خطب الجمعة

خطر فكر المداخلة

خطبة الجمعة 11-07-2025

الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير. يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن نبينا وإمامنا وعظيمنا محمدًا رسول الله، الرحمة المهداة والنعمة المسداة، والسراج المنير والبشير النذير، أرسله ربه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه الذين عزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، أولئك هم المفلحون.

أما بعد أيها المسلمون عباد الله، فإن التاريخ وعاء لقدر الله عز وجل، يصنعه الأخيار والأشرار، الأبرار والفجار. إذا ذكرت قصة آدم عليه السلام فإنه يذكر فيها إبليس، وإذا ذكر صالح نبي الله عليه السلام فإنه يذكر معه عاقر الناقة دار ابن سالف، وإذا ذكر محمد صلى الله عليه وسلم فإنه يذكر معه أبو لهب وأبو جهل وعقبة ابن أبي معيط وأمية ابن خلف والأخنس ابن شريق وغيرهم ممن عادوا الله ورسوله.

أيها المسلمون عباد الله، أعظم ابتلاء ابتلي به الإسلام المنافقون، هؤلاء الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، هؤلاء الذين يعيشون بين الناس بوجهين، كما قال ربنا جل جلاله: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: 143]. المنافق الذي يخالف مظهره مخبره، ومدخله مخرجه، وسره علانيته، ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: 14].

بلية الإسلام بهذا الصنف عظيمة، فإنهم في العهد الأول آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا يقولون عنه هو أذن، وكانوا يحضرون مجلسه صلوات ربي وسلام عليه، ثم إذا خرجوا من عنده سخروا وقال بعضهم لبعض: ماذا قال آنفًا؟ أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم.

هؤلاء المنافقون أيها المسلمون عباد الله، أرادوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ﴿يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَٰمِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا ۚ وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 74]. هؤلاء المنافقون في عهد النبوة كانوا يعيشون في هلع وفزع، خشية أن يفضح الله سرائرهم، وأن يظهر خباياهم، ﴿يَحْذَرُ ٱلْمُنَٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: 64].

فلما التحق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى، وغادر هذه الفانية راضيًا مرضيًا، بعد أن بلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاهد في الله حق جهاده، بزغ نجم النفاق، أظهروا سرائرهم، وكان المظهر الأول لذلك أن منعوا الزكاة وقالوا: كنا نؤديها لمن كانت صلاته سكنًا لنا، أما وقد مات فإنا لا نؤدي الزكاة، هكذا أعلنوها صريحة.

قام في وجه هؤلاء الفتانين الميالين الصديق أبو بكر رضي الله عنه، خير هذه الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي قال: والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالًا أو عناقًا كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه، والله لأقاتلنهم حتى تساوت يميني، ولو خالفتني يميني لقاتلتهم بشمالي. فلما وجد الصحابة هذه العزيمة الماضية وهذه النية القوية من الصديق أبي بكر رضي الله عنه، قاموا معه في قتال هؤلاء الذين مالوا عن الحق وزاغوا عن دين الله وأرادوا أن يميتوا شعيرة من شعائر الإسلام، حتى ردهم الله على أعقابهم، قتل منهم من قتل وأظهر التوبة من أظهرها.

هل انتهت بلية الإسلام بهؤلاء المنافقين عند هذا الحد؟ اللهم لا. لما كان عهد أبي بكر رضي الله عنه، لو أن سائلًا سأل: لم لم تكن الفتوحات في عهد أبي بكر كبيرة؟ لم لم تشمل بلاد فارس كلها وبلاد الروم؟ بأي شيء شغل أبو بكر رضي الله عنه سنتين وبضعة أشهر وهي مدته؟ شغل بهؤلاء المنافقين الذين أرادوا أن يبدلوا دين الله عز وجل.

فلما مات أبو بكر وآل الأمر إلى عمر رضي الله عنه، فقمع هؤلاء المنافقون وذلوا غرابة، فإن عمر كان فاروقًا فرّق الله به بين الحق والباطل، ما رآه الشيطان سالكًا فجًا إلا وسلك فجًا آخر. لكن بعد ذلك قتل عمر رضي الله عنه، بعد ثمان سنوات كانت عدلًا ورحمة وبرًا وقسطًا، ومقتله رضي الله عنه كان على يد رجل مجوسي كافر يقال له فيروز أبو لؤلؤة، كان غلامًا للمغيرة بن شعبة، لكن حامت الشبهة حول رجلين، أحدهما يقال له الهرمزان، وهو من الفرس، وكان قد أعلن الإسلام بين يدي عمر، والآخر يقال له جفينة وكان نصرانيًا، فبادر عبيد الله ابن عمر رضي الله عنه إلى قتل هذين الرجلين ثأرًا لعمر رضي الله عنه، وسيكشف الأمر يوم تؤتى السرائر، هل كان لهما دور أو لم يكن؟ لكن تحوم حولهما شبهات.

فلما كان زمان عثمان عليه من الله الرضوان، وصار المسلمون يغزون في البحر بعد ما كانوا يغزون في البر، صنع أسطول إسلامي بحري كبير، ما أتت عليه إلا سنوات معدودات حتى كان يجتاح الممالك ويسقطها ويدخل في دين الله أفواجًا، كما قال ابن خلدون رحمه الله: كان الأسطول الإسلامي يضوى على الأسطول البيزنطي كما يضوى الأسد على فريسته. وكان الناس في رخاء ونعمة، بدأ هؤلاء المنافقون يثيرون حول عثمان الشبهات، بأن عثمان قد ولّى أقاربه، وأن عثمان قد حرق المصاحف، وأن عثمان لم يشهد بدرًا، وأنه فر يوم أحد، وأنه جلد عمارًا، وأنه رد الحكم ابن أبي العاص إلى المدينة بعد أن نفاه عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه وأنه وأنه، ما زالوا يثيرون هذه الأقاويل حتى تجمع فئام من الرعاع، وكانت النهاية المأساوية أن قتل الخليفة الراشد الذي كان يستحي منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي قال: استحيوا من رجل تستحي منه الملائكة، عثمان عليه من الله الرضوان، الذي اشترى بئر رومة وجعلها وقفًا للمسلمين، الذي جهز جيش العسرة، الذي بايع عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان، لما كان غائبًا في سفارة بين المسلمين وبين قريش، وبايع المسلمون النبي صلى الله عليه وسلم، ضرب عليه الصلاة والسلام بإحدى يديه على أخرى وقال: اللهم هذه عن عثمان. نسي هؤلاء الرعاع ذلك التاريخ الناصع، وآذوا ذلك وتلك الأمور المشرقة، وعدوا على عثمان رضي الله عنه، فذبح ذبح الشاة. من كان الأصل في هذه الفتنة؟ رجل أظهر الإسلام نفاقًا من يهود اليمن يقال له عبدالله بن سبأ، وكان يلقب بابن السوداء. وما زالت هكذا، ما اجتمع الناس على خليفة بعد عثمان عليه من الله الرضوان.

أيها المسلمون عباد الله، أسأل الله عز وجل أن يطهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة، إنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. توبوا إلى الله واستغفروا. الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله إله الأولين والآخرين، وأن محمدًا عبده ورسوله النبي الأمين. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين، وآل كل وصحب كل أجمعين، وأحسن الله ختامي وختامكم وختام وحشر الجميع تحت لواء سيد المرسلين.

أما بعد أيها المسلمون، فاتقوا الله حق تقاته، وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون. واعلموا إخوتي في الله أن من فتن هذا الزمان ما برع فيه المنافقون من استنباط طائفة من بين المسلمين، هذه الطائفة همها المقعد المقيم، وشغلها الشاغل الطعن في خاصة المسلمين من العلماء والدعاة إلى الله والمجاهدين في سبيل الله أحياء وأمواتًا. هذه الفرقة سلم منها اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا، سلم منهم أعداء الإسلام قاطبة، لكنهم سلطوا ألسنتهم، وكان بأسهم شديدًا على من؟ على كل عامل للإسلام. هذه الفرقة أرادت أن تجعل من الناس عبيدًا للحكام، يطيعونهم في الخير والشر، في السنة والبدعة، في المعصية والطاعة، حتى قال قائلهم الزائغ المبطل: إن الحاكم لو خرج يزني على الهواء لمدة نصف ساعة فواجب على الناس طاعته، وهو قول عياذًا بالله ما سبقه إليه أحد من الأولين، قول منكر باطل. بدأوا يشيعون بين الناس أن كل آمر بالمعروف وناه عن المنكر فإنه خارجي كلب من كلاب أهل النار إلى آخر تلك التهم الباطلة. وصار حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام ممن لم يعرف عنهم علم ولا عمل، يرفع الواحد منهم عقيرته، خواص أهل الإسلام وأفاضلهم والتشنيع عليهم.

ألا فاعلموا أيها المسلمون عباد الله، أن المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، وأن المهاجر من هجر ما نهى الله عنه. السعيد من لقي الله عز وجل طاهرة يداه من دماء المسلمين، عفيفًا لسانه عن أعراض المسلمين، خميصة بطنه من أموال المسلمين، هذا الذي يفوز يوم يقوم الأشهاد. أسأل الله عز وجل أن يسلمنا وأن يسلم الناس منا، أسأل الله عز وجل أن يجعل قلوبنا سليمة للمسلمين أجمعين، وأن يجعلنا إخوانًا متحابين، ممن يقولون بالحق وبه يعدلون. اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً ولا تجعلنا أتباعه. اللهم املأ قلوبنا من الإيمان وأجسادنا من الصحة وجوارحنا من الطاعة وأيدينا من الخير. اللهم اغننا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، يا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك، يا ولي الإسلام وأهله ثبتنا به حتى نلقاك.

اللهم يا دعاء يا قريب الرجاء، يا خير المسؤولين ويا خير المعطين، يا غياث المستغيثين يا أمان الخائفين، نسألك لإخواننا في غزة صبرًا جميلاً، وفرجًا قريبًا، وعافية من البلايا، عن الناس اللهم احرسهم بعينك التي لا تنام، واكلأهم بركنك الذي لا يضام، وارحمهم بقدرتك عليهم، فلا يضارون وأنت رجاؤهم. اللهم عليك بالصهاينة الظالمين، اللهم احصهم عددًا واقتلهم بددًا ولا تغادر منهم أحدًا، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، وأرنا فيهم عجائب قدرتك يا رب العالمين. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع الآل والصحب أجمعين، وأقيموا الصلاة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى