الفتاوى

  • الصدقة عن الوالدين

    إذا أخرجت شيئاً لروح والداي المتوفيين، فهل ثواب ذلك يذهب إليهما؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالميت ينتفع بثواب الصدقة، سواء في ذلك ما عمله في حياته أو ما عمل له بعد مماته، وقد دل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن قال له {إن أمي افْتلتت نفسها وإني أظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم} رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها. وقد ذكر مسلم رحمه الله في مقدمة صحيحه عن ابن المبارك أنه قال: (ليس في الصدقة خلاف) قال النووي رحمه الله تعالى: وفي هذا الحديث أن الصدقة عن الميت تنفع الميت ويصله ثوابها.ا.هـ وروى أحمد والنسائي عن سعد بن عبادة رضي الله عنه أن أمه ماتت فقال: {يا رسول الله، إن أمي ماتت أفأتصدق عنها؟ قال: نعم. قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء} قال الحسن: فتلك سقاية آل سعد بالمدينة.

    وأنت ـ بارك الله فيك ـ مأجور على برِّك بوالديك بعد موتهما؛ فإن البر لا ينقطع بموت الوالدين بل يكون بالدعاء لهما والصدقة عنهما وإكرام صديقهما وصلة رحمهما وإنفاذ عهدهما، والله الموفق والمستعان.

  • مشاهدة المصارعة

    السلام عليكم شيخنا الكريم، أنا في الثانية عشرة من عمري، وأتابع المصارعة فهل يجوز لي ذلك؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته؛ أما بعد.

    فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍ خير» قال شارحو الحديث: المؤمن القوي أي على أعمال البر ومشاق الطاعة والصبور على تحمل ما يصيبه من البلاء والمتيقظ في الأمور المهتدي إلى التدبير والمصلحة بالنظر إلى الأسباب واستعمال الفكر.أ.هـ

    ولا شك ـ أخي السائل ـ أن من القوة المحمودة المأمور كل مسلم بالأخذ بها تعلم ما من شأنه تقوية بدنه وإعداد نفسه لتحمل المشاق في سبيل الله عز وجل ومن ذلك تعلم المصارعة والسباحة والرماية والوثوب على الخيل، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسابق بين أصحابه ويسابق بين الخيل المضمرة والخيل التي لم تضمر، ويشجع أصحابه رضي الله عنهم على ذلك ويجيزهم، وثبت أنه صارع رجلاً يقال له ركانة؛ فصرعه مرتين.

    أما المصارعة التي تعرض على شاشات التلفاز بالصورة المعروفة؛ فلا تجوز متابعتها لما فيها من كشف العورات وتربية الناس على العنف ومحبة إيقاع الأذى الجسيم بالخصم، وليست هذه هي المصارعة التي كان الصحابة رضي الله عنه يستخدمونها؛ بل تلك قائمة على تعلم الفنون القتالية، وليس فيها شيء من هذه المحرمات، والله تعالى أعلم.

  • صيام يوم الجمعة

    هل يجوز الصيام يوم الجمعة؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فإذا كان صيامك يوم الجمعة فريضة ـ كما لو كان قضاء أو نذراً أو كفارة ـ فلا إشكال فيه، وكذلك لو صمته تطوعاً مع يوم قبله أو بعده، فلا إشكال، أما إفراده بصيام التطوع فهو مكروه كراهة تنزيه لثبوت النهي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث روى الشيخان من حديث محمد بن عباد بن جعفر قال: سألت جابراً رضي الله عنه أنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة؟ قال: نعم. وروى الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {لا تصوموا يوم الجمعة إلا وقبله يوم، أو بعده يوم} ولمسلم {ولا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تختصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم} وفي رواية لأحمد {يوم الجمعة يوم عيد؛ فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده} وعن جويرية رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها في يوم الجمعة وهي صائمة فقال {أصمت أمس؟} قالت: لا، قال {تصومين غداً؟} قالت لا، قال {فأفطري} رواه أحمد والبخاري وأبو داود

    وقد اختلف في سبب كراهة إفراد يوم الجمعة بالصيام على أقوال ذكرها صاحب الفتح: منها لكونه عيداً كما دل على ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ومنها: لئلا يضعف عن العبادة، ورجحه النووي، ومنها خوف المبالغة في تعظيمه فيفتتن به كما افتتن اليهود بالسبت، ومنها: خوف اعتقاد وجوبه، ومنها: خشية أن يفرض عليهم كما خشي صلى الله عليه وسلم من قيام الليل ذلك، ومنها: مخالفة النصارى لأنه يجب عليهم صومه ونحن مأمورون بمخالفتهم، قال في الفتح: وهو ضعيف.

    ولعل القول الأول هو الأولى بالصواب أن النهي عن صيامه لأنه يوم عيد المسلمين الأسبوعي، والله تعالى أعلم.

  • قطع الصلاة لإنقاذ مريض

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فالمقرر فقهاً أن الواجبات إذا تزاحمت يقدم الأهم ثم المهم، وما لا يمكن تداركه على ما يمكن تداركه، وإنقاذ النفس البشرية من أهم المهمات؛ قال تعالى {ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا} وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أباح لنا قتل الأسودين – الحية والعقرب – ونحن في الصلاة؛ فكيف بإنقاذ إنسان مكرم مسلم؟ فإذا غلب على الظن أن المصاب يمكن إنقاذ حياته فواجب على من يستطيع ذلك – من طبيب ومسعف ونحوهما – أن يبادر إلى ذلك، ثم يمكنه أن يقيم جماعة أخرى أو يصلي منفرداً، والعلم عند الله تعالى.

  • حكم قراءة كتب سيد قطب

    السلام عليكم ورحمة الله أريد سؤالك عن كتب سيد قطب فقط ليطمئن قلبي فقط ولا غير 1/أن سيد قطب ورد في كتابه أنه أقر بأن الذين خرجوا علي سيدنا عثمان بن عفان في حكمه وقتلوه بأنها ثوره من روح الإسلام أو ما شابه ذلك!! 2/وأنه وصف نبي الله عيسي بأنه نبيٌّ عصبيُّ المزاج. والله فقط سألت ليطمئن قلبي فقط ليس إلا، وما حكم قراءة كتبه؟ جزاك الله ألف خير

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فإن مؤلفات الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى قد حوت خيراً كثيراً وعلماً غزيراً وعاطفة جياشة في الدفاع عن الإسلام أمام غارات الملاحدة والعلمانيين، خاصةً في قضايا الحكم بما أنزل الله وبيان محاسن الإسلام والرد على منتقديه من شياطين الإنس دعاة الضلالة، وما هو بالمعصوم، بل هو كغيره من أهل العلم والفضل لا يَسْلَمُ من الخطأ، لكن خطأه في بحر فضله مغمور، حيث كانت له ـ رحمه الله ـ مواقف وأقوال وكتابات تنبئ أنها صادرة عن قلب مليء بحب الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم وحب الإسلام وأهله، وقد أفضى إلى ما قدَّم، وليس من الدين ولا من الأدب ولا من الإنصاف أن يتتبع بعض الناس عثراته فيشيعونها في كل مجلس، وينسون حسناته وفضائله فيسترونها ويغمطون الرجل حقه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {الكبر بطر الحق وغمط الناس} رواه مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

    والخلاصة أن الرجل من الدعاة الذين ظهر صدقهم في الدعوة ونصرتهم للدين وغيرتهم على محارمه، ونحسبه مات شهيداً في سبيل كلمة الحق والله حسيبه، وإن كانت له أخطاء في بعض كتبه ـ شأن عامة من كتب وألَّف ـ فإنه لا يُتابَع عليها ولا يُقلَّد فيها ولا يُشنَّع عليه بها، وإنما يُبيَّن الحق من الباطل، والصواب من الخطأ بالحجة والبرهان. مع الانتباه إلى أن مثل هذه الأخطاء مغمورة إلى جانب حسناته العظيمة في بيان معاني كتاب الله عز وجل وتجلية الحق لطالبيه في عصر قلَّ فيه من ينطق بالحق ويدعو إليه.

     وبذلك يتبيَّن أن القولَ بأن مؤلفاتِ سيد قطب رحمه الله تعالى مؤلفات للبدع والانحرافات في العقيدة قولٌ فيه من التجني وعدم الإنصاف والوقيعة في عرض رجل هو من خاصة المسلمين ودعاتهم ومجاهديهم شيء عظيم، وقائل هذا يحتاج إلى أن يُذكَّر بقول النبي صلى الله عليه وسلم {إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق} رواه أحمد وأبو داود.

    وقد عُهد عنه رحمه الله تعالى الرجوع إلى الحق متى ما تبيَّن له، يَلْحَظُ ذلك كلُّ من قرأ تفسير (الظلال) في طبعاته المختلفة وقارن بينها؛ حيث كان يُعمِل قلمَه بالتصحيح الطبعة بعد الأخرى؛ كما هو دأب المخلصين المتجردين عن الهوى، وقد جعل الله له ولمؤلفاته القبول في قلوب خلقه؛ حيث حبَّب كتابَ الله إلى قلوب عامة المسلمين، حتى نبتت هذه النابتة التي تتجنَّى وتكذب وتفتري ولا تستحي من الله ولا من الناس.

     هذا وقد أنصف سيداً رحمه الله تعالى من علماء الأمة الموثوقين وأئمتها المعدَّلين نفرٌ كثير، ونكتفي هاهنا بالنقل عن واحد منهم، وهو العلامة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد ـ رحمه الله تعالى ـ وقد كان عضواً بهيئة كبار العلماء بالسعودية ورئيساً لمجمع الفقه الإسلامي الدولي؛ حيث قال عن سيِّد وذلك في معرض رده على بعض منتقديه {..فوجدت في كتبه خيراً كثيراً، وإيماناً مشرقاً، وحقاً أبلج، وتشريحاً فاضحاً لمخططات أعداء الإسلام على عثراتٍ في سياقه، واسترسل بعباراتٍ ليته لم يفُه بها، وكثيرٌ منها ‏ينقضها قولُه الحق في مكان آخر، والكمال عزيز! والرجل كان أديباً نقادة، ثم اتجه إلى ‏خدمة الإسلام، من خلال القرآن العظيم، والسنة المشرَّفة وسخَّر قلمه ووقته، ودمه في ‏سبيلها، فَشَرِقَ بها طغاةُ عصره! وأصرَّ على موقفه في سبيل الله تعالى، وكشف عن ‏سالفته، وطلب منه أن يسطُر بقلمه كلمات اعتذار! فقال كلمته المشهورة: إن أصبعاً ‏أرفعه للشهادة، لن أكتب به كلمة تضارُّها! أو كلمة نحو ذلك. والواجب على الجميع ‏الدعاء له بالمغفرة، والاستفادة من علمه، وبيان ما تحققنا خطأه فيه. وإن خطأه لا يوجب ‏حرماننا من علمه، ولا هَجْرَ كتبه. واعتبرْ ـ رعاك الله ـ حاله بحال أسلاف مضوا، أمثال ‏أبي إسماعيل الهروي، والجيلاني، وكيف دافع عنهما شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى مع ما لديهما من الطوام؛ لأن الأصل في مسلكهما: نصرة الإسلام والسنة. وانظر (منازل ‏السائرين) للهروي – رحمه الله تعالى- تَرَ عجائب لا يمكن قبولها! ومع ذلك فابن القيم -‏رحمه الله تعالى- يعتذر عنه أشد الاعتذار، ولا يجرِّمه فيها، وذلك في شرحه (مدارج ‏السالكين).ا.هـــــــــــ

    وأما كلامه رحمه الله في شأن نبي الله موسى عليه السلام فإنه يُفهم في سياقه الذي قيل فيه، ويؤخذ معه كلامه الآخر عنه في مواضع عدة من كتبه كتفسيره (الظلال) وليس من الإنصاف أن يعمد امرؤ إلى كلمة فيستلَّها من سياقها العام ويُلغي بعد ذلك سائر الكلام؛ ليثبت تهمة ما كانت إلا في نفسه هو، وما دارت بخَلَدِ كاتب الكلام أصلاً، ومثل هذا الكلام يقال في حق من يتهمون سيداً رحمه الله بأنه يسبُّ الصحابة ـ هكذا ـ وينسون أنه كتب فصلاً كاملاً في كتاب المعالم ـ وهو من آخر كتبه ـ بعنوان (جيل قرآني فريد) يثني فيه على الصحابة الكرام رضي الله عنهم ويبيِّن فضائلهم ومحاسنهم، وكذلك اتهامه بأنه من دعاة وحدة الوجود استدلالاً بكلام مجمل حمَّال أوجه قاله في تفسير سورتي الحديد والإخلاص، ويغفلون عن كلامه المبيَّن في نفي وحدة الوجود والرد في مواضع من الظلال و(خصائص التصور الإسلامي) على الحلوليين ودعاة وحدة الوجود.

    وبعد. فليلعم هؤلاء الطاعنون في سيد قطب وغيره من أهل الدعوة والجهاد أنهم ـ قصدوا أولم يقصدوا ـ إنما يخدمون هدفاً بعيداً لأعداء الملة، الذين يرومون الطعن في كل من عُهد عنه تأثير في الصحوة المعاصرة التي أقضت مضاجع اليهود والصليبيين والملاحدة، فيعمدون إلى انتقاصهم ورميهم بالتهم الباطلة تنفيراً للناشئة منهم، وإشاعة لقالة السوء عنهم؛ ابتداء بشيخ الإسلام ابن تيمية مروراً بالشيخ محمد بن عبد الوهاب وانتهاء بالأستاذ سيد قطب رحمهم الله جميعاً.

    وقد روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال {إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط}رواه أبو داود، فثبت بهذا الحديث وجوب توقير العلماء وإحسان الظن بهم وحمل أقوالهم على أحسن المحامل، ولا يعني هذا اعتقاد عصمتهم وأنهم لا يخطئون، بل هم بشر معرَّضون للخطأ والصواب؛ فلا مانع من التنبيه على أخطائهم بما يُحق الحق ويُبطل الباطل، وذلك دون أن نتعمد تتبع عثراتهم وإحصاء هفواتهم، بل الواجب علينا أن نحفظ لأهل العلم حرمتهم وأن نعرف لهم فضلهم، وإن أخطأ الواحد منهم فإننا نعتقد أن ذلك الخطأ أو تلك الهفوة مغمورة في بحر فضائله.

    أما إدمان الحديث عنهم بالسوء وتتبع ما وقعوا فيه من أخطاء فهو مسلك أهل الضلالة والهوى؛ فتجد الواحد من هؤلاء لا همَّ له إلا الطعن في العلماء ـ أحياءً وأمواتاً ـ بدعوى أن مقصد ذلك الداعية خبيث، وأنه ذو نية خبيثة، وأنه صاحب فتنة عدو للسنة، أو أن فلاناً لا يحب الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك التندر عليهم في المجالس وطباعة الأشرطة في التشنيع عليهم والتحذير منهم بزعم أن خطرهم يفوق خطر اليهود والنصارى ونحو ذلك من الدعاوى العارية عن الدليل، والتي تشي بقلة الورع والخوف من الله تعالى.

    وعلى كل مسلم أن يعلم أنه لا أحدَ معصومٌ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال مالك رحمه الله {كل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم} ويقول ابن القيم رحمه الله {فلو كان كل من أخطأ أو غلط تُرِكَ جملةً، وأُهدرت محاسنه لفسدت العلوم والصناعات والحكم وتعطلت معالمها} ويقول كذلك رحمه الله “ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعًا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدمٌ صالح، وآثارٌ حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكان قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور بل مأجور لاجتهاده، فلا يجوز أن يتبع فيها ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته في قلوب المسلمين.ويقول رحمه الله: “من قواعد الشرع والحكمة أيضًا أن من كثرت حسناته وعظمت، وكان له في الإسلام تأثير ظاهر، فإنه يحتمل له ما لا يحتمل لغيره، ويعفى عنها ما لا يعفى عن غيره” وقال الإمام الذهبي ملتمسًا العذر لقتادة في مسألة خالف فيها الصواب: “لعل الله يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه، وبذل وسعه، والله حكم عدل لطيف بعباده، ولا يُسأل عما يفعل. ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كَثُرَ صوابه، وعُلم تحريه للحق واتسع علمه وظهر ذكاؤه، وعُرِف صلاحُه وورعُه واتباعُه، يغفر له زللـه ولا نضلله ونطرحه وننسى محاسنه، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك”

    وعليه أن يعلم أن الأمور التي تُنتقد على بعض الدعاة أو العلماء أمور اجتهادية يسوغ فيها الخلاف، وقد يكون الخلاف فيها قد حصل بين أسلافنا ولم ينكر بعضهم على بعض؛ فيأتي بعض هؤلاء محذِّراًً بأن فلاناً قد خالف السنة وانحرف عن المنهج؛ إلى آخر تلك التهويلات التي غايتها صرف الناس عن أولئك الدعاة. إن الواجب على هؤلاء أن يتقوا الله عز وجل وأن يعلموا أن لحوم العلماء مسمومة، وأن سنة الله في أخذ من انتقصهم معلومة، ومن وقع في أعراض العلماء بالثلب، ابتلاه الله قبل موته بموت القلب، وأذكِّر الجميع بقوله تعالى {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبينا} والله الهادي إلى سواء السبيل.

  • جريمة الإجهاض

    ما هو الحكم الشرعي فيمن يقوم بعملية الإجهاض وذلك إثر جريمة زنا كان من نتيجتها الحمل؟ وهل يعاقب الطرفان بنفس العقوبة؟ وهل يغفر الله لهما؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    أولاً: كل الذنوب ـ عدا الشرك ـ تحت المشيئة، إن شاء ربنا غفر لأهلها وإن شاء عذبهم، قال سبحانه {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ويشمل ذلك الإجهاض والزنا

    ثانياً: الزنا من كبائر الذنوب التي توعد الله عليها بالعقاب الأليم؛ فقال سبحانه {والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا * إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيما}

    ثالثاً: الإجهاض ـ أي إسقاط الجنين ـ لا يجوز إلا في حال تحقق الخوف على حياة الأم؛ إذ حياته ليست أولى من حياتها، أما في غير ذلك من الأحوال فلا يجوز خاصة إذا نفخت فيه الروح؛ إذ الفقهاء متفقون على تحريم الإجهاض بعد نفخ الروح، وأما قبل نفخ الروح فأكثر الفقهاء على منعه إلا لعذر كما لو انقطع لبنها بعد ظهور الحمل، وليس لأبي الصبي ما يستأجر به ظئراً ـ أي مرضعة ـ ويخاف هلاكه، وهذا هو المعتمد عند المالكية كما نقل ذلك الدردير والدسوقي وغيرهما.

    رابعاً: الحامل إذا شربت دواء أو باشرت ـ متعمدة ـ عملاً ما تقصد طرح الجنين فالواجب عليه التوبة إلى الله مما فعلت، وكذلك لو باشر الإسقاط غيرها، وقد اتفق الفقهاء على أن الواجب في الجناية على الجنين هو غرة؛ أي نصف عشر الدية الكاملة؛ لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وغيره أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى؛ فطرحت جنينها؛ فقضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرة عبد أو وليدة. رواه الشيخان. وأما الكفارة ـ بصيام شهرين متتابعين ـ فهي عند المالكية والحنفية مندوبة لا واجبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقض بها. والله تعالى أعلم.

  • تجارة العملات

    ما كان يدًا بيد: فلا بأس به، وما كان نسيئة: فهو ربًا. رواه ‏الشيخان من حديث البراء.

    وقد قال صلى الله عليه وسلم: “لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا غائباً منها بناجز”…متفق عليه.

    “الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلاً بمثل، سواء بسواء،يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد” رواه مسلم من حديث عبادة بن الصامت.

    فقد جاء في قرار المجمع الفقهي رقم ( 9 ) في دورته الثالثة المنعقدة في عمان سنة 1407 هـ ما يأتي:

    “بخصوص أحكام العملات الورقية: أنها نقود اعتبارية فيها صفة الثمنية كاملة، ولها الأحكام المقررة للذهب والفضة من حيث أحكام الربا والزكاة والسلم، وسائر أحكامها”.

    وهذا يعني أن الربا يجري في الصرف في العملات الورقية كما يجري في الذهب والفضة، فعند التبادل بين فئتين من عملة بلد واحد مختلفتين يحرم التفاضل والنَساء، وعند اختلاف العملات بأن كانت هذه عملة بلد وتلك عملة بلد آخر يحرم النَساء ويجوز التفاضل، لأن كل عملة من هذه العملات جنس مستقل، وهذا يعني أنه لا تجوز المبادلة بين جنس واحد من الزيادة من أحد الطرفين، ولا بد أن يكون القبض في المجلس، أما إذا اختلفت الأجناس فإنه يجوز أن تكون إحدى العملتين زائدة على الأخرى بشرط التقابض في المجلس.

    ولا تجوز التجارة في العملات إذا منعتها الدولة لمصلحة محققة معلومة، لأن الدولة تنظر إلى مثل هذه القضايا بمنظار الصالح العام، وهم يرون ما لا يرى الأفراد، فإذا كانت التجارة في العملات منضبطة بالضوابط السابقة فلا مانع منها شرعاً، وإلا فلا

  • تقبيل واستمناء في نهار رمضان

    السلام عليكم ورحمة الله وبعد: لديَّ سؤالان:

    السؤال الأول: إذا قبَّل شخص زوجته في رمضان تقبيلاً مطولاً من غير أن يخرج منه شيء هل يترتب عليه شيء في هذا؟

    السؤال الثاني: شخص استمنى عمداً في رمضان ماذا يترتب عليه؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فالواجب على الصائم أن يحتاط لصومه ولا يعرضه لما يجرحه، ولذلك قرر علماؤنا كراهة القبلة والمباشرة لمن كان يملك نفسه ويأمنها ويعلم من حاله السلامة، أي من كان يعرف من حاله أنه لن يخرج منه شيء، ومن كان لا يملك نفسه فإنه تحرم القبلة والمباشرة في حقه؛ لما رواه مالك في الموطأ أنه بلغه أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت إذا ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبِّل وهو صائم، تقول: وأيكم أملك لنفسه من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال يحيى: قال مالك: قال هشام بن عروة: قال عروة بن الزبير: لم أر القبلة للصائم تدعو إلى خير.

    وأما الاستمناء فقد اعتبرَه أهلُ العلمِ تعدِّياً على حُدُودِ الله، كما ذكر الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في تفسيرِ قولِ الله عز وجل {والذين هم لفروجِهم حافظون + إلا على أزواجِهم أو ما ملكتْ أيمانُهم فإنهم غيرُ مَلومين + فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} أنّ هذه الآيات “تدلُّ بِعُمُومِها على مَنْعِ الاستِمناءِ باليد… لأنَّ مَنْ تلَذَّذَ بيدهِ حتى أنزَلَ منِيَّهُ بذلك؛ فقد ابتغَى وراء ما أحلَّهُ اللهُ؛ فهو من العادِين بنصِّ الآيةِ الكريمة”. أضواء البيان في إيضاحِ القرآنِ بالقرآن للشنقيطي 5/316.

    والإثم يتضاعف إذا حصل ذلك في أثناء الصوم المفروض؛ وعليه فإن المطلوب ممن فعل ذلك أن يتوب إلى الله تعالى مما كان، ويقضي مكان ذلك اليوم يوماً، والله الموفق والمستعان.

  • رهن قطعة أرض للبنك

    أنا راهنٌ قطعة أرض للبنك وأريد أن أشتري سيارة مقابل الرهن مع العلم بأن البنك يأخذ فائدة مقابل المعاملة من القيمة الكلية ثم يأخذ مني مقدماً أيضاً فما هو رأي الدين في ذلك؟ وشكرا وعظم الله أجركم..

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فأما الرهن فمشروع بقوله تعالى {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة} ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعامل بالرهن، وقد توفي ودرعه مرهونة عند يهودي، وكون البنك يشتري لك سيارة بصيغة بيع المرابحة للآمر بالشراء؛ وترهن له قطعة أرض أو غيرها؛ لضمان الوفاء بما عليك من قيمة السيارة لا حرج فيه؛ ويقيناً لا بد أن يستفيد البنك؛ بمعنى أنه لن يبيع لك السيارة بالثمن الذي اشتراها به، بل لا بد أن يربح من بيعها لك؛ فالمعاملة مشروعة إن شاء الله ولا حرج فيها، والله تعالى أعلم.

  • مس المصحف دون وضوء

    هل يجوز مس المصحف من غير وضوء للتعلم؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالأصل أنه لا يجوز مس المصحف إلا على طهارة كاملة؛ لقوله تعالى {لا يمسه إلا المطهرون} وقول النبي صلى الله عليه وسلم “لا يمس القرآن إلا طاهر” وقد أجاز بعض أهل العلم للمعلم والمتعلم أن يمسا القرآن على غير وضوء؛ وذلك لأجل التخفيف عليهما، ولأن دين الله مبني على اليسر {يريد الله بكم اليسر ولا يربد بكم العسر} والله تعالى أعلم.

زر الذهاب إلى الأعلى