الفتاوى

  • تضييع صلاة الجمعة بسبب العمل

    أعمل بنظام الورديات في مصنع كبير لا يوجد به مسجد، ويحظر عليَّ الابتعاد عن المصنع أثناء الوردية لحساسية العمل الذي أقوم به، فإذا صادفت وردية الصباح يوم الجمعة ضاعت عليَّ صلاة الجمعة، أفيدوني أسأل الله لي ولكم الصحة والعافية.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فمن كان في عمل يحتاج لوجوده ولا يستطيع الخروج عنه لكونه عملاً مهماً يحتاج إلى متابعة – وذلك كطبيب يلازم مريضاً ويخشى عليه إن تركه، أو حارس مرابط على ثغر من ثغور المسلمين أو منشأة من منشآتهم المهمة؛ فإنه معذور في تركه صلاة الجمعة، ويأتي ببدلها الذي هو صلاة الظهر، ولا تتناوله النصوص المحذِّرة من ترك الجمعة؛ لأنه ما تركها تهاوناً بل اضطرارا أو لحاجة، ولكونه يباشر عملاً تعود مصلحته على غيره من المسلمين، والله تعالى أعلم.

  • سب الدين!!

    فضيلة الشيخ: نحن نعمل في أحد المرافق الصحية فطلب أحد الزملاء من أحد العمال شيئاً من المعدات الطبية مثل منظار مثلا؛ فعندما تأخر ذلك المنظار قام هذا الزميل بسب الدين للمنظار!! فما كان من العامل إﻻ أن رفع شكوى ﻹدارتنا بأن فلاناً سب الدين وهو بعبارته خارج من دين محمد صلى الله عليه وسـلم؛ فقام المدير الطبي للمرفق الصحي بوقف زميلنا ذلك في الحال غيرة على الدين وخوفاً من تفشي هذا الخلق بين أفراد المؤسسة..

    قام الرئيس المباشر لزميلنا بالاحتجاج علي التوقيف بقوله: إنه سب الدين لجماد وليس للعامل.. وقام هو بنفسه بسب الدين للموبايل الذي بيده والطبلة التي بالباب مستدﻻً على أن هذا أمر طبيعي وليس فيه تجاوز على الفرد أو الدين لأن الجمادات ليس عندها دين.. وأردف قائلا: (حتى لو سب الدين عدييل إنتو الدين حقكم إنتو مالكم ومال الدين لو سب واحد فيكم بعد داك ازعلو)..

    فضيلة الشيخ: ما حكم ما فعله زميلنا؟ وما حكم ما احتج به رئيسه المباشر في دفاعه؟ أفتونا مأجورين.. والله المستعان.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالمسلم حقاً عَفُّ اللسان؛ ليس بطعان ولا لعان ولا فاحش ولا بذيء، والمسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده؛ وهذا الذي يسب الدين إنما ينادي على نفسه بنقص الإيمان وقلة الخوف من الله، وليس صحيحاً ما قاله رئيسه المباشرُ المكابرُ المتعاونُ مع مرؤوسه على الإثم والعدوان من أن الجمادات لا دين لها، بل إنه – بهذا القول – ينادي على نفسه بالجهل؛ لأن الله تعالى ذكر عن هذه الجمادات أنها مسبِّحة بحمده فقال جل جلالـه {تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم} وقال سبحانه {ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس} وقال سبحانه {والنجم والشجر يسجدان} وقال سبحانه {وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يهبط من خشية الله} وقال {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله} فما بال صاحبكم يقول ما لا يعلم ويهرف بما لا يعرف، ويبرر لذلك الأثيم ما وقع فيه من الشر العظيم؟

    إن واجباً على الرجلين كليهما أن يتوبا إلى الله تعالى مما قالا، وظني أن الثاني أعظم إثماً من الأول؛ لأنه مناصر لصاحبه بالباطل؛ وقد أخذته العزة بالإثم؛ ثم إن قوله: الدين حقكم!! دليل مرض قلب والعياذ بالله، كأنه يقول: إذا سب شخص أباك وأمك جازت لك الشكوى؛ أما إذا سب دين الله فالدين ليس ملكاً لأحد، وبذلك يفتح باباً للطعن في الدين وسبه بالليل والنهار، نعوذ الله من الهوى، ونسأله السلامة والعافية.

  • صلاة النافلة في السيارة

    بارك الله فيكم، هل يجوز أن أصلي النافلة جالسًا وأنا في سيارة إلى غير اتجاه القبلة بعد أن صلينا المغرب في جماعة لأننا كنا في عجلة من أمرنا علما بأن مسيرنا لم يكن سفرًا؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فلا حرج على المسافر أن يتنفل في السيارة أو الطيارة أو الدابة التي يركبها إلى غير اتجاه القبلة؛ لما ثبت في الصحيحين من حديث عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ» زاد البخاري “يوميء برأسه” أي في ركوعه وسجوده، والْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ النَّافِلَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَإِنْ فَاتَهُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى مَحْمَلٍ أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ السَّفَرُ طَوِيلًا أَوْ قَصِيرًا إلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ رَزِينٍ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ زِيَادَةَ: “فِي سَفَرِ الْقَصْرِ” وَذَهَبَ إلَى شَرْطِيَّةِ هَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ، بَلْ يَجُوزُ فِي الْحَضَرِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَنَسٍ مِنْ قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ.

    ولعل القول بجواز النافلة على الدابة في الحضر يظهر رجحانه بما علم من أدلة الشرع أن النفل أوسع من الفرض؛ حيث تجوز النافلة من جلوس وإن كان قادراً على القيام؛ والمقصود أن في النافلة تسامحاً وتساهلاً ليس في الفريضة، وعليه فلا حرج في التنفل في السيارة وإن في الحضر، خاصة أن بعض المشاوير قد يطول البقاء بها في السيارة، والله تعالى أعلم.

  • اخراج الجن بالجن

    هل يجوز استخراج الجن بالجن؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فلا يجوز الاستعانة بالجن لاستخراج جن؛ لأن هذا باب للفساد عظيم؛ لأن الجن عالم غيبي لا يدرك بالحواس، ولا ندري مؤمنهم من كافرهم، ولا برهم من فاجرهم، وقد تفضي الاستعانة بهم إلى الوقوع في أبواب من الشرك، وألوان من المعاصي، وكم من إنسان سلك هذا المسلك فأفضى في آخر أمره إلى ادعاء علم الغيب، أو الوقوع في أنواع من الفساد الأخلاقي، ومعلوم أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وسد الذرائع المفضية إلى الشرك والمعاصي أصل مرعي في سائر الأحكام، والله تعالى أعلم.

  • هل التدخين يمنع إجابة الدعاء؟

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل السجائر من موانع استجابة الدعاء؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فتناول السجائر أو التبغ عموماً معصية لله عز وجل؛ لما يترتب عليها من إتلاف الصحة وإهلاك النفس وتبذير المال وإنفاقه في غير وجهه الذي أمر الله بإنفاقه فيه؛ لكن المعاصي عموماً ليست من موانع إجابة الدعاء، سوى ما جاء التنصيص عليه كأكل الحرام والدعاء بالإثم وقطيعة الرحم، والله تعالى أعلم.

  • صيغة التشهد

    أرجو إفتائي في أمر بداية التشهد هذا، هل هو صحيح أم خطأ؟ التحيات لله والزاكيات لله والطيبات والصلوات لله… أم هذا: التحيات لله والصلوات والطيبات… أو أرجو إعطائي التشهد الصحيح، وإن كانت الصيغ السابقة خطأت فماذا يحدث لصلواتي السابقة؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فصيغ التشهد ثابتة من رواية عبد الله بن مسعود وعمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم ففي رواية  ابن مسعود قال: كنا إذا صلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم قلنا: السلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلان وفلان؛ فالتفت إلينا رسول  الله صلى الله عليه وسلم فقال {إن الله هو السلام؛ فإذا صلى أحدكم فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله} رواه البخاري ومسلم، قال الترمذي رحمه الله: حديث ابن مسعود روي عنه من غير وجه، وهو أصح حديث روي في التشهد والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم. وقال البزار لما سئل عن أصح حديث في التشهد قال: هو عندي حديث ابن مسعود.

    وفي رواية عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يعلِّم الناس التشهد يقول: قولوا {التحيات لله الزاكيات لله الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله} رواه مالك في الموطأ، وفي رواية عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول إذا تشهدت: التحيات الطيبات الصلوات الزاكيات لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين} رواه مالك في الموطأ، قال الباجي رحمه الله تعالى: وهذا تشهد عمر رضي الله عنه الذي اختاره مالك رحمه الله تعالى؛ لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه علَّمه للناس على  المنبر بحضرة جماعة الصحابة وأئمة المسلمين ولم ينكره عليه أحد ولا خالفه فيه ولا قال له إن غيره من التشهد يجري مجراه فثبت بذلك إقرارهم عليه وموافقتهم إياه على تعيينه، وقال الداودي: إن ذلك من مالك رحمه الله على وجه الاستحسان وكيفما تشهد المصلي عنده جائز وليس في تعليم عمر الناس هذا التشهد منع من غيره.ا.هـ وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: هذا الاختلاف إنما هو في الأفضل ونقل جماعة من العلماء الاتفاق على جواز التشهد بكل ما ثبت.ا.هـ

    والتحيات معناها السلام، وقيل: البقاء، وقيل: العظمة، وقيل: السلامة من الآفات والنقص، وقيل: المعنى أنواع التعظيم لله، والصلوات: قيل: المراد الخمس، أو ما هو أعم من ذلك من الفرائض والنوافل في كل شريعة، وقيل: المراد العبادات كلها، وقيل: الدعوات، وقيل: المراد الرحمة، وقيل: التحيات العبادات القولية والصلوات العبادات الفعلية، والطيبات: الصدقات، وقيل: الطيبات: أي ما طاب من الكلام وحسن أن يثنى به على الله دون ما لا يليق بصفاته مما كان الملوك يحيون به، وقيل: الطيبات ذكر الله، وقيل: الأقوال الصالحة كالدعاء والثناء، وقيل: الأعمال الصالحة، وقال القرطبي رحمه الله: قوله: لله، فيه تنبيه على الإخلاص في العبادة؛ أي أن ذلك لا يفعل إلا لله، وقوله: السلام عليك أيها النبي، قال البيضاوي: علَّمهم أن يفردوه صلى الله عليه وسلم بالذكر لشرفه ومزيد حقه عليهم. والله تعالى أعلم.

  • مسافة المرور بين يدي المصلي

    ما المسافة التي تفصل أمام الصلاة من المكان لغير المصلي (المكان أمام الصلاة)؟ وحكم وضع الأداة التي تفصل ذلك.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد وردت الأحاديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم بمنع المرور بين يدي المصلي؛ ففي الصحيحين {لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خير له من أن يمر بين يديه} وقد فسر (الأربعين) بأنها: أربعين سنة

    وعلى المصلي – إن كان منفرداً أو مأموما – أن يتخذ سترة تمنع المرور بين يديه؛ كأن يصلي إلى عمود أو مقعد أو حائط أو يطرح عصا ونحو ذلك؛ ؛وإن كان في أرض ولم يجد سترة خط خطًّا لقوله صلى الله عليه وسلم {إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن منها} أخرجه أبو داود عن أبي سعيد رضي الله عنه بإسناد صحيح، وقوله عليه الصلاة والسلام {إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا، فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يكن فليخط خطا ثم لا يضره من مر بين يديه} أخرجه أحمد وابن ماجه وابن حبان، وقال ابن حجر في بلوغ المرام: ولم يصب من زعم أنه مضطرب، بل هو حسن.ا.هـــــ

    أما المأموم فسترة الإمام سترة له؛ قال البخاري رحمه الله: باب سترة الإمام سترة لمن خلفه. وعن ابن عباس قال : أقبلت راكبا على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، وأرسلت الأتان ترتع، فدخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي. أخرجه البخاري ومسلم.

    وقد حدد العلماء ارتفاع السترة بنحو ذراع؛ وهو ما يعادل 261 سم، وذلك على سبيل التقريب تفسيراً لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث طلحة رضي الله عنه {إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل ولا يبالي من مر وراء ذلك} أخرجه مسلم.

    وآخرة الرحل تختلف في الطول والقصر، فتارة تكون ذراعا، وتارة تكون أقل منه، ويجوز أن تكون السترة دقيقة كالسهم والحربة، وغليظة كالحائط، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستتر بالعنزة، والعنزة عصا أقصر من الرمح لها سنان.

    وإذا لم يتخذ المصلي سترة فليس له إلا موضع سجوده، أي لا يجوز المرور في المسافة التي بين رجليه وموضع سجوده؛ ويجوز لمن أراد أن يجتاز أن يمر فيما يلي موضع سجوده، وذلك لأن النهي الوارد في الحديث إنما هو في المرور بين يدي المصلي، وما يلي موضع سجوده ليس بين يديه، ولأنه لا يستحق أكثر مما يحتاج إليه في صلاته؛ فليس له الحق أن يمنع الناس مما لا يحتاجه كما قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في الشرح الممتع. والله تعالى أعلم.

  • هل يصل ثواب قراءة القرآن إلى الميت؟

    نحن ـ جمعية الصلاة على الرسول ـ وقد تناقشنا مع إحدى الأخوات التي زارتنا لإقامة درس عن الموتى وكيفية الترحم عليهم، وقالت:

    1. القرآن لا يصل إلى الميت فهل هذا صحيح؟
    2. لا يجوز قراءة الفاتحة وإهداء ثوابها للميت لأنها لا تصل إليه
    3. الدعاء فقط بدون آيات قرآن

    ونحن نسأل هل هذا صحيح؟ وهل عمل ختمة القرآن للميت غير صحيح؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    ففي وصول ثواب قراءة القرآن إلى الميت خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى؛ حيث ذهب بعضهم ـ وهم أحمد بن حنبل وكثير من أصحاب مالك والشافعي ـ إلى وصولها، ونسب ذلك السيوطي للأئمة الثلاثة ـ أبي حنيفة ومالك وأحمد ـ حيث قال: الأئمة الثلاثة على وصول ثواب القراءة للميت، ومذهبنا خلافه لقوله تعالى {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} انظر: الإتقان 1/132، وقد استدلوا على ما ذهبوا إليه بأدلة منها:

    أولاً: قياساً على ما ثبت نصاً كالحج والعمرة والدعاء، حيث وردت الأحاديث الصحيحة بجواز إهداء ثواب بعض الأعمال كالحج، والصدقة والصوم إلى الميت، ولم تذكر هذه الأحاديث كل الأعمال، فألحقوا ما لم يُذكر بما ذُكر وهذا من باب إلحاق النظير بنظيره لوضوح علته، وهو أن من ملك شيئاً جاز له إهداؤه، فقالوا: يجوز أن يهدي القارئ ثواب قراءته رجاء قبولها للميت المسلم، وهذا نوع من الاستنباط الذي جرى عليه العلماء، منهم العلامة ابن القيم في كتاب الروح.

    ثانياً: بما ورد في حديث عائشة رضي الله عنها قالت {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوّذ نفسه بالمعوذات؛ فلما ثقل به المرض كنت أنا أُعوذه بهما وأضَع يده على جسده رجاء بركتها} قال السيوطي رحمه الله تعالى: فهل قراءة المعوذتين إلا نيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كان يفعله بنفسه؟ فإذا صحت النيابة في التعوذ والتبرك بالقرآن فلماذا لا تصح في ثواب القراءة؟

    ثالثاً: أن الأمر لا يعدو كونه دعاء، وذلك أن القارئ يقرأ ثم يدعو الله بأن يجعل ثواب ما قرأ لفلان من الناس. قَالَ ابن الحاج المالكي رحمه الله تعالى فِي الْمَدْخَلِ: مَنْ أَرَادَ وُصُولَ ثَوَابِ الْقِرَاءَةِ بِلَا نِزَاعٍ فَلْيَجْعَلْ ذَلِكَ دُعَاءً بِأَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ صِلْ ثَوَابَ ذَلِكَ. انظر: شرح مختصر خليل للخرشي (ج 5/ص468) قال النفراوي رحمه الله تعالى: وَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ لِلْمَيِّتِ ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ وَلِلْقَارِئِ ثَوَابُ الدُّعَاءِ. انظر: الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (ج 3/ ص283)

    رابعاً: قياساً على انتفاع الحي بالقرآن، قال السبكي رحمه الله تعالى: الذي دلَّ عليه الخبر بالاستنباط أن بعض القرآن إذا قصد به نفع الميت وتخفيف ما هو فيه، نفعه، إذ ثبت أن الفاتحة لما قصد بها القارئ نفع الملدوغ نفعته، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: وما يدريك أنها رقية؟ وإذا نفعت الحي بالقصد كان نفع الميت بها أولى ا.هــ. انظر: إعانة الطالبين (ج 3/ ص258) ورُدَّ عليه بأن الكلام ليس في مطلق النفع، بل في حصول ثوابها له، وهذا لا يدل عليه حديث الملدوغ.

    خامساً: الاستدلال بعمل المسلمين في سائر الأمصار من غير نكير. ففي المغني لابن قدامة المقدسي: قال أحمد بن حنبل: الميت يصل إليه كل شيء من الخير، للنصوص الواردة فيه، ولأن المسلمين يجتمعون في كل مصر، ويقرؤون، ويُهدون لموتاهم من غير نكير، فكان إجماعاً. ا.هـ .

    سادساً: أن من عمل عملاً ملك ثوابه ومن ملك شيئا فله أن يهبه ما لم يقم بالموهوب له مانع من الانتفاع بالثواب ولا يمنع منه إلا الكفر والموت ليس بمانع بدليل وصول الدعاء

    وهذا هو مذهب الحنفية والحنابلة وبعض متأخري المالكية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما، وهو اختيار المحب الطبري وابن الصلاح والنووي من الشافعية، وقد أفتى به من المتأخرين العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمهم الله جميعاً

    وها هنا لا بد من التنبيه إلى أن الرواية عن مالك رحمه الله تعالى في هذه المسألة مختلفة؛ قال العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى: وحكى ابن الفرس عن مذهب مالك أن من قرأ ووهب ثواب قراءته لميت جاز ذلك ووصل للميت أجرُه ونفعُه. فما ينسب إلى مالك من عدم جواز إهداء ثواب القراءة في كتب المخالفين غير محرر. انظر: التحرير والتنوير 14/199

    وذهب آخرون ـ وعلى رأسهم الإمام الشافعي ـ إلى عدم وصول ثوابها، واستدلوا على ذلك بما يلي:

    أولاً: قوله تعالى {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} حيث إن دلالة الآية ظاهرة في أن الإنسان لا ينتفع إلا بسعي نفسه ما تسبب به في حياته.

    ورد عليه بأن ظاهر الآية لا يدل على أن الميت لا ينتفع بالثواب؛ فإن الله تعالى قال {ليس للإنسان إلا ما سعى} وهذا حق، فإنه إنما يستحق سعيه، فهو الذي يملكه، كما أنه لا يملك من المكاسب إلا ما اكتسبه هو، وأما سعي غيره فهو حق وملك لذلك الغير لا له، ولهذا الغير أن يهدي سعيه لمن شاء. فإنه ليس كل ما ينتفع به الحي أو الميت من سعيه، بل قد يكون من سعيه فيستحقه لأنه من كسبه، وقد يكون من سعي غيره فينتفع به بإذن صاحبه، كالدين الذي يوفيه الإنسان عن غيره فتبرأ ذمته.

    ثانياً: أن ذلك لم ينقل من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولا من فعل خلفائه الراشدين ولا أصحابه الطيبين رضي الله عنهم والخير كل الخير في اتباعهم. قال الإمام ابن كثير – رحمه الله – في “تفسيره” (4/401) معللاً سبب المنع من وصول ثواب القراءة “إنه ليس من عملهم، ولا كسبهم، ولهذا لم يندُب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته، ولا حثهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم ولو كان خيراً؛ لسبقونا إليه. وباب القربات يُقتصر فيه على النصوص، ولا يُتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء”

    وقد أطال الإمام ابن القيم رحمه الله النفس في الرد على هذا فقال: فإن قيل فرسول الله صلى الله عليه وسلم أرشدهم إلى الصوم والصدقة والحج دون القراءة!! قيل: هو لم يبتدئهم بذلك، بل خرج ذلك منه مخرج الجواب لهم، فهذا سأله عن الحج عن ميته فإذن له، وهذا سأله عن الصيام عنه فإذن له، وهذا سأله عن الصدقة فإذن له ولم يمنعهم مما سوى ذلك، وأي فرق بين وصول ثواب الصوم الذي هو مجرد نية وإمساك بين وصول ثواب القراءة والذكر؟ فإن قيل: فهذا لم يكن معروفاً في السلف ولا يمكن نقله عن واحد منهم مع شدة حرصهم على الخير ولا أرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم وقد أرشدهم إلى الدعاء والاستغفار والصدقة والحج والصيام فلو كان ثواب القراءة يصل لأرشدهم إليه ولكانوا يفعلونه!!

     فالجواب أن مُورد هذا السؤال إن كان معترفاً بوصول ثواب الحج والصيام والدعاء والاستغفار، قيل له: ما هذه الخاصية التي منعت وصول ثواب القرآن واقتضت وصول ثواب هذه الأعمال؟ وهل هذا إلا تفريق بين المتماثلات؟ وإن لم يعترف بوصول تلك الأشياء إلى الميت فهو محجوج بالكتاب والسنة والإجماع وقواعد الشرع… ثم قال:  وأما السبب الذي لأجله لم يظهر ذلك في السلف فهو أنهم لم يكن لهم أوقاف على من يقرأ ويهدي إلى الموتى، ولا كانوا يعرفون ذلك البتة، ولا كانوا يقصدون القبر للقراءة عنده كما يفعله الناس اليوم، ولا كان أحدهم يُشهد من حضره من الناس على أن ثواب هذه القراءة لفلان الميت، ثم يقال لهذا القائل: لو كُلِّفت أن تنقل عن واحد من السلف أنه قال: اللهم اجعل ثواب هذا الصوم لفلان، لعجزت فإن القوم كانوا أحرص شيء على كتمان أعمال البر فلم يكونوا ليشهدوا على الله بإيصال ثوابها إلى أمواتهم. انظر: الروح/143 وقال في موضع آخر: والقائل إن أحداً من السلف لم يفعل ذلك قائل مالا علم له به؛ فإن هذه شهادة على نفي ما لم يعلمه؛ فما يدريه أن السلف كانوا يفعلون ذلك ولا يُشهدون من حضرهم عليه؛ بل يكفي اطلاع علام الغيوب على نياتهم ومقاصدهم لا سيما والتلفظ بنية الإهداء لا يشترط كما تقدم.ا.هــ

    ثالثاً: قوله صلى الله عليه وسلم {إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له}

    ورُدَّ عليه بأن ذكر الولد ودعائه له خاصان، لأن الولد من كسبه كما قال تعالى {ما أغنى عنه ما له وما كسب} فقد فسر الكسب هنا بالولد، ويؤيد هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم {إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه} رواه أصحاب السنن. فلما كان الأب هو الساعي في وجود الولد كان عمل الولد من كسب أبيه، بخلاف الأخ والعم والأب ونحوهم فإنه ينتفع بدعائهم بل بدعاء الأجانب، لكن ليس ذلك من عمله. والنبي صلى الله عليه وسلم قال {انقطع عمله إلا من ثلاث..} ولم يقل أنه لا ينتفع بعمل غيره، فإذا دعا له ولده كان هذا من عمله الذي لم ينقطع وإن دعا له غيره لم يكن من عمل الوالد ولكنه ينتفع به

    ومن هنا يعلم أن في المسألة خلافاً قوياً بين أهل العلم، وأن الذي عليه جمهورهم هو القول بوصول ثواب القراءة للميت؛ وعليه فما ينبغي النكير على من فعله ولا على من أفتى به؛ بل لعل هذا هو الراجح والله أعلم.

    وأما عمل الختمة بما جرت عليه عادة الناس اليوم من اجتماعهم في بيت الميت، وإمساك كل واحد بجزء من القرآن يقرأ سراً، ويعتبرون ذلك ختمة للميت مع ما يتبع ذلك من صناعة الطعام؛ فإنه بدعة محدثة اشتملت على عدة محاذير منها:

    1. أنه لم يكن من فعل السلف رضي الله عنهم أنهم يجتمعون في بيت الميت على هذه الصفة، ولو كان لنقل
    2. أن الاجتماع في بيت الميت معدود في النياحة المنهي عنها؛ كما في حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه {كنا نعد الاجتماع في بيت الميت وصناعة الطعام من النياحة} رواه أحمد وابن ماجه
    3. أن هذا العمل لا يخلو من رياء ومجاملة، ومعلوم أن شرط القربة ـ لتقع من الله بموقع القبول ـ أن يبتغى بها وجه الله
    4. ما يقع من التكلف من قبل أهل الميت في صناعة الطعام وإثقال كاهلهم بتلك المصاريف الباهظة واعتقاد ذلك كله سُنَّةً
  • حكم المسح على الحذاء

    ذا

    بسم الله الرحمن الرحيم

    ما حكم المسح علي الحذاء؟ وهل هو المقصود به في حديث الخف؟ وجزاكم الله خيرا

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فلا حرج في المسح على النعلين إذا كانا ملبوسين على جوربين؛ لما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ في المسند والسنن ـ أنه توضأ فمسح على الجوربين والنعلين، قال أبو عيسى الترمذي رحمه الله تعالى: هذا حديث حسن صحيح وهو قول غير واحد من أهل العلم.ا.هـــــــ

    ولا بد أن تعلم أن المسح عليهما مقيد بشروط بعضها في الماسح وبعضها في الممسوح؛ فالماسح لا بد أن يكون قد لبسهما على طهارة كاملة، أي بعد أن يتوضأ، ولا بد أن يتقيد بمدة المسح التي هي يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليهن للمسافر؛ لحديث صفوان بن عسال رضي الله عنه قال: كنت في الجيش الذين بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرنا أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر ثلاثاً إذا سافرنا، ويوماً وليلة إذا أقمنا، ولا نخلعهما إلا من جنابة. رواه أحمد وأصحاب السنن، وأما الممسوح إذا كان خفاً أو نعلاً غير ملبوس على جوربين فلا بد أن يكون ساتراً لمحل الفرض الذي هو القدم كله إلى الكعبين.

    وصفة المسح هي أن يكتفي بالمسح على ظهر الخفين أو الجوربين أو النعلين مسحاً خفيفاً، ولا يمسح على باطنهما مما يلي الأرض. لما روى أبو داود وغيره أن علياً رضي الله عنه قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه. وله أن يمسح ظاهر قدمه اليمنى بيده اليمنى، وظاهر قدمه اليسرى بيده اليسرى مرة واحدة. والعلم عند الله تعالى.

     

  • أخذ الأجر على تدريس القرآن

    هل يجوز أخذ الأجر مقابل تدريس علوم القرآن؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالذي عليه جمهور العلماء هو جواز أخذ الأجرة على القُرَب ـ كالأذان والإمامة وتعليم العلم وإقراء القرآن ـ لقوله صلى الله عليه وسلم {إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله} رواه البخاري، ولحديث سهل بن سعد رضي الله عنه في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك؛ فقامت قياماً طويلاً؛ فقام رجل فقال: يا رسول الله زوِّجنيها إن لم يكن لك بها حاجة؟  فقال صلى الله عليه وسلم {هل عندك من شيء تصدقها إياه؟} فقال: ما عندي إلا إزاري هذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم {إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك فالتمس شيئا} فقال: ما أجد شيئا. فقال {التمس ولو خاتماً من حديد} فالتمس فلم يجد شيئاً؛ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم {هل معك من القرآن شيء؟} فقال: نعم سورة كذا وسورة كذا يسميها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم {قد زوجتكها بما معك من القرآن} وفي رواية {قد ملكتكها بما معك من القرآن} ولمسلم وفي رواية لأبي داود {علِّمها عشرين آية وهي امرأتك} ولأحمد {قد أنكحتكها على ما معك من القرآن} ووجه الدلالة من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل تعليم القرآن مهراً للمرأة.

    ثم إن المعلم يأخذ الأجرة على كونه قد حبس نفسه على تعليم العلم وإقراء القرآن، وقد منعه ذلك من السعي على قوته وقوت أهله، ولو مُنع من أخذ الأجرة لتعين عليه الضرب في الأرض سعياً على الرزق مما يفوت تفرغه للتعليم؛ فيحصل بذلك ذهاب العلم واندراس معالمه، والله تعالى أعلم.

زر الذهاب إلى الأعلى