الفتاوى

  • داعب زوجته في نهار رمضان

    داعب رجل زوجته في نهار رمضان وبعد أن ابتعدت عنه وجد في ثوبه بللاً ماذا عليه؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فالواجب على الصائم أن يحتاط لصومه ولا يعرضه لما يجرحه، ولذلك قرر علماؤنا كراهة القبلة والمباشرة لمن كان يملك نفسه ويأمنها ويعلم من حاله السلامة، أي من كان يعرف من حاله أنه لن يخرج منه شيء، ومن كان لا يملك نفسه فإنه تحرم القبلة والمباشرة في حقه؛ لما رواه مالك في الموطأ أنه بلغه أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت إذا ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبِّل وهو صائم، تقول: وأيكم أملك لنفسه من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال يحيى: قال مالك: قال هشام بن عروة: قال عروة بن الزبير: لم أر القبلة للصائم تدعو إلى خير.

    فهذا البلل الذي في ثوبه يبطل به الصوم لأنه لا يخلو من حالين إما أن يكون منياً أو أن يكون مذياً، وكلاهما خارج باللذة المعتادة، فإن كان منياً لزمه القضاء والكفارة، وإن كان مذياً لزمه القضاء فقط عند جمهور العلماء والعلم عند الله تعالى.

  • استمنى في نهار رمضان

    استمنى رجل في نهار رمضان بعد أن غلبته الشهوة ماذا عليه؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فالاستمناء حرام في رمضان وغيره لعموم قوله تعالى {والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} ومن استمنى في نهار رمضان ـ مختاراً متعمداً ـ فإثمه أعظم لكونه فاعلاً حراماً ومنتهكاً حرمة الشهر المعظَّم، والواجب عليه التوبة إلى الله تعالى مما فعل، ثم يلزمه ـ عند المالكية ـ قضاء يوم مكان اليوم الذي أفسده والكفارة بصيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً؛ استدلالاً بحديث الأعرابي الذي شكا للنبي صلى الله عليه وسلم أنه جامع أهله في نهار رمضان فأمره بالكفارة، والاستمناء في معنى الجماع، ومثله من تعمد إخراج المني بتقبيل أو مباشرة أو إدامة فكر أو نظر إلى ما يشتهى، والعلم عند الله تعالى.

  • عليها القضاء ولم تقضِ

    امرأة عليها قضاء ودخل عليها رمضان ولم تقض ماذا عليها؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    من أفطر في رمضان لعذر ندب له تعجيل القضاء؛ لعموم الأدلة الآمرة بذلك كقوله تعالى {سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض} وقوله تعالى في الثناء على أنبيائه {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات} ولما في ذلك من إبراء الذمة والمبادرة بالطاعة، أما من أخره فلم يقض حتى دخل عليه رمضان الذي بعده، فلا يخلو من حالين: إما أن يكون قد أخر القضاء لعذر كمن تتابع عليه المرض والسفر فهذا لا شيء عليه سوى القضاء، وإما أن يكون قد أخر القضاء مع قدرته عليه، فهذا يلزمه مع القضاء إطعام مسكين عن كل يوم، وهذا هو مذهب الجمهور ومنهم المالكية والشافعية والحنابلة؛ وهو المروي عن أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهم، والعلم عند الله تعالى.

  • تركت الصيام لأنها عروس

    تركت امرأة صوم رمضان بعد أن نصحها البعض لأنها عروس فما حكم فطرها؟ وماذا عليها؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فصوم رمضان واجب على كل مسلم بالغ عاقل صحيح مقيم، ومن ترك صيام رمضان من غير عذر فقد أتى إثماً عظيماً؛ لأن صيامه واجب باتفاق المسلمين، فمن أنكر وجوبه كفر، ومن أقر بوجوبه ولم يصمه من غير عذر قال أهل العلم: يحبس ويعزر ويمنع من الإفطار، ففي البخاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتي برجل نشوان قد شرب الخمر في رمضان، فقال له {ويلك وصبياننا صيام، ثم أمر به فضرب ثمانين سوطاً، ثم سيَّره إلى الشام} وعليه فإن الواجب على هذه المرأة أن تتقي الله عز وجل وتبادر بتوبة نصوح تمحو أثر ذلك الذنب الذي وقعت فيه ثم عليها أن تقضي الأيام التي أفطرتها لعل الله يغفر لها، وعلى من نصحوها بذلك وغروها أن يتقوا الله في أنفسهم وألا يفتوا في دين الله بما لا يعلمون لئلا يكونوا سبباً في ضلال الناس، ونسأل الله الهداية للجميع.

  • الأكل والشرب في نهار رمضان

    ما حكم من أكل أو شرب عمداً في نهار رمضان؟ وما حكم من فعل ذلك ناسياً؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فمن أكل أو شرب عمداً في نهار رمضان فقد بطل صومه باتفاق أهل العلم، وأثم إثماً كبيراً واحتقب وزراً عظيماً، ويجب عليه أن يرجع إلى الله بتوبة نصوح، ويجب عليه القضاء باتفاق، ويجب عليه مع القضاء الكفارة عند الحنفية والمالكية وذلك بصيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً أو عتق رقبة؛ لما ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت! قال {ما لك؟} قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم {هل تجد رقبة تعتقها؟} قال: لا. قال {فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين} قال: لا. فقال {فهل تجد إطعام ستين مسكينا} قال: لا. قال: فمكث النبي صلى الله عليه وسلم، فبينا نحن على ذلك أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيها تمر والعرق المكتل قال {أين السائل؟} فقال: أنا. قال {خذها فتصدق به} فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها ـ يريد الحرتين ـ أهل بيت أفقر من أهل بيتي! فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ثم قال {أطعمه أهلك} وقد قال الحنفية والمالكية بعدم الفرق بين من أفطر بجماع ومن أفطر بطعام أو شراب، أما الشافعية والحنابلة فقد ذهبوا إلى أن هذه الكفارة خاصة بمن أفطر بجماع أما من أفطر بغيره فليس عليه سوى القضاء. وكلا الفريقين يستدل بحديث أبي هريرة السابق، لكنهم يختلفون في تنقيح مناط الحكم هل هو انتهاك حرمة الشهر بإفساده بخصوص الجماع عمداً، أو هو انتهاكه بإفساد صومه عمداً مطلقاً ولو بطعام أو شراب؟

    أما من أكل أو شرب ناسياً فليس عليه شيء في قول جمهور العلماء؛ لما ثبت من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال {من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه} رواه الجماعة. أما المالكية فيقولون بوجوب القضاء على من أكل أو شرب ناسياً؛ ويتأولون الإتمام في الحديث السابق بالتمادي في صيام اليوم؛ لأن السهو يرفع الإثم ولا يسقط الحكم؛ ويقيسون الناسي في الصوم على الناسي في الصلاة، والراجح هو قول الجمهور؛ لما رواه الحاكم {من أفطر في رمضان ناسيا فلا قضاء ولا كفارة} قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في بلوغ المرام: وهو صحيح.

    وبذلك يتبين أن الناسي لا شيء عليه بدلالة نفي القضاء عنه والكفارة، وهذا الذي يتفق مع نصوص الشريعة؛ لقوله تعالى )ربنا لا تؤاخذنا أن نسينا أو أخطأنا( وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى قال: قد فعلت. والله تعالى أعلم.

  • أُصيب برعاف فأفطر

    أصيب رجل برعاف في نهار رمضان فما حكم صومه؟ وماذا عليه إذا أفطر؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فالرعاف الذي هو خروج الدم من الأنف لا تأثير له على صحة الصوم؛ لأنه خارج بغير اختيار منه، وخروج الدم الذي لا يمكن الاحتراز منه ـ سوى دم الحيض والنفاس ـ لا يفطر، وقد حكم النبي صلى الله عليه وسلم بصحة صوم من ذرعه القيء؛ فهذا من باب أولى، وإذا أفطر الراعف بسبب ضعفه عن إكمال اليوم فليس عليه سوى القضاء، أما لو أفطر ظناً منه بأن الرعاف مفسد للصوم فليس عليه سوى القضاء كذلك؛ لأنه متأوِّل تأويلاً قريباً، وليستغفر الله من تقصيره في طلب العلم الواجب عليه، والله تعالى أعلم.

  • حكم عادة الجرتق

    ما حكم الجرتق كعادة سودانية خالية من أي ناحية عقدية؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    الجرتق عادة أدمنها بعض الناس في أعراسهم والحال ـ كما وصف النساء ـ أن العروسين ليلة زفافهما يجلسان فتقوم إحدى النساء برش اللبن عليهما ويُربط للعريس ما يسمى بالضريرة وهي حريرة يتوسطها شيء من الذهب، وفي الوقت نفسه يغني النساء ويزغردن، ولا شك أن هذه العادة قد اشتملت على جملة من المفاسد:

    أولها: أن بعض النسوة قد ارتبط اعتقادهن بحصول الحمل من عدمه بهذه العادة، فمن أجريت له تلك الطقوس ستحمل زوجه وتكون له ذرية ومن لا فلا، وهذا يعارض قول ربنا سبحانه وتعالى {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون} وقوله تعالى {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله}

    ثانياً: أن مخالفات شرعية ترتكب حال القيام بتلك العادة، ومن ذلك:

    • الاختلاط الحاصل بين الجنسين حيث إن الرجل يجلس بين جماعة من النساء أغلبهن لسن من محارمه، ولربما يدخل ويجلس على تلك الحال غيره كذلك
    • تحليه بالذهب والحرير وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهما: {هذان حرام على ذكور أمتي حلٌّ لإناثها}
    • ما يصحب تلك الحال من أغان وأهازيج لا تخلو مما لا ينبغي ذكره عن محاسن العروس ووصف لجسدها وما إلى ذلك
    • قيام بعضهن برش العروسين باللبن، وهذا من تحقير نعمة الله واستخدامها في غير ما خلقت له {من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين}

    والذي أنصح به كل عروسين أن يحرصا على افتتاح حياتهما بطاعة الله عز وجل فبالطاعة يحصل الخير ويقل الشر وتقترب الملائكة وتبتعد الشياطين، وحريٌّ بمن أكرمه الله بالزواج أن يشكر ربه على نعمته، وأن يستعملها في طاعته، وأن يحيي سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم في الزواج بأن يشرب مع عروسه لبناً وأن يدعو بأن يبارك الله له فيها، وأن يجعل بيته عامراً بالقرآن وطاعة الرحمن، وأسأل الله الهداية للجميع.

  • التبرع بشبكة الذهب

    أريد التبرع بشبكتي (ذهب) ولكني إذا فعلتها قبل الزواج أغضبت أمي، وإذا فعلتها بعده أغضبت بعلي؛ فهل الأولى أن أتزين به لبعلي أم أنها من المهر الذي هو حر مالي يجوز لي التبرع به.

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فإذا علم من نيتك الحرص على التبرع لولا غضب أمك فإنه سبحانه يكتب لك الأجر والثواب كما ثبت في الحديث أنه من همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله حسنة كاملة، والواجب عليك أمة الله أن تتزيني بتلك الشبكة لزوجك؛ إذ ليست هي من المهر الذي يحل لك التصرف فيه بأنواع التصرفات المشروعة، بل هو من قبيل الزينة التي ترجع لمصلحة زوجك شأنها شأن متاع البيت وغيره مما تعود ملكيته لزوجك، والعلم عند الله تعالى.

  • الاقتراض من صاحب المال المختلط

    هل يجوز الاقتراض من شخص أعلم أن ماله مختلط بين الحلال والحرام ولا أدري من أي المالين سيقرضني؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فإذا كان مال ذلك الشخص من حرام محض، كما لو كان يتجر في الخمور أو المخدرات وليس له دخل سواه فلا يجوز لك أن تقترض منه، لعموم الأدلة الناهية عن أكل الحرام؛ كقوله صلى الله عليه وسلم {يا كعب بن عجرة إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به} رواه أحمد والترمذي، وأما إذا كان ماله مختلطاً حلاله بحرامه فلا حرج عليك في الأكل من طعامه أو قبول هديته وأولى الاقتراض منه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل هدية المقوقس حاكم مصر وأكل من طعام يهودية ومعلوم أن أموالهم لا تسلم من حرام أو شبهة، وإذا جاز قبول هدية وأكل طعام من كان حاله كذلك فأولى الاقتراض منه، والعلم عند الله تعالى.

  • حكم العمليات الإستشهادية

    تحت قيادة في حرب هل تجوز العمليات الاستشهادية وإن كانت في فلسطين أو العراق؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

     العمليات الاستشهادية أعمال يقوم بها المجاهدون تودي في الغالب بحياتهم؛ وذلك بأن يربط على جسده حزاماً ناسفاً أو يضع في سيارته متفجرات، وغرضهم من ذلك النكاية في أعداء الله عز وجل وإرهابهم وزرع الخوف في قلوبهم؛ ولمعرفة حكم هذه العمليات لا بد من بيان أمور قد تخفى على الناس في زماننا هذا، وهي:

    أولاً: أن الواجب الشرعي يحتم على المجاهدين المسلمين سؤال أهل العلم والنزول على رأيهم فيما يعرض لهم من حوادث؛ عملاً بقوله تعالى {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} والعلماء الذين هم في ميدان القتال أعرف بالواقع وأقدر على تنزيل نصوص الشرع عليه من غيرهم، وظننا بإخواننا المجاهدين في سبيل الله حقاً أنهم يصدرون فيما يأتون من أفعال عن فتاوى لأهل العلم الراسخين العارفين بمقاصد الشرع.

    ثانياً: أن دفع الكفار واجب وجهادهم متحتم؛ لما في ذلك من المصالح العظيمة التي دلت عليها النصوص الشرعية كقول الله تعالى {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم} وقوله {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} كما أن ترك دفعهم وجهادهم يترتب عليه من المفاسد ما نراه ماثلاً للعيان في منع المؤمنين من القيام بشعائر دينهم والتضييق عليهم، وإظهار الأحكام والقوانين المنافية للإسلام وزهد الآخرين في الدين حين يرون ما عليه أهله من الذلّة والمهانة؛ خاصة أننا نعيش في عالم لا يحترم إلا القوة والأقوياء

    ثالثاً: أنه إذا تعارضت المصالح والمفاسد في العمل الذي يقوم به المجاهد ـ أياً كان ذلك العمل ـ فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فهو المطلوب، وإن لم يمكن تحصيل المصلحة إلا بارتكاب شيء من المفاسد فينظر في هذه الحالة إلى الراجح والغالب منهما؛ فإن كان الغالب المصلحة لم ينظر إلى المفسدة اللاحقة، وإن كان الغالب المفسدة لم ينظر إلى المصلحة. وهذه قاعدة مضطردة يقررها أهل العلم، وتتعدد الأمثلة الدالة عليها من سيرة النبي e وهديه.

    رابعاً: العمليات الاستشهادية الواردة في السؤال لا ينتظمها حكم واحد؛ بل هناك عمليات لا إشكال فيها، وهي التي يشتبك فيها المجاهد المسلم مع عدوه وهم كثير عددهم وقد غلب على ظنه الهلاك؛ لكنه يُقدِم على ذلك بقصد إلحاق الضرر بعدوه وبثِّ الرعب في نفوس مقاتليه وتجرئة المسلمين عليه، من جنس ما فعله عمير بن الحمام رضي الله عنه يوم بدر والبراء بن مالك رضي الله عنه في قتال مسيلمة وأصحابه حين ألقاه المسلمون ليفتح لهم باب الحديقة التي سميت حديقة الموت، وبه أفتى أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه؛ كما في سنن أبي داود من حديث أسلم بن عمران قال: غزونا من المدينة نريد القسطنطينية وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد والروم ملصقون ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو فقال الناس: مه، مه، لا إله إلا الله يلقي بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما نصر الله نبيه وأظهر الإسلام، قلنا: هلم نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد}، قال القرطبي رحمه الله: والصحيح عندي جواز الاقتحام على العساكر لمن لا طاقة له بهم؛ لأن فيه أربعة وجوه: الأول: طلب الشهادة، الثاني: وجود النكاية، الثالث: تجرئة المسلمين عليهم، الرابع: ضعف نفوسهم ليروا أن هذا صنيع واحد فما ظنك بالجمع.أ.هـ ومن صورها التي لا خلاف عليها كذلك أن يبادر المجاهد العدو، أو يحمي إخوانه بنفسه، فيؤْثِر إخوانه بالحياة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُؤْثِرُ إخوانه على نفسه، فيبادر إلى لقاء العدّو دونهم؛ من جنس ما فعله صلى الله عليه وسلم يوم حنين حيث كان يركض ببغلته نحو العدو بعدما انكشف الناس وهو يقول: أنا النبي لا كذب أنا عبد المطلب.

    خامساً: أما العمليات التي يتعرَّض فيها المجاهد للموت بسلاح نفسه؛ فالذي يظهر من الأدلة ـ والعلم عند الله تعالى ـ هو القول بجوازها بشروط معينة، ومن الأدلة على ذلك:

    ① ما ثبت في الصحيحين عن يزيد بن أبي عبيد قال: قلت لسلمة بن الأكوع رضي الله عنه: على أي شيء بايعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية؟ قال: على الموت.

    ② ما ثبت في صحيح مسلم من حديث صهيب الرومي t في قصة أصحاب الأخدود، وفيها أن الغلام هو الذي دلَّ الملك على كيفية قتله رجاء أن يسلم الناس؛ فدلَّ على ذلك على أن إيثار العطب على السلامة يكون محموداً لو كان فيه تحقيق مصلحة الدين.

    ③ أن هذه العمليات تتحقق بها ضرورة حفظ الدين مع فيها من إهلاك النفس، ولا شك أن حفظ الدين أهم من حفظ النفس.

    ④ أن هذه العمليات قد تتعين سبيلاً وحيداً للنكاية بالعدو، وقد قرر علماؤنا أنه يجوز في حال الضيق والاضطرار ما لا يجوز في حال السعة والاختيار؛ والمجاهدون المسلمون الآن في فلسطين والعراق والشيشان وفي أغلب بلاد الله لا يملكون ما يملك عدوهم من الطائرات والدبابات والصواريخ وغيرها من الوسائل؛ خاصة وأن العدو حاله كما وصف ربنا جل جلاله {لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدار }

    وعليه يقال: إذا تضمن العمل الاستشهادي مصلحة للمسلمين وغلب على الظن تحقق النكاية بأعدائهم، ولم يكن فيه مفسدة تربو على المصلحة كأن تزيد ضراوة الكفار مثلاً ويشتد كَلَبُهم على المسلمين، وكان المجاهد قد أخلص لربه فيما يقوم به، ولم يوجد سبيل آخر تتحقق به النكاية فلا حرج في القيام بها، والمجاهد المقتول في تلك العمليات شهيد إن شاء الله، والله تعالى أعلم.

زر الذهاب إلى الأعلى