الفتاوى

  • حلفت بالله وأنا غضبان

    كثيراً ما أحلف بالله وأنا غاضب في حالات زعل دون شعور فما حكم ذلك؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فاحرص ـ عافاك الله ـ على العمل بالهدي النبوي حال غضبك، ويتمثل ذلك في أمور:

    أولها: الاستعاذة بالله من الشيطان؛ فإن الغضب من الشيطان

    ثانيها: تغيير الوضع الذي أنت عليه؛ فإن كنت قائماً فاجلس، وإن كنت جالساً فاضطجع

    ثالثها: الوضوء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم {إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء؛ فإذا غضب أحدكم فليتوضأ} رواه أحمد وأبو داود من حديث عطية بن سعد رضي الله عنه

    وأما حلفك بالله وأنت غاضب فتلزمك فيه كفارة يمين ما دمت تعقل ما تقول حال غضبك؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم {من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأتها، وليكفر عن يمينه} رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، وكفارة اليمين تكون بإطعام عشرة مساكين لكل مسكين نصف صاع من غالب قوت أهل بلدك، أو كسوتهم لكل مسكين ثوب يجزئه في صلاته، فإن لم تجد هذا ولا ذاك فيلزمك صيام ثلاثة أيام، والأفضل أن تكون متتابعة، والله تعالى أعلم.

  • زوجي سيء الخلق

    أشكو من سوء خلق زوجي في المنزل، مع أنه ملتزم بل يخطب الجمع ويلقي الدروس والمحاضرات إلا أنه يشتمني أمام الأطفال والخادمة، ولا يتورع من أن يسمع الجيران، ويصل أحيانا إلى حد الضرب في أمور تافهة يراها عظيمة بحكم سماعه للكثير من المشاكل، ولكن مهما كان فإنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب، كنت أحبه ولا أتحمل البعد عنه؛ والآن أتفاداه وأتجنب الكلام معه، والأسوأ أن احترامي له بدأ يقل مما يظهر جلياً على تصرفاتي ويزيد المشاكل، أفكر كثيراً في الطلاق لكي يعيش الأطفال في بيئة سوية ولا يرون إهانات أبيهم لأمهم فيفقدوا احترامهم للجميع! أليس هذا سبباً لطلب الطلاق أفتوني أثابكم الله.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فلا شك أن حسن الخلق من سمات المؤمن، وقد قال عليه الصلاة والسلام {أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم أخلاقا} وأخبر أن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم، وعلَّمنا – عليه الصلاة والسلام – أنه ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، والنصوص في ذلك كثيرة.

    وأولى الناس بحسن الخلق الأهل والقرابة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم {خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي} فينبغي للرجل أن يكون في بيته ضحوكاً بساماً يلين الكلام ويفشي السلام ويدخل السرور على أهله ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وليحرص على شعور زوجه فلا يجرحها بكلمة ولا فعل، وإذا حصل ما يستوجب المعاتبة والملامة فليكن ذلك على انفراد دون أن يشعر الأولاد فضلاً عن غيرهم، وليتدرج في تأديبه بالوسائل التي ذكرها ربنا في كتابه ((واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان علياً كبيرا)) وإذا كان هذا مطلوباً من الناس جميعاً فهو آكد في حق من كان إماماً يقتدى بفعاله وينظر الناس لحاله؛ وإلا كان كالطبيب الذي يداوي غيره وهو عليل؛ وكان حقيقاً بأن توجه إليه النصيحة:

    يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم

    تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى كيما يصح به وأنت سقيم

    ونراك تصلح بالرشاد عقولنا أبداً وأنت من الرشاد عديم

    فابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

     فهناك يقبل ما تقول ويهتدى … بالقول منك وينفع التعليم

     لا تنه عن خلق وتأتي مثله … عار عليك إذا فعلت عظيم

    وفي مقابل هذا على الزوجة أن تتقي الله في زوجها فتعظم شأنه وتطيع أمره، ولا تجعل من نفسها نداً له، وعليها أن تتذكر دائماً قول الله تعالى ((ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة)) وقوله تعالى ((الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم)) وعليها أن تخالقه بخلق حسن فلا ترفع عليه صوتاً ولا تعصي له أمراً، ولتتواضع له وتخفض جناحها معه؛ كما قالت المرأة الأولى (كوني له أمة يكن لك عبداً، وكوني له أرضاً يكن لك سماء)

    وفي خصوص القضية المطروحة في السؤال أقول: إن مما يفيد في الخلافات الزوجية أن يتذكر كل من الزوجين حسنات صاحبه؛ فلا شك أنه واجدٌ منها كثيراً، وعليه أن يتذكر سيئات نفسه وعيوبها، وقد أشار إلى هذا نبينا صلى الله عليه وسلم حين قال {لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر} ومن واقع الناس علم المنصف أن كل مشكلة زوجية تكون فيها نسبة من الخطأ – تزيد أو تنقص – على الطرفين معاً، ولا يتمحض الحق لأحدهما، ودائماً عند عرض المشكلة يحاول كل طرف أن يلقي باللائمة على الآخر ويبرئ نفسه من كل عيب ونقص، فإذا كنت تذكرين في سؤالك أنه يشتم أو يضرب فابحثي عن الأسباب وسلي نفسك: لم لا تتفادين تلك الأسباب خاصة إذا حصل منه التنبيه عليها مرارا؛ فإن مما يوغر صدر الزوج أن يرى كلامه مهملاً وتوجيهه يذهب أدراج الرياح؛ ثم بعد ذلك إذا أراد أن يعيد التوجيه أعرضت عنه أو قالت: سمعنا!! ونحو ذلك من كلمات تذهب بهجة الحياة وتورث العداوة والبغضاء، وتؤدي إلى ذات النتيجة التي تخشى منها الزوجة حين يرى الأطفال أباهم لا يُعبأ به ولا يُلتفت إليه ولا يُنفذ قوله ولا يُعمل بمشورته؛ ثم إذا أراد أن يوجه أعرضت عنه الأم ولم تلق له بالا!!!

    ثم إن الطلاق من رحمة ربنا بعباده إذا تعثرت الحياة وضاقت الصدور واختنقت الأنفاس فإنه يكون علاجاً من أجل أن يجد كل منهما سعادته في غير تلك الشراكة التي لم تؤت أكلها، وقد قال سبحانه ((وإن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته وكان الله واسعاً حكيما)) والله الهادي إلى سواء السبيل.

  • خلاف بيني وبين حماتي

    يوجد خلاف بيني وبين حماتي، فطلب مني أبي أنْ نذهب للتصالح، فقلتُ له على سبيل ألا يفاتحني مرة أخرى فى هذا الموضوع: عليّ الطلاق بالثلاثة ماني رايح ولا داخل بيتهم تاني. وبعدها بفترة قمت بالدخول فهل وقع الطلاق؟ وإذا وقع فهل يقع ثلاث طلقات ؟ وجزاكم الله خيراً.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فما ينبغي لك الحلف بالطلاق ولا بغيره؛ بل احلف بالله إن كنت صادقاً، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت} والحلف بالطلاق يمين الفساق؛ ولو أنك حلفت بالله، ثم بدا لك أن الخير في أن تحنث بيمينك فإن الأمر سهل، وليس عليك إلا أن تكفر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم {من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأتِ الذي هو خير وليكفِّر عن يمينه} لكنك حين تحلف بالطلاق تحجر واسعاً وتعرض حياتك الأسرية للخطر؛ فاتق الله في نفسك ولا تجعل الطلاق لعبة في فمك.

    وأما قولك لوالدك: عليَّ الطلاق بالثلاثة لا أذهب لبيتهم؛ فإنه ينظر في نيتك فإن كانت طلاقاً وقع طلقة واحدة، ويلزمك التوبة والاستغفار من جمعك الثلاث في لفظ واحد، وإن كانت نيتك اليمين فإنه يلزمك كفارة يمين بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، والله تعالى أعلم.

  • فضل الوفاة يوم الجمعة

    شيخنا الجليل الدكتور / عبد الحي يوسف – حفظه الله ورعاه

    هل للوفاة يوم الجمعة أي فضل عن سائر أيام الأسبوع؟ وما مدى صحة الحديث الذي معناه (ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلتها إلا وقاه الله فتنة القبر……  معنى الحديث”. فقد سمعت أحدهم يقول بأن الحديث ضعيف، فلو كان ليوم من أيام الله فضل لكان يوم الاثنين ففيه ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه توفي.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فيوم الجمعة هو سيد الأيام بنص حديث النبي صلى الله عليه وسـلم؛ ففي موطأ مالك وسنن النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: خرجت إلى الطور فلقيت كعب الأحبار فجلست معه؛ فحدَّثني عن التوراة وحدَّثته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان فيما حدَّثته أن قلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أهبط من الجنة وفيه تيب عليه وفيه مات وفيه تقوم الساعة وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقاً من الساعة إلا الجن والإنس، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه” قال كعب: ذلك في كل سنة يوم؟ فقلت: بل في كل جمعة!! فقرأ كعب التوراة فقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي صحيح مسلم عن عبد الرحمن الأعرج أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا» فيوم الجمعة خير من يوم الاثنين بلا شك، وما ينبغي رد حديث النبي صلى الله عليه وسـلم بمثل تلك الاعتراضات.

    وأما الحديث الوارد في السؤال فقد رواه الإمام أحمد والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وقد اختلف أهل العلم في الحكم عليه؛ حيث قال الترمذي: هذا حديث غريب، وليس إسناده بمتصل، ربيعة بن سيف إنما يروي عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو ولا نعرف لربيعة بن سيف سماعاً من عبد الله بن عمرو

    إلا أن الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى حسَّن إسناده في تحقيقه لسنن الترمذي وكذلك في (أحكام الجنائز) حيث قال: وله شواهد عن أنس وجابر بن عبد الله، وغيرهما، فالحديث بمجموع طرقه حسن أو صحيح. وقال الشيخ الأرناؤوط رحمه الله تعالى في تعليقه على المسند: إسناده ضعيف ثم ذكر شواهد أعلَّها وقال: “فهذه الشواهد لا تصلح لتقوية الحديث وقد أخطأ الألباني في أحكام الجنائز فحسنه أو صححه بها . .” وقال المباركفوري في تحفة الأحوذي: قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَحْوَهُ، وَإِسْنَادُهُ أَضْعَفُ اِنْتَهَى. وَقَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاة: ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي بَابِ: مَنْ لَا يُسْأَلُ فِي الْقَبْرِ: وَقَالَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ اِبْنِ عَمْرٍو ثُمَّ قَالَ: وَأَخْرَجَهُ اِبْنُ وَهْبٍ فِي جَامِعِهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْهُ بِلَفْظِ: إِلَّا بَرِئَ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ. وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا ثَالِثَةً عَنْهُ مَوْقُوفًا بِلَفْظِ وُقِيَ الْفَتَّانَ.ا.هـــــ

    ونقل السيوطي رحمه الله تعالى عن الحكيم الترمذي قوله: وَمَنْ مَاتَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ فَقَدْ اِنْكَشَفَ لَهُ الْغِطَاءُ عَمَّا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ لِأَنَّ يَوْمَ الْجُمْعَةِ لَا تُسْجَرُ فِيهِ جَهَنَّمُ وَتُغْلَقُ أَبْوَابُهَا، وَلَا يَعْمَلُ سُلْطَانُ النَّارِ فِيهِ مَا يَعْمَلُ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ، فَإِذَا قَبَضَ اللَّهُ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ فَوَافَقَ قَبْضُهُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا لِسَعَادَتِهِ وَحُسْنِ مَآبِهِ، وَإِنَّهُ لَا يُقْبَضُ فِي هَذَا الْيَوْمِ إِلَّا مَنْ كَتَبَ لَهُ السَّعَادَةَ عِنْدَهُ، فَلِذَلِكَ يَقِيهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ، لِأَنَّ سَبَبَهَا إِنَّمَا هُوَ تَمْيِيزُ الْمُنَافِقِ مِنْ الْمُؤْمِنِ، قُلْت – أي السيوطي -: وَمِنْ تَتِمَّةِ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ مَاتَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ، فَكَانَ عَلَى قَاعِدَةِ الشُّهَدَاءِ فِي عَدَمِ السُّؤَالِ. كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ جَابِرٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَنْ مَاتَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ أَوْ لَيْلَةَ الْجُمْعَةِ أُجِيرَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَجَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهِ طَابَعُ الشُّهَدَاءِ”. وَأَخْرَجَ حُمَيْدٌ فِي تَرْغِيبِهِ عَنْ إِيَاسِ اِبْنِ بَكِيرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “مَنْ مَاتَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ كُتِبَ لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ، وَوُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ”. وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ اِبْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَا مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ مُسْلِمَةٍ يَمُوتُ فِي يَوْمِ الْجُمْعَةِ أَوْ لَيْلَةِ الْجُمْعَةِ إِلَّا وُقِيَ عَذَابَ الْقَبْرِ، وَفِتْنَةَ الْقَبْرِ وَلَقِيَ اللَّهَ وَلَا حِسَابَ عَلَيْهِ، وَجَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَعَهُ شُهُودٌ يَشْهَدُونَ لَهُ أَوْ طَابَعٌ” وَهَذَا الْحَدِيثُ لَطِيفٌ صُرِّحَ فِيهِ بِنَفْيِ الْفِتْنَةِ وَالْعَذَابِ مَعًا؛ اِنْتَهَى كَلَامُ السُّيُوطِيُّ رحمه الله تعالى.

    وكما رأيت فأكثر أهل العلم من القدماء والمحدثين على تضعيف الحديث، والعلم عند الله تعالى.

  • توزيع الطعام والحلوى عند ختم القرآن

    فضيلة الشيخ السلام عليكم ورحمة الله ومتعك الله بالصحة والعافية

    هل يجوز توزيع الحلوى وشرب الشاي والكيك بعد ختمة القرآن كل شهر بالمسجد؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فالاجتماع في بيوت الله عز وجل لتلاوة القرآن ومدارسته من أفضل القربات وأعظم الطاعات، ولا يوفق لذلك إلا الطيبون الذين اصطفاهم الله واجتباهم، وهم مبشرون بقول النبي صلى الله عليه وسلم “وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم الرحمة وغشيتهم السكينة وحفتهم الملائكة” ولا حرج عليهم بعد ختمتهم أن يأتي كل منهم بشيء من طعام أو شراب ليتناولوه في المسجد ويشاركهم في ذلك غيرهم من الناس؛ فإطعام الطعام في ذاته قربة وطاعة، كما أن قراءة القرآن قربة وطاعة، والله الموفق والمستعان.

  • رفع أصابع اليدين عند الإنتهاء من التشهد

    ما حكم تحريك الأصابع جميعها بالرفع عند الانتهاء من التشهد في الصلاة؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فهذا من الأمور المكروهة التي أنكرها النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال {ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس اسكنوا في الصلاة} رواه مسلم وأبو داود، وفي الرواية الأخرى عند مسلم أيضاً قال جابر رضي الله عنه: كنا إذا صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيديه إلى الجانبين؛ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم {علام تومئون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس إنما يكفي أحدكم أن يضع يديه على فخذه ثم يسلم على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله} فما ينبغي للمصلي أن يرفع يديه لا بعد فراغه من التشهد، ولا عند سلامه؛ لأن هذا من التشبه بالحيوان؛ وقد نهانا عليه الصلاة والسلام عن التشبه بالحيوان؛ فنهى عن إقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب، ونقر كنقر الديك، وافتراش كافتراش السبع، والله تعالى أعلم.

  • تحريك اللسان والشفتين في الصلاة

    كنت أتناقش مع بعض الإخوة وعلمت منهم أنه يجب تحريك الشفتين واللفظ باللسان بقدر إسماع النفس، وذلك في الصلاة السرية، وقد قمت بالبحث في ذلك وتبين لي صحة حديثهم من فتاوى للشيخ العثيمين رحمه الله وكذلك للشيخ ابن باز رحمه الله، وحقيقة قد أغمني الأمر كثيراً إذ إنني لم أكن أطبق ذلك على الأغلب الأعم في الصلوات المفروضة وفي النوافل، وخصوصاً قيام الليل وكذلك الأذكار (إذ أتوخي أن لا يسمعني أو يحس بذلك احد) والآن أنا أتساءل هل تنطبق هذه الأحكام عليَّ صلاة الجماعة؟ أيضاً: هل يجب عليَّ أن أعيد هذه الصلوات مع العلم أنني لا أعرف عددها؟ أخيراً أرجو أن تدلني على كتاب في فقه الصلاة وأحكامها؛ أفتني يا شيخنا فرج الله همك…

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فمن أيسر الكتب التي تتعلم منها أحكام الصلاة وغيرها كتاب (فقه السنة) للشيخ السيد سابق رحمه الله تعالى، وعليك ـ أخي ـ أن تكثر من السؤال عما أشكل عليك حتى تتفقه في دينك، وتعبد ربك على بصيرة؛ فإن العلم قبل القول والعمل.

    والمطلوب في الصلاة والذكر وقراءة القرآن أن تحرك لسانك وشفتيك، وإذا كانت الصلاة جهرية فأدنى الجهر للرجل أن يُسمِعَ من يليه ولا حد لأعلاه، وأدناه للمرأة أن تسمع نفسها، وأعلاه أن تسمع من يليها، وأما إجراء القرآن والذكر على القلب من غير تحريك للسان والشفتين فهذا حديث نفس لا يترتب عليه شيء وليس فيه ثواب ولا عقاب، وأما صلواتك التي مضت فلست مطالباً بإعادتها لأنك معذور بجهلك بهذا الحكم؛ فاستغفر الله من التقصير الذي كان في طلب العلم الضروري واستقبل ما يكون من صلاتك بحسب ما حصل لك من علم، والله المستعان.

  • كفارة اليمين

    السلام عليكم ورحمة الله، لديَّ أخ عزيز عليَّ اختلفنا في أمر ما فأقسمت بالله ألا أتصل عليه هاتفياً مرة أخرى، ولكنني بعد مدة من الزمن فعلت واتصلت عليه، فما كفارة يميني؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فقد أحسنت صنعاً بالاتصال على أخيك وانتهاء ذلك الهجر الذي أزَّك الشيطان أزاً حتى خرجت منك اليمين على ذلك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسـلم “من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه” ويلزمك إطعام عشرة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام – قمح أو تمر – ونصف الصاع يعدل كيلو ونصف تقريباً؛ أي أن المطلوب خمسة عشر كيلو من قمح أو تمر، ويمكنك كذلك أن تصنع طعاماً من جنس ما تأكله أنت وآل بيتك فتدعو عشرة مساكين فتطعمهم دفعة واحدة، أو تكسو عشرة مساكين لكل واحد منهم ثوب يصلح للصلاة، فإن عجزت عن ذلك كله فعليك صيام ثلاثة أيام يستحب فيهن التتابع، والعلم عند الله تعالى.

  • لبس جلد الفهد

    السلام عليكم شيوخي الأجلاء، أسأل عن لبس المركوب المصنوع من جلد الفهد حلال أم حرام؟؟ وجزاكم الله خيرا..

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وبعد.

    فقد ثبت النهي عن لبس جلود السباع والجلوس عليها؛ ففي سنن أبي داود عن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن لبس جلود السباع والركوب عليها. وفي سنن الترمذي والنسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن جلود السباع أن تفترش. وفي سنن أبي داود عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال “لا تصحب الملائكة رفقة فيها جلد نمر”. وقد ذكر ابن القيم رحمه الله وغيره من أهل العلم بعض وجوه الحكمة في هذا النهي، ومنها:

    ما يشعر به لابسها من الكبر والخيلاء والتشبه بالجبابرة، ولأنها زي أهل الترف والسرف، كما أن الدباغ لا يعمل فيها ولا يؤثر؛ لأن الدباغ لا يؤثر إلا في جلد مأكول اللحم. والله تعالى أعلم

  • إمام لا يدعو إلى التوحيد

    جماعة دعوية في قريتنا أفتت بعدم جواز الصلاة خلف الإمام لأنه لا يدعو الناس إلى التوحيد، أي أن دروسه ونصائحه دائماً لا تكون عن التوحيد، ولكنها قد تكون في السيرة أو الوعظ بصورة عامة، وبنوا هذه الفتوى حسب استقصائي من أحدهم أنهم تحدثوا يوماً في المسجد عن التوحيد فمنعهم، وسألت الإمام فأجابني بأن منهجه هو منهج أهل السنة؛ ولكن هؤلاء الدعاة يقولون: لا بد من تبيين المبتدعين وأسمائهم وتتبع أخطائهم حتى الخفي منها، يطَّلعون عليها ممن حولهم من أهل القرية، فالسؤال فضيلة الشيخ: هل تجوز الصلاة خلف هذا الإمام علماً بأنه متصوف لكن ما علمنا منه انحرافاً عقدياً بيِّناً؟ وهل تصح الصلاة خلف أولئك القوم؟ علماً بأنهم اعتزلوا الجماعة وكوَّنوا جماعة في ديوان أحدهم بغية تصديقه مسجداً، وأصبحوا معزولين تماماً عن الناس حتى أنهم يتهمون كل السلفيين ممن خالفهم الرأي ورأى بعدم صحة ما ذهبوا إليه بأنهم إخوان مسلمون وحركة إسلامية متواطئين مع المتصوفة، وحاشا لله أن يكونوا كذلك مع علمي التام بهم. فرجاء فضيلة الشيخ عجل بالرد على تساؤلي هذا؛ لأننا في مفترق طرق والكل لا يعلم من الصائب؛ وقدِّم نصحاً للجميع؟ وجزاكم الله خيرا.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فهذا السؤال يمثل قضية تتكرر في كثير من المساجد والمجتمعات، وفي الإجابة عليه لا بد من بيان أمور:

    أولها: أن الصلاة أحسن ما عمل الناس، وهي جائزة خلف كل مسلم يحسنها، وقد توافرت فيه شروط الإمامة، وليس مطلوباً منا أن نبحث عن الكمال فيمن نصلي خلفه؛ إذ الكمال عزيز ولا يخلو إنسان من خطأ أو تقصير، وما يدعو إليه بعض الناس من امتحان الإمام في معتقده قبل الصلاة خلفه إنما هو صنيع المتنطعين ولم يقل به أحد من أئمة الدين المعتبرين. بل كما قال الطحاوي رحمه الله في معتقده: ونرى الصلاة خلف كل برٍّ وفاجر من أهل القبلة وعلى من مات منهم.ا.هـــــ قال الشيخ صالح آل الشيخ وفقه الله: هذه الجملة يريد بها تقرير ما دلَّتْ عليه الأدلة العامة والخاصة في أنَّ الصلاة عند أهل الأثر، أتباع الصحابة رضوان الله عليهم تُقَامُ خلف كل إمام؛ إمام عام وهو ولي الأمر أو إمام خاص وهو إمام المسجد ـ سواءٌ أكانَ براً أو كان فاجراً ـ إذا كان من أهل التوحيد؛ يعني من أهل القبلة. وهذا يريد به مخالفة من ضلُّوا عن سبيل السلف فيمن لم يُصَلُّوا إلا خَلْفَ من يماثلهم في العقيدة أو يماثلهم في العمل أو يكون سليماً من الفجور، يعني لا يصلون إلا خلف من يعلمون بِرَّهُ وتقواه ونحو ذلك. وهذا صنيع الخوارج وكل أنواع المُتعصِّبَة من الضُلاَّل من أهل الفرق جميعاً. فكل فرقة من الفِرَقْ تُكَفِّرْ الفرقة الأخرى أو تُضَلِّلُها ولا يرون الصلاة خلف الآخرين، ولو كانوا مبتدعةً أو كانوا فجاراً، فإنهم يقولون: لا نصلي إلا خلف من نعلم دينه أو خلف من هو مثلنا في الاعتقاد.ا.هـــــــــ

    ثانيها: ما ينبغي للإنسان أن يحسن الظن بنفسه ويسيء الظن بالمسلمين؛ خاصة أئمتهم ودعاتهم وأهل العلم فيهم؛ بل عليه أن يتمثل دائماً قول الله تعالى {اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم} وقول النبي صلى الله عليه وسلم {إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث} وما يقع فيه بعض من يدعو إلى الله من الظن بنفسه خيراً وأنه داعية التوحيد وأسد السنة وقامع البدعة، وفي الوقت نفسه يظن بكثير من الدعاة ـ ممن ليسوا على مشربه ـ أنهم مداهنون في دين الله، ممتنعون عن الجهر بالحق إنما هو من تلبيس إبليس، ويخشى على هؤلاء أن يكونوا ممن قال الله فيهم {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} بل على المسلم أن يسيء الظن بنفسه ويحسن الظن بالمسلمين؛ خاصة من كان أكبر منه سناً وأكثر علماً وأعظم سابقة.

    ثالثها: اتهام فلان من الناس بأنه لا يتكلم في التوحيد هذه مرقاة للطعن في الدعاة، قد اتخذها بعض الناس سبيلاً للصد عن فلان وفلان من الناس، وما يدري هؤلاء أن الدين كله توحيد، وأن الداعية البصير قد يتناول التوحيد ويشرحه ـ ربما خيراً منهم ـ حين يتحدث عن السيرة أو التفسير أو الحديث أو الفقه، فالعلوم الإسلامية متضافرة يخدم بعضها بعضاً، وليس بالضرورة أن يكون عنوان الدرس (التوحيد) من أجل أن يكون توحيدا؛ فإن الله تعالى ما تعبدنا بالأسماء، والنظر الشرعي إنما يكون في المضامين لا العناوين، ثم إن هذا الداعية الذي رمي بأنه لا يتكلم في التوحيد قد يكون متكلماً فيه مراراً، بل قد ختم فيه متوناً، ولكن القوم يغلب عليهم سوء الظن والإعجاب بالرأي.

    رابعها: بعضهم يفهم أن التوحيد معناه الاستطالة في أعراض المسلمين وتناول الأحياء منهم والميتين بأسلوب ساقط وقول شائن، ينفِّر القلوب ويورث العداوة والبغضاء، ويلبِّس عليه الشيطان بأن في هذا تحذيراً من البدع وأهلها، وقد علمنا من قطعيات الدين بأن الرفق لا يعدله شيء، وأن لين القول والمجادلة بالحسنى والدفع بالتي هي أحسن أمور مطلوبة مع الكافر الأصلي؛ فكيف بالمسلم الذي تلبَّس بشيء من البدع أو المعاصي؟ فكيف لو كانت تلك التي توصف بالبدع أموراً مختلفاً فيها وقد قال بها من أئمة العلم الأقدمين والمحدثين كثيرون؟ ألا فليعلم المنصفون أنه لا تلازم بين الدعوة إلى ما كان عليه المصطفى صلى الله عليه وسلم من الهدى والنور وبين الوقوع في أعراض الناس، وهمزهم ولمزهم أحياء كانوا أو أمواتا. وهذا الإمام قد يكون منعه لهؤلاء الشباب من الحديث في المسجد لأنه أنس منهم خفة وطيشاً وإثارة للعداوة والبغضاء، وأدرك أنهم بأسلوبهم هذا لن يرشدوا غافلاً ولن يهدوا ضالاً، وأن مفسدة كلامهم تربو على مصلحته إن كان في كلامهم مصلحة.

    خامسها: الانتماء إلى الإخوان المسلمين أو الحركة الإسلامية أو أنصار السنة أو جماعة التبليغ أو غيرها من الجماعات التي تدعو إلى الله ليس تهمة ننفر منها ونتبرأ من تبعاتها؛ بل نقول: إن من انتمى إلى هذه الجماعة أو تلك تعاوناً مع أفرادها على البر والتقوى، واستعصاماً بالجماعة التي تمنع الشذوذ في الفكر أو الضلال في الرأي، وطلباً للأصلح له في دينه ودنياه، ولم يكن تعصبه للجماعة وشيوخها، بل كانت حميته للدين وعموم المسلمين فهو مأجور إن شاء الله، مع يقيننا بأنه لا تسلم جماعة من خطأ أو تقصير، مثلما لا يسلم الدعاة والمربون والعلماء العاملون وعامة المسلمين، فإنه لا أحد معصوم بعد النبي الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فهؤلاء الذين يرفعون في وجوه من خالفوهم بأنهم إخوان أو كذا أو كذا ما ينبغي أن يُعوَّدوا على أنهم كلما أطلقوا هذه التهم سارع المتَّهَم بالتبرؤ والنفي، بل نقول لهم: إن الإخوان وغيرهم قد يكونون خيراً عند الله منكم؛ ورحم الله من عرف قدر نفسه، وطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس.

    وأخيراً: الصلاة صحيحة وراء هذا الإمام المتهم، وكذلك وراء من خالفوه ونابذوه ونبزوه بتلك الألقاب السيئة، ويخشى عليهم من اعتزال الناس أن يكون ذلك باب ضلال يلجون منه إلى تكفير عموم المسلمين ممن يخالفونهم الرأي، وأسأل الله الهداية للجميع.

زر الذهاب إلى الأعلى