الفتاوى

  • صلاة الحاجة

    صلاة الحاجة هل هي صحيحة؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فقد روى الترمذي وابن ماجة والحاكم من حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  (من كانت له إلى الله حاجة أو إلى أحد من بني آدم فليتوضأ فليحسن الوضوء ثم ليصلِّ ركعتين ثم ليثن على الله وليصلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم الحمد لله رب العالمين أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والغنيمة من كل بر والسلامة من كل إثم لا تدع لي ذنباً إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته ولا حاجة هي لك رضا إلا قضيتها يا أرحم الراحمين) وهذه الصلاة قد ذكرها أئمة الإسلام في دواوينهم كالنووي في المجموع والأذكار وابن قدامة في المغني وغيرهما من أهل العلم، والحديث المروي فيها لا يقل عن درجة الحسن؛ فهي مشروعة إن شاء الله، والله تعالى أعلم.

  • بناء سور حول القبر

    أرجو من فضيلتكم إفادتي بالحكم الشرعي في بناء سور حول القبر؛ سواء كان حديداً أو طوباً ووضع لافتة تحمل الاسم. وبخصوص زيارة المقابر صبيحة العيد؟ وهل يجوز تخصيص يوم للزيارة مثل كل جمعة أو كل خميس؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فزيارة القبور عمل مبرور، وقد أمر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فثبت عنه أنه قال {كنت نهيتكم عن زيارة القبور؛ ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة} ولا بأس بأن يجعل الإنسان للزيارة يوماً تناسب حاله وطبيعة عمله كنهاية الأسبوع أو بدايته مثلاً، والأمر في ذلك واسع. ولم يرد في خصوص الزيارة يوم العيد أمر ولا نهي، لكن ما ينبغي هذا التخصيص؛ إذ العيد يوم للفرح والسرور وصلة الأرحام من الأحياء؛ أما الموتى فزيارتهم في غير العيد أفضل.

    وما ينبغي بناء سور حول القبر لا من حديد ولا طوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تجصيص القبور والبناء عليها والكتابة عليها؛ ولا بأس بوضع علامة تميز القبر عن غيره، والعلم عند الله تعالى.

  • هل المكياج حرام؟

    هل المكياج حرام كالنمص؛ حتى ولو كان للزوج بما فيه من تغيير لخلقة الله؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فليس في مكياج الزوجة لزوجها حرمة، بل هي مأجورة على حسن تبعُّلها له، وحرصها على إعفافه؛ وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن المرأة الصالحة هي التي إذا نظر إليها زوجها سرته، وقد قالت أمنا عائشة رضي الله عنها لإحدى النساء (لو استطعت أن تخلعي عينيك من محجريهما وتضعي غيرهما لزوجك فافعلي) وشأن المكياج شأن الكحل والطيب وغيره مما كانت تتزين به المرأة في الزمان الأول، وليس هو كالنمص أو الوشم أو الوشر في تغيير خلق الله، والله تعالى أعلم.

  • أحلام وكوابيس تتحقق

    أولا: الشكر أجزله لكم لما ظللتم تقدموه من نصح وإرشاد للمسلمين ونفع الله بكم، كلي أمل أن تعاجلوني بالإجابة في حل هذه المحنة، وهي:

    أنني أرى أحلاماً وكوابيس تتحقق كما هي على أرض الواقع فأراها بأم عيني، ما حلمت بشيء إلا وقد حصل كما رأيته في المنام أسال الله العافية، حتى أني حلمت أنني سوف أتوفى في فترة معينة من عمري لم تأت بعد، علماً بأنني أعاني من مسٍّ منذ زمن بعيد ذو تأثير علي، وأحس أن مشكلتي هذه مرتبطة بهذا المس، والله إني مداوم على أذكار الصباح والمساء الواردة في السنة وعلى مذهب أهل السنة والجماعة، وأقرأ القرآن، وأحياناً أختم المصحف الشريف مرتين في الشهر، وأستمع للتلاوة أيضا، وألتزم السنة في كثير من تفاصيل حياتي اليومية، ماذا أفعل يرحمكم الله، فقد بت أخشى النوم، أنتظر إجابتكم بفارغ الصبر، وجزاكم الله خيرا.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فيا أخي استعن بالله ولا تعجز، وواظب على ما أنت فيه من عمل صالح من الأذكار وقراءة القرآن، وأكثر من الدعاء بأن يقدر الله لك الخير حيث كان، واعلم بأن الجن لا يعلمون الغيب؛ كما قال ربنا سبحانه ((قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)) وقال سبحانه ((فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ)) وهذا الذي يأتيك في منامك إنما هي رؤى صادقة، وقد قال عليه الصلاة والسلام {مضت النبوة ولم يبق إلا المبشرات} قيل: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال {الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو ترى له} قال المهلب: قال المهلب: التعبير بالمبشرات خرج للأغلب فإن من الرؤيا ما تكون منذرة وهي صادقة يريها اللّه المؤمن رفقاً به ليستعد لما يقع قبل وقوعه.ا.هـــــــ

  • النوم على جنابة

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته الشيخ عبد الحي، وكل عام وأنتم وجميع الأمة الإسلامية بخير، هل يجوز تأخير الغسل من الجنابة حتى الفجر أم يجب ذلك من الليل؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فلا حرج في تأخير غسل الجنابة إلى طلوع الفجر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينام بالليل وهو جنب دون أن يغتسل؛ ففي صحيح البخاري عن عَائِشَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ. وفي صحيح مسلم من حديث أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ. وفيه عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ «نَعَمْ إِذَا تَوَضَّأَ». والله تعالى أعلم.

  • حكم العمل في جهاز الأمن

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. نشكركم على مساعدة المسلمين عموماً على تبصيرهم بأمور دينهم ودنياهم..

    السؤال:-

    1- هل العمل جائز بجهاز الأمن سواء كنت عسكرياً أو متعاونا؟؟

    2- هل المرتب الذي أتقاضاه حلال؟؟ ولكم جزيل الشكر..

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فأسأل الله تعالى أن يزيدك ورعاً وتقى، وجواباً على سؤالك – أخي – أقول: إن وجود السلطان – ممثلاً في الجيش والشرطة والأمن والقضاء وما كان مثلها من أجهزة – أمر لا بد منه، ولا تستقيم حياة الناس بدونه؛ فلا بد للناس من إمرة برَّة أو فاجرة؛ وهذه الأجهزة كلها لا تخلو من مفاسد، لكن العبرة برجحان المصالح على المفاسد، والمنافع على المضار، ولو أن الطيبين والصالحين اعتزلوا العمل بها لما فيها من مفاسد لأفضى ذلك إلى شر عظيم؛ إذ سيغلب عليها أرباب الشر وأهل الفساد؛ ليعزوا من أذلَّ الله ويذلوا من أعزَّ الله، وعليه فلا حرج عليك في العمل في ذلك الجهاز، ما دامت نيتك إحقاق الحق وإبطال الباطل ونصرة المظلوم وإغاثة الملهوف، والمال الذي تجنيه من عملك – بهذه النية – حلالٌ إن شاء الله، وأعيذك بالله أن يكون غرضك من تلك الوظيفة التسلُّطَ على خلق الله أو نيل مأرب من الدنيا ليس إلا، وقد قال سبحانه {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب} والله الموفق والمستعان.

  • الدعاء الجماعي بعد حلقات العلم

    ما هو حكم الدعاء بصورة جماعية بعد حلقات العلم؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فحلق العلم من مظان الإجابة؛ لكونها محفوفة بالملائكة مغشية بالسكينة، وتتنزل على أهلها رحمات ربنا، وما زال أهل العلم الطيبون يختمون حلقهم بالدعاء ويؤمِّن على ذلك الحاضرون رجاء الإجابة، ومن أصح ما ورد في فضل الدعاء الجماعي في المسجد وغيره ما جاء في الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة  قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {إن لله تعالى ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله U تنادوا: هلموا إلى حاجتكم، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، فيسألهم ربهم وهو أعلم: ما يقول عبادي؟ قال: يقولون: يسبحونك، ويكبرونك، ويحمدونك، ويمجدونك، فيقول: هل رأوني، فيقولون: لا والله ما رأوك، فيقول: كيف لو رأوني؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تمجيداً وأكثر لك تسبيحاً، فيقول: فماذا يسألون؟ قال: يقولون: يسألونك الجنة، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصاً وأشد لها طلباً وأعظم فيها رغبة، قال: فمم يتعوذون؟ قال: يتعوذون من النار؟ قال: فيقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله ما رأوها، فيقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فراراً وأشد لها مخافة، قال: فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم، قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة، قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم}

    قال ابن تيمية رحمه الله: الاجتماع على القراءة والذكر والدعاء حسن إذا لم يتخذ سنة راتبة ولا اقترن به منكر من بدعة. انتهى وقد سئل الإمام أحمد رحمه الله: هل يكره أن يجتمع القوم يدعون الله ويرفعون أيديهم؟ قال: ما أكرهه للإخوان إذا لم يجتمعوا على عمد إلا أن يكثروا. انتهى قال ابن منصور: يعني يتخذوه عادة. وعليه فما ينبغي الإنكار على من دعا بعد حلق العلم ومجالس الذكر، والعلم عند الله تعالى.

  • قراءة القرآن للراقد

    السلام عليكم ورحمة الله جزاكم الله كل خير، وثبت أقدامكم، السؤال هو:-

    ما حكم قراءة القرآن وأنا راقد على السرير؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فلا حرج في قراءة القرآن من رقود؛ لقوله تعالى ((الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم)) وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتكئ في حجر عائشة رضي الله عنه فيرتل القرآن وهي حائض، والله تعالى أعلم.

  • التفسير التحليلي والموضوعي

    يذكر كثير من العلماء هذا تفسير تحليلي وهذا تفسير موضوعي فما المراد منها مع توضيح ذلك بالمثال؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالتفسير التحليلي يراد به أن تؤخذ كل آية أو مجموعة آيات على حدة فيذكر ما يتعلق بها من الإعراب وأوجه البلاغة وسبب النزول والمعنى الإجمالي والأحكام المستنبطة منها، وهذا النوع من التفسير تجده عند المتقدمين كما في تفسير ابن جرير وابن كثير والشوكاني وكذلك عند المتأخرين كما في التحرير والتنوير ـ لابن عاشور ـ والتفسير المنير ـ للزحيلي ـ  وأيسر التفاسير ـ للجزائري ـ وهو ظاهر أيضاً في التفسير المسموع للعلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى، وبعضهم يربو على بعض في  صدق هذا الوصف على تفسيره

    وأما التفسير الموضوعي فيراد به جمع الآيات الواردة في الموضوع الواحد وشرحها؛ كما في الكتب التي تناولت حقوق المرأة في القرآن أو الآداب الاجتماعية في سورة النور أو الحجرات، أو حقوق غير المسلمين في القرآن أو أخبار بني إسرائيل في القرآن، ونحو ذلك من الموضوعات، وهذا النوع هو الذي طغى على كتابات المتأخرين لسهولة تناوله من ناحية، ولأنه يلبي حاجات الناس من ناحية أخرى.

    والنوعان كلاهما يخدمان كتاب الله تعالى وبالناس إليهما حاجة، لأن القرآن لا تنقضي عجائبه، ومهما تطاول عليه الزمان فمعانيه تتجدد ولا يخلق على كثرة الرد، وقد يفتح الله على الآخر بما لم يفتح به على الأول؛ ولما قال أبو جحيفة لعلي بن أبي طالب t {هل عندكم شيء مما ليس في القرآن؟} فقال {لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في كتابه وما في هذه الصحيفة} قلت {وما في الصحيفة؟} قال {العقل وفكاك الأسير وألا يقتل مسلم بكافر} رواه البخاري.

  • كيف أتقن حفظ القرآن

    السلام عليكم ورحمة الله فضيلة الشيخ عبد الحي يوسف

    التحقت بمركز التحفيظ والحمد لله حفظت سورة البقرة ثم انتقلت إلى آل عمران وأتممتها والحمد لله، وها أنا أبدأ بحفظ سورة النساء إلا أني أشعر أن الحفظ قد ساء كثيراً بالرغم من أنني اجتزت الامتحانين بتفوق سؤالي كيف أحافظ على ما حفظت؟

    كما أن هناك آيات بها الكثير من التشابه بين السورتين كيف أفرق بينهما؟

    وهل أنتقل إلى النساء أم أتأنى حتى أتأكد من رسوخ السورتين في ذاكرتي أولا؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فبداية أذكر نفسي وإياك بحكمة يقول صاحبها:

    لا يبلغ المجد إلا سيد فطن لما يشق على السادات فعال

    لولا المشقة ساد الناس كلهم الجود يفقر والإقدام قتال

    وقول الآخر: لا تحسب المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا. ومرادي من إيراد هذه الكلمات تذكير نفسي والسائل الكريم بأن لطلب العلم مشقة؛ فلا بد له من بذل الجهد وتفريغ الوقت واستفراغ الوسع، مع الاستعانة بالله عز وجل واللجوء إليه وقرع أبوابه جل جلاله؛ وقد قيل للسيد الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: كيف بلغت ما بلغت من العلم؟ قال: بلسان سئول وقلب عقول، ذللت طالباً فعززت مطلوبا. وخير العلم كلام الله عز وجل ففيه خير الدنيا والآخرة، فاجتهد أحسن الله إليك في حفظ ما تيسر منه، ولعل الله يعينك على ختمه كله حفظاً واستظهارا، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، وقد كتب الشيخ عبد الرحمن بن عبد الخالق حفظه الله قواعد ذهبية تعين على حفظ القرآن الكريم، خلاصتها:

    أولاً: وجوب إخلاص النية، وإصلاح القصد، وجعل حفظ القرآن والعناية به من أجل الله سبحانه وتعالى والفوز بجنته وحصول مرضاته، ونيل تلك الجوائز العظيمة لمن قرأ القرآن وحفظه؛ فلا أجر ولا ثواب لمن قرأ القرآن وحفظه رياء أو سمعة، ولا شك أن من قرأ القرآن مريداً الدنيا طالباً به الأجر الدنيوي فهو آثم.

    ثانياً: تصحيح النطق والقراءة، ولا يكون ذلك إلا بالسماع من قارئ مجيد أو حافظ متقن، والقرآن لا يؤخذ إلا بالتلقي، فقد أخذه الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أفصح العرب لساناً من جبريل شفاهاً، وكذلك علمه الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه شفاهاً

    ثالثاً: تحديد نسبة الحفظ كل يوم؛ فيجب على مريد حفظ القرآن أن يحدد ما يستطيع حفظه في اليوم: عدداً من الآيات مثلاً، أو صفحة أو صفحتين من المصحف أو ثمناً للجزء وهكذا، فيبدأ بعد تحديد مقدار حفظه وتصحيح قراءته بالتكرار والترداد، ويجب أن يكون هذا التكرار مع التغني، وذلك لدفع السآمة أولاً، وليثبت الحفظ ثانياً. وذلك أن التغني بإيقاع محبب إلى السمع يساعد على الحفظ، ويعوِّد اللسان على نغمة معينة فتتعرف بذلك على الخطأ رأساً عندما يختل وزن القراءة والنغمة المعتادة للآية، فيشعر القارئ أن لسانه لا يطاوعه عند الخطأ، وأن النغمة اختلت فيعاود التذكر

    رابعاً: لا تجاوز مقررك اليومي حتى تجيد حفظه تماماً، ولا شك إن ما يعين على حفظ المقرر أن يجعله الحافظ شغله طيلة ساعات النهار والليل، وذلك بقراءته في الصلاة السرية، وإن كان إماماً ففي الجهرية، وكذلك في النوافل، وكذلك في أوقات انتظار الصلوات، وفي ختام الصلاة، وبهذه الطريقة يسهل الحفظ جداً ويستطيع كل أحد أن يمارسه ولو كان مشغولاً بأشغال كثيرة لأنه لن يجلس وقتاً مخصوصاً لحفظ الآيات وإنما يكفي فقط تصحيح القراءة على القارئ، ثم مزاولة الحفظ في أوقات الصلوات، وفي القراءة في النوافل والفرائض وبذلك لا يأتي الليل إلا وتكون الآيات المقرر حفظها قد ثبتت تماماً في الذهن

    خامساً: حافظ على رسم واحد لمصحف حفظك، وذلك بأن يجعل الحافظ لنفسه مصحفاً خاصاً لا يغيره مطلقاً وذلك أن الإنسان يحفظ بالنظر كما يحفظ بالسمع، وذلك أن صور الآيات ومواضعها في المصحف تنطبع في الذهن مع كثرة القراءة والنظر في المصحف

    سادساً: الفهم طريق الحفظ؛ فمن أعظم ما يعين على الحفظ فهم الآيات المحفوظة ومعرفة وجه ارتباط بعضها ببعض.

    ولذلك يجب على الحافظ أن يقرأ تفسيراً للآيات التي يريد حفظها، وأن يعلم وجه ارتباط بعضها ببعض، وأن يكون حاضر الذهن عند القراءة وذلك لتسهل عليه استذكار الآيات

    سابعاً: لا تجاوز سورة حتى تربط أولها بآخرها

    ثامناً: التسميع الدائم؛ يجب على الحافظ ألا يعتمد على حفظه بمفرده، بل يجب أن يعرض حفظه دائماً على حافظ آخر، أو متابع في المصحف، حبذا لو كان هذا مع حافظ متقن، وذلك حتى ينبه الحافظ بما يمكن أن يدخل في القراءة من خطأ، وما يمكن أن يكون مريد الحفظ قد نسيه من القراءة وردده دون وعي، فكثير ما يحفظ الفرد منا السورة خطأ، ولا ينتبه لذلك حتى مع النظر في المصحف لأن القراءة كثيراً ما تسبق النظر

    تاسعاً: المتابعة الدائمة؛ يختلف القرآن في الحفظ عن أي محفوظ آخر من الشعر أو النثر، وذلك أن القرآن سريع الهروب من الذهن، بل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها» متفق عليه. ولذلك فلا بد من المتابعة الدائمة والسهر الدائم على المحفوظ من القرآن، وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت» متفق يسعليه.

    عاشراً: العناية بالمتشابهات؛ فإن القرآن متشابه في معانيه وألفاظه وآياته. قال تعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله}. وإذا كان القرآن فيه نحواً من ستة آلاف آية ونيف فإن هناك نحواً من ألفي آية فيها تشابه بوجه ما قد يصل أحياناً حد التطابق أو الاختلاف في حرف واحد، أو كلمة واحدة أو اثنتين أو أكثر. لذلك يجب على قارئ القرآن المجيد أن يعتني عناية خاصة بالمتشابهات من الآيات، ونعني بالتشابه هنا التشابه اللفظي، وعلى مدى العناية بهذا المتشابه تكون إجادة الحفظ، ويمكن الاستعانة على ذلك بكثرة الاطلاع في الكتب التي اهتمت بهذا النوع من الآيات المتشابهة ومن أشهرها:

    1) درة التنزيل وغرة التأويل – بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز – للخطيب الإسكافي.

    2) أسرار التكرار في القرآن – لمحمود بن حمزة بن نصر الكرماني.

    والله الموفق والمستعان.

زر الذهاب إلى الأعلى