمال وإلا فإن تلاوة القرآن تجوز من قيام وجلوس واضطجاع؛ عملاً بقول ربنا جل جلاله {الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم} ولما ثبت من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ القرآن قائماً وقاعداً وراكبا، ولربما اضطجع في حجر أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها يرتل القرآن وهي حائض

    خامساً: الاستعاذة؛ عملاً بقوله تعالى {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} قال المفسرون: المعنى إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم. قالوا: والاستعاذة بمثابة الطهارة القلبية بعد حصول الطهارة البدنية

    سادساً: ترتيل القرآن؛ امتثالاً لقوله تعالى {ورتل القرآن ترتيلا} ويكون الترتيل بألا نجعل قراءة القرآن كقراءة سائر الكلام، بل نعطي كل حرف حقه ومستحقه، ونراعي أحكام التجويد؛ لأن القراءة سنة متبعة يتلقاها الآخر عن الأول، وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه (لَا تَهُذُّوا الْقُرْآنَ، كَهَذِّ الشِّعْرِ، وَلَا تَنْثُرُوهُ نَثْرَ الدَّقَلِ، وَقِفُوا عِنْدَ عَجَائِبِهِ، وَحَرِّكُوا بِهِ الْقُلُوبَ، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة) فعلى القارئ أن يحضر قلبه حال التلاوة، ويتفاعل مع الآيات؛ فإن نبينا صلى الله عليه وسلم كان إذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مرَّ بآية فيها عذاب استعاذ، وإذا مرَّ بآية فيها سؤال سأل

    سابعاً: البكاء أو التباكي؛ فإن المقصود من تلاوة القرآن – مع طلب الأجر – إصلاح القلب وتزكية النفس؛ ولا يكون ذلك إلا لمن كان متخشّعاً متدبرا؛ وقد مدح ربنا جل جلاله أقواماً فقال {إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجداً ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا. ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا} ونبينا صلى الله عليه وسلم لما أمر ابن مسعود أن يقرأ عليه؛ حتى إذا بلغ قوله تعالى {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} قال: (حسبك) قال ابن مسعود: فنظرت فإذا عيناه تذرفان. وقال عليه الصلاة والسلام (اقرؤوا القرآن وابكوا؛ فإن لم تبكوا فتباكوا)

    الاجتماع لتلاوة القرآن

    ومن السنة الاجتماع لتلاوة القرآن؛ لقول نبينا صلى الله عليه وسلم (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) والواجب أن يكون مثل هذا المجلس مجلس وقار وسكينة وأدب، وألا يحصل فيه لغط ولا ضحك ولا عبث، فيقرأ واحد ويستمع الباقون، ثم يقرأ آخر وهكذا مما يسميه علماؤنا بالتدوير؛ أي إدارة القراءة على الحاضرين، وحبذا لو كان للحلقة شيخ مجيد متقن من أجل أن يصحح المخطئ وينبه الغافل.

    القراءة الجماعية

    ومعناها أن يقرأ الناس مجتمعين بصوت واحد، لم يختلف أهل العلم في جوازها للصبيان بغرض تعليمهم، وكذلك من كان مثلهم – ولو كانوا كبارا – إذا رأى المعلِّم أن ذلك أسلم لنطقهم وأسرع لفهمهم

    أما القراءة الجماعية على سبيل التعبُّد فقد اختلفوا فيها على قولين:

    حيث ذهب الشافعية والحنابلة إلى استحباب ذلك؛ وقد نصر هذا المذهب أبو زكريا النووي رحمه الله تعالى وأكثر في الاستدلال على صحته، وكذلك قال ابن تيمية رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى: وقراءة الإدارة حسنة عند أكثر العلماء ومن قراءة الإدارة قراءتهم مجتمعين بصوت واحد، وللمالكية قولان في كراهتها.

    وأما الحنفية والمالكية فالمعتمد عندهم كراهة قراءة الجماعة معاً بصوت واحد؛ لما يتضمنه ذلك من ترك الاستماع والإنصات المأمور به، ولما يلزم من تخليط بعضهم على بعض

    قال الطرطوشي رحمه الله تعالى في الحوادث والبدع: لم يختلف قوله – يعني الإمام مالكاً – أنهم إذا قرؤوا جماعة في سورة واحدة أنه مكروه. ونقل عن مالك كراهة القراءة بالإدارة وقوله: وهذا لم يكن من عمل الناس. وقال أبو الوليد ابن رشد: إنما كرهه مالك للمجاراة في حفظه والمباهاة والتقدم فيه

    ولعل القول الوسط – والعلم عند الله تعالى – أن يقال: إن قراءة الجماعة بصوت واحد لا تمنع إلا إذا تضمنت محظوراً كالمباهاة أو تخليط بعضهم على بعض أو خروجها عن حد القراءة إلى التنشيد والتمطيط ونحو ذلك

    الخلاصة

    في الفيديو الذي تداوله الناس أن بعض شيوخ القرآن قاموا بعيادة أخ لهم مريض وقرؤوا عنده آيات من سورة التوبة استشفاء وإدخالاً للسرور عليه فإنه ليس فيه ما يُستنكر سوى تصفيق بعضهم أثناء التلاوة بما يتنافى مع جلال القرآن وتعظيم حرمات الله عز وجل وشعائره؛ ولا شك أنهم مأجورون على عيادة أخيهم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (من عاد مريضاً سار في خرفة الجنة – أي جناها – حتى يرجع) ومأجورون على استشفائهم بالقرآن وقد قال سبحانه {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء} وقال {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور} وقال {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} والله الموفق والمستعان

  • حقوق الأبناء على الآباء

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخ عبد الحي، هل يوجد ما يتعلق بحقوق الأبناء على الآباء في الدين؟ غير أن يحسن اختيار أمه واختيار اسمه، هل للآباء فقط لأنهم أوجدونا حق مطلق علينا؟ ونحن نعلم يقيناً أن ما يفعلونه ظلم، من سبّ أو شتم أو سوء معاملة ويتذرعون بأن لهم مطلق الحق علينا؟

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ودين الله عز وجل وسط فلا إفراط فيه ولا تفريط؛ وتربية الأولاد عمل كبير ينبغي فيه السير بالقسط والعدل من غير وكس ولا شطط؛ وذلك يكون بأمور لا بد من الإحاطة بها؛ فقد جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشكو عقوق ولده، فدعا عمر بالولد ووبخه وناصحه، فقال الولد: لا تعجل يا أمير المؤمنين، أليس لي حق على أبي كما له حق عليَّ؟ قال: نعم، قال: فما حقي عليه؟ قال: أن يحسـن اختيار أمك، ويسميك اسماً حسناً، ويحفظك القرآن، قال الولد: فإن أبي لم يفعل شيئاً من ذلك: أما أمي هي أمة زنجية خرقاء اشتراها بدرهمين فولدتني فسماني جعلاً، ولم يحفظني من القرآن آية. فقال عمر للأب: اخرج فقد سبقت ولدك إلى العقوق.

    فلا بد للوالد أن يستحضر ما أعد الله له من ثواب في تربيته أولاده ونفقته عليهم؛ فقد روى مسلم والترمذي عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه على فرسه في سبيل الله ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله). قال أبو قلابة: بدأ بأبي العيال، وأي رجل أعظم أجراً من رجل ينفق على عيالـه صغاراً يعفهم الله به أو ينفعهم الله به ويغنيهم. رواه مسلم. وعن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: مرَّ على النبي صلى الله عليه وسلم رجل فرأى أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم من جلَده ونشاطه، فقالوا يا رسول الله: لو كان هذا في سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً فهو في سبيل الله).. الحديث رواه الطبراني، وفي الحديث (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول) والأحاديث في هذا المعنى كثيرة..

    وسأل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما الأحنف بن قيس عن الولد: فقال: يا أمير المؤمنين: أولادنا ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا، نحن لهم أرض ذليلة، وسماء ظليلة، فإن طلبوا فأعطهم، وإن غضبوا فأرضهم، يمنحوك ودّهم، ويحبوك جهدهم، ولا تكن عليهم ثقلا فيتمنوا موتك ويكرهوا قربك ويملوا حياتك، فقال معاوية: لله أنت، لقد دخلت عليَّ وإني لمملوء غيظاً على يزيد ولقد أصلحت من قلبي له ما كان فسد..

    وليس صحيحاً أن للوالدين مطلق الحق في أن يفعلا ما يشاءان بل عليهما التقيد بآداب الشرع وأحكامه، فقد قال عمر بن ذر الهمداني لأبيه يعاتبه: يا أبت إن عظيم حقك عليَّ لا يذهب صغير حقي عليك، والذي تمت به إليَّ أمتّ بمثله إليك، ولست أزعم أنا سواء، ولكني أقول لا يحل الاعتداء”

    والطرق لجعل الأبناء بارين كثيرة منها:

    1-        تربيتهم على الطاعة وتعظيم الدين والتمسك به: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً..) وقال تعالى عن إسماعيل: (وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضياً).

    بعث الخليفة عبد العزيز بن مروان ابنه عمر إلى المدينة يتأدب بها، وكتب إلى صالح بن كيسان يتعاهده، فأبطأ الغلام يوماً عن الصلاة فقال له مؤدبه صالح بن كيسان: ما حبسك؟ قال: كنت أرجّل شعري فقال: بلغ من تسكين شعرك أن تؤثره على الصلاة؟ فكتب إلى أبيه بذلك.. فبعث الأب رسولاً إليه فما كلمه حتى حلق شعره. وفقد هشام بن عبد الملك ولده يوم جمعة فسأله عن سبب تأخره؟ فقال: إن بغلتي مرضت فعجزت عني، فقال: أما يمكنك المشي؟! ثم منعه أن يركب سنة، وألزمه أن يشهد الجمعة ماشياً.

    ومما يجلب برَّ الأولاد: أن يداوم الأب على الدعاء لهم بالصلاح قال صلى الله عليه وسلم: (ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد لولده، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر) رواه أبو داود والترمذي. وقد كان ذلك دأب الأنبياء والصالحين، قال تعالى حاكياً سليمان أنه قال في دعائه: {رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي}

      وكان من دعاء الصالحين أنهم قالوا: {ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً}

    قال هشام بن حسان: سمعت سعيد بن جير يقول: إني لأزيد في صلاتي من أجل ابني. قال هشام: رجاء أن يحفظه الله.

    ومن ذلك: أن يكون الأب نفسه صالحاً طائعاً لله تعالى؛ ذكر بعض المفسرين عند قوله تعالى في قصة الخضر وموسى لما أصلح جدار الغلامين وقال: {وكان أبوهما صالحاً} ذكروا: أن هذا الأب الصالح هو جدهم السابع، وقيل: العاشر، فبلغت بركة صلاحه وعبادته السابع من عقبة.

    لذا جاء في بعض الإسرائيليات أن الله تعالى (أوحى إلى بعض أنبيائه: إني إذا رضيت أنعمت ونعمتي لا يوازيها شيء، وإذا غضبت لعنت ولعنتي تبلغ السابع من الولد).

    ومما يجلب بر الأبناء: أن يكون الأب رفيقاً في التعامل معهم ولا يكون دائماً تلفاً قاسياً إلا إن احتاج الأمر لذلك، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه) رواه البخاري.

    قال أحد العلماء لما تكلم عن أدب الأب المسلم: ويعينهم على بره، ولا يكلفهم من البر فوق طاقتهم ولا يلحّ عليهم وقت ضجرهم، ولا يمنعهم من شيء مباح يريدونه مخافة أن يعصوه في ذلك فيستوجبون النار.

    وكان يقال: الولد ريحانتك سبعاً، وخادمك سبعاً، وهو بعد ذلك صديقك أو عدوك أو شريكك.

    ومن عجيب ما يروى في ذلك ما ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد بسند رجاله ثقات عن أبي ليلى قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وعلى صدره أو بطنه الحسن بن علي، فبال الغلام فرأيت بوله أساريع – أي طرائق – فقمت إليه: فقال: (دعوا ابني لا تفزعوه حتى يقضي بوله، ثم أتبعه الماء). وروى مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: (ما رأيت أحداً كان أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم). ودخل عليه الأقرع بن حابس رضي الله عنه فرآه يُقبِّل الحسن، فقال الأقرع: تقبلون الصبيان! إن لي عشرة من الولد ما قبّلت واحداً منهم، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا أملك أن نزع الله الرحمن من قبلك) رواه مسلم.

    ومما يجلب بر الآباء: أن يقدم الأب رضا الله تعالى على رضاهم، ولا تحمله عاطفته وحبه على تنفيذ ما يشتهونه وإن كان محرماً. قال صلى الله عليه وسلم: (من طلب رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط الناس) رواه الترمذي. ومن الأمثلة الرائعة في ذلك: أن شريح بن الحارث القاضي: قال له ابنه: يا أبتِ إن بيني وبين قوم خصومة فأعرضها عليك فإن كان الحق لي خاصمتهم وطلبت حقي، وإن كان لهم سكتُّ، فلما قصّ عليه قال: بل خاصمهم، فلما اختصموا إلى شريح قضى لهم على ابنه، فلما خرجوا، عاتبه ابنه، وقال يا أبي لو لم أشاورك قبلها لما لُمْتك، فقال شريح: والله يا بني لأنت أحب إليَّ من ملء الأرض من مثلهم، ولكن الله أعز عليَّ منك، أن أخبرك أن القضاء عليك فتصالحهم فتذهب ببعض حقهم.

    ومن أعظم الأسباب الجالبة للعقوق الدافعة للبر، التفرقة بين الأولاد في التعامل أو العطية أو غير ذلك والظلم مرتعه وخيم، فإن هذا يفسد الأولاد على أبيهم أولاً، ويورث الشحناء والبغضاء بينهم ثانياً، خاصة إن كانوا من أمهات شتى..

    وهب بشير بن سعد رضي الله عنه ولده النعمان غلاماً (عبداً) ثم جاء ليشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك فسأله: يا بشير ألك ولد سوى هذا؟ قال: نعم، فقال: أكلهم وهبت له مثل هذا؟ قال: لا، قال: فلا تشهدني إذاً، فإني لا أشهد على جور.، اتقوا لله واعتدلوا بين أولادكم. رواه مسلم.

    فالتفريق بين الأولاد في إعطاء المال أو تكاليف حاجات البيت، أو حتى الإكثار من الثناء على أحدهم أمام إخوانه أو أخواته، أو الانتصار لأحدهم دائماً، حتى وإن كان هو أصغرهم أو أكبرهم، كل ذلك مما يثير الحسد والبغضاء في نفوسهم لأخيهم وقد يتعدى هذا إلى والدهم، نعم قد يحتاج الأب إلى مكافأة بعضهم أو الثناء عليه دون بعض لفوز أحرزه، أو نحو ذلك، فهذا لا بأس به إذا كان بقدر موزون.

    ومن أصول التربية الإسلامية: الحكمة في التوجيه فقد جاءت الشريعة على التيسير والتسديد والمقاربة، والأب وإن كان – على الأغلب – أعقل وأخبر بالأمور من أبنائه، إلا أنه ينبغي أن يحترم شخصية ابنه ويترك له مجال الاختيار والتصرف، ولا يعترض عليه في كل صغيرة وكبيرة، دعه يخطئ ليصيب، ويحاول لينجح.

    ومن الملاحظ أن بعض الآباء يعقد لأبنائه دائماً مجالس تحقيق يعاتب ويلاحظ ويوجه، وهذا حسن ولكنه يملهم.. روى البخاري أنه صلى الله عليه وسلم كان يتخول أصحابه بالموعظة مخافة السامة عليهم!! قال بعض أهل العلم موجِّهاً الآباء: “ولا تكثر القول عليه بالعتاب في كل حين، فإنه يهون عليه سماع الملامة، وركوب القبائح، ويسقط وقع الكلام من قلبه، وليكن الأب حافظاً هيبة الكلام معه فلا يوبخه إلا أحياناً”.

    ومن أعظم صفات الكرام التغافل عن السيئات.

    ليس الغبي بسيد في قومه                  لكـن سيد قومه المتغابي

    بل ينبغي على الأب أن ينوع الأساليب في نصح ولده فلا تكون دائماً مباشرة بل يكون أحياناً كما قيل: إياكِ أعني واسمعي يا جارة، فيذكر له مرة قصة، ويعاتبه أخرى مع شيء من المزح والتلطف.

    إذا رمت يوماً أن تسود قبيلة فبالحكم سُد لا بالتسلط والكبر.

    ومن أعظم حقوق الأبناء على الآباء: المخالطة لأبنائهم، فإن الأبناء الصغار قد لا يدركون الحياة بعقولهم وأفهامهم لكنهم يدركونها بعيونهم وبما يشاهدونه من ملاطفة ومخالطة أما عندما ينشغل الأب صباحاً ومساء عن أولاده، ويكل تربيتهم إلى أمهم ولا يكون همه إلا ملء بطونهم، وكسوة أجسامهم، فهذا هو التضييع المورث للجفاء.

  • سايفون صدقة جارية

    السلام عليكم؛ هنالك بعض أقربائي بدأوا في عمل بئر سايفون لهم جديد (القديم أصبح يؤثر على جدران المنزل) وعجزوا عن إكماله لضيق ذات اليد هل إذا أتممت لهم بناءه من مالي يعتبر صدقه جاريه لي؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فالصدقة الجارية تشمل كافة أنواع البر التي يراد منها تنفيس الكربات وتفريج الهموم، ولا تنحصر في أنواع مخصوصة، بل ذلك يختلف باختلاف العصر والمصر وحاجات الناس، ولا شك أن حفر السايفون مما تقتضيه ضرورة الناس في زماننا هذا؛ لما يلحقهم من المشقة العظيمة عند عدمه، وعليه فإن إنفاقك المال في هذا السبيل صدقة جارية لك إن شاء الله، والله الموفق والمستعان.

  • كيف أدعو في سجودي؟

    في حالة الدعاء عند السجود أدخل في الدعاء مباشرة أو أبدا بآداب الدعاء وهى أولاً بالحمد والثناء على الله ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثمّ بعد ذلك الدعاء؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فقد ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسـلم أنه قال “ألا إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً وساجدا، أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم” وهذا شامل للدعاء بخيري الدنيا والآخرة، وقد ثبت من دعاء النبي صلى الله عليه وسـلم في سجوده أنه كان يقول “اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، وأوله وآخره، وعلانيته وسره” وكان يقول “اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك” وكان يقول “اللهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُوراً، وَفِي سَمْعِي نُوراً، وَفِي بَصَرِي نُوراً، وَعَنْ يَمِينِي نُوراً، وَعَنْ يَسَارِي نُوراً، وَأَمَامِي نُوراً، وَخَلْفِي نُوراً، وَفَوْقِي نُوراً، وَتَحْتِي نُوراً، وَاجْعَلْنِي نُورا”

    ومن دعا بأدعية القرآن في سجوده على نية الدعاء فلا حرج عليه ولا يعد قارئاً للقرآن في سجوده. ولا حرج عليك كذلك بأن تدعو بصيغة الجمع لأن ذلك وارد على سبيل الحكاية لا على سبيل تعظيم النفس، ومما يدفع ذلك الظن – أعني تعظيم النفس – أنك تأتي به في أرقى حالات التذلل والخضوع وهي السجود.

    ولست مأموراً حال سجودك بأن تقدم بين يدي الدعاء حمد الله تعالى والثناء عليه والصلاة والسلام على رسوله صلى الله علـيه وسلم لأن لذلك كله مواضعه في الصلاة؛ حيث تبدأ صلاتك بدعاء الاستفتاح الذي هو ثناء على الله، ثم تبدأ بالفاتحة بالحمد لله رب العالمين، والصلاة على رسول الله صلى الله علـيه وسلم تأتي في موضعها، والله تعالى أعلم.

  • هل يشعر الأموات بزيارتنا؟

    هل يشعر الأموات بنا؟ وهل يعرفون كم نفتقدهم؟ وهل يسمعوننا عندما نكلمهم؟ وهل يعرفنا الأموات عندما نزور قبورهم وهل يشعرون بنا؟ كيف تصل قراءتنا للقرآن الكريم إلى الأموات وماذا تمثِّل لهم؟ مع الشكر الجزيل، وبارك الله فيكم، وفي جهودكم.

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فعالم البرزخ من الغيب الذي لا يحل لنا الكلام فيه إلا بما ثبت من نصوص في كتاب ربنا أو سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وقد علمنا من السنة الصحيحة أن الأموات يسمعون؛ حيث إن نبينا صلى الله عليه وسلم أمر بقتلى بدر فجروا من أرجلهم فألقوا في طوي من أطواء بدر خبيث مخبث، ثم ناداهم بأسمائهم: يا فلان، يا فلان، هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؛ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً؟ فقال عمر رضي الله عنه أتخاطب قوماً قد جيَّفوا؟ فقال (ما أنت بأسمع لما أقول منهم، غير أنهم لا يستطيعون الجواب) وقد شُرع لنا حال زيارة أمواتنا من المسلمين أن نخاطبهم خطاب من يسمع فنقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية.

    وأما قراءة القرآن فإن ثوابها يصل إلى الميت ـ على قول كثير من أهل العلم ـ إلحاقاً لها بالقربات الأخرى كالصدقة والحج والعمرة، والله تعالى أعلم.

زر الذهاب إلى الأعلى