الفتاوى

  • ما هو النمص؟

    هل يدخل في النمص إزالة شعر الوجه؟ وسمعت أن إزالة شعر الحاجب بالموس أو غيرها حلال لأن معنى النمص النتف بالملقاط ونحوه!! فما صحة هذا الكلام؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فإن النمص ـ على ما ذكره أهل اللغة ـ هو نتف الشعر وإزالته. انظر {تاج العروس من جواهر القاموس 9/374} وعليه فإن إزالة شعر الحاجب بأي وسيلة كانت ـ سواء بالملقاط أو غيره ـ هو من النمص المنهي عنه، وأما إزالة شعر الوجه ـ كالخدين أو الجبهة ـ فلا حرج فيه على الراجح من أقوال أهل العلم، والله تعالى أعلم

  • شعر مستعار للزينة

    ما الحكم الشرعي إذا قمت بتمشيط شعري ووصله بشعر مستعار لزوجي فقط مع العلم بأنني منقبة؟ وجزاكم الله خيرا

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فلا يجوز وصل شعر الآدمي بشعر آخر سواء كان طبيعياً أو صناعياً، ولا يجوز وصله بما يشبه الشعر ويحصل به التدليس من صوف أو وبر أو خيوط صناعية؛ لأن علة تحريم الوصل قد تحققت فيه، وأما إذا كان الموصول به لا يشبه الشعر الطبيعي ولا يحصل به تغرير، ويدرك الناظر إليه بداهة أنه ليس شعراً فلا يحرم الوصل به سواء كان صوفاً أو خيطاً أو غير ذلك لعدم وجود علة التحريم؛ سواء كانت العلة هي تغيير خلق الله عز وجل أو التدليس. وقد دلت على ذلك النصوص الشرعية، منها ما رواه البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن جارية من الأنصار تزوجت وأنها مرضت، فتمعَّط[1] شعرها، فأرادوا أن يصلوها، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (لعن الله الواصلة والمستوصلة)، وروى البخاري في صحيحه عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أنكحت ابنتي، ثم أصابها شكوى، فتمرَّق[2] رأسها، وزوجها يستحثني بها، أفأصل شعرها؟ فسبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الواصلة والمستوصلة. وفي رواية أن ذلك المرض كان الحصبة[3] وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لعن الله الواصلة والموصولة. قال ابن قدامة في المغني: فلا يجوز وصل شعر المرأة بشعر آخر؛ لهذه الأحاديث، وأما وصله بغير الشعر فإن كان بقدر ما تشدُّ به رأسها فلا بأس به؛ لأن الحاجة داعية إليه ولا يمكن التحرز منه، وإن كان أكثر من ذلك ففيه روايتان: إحداهما أنه مكروه غير محرم؛ لحديث معاوية في تخصيص التي تصله بالشعر، فيمكن جعل ذلك تفسيراً للفظ العام، وبقيت الكراهة لعموم اللفظ في سائر الأحاديث، وروي عنه أنه قال: لا تصل المرأة برأسها الشعر ولا القرامل ولا الصوف نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال، فكل شيء يصل فهو وصال. قال ابن قدامة رحمه الله: والظاهر أن المحرَّم إنما هو وصل الشعر بالشعر؛ لما فيه من التدليس واستعمال الشعر المختلف في نجاسته، وغير ذلك لا يحرم لعدم هذه المعاني فيها، وحصول المصلحة من تحسين المرأة لزوجها من غير مضرة. والله تعالى أعلم.

    [1] قال الحافظ في الفتح: أي خرج من أصله، وأصل المعط المد؛ فكأنه مد إلى أن تقطع، ويطلق أيضاً على من سقط شعره

    [2] قال الحافظ في الفتح: فتمزق بالزاي أي تقطع وهي رواية مسلم، وبالراء أي مرق من أصله وهي أبلغ، ويحتمل أن يكون من المَرْق وهو نتف الصوف

    [3] بَثْرٌ تخرج في الجلد، ومنه يقال: حصب جلده يحصب

  • كشف العزاء

    السلام عليكم ورحمة الله

    عندما يموت شخص عندنا يقوم أحد من أقارب الميت بتجميع أموال مقدرة من كل من له صلة بالمتوفى، وتجمع هذه الأموال وتعطى لأهل الميت لإنفاقها على المعزين أيام العزاء، فما الحكم في ذلك؟ وجزاكم الله خيرا

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فهذه صورة من صور التكافل الاجتماعي عند نزول مصيبة الموت، وهي طريقة مستحدثة يطبق بها قول النبي صلى الله عليه وسلم “اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم أمر يشغلهم” حيث يتولى أمر صناعة الطعام في زماننا مجموعة من النسوة أو ربما بعض الشركات أو غير ذلك؛ فتكون هذه الكشوف بديلاً عن صناعة الطعام؛ الخلاصة أنه لا حرج في ذلك إن شاء الله، لكن لا بد من استحضار نية صالحة في غوث الملهوف وإعانة المحتاج، والله تعالى أعلم.

  • نذر مشروط لم اوفِ به

    السلام عليكم ورحمة الله يا شيخ، أنا كنت قد نذرت إذا حصل لي شيء أن أصوم في كل شهر ثلاثة أيام؛ فالحمد لله حصل ما أريد فبديت بالصوم ولكن بعد فترة تركته. ولكن بدأت أصوم الستوت كل عام لأنه يعادل صيام الدهر كما في الحديث. فهل هذا يكفي أم أواصل صوم الست من شوال (الستوت) وأصوم لما نذرت به؟ وإذا أردت أن أكفر عن النذر ماذا يجب عليَّ أن أفعله؟ وجزاك الله عنا كل خير

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فالواجب عليك الوفاء بالنذر الذي شرطته على نفسك؛ لأن الله تعالى قد أوجب الوفاء بقوله {وليوفوا نذورهم} ومدح أهل الجنة بقوله {يوفون بالنذر} وقال النبي صلى الله عليه وسلم “من نذر أن يطيع الله فليطعه” وعليه فإنه يلزمك صيام ثلاثة أيام من كل شهر ما دمت مطيقة لذلك؛ كما إن عليك قضاء الشهور التي تركت الصيام فيها، ولا يغني عنك صيام ست من شوال؛ لأن صيامها سنة وأما صيام النذر فواجب، والله الموفق والمستعان

  • احتلمت وصليت

    أنا شاب احتلمت يوماً ما، وحين استيقظت من النوم نسيت أني احتلمت! وذهبت بحسن نية كاملة إلى الجامع وصليت صلاة الصبح، وفي أثناء الركعة الثانية تذكرت، ولكني تابعت الصلاة وبعدها صليت مرة أخرى نسبة لأنني شككت في الصلاة!! السؤال: هل تقبل أو تجوز الصلاة مع أني لم أتذكر؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فلا يقبل الله صلاة بغير طهور، وكان الواجب عليك ـ حال تذكرك الاحتلام ـ أن تخرج من الصلاة؛ لكنك ـ غفر الله لك ـ تماديت فيها جهلاً منك بخطورة ذلك؛ وواجب عليك أن تعلم أن نسيان الحدث أو عدم العلم به لا يجعل الصلاة صحيحة، بل يجب عليك أن تعيدها متى ما ذكرت الحدث أو علمت به؛ كما كان شأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين صلى بالناس في الجرف صلاة الصبح، وبعد الصلاة رأى في ثيابه أثر مني؛ فقال {ما أراني إلا احتلمت وصليت بأصحابي جنبا} ثم اغتسل رضي الله عنه وأعاد الصلاة لنفسه؛ وما دمت قد أعدتها فلا حرج عليك، واستغفر الله مما كان، والله تعالى أعلم.

  • زوجة تمارس الفاحشة

    بالصدفة علمت من أرشيف محادثات على النت أن زوجة تمارس الفاحشة في بيتها مع الرجال؛ من خلال المحادثة على النت شات ومواعدتهم في حين زوجها مسافر يعمل بالخارج. وأنا أعلم بريد زوجها كما أعرفه شخصياً فهل أرسل إليه أنبهه على ما يحدث من زوجته؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فما ينبغي لك إخبارُ الزوج بهذا الأمر، بل الواجب عليك السَّتر على هذه المسلمة فإنه لا يستر عبدٌ عبداً في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة، والجزاء من جنس العمل، كما أنه لا يجوز لك الكلام بهذا الشأن مع كائنٍ من كان؛ لأنه لا بينةَ لديك، بل هي محادثات اللهُ أعلم بحقيقتها، ولا سبيل لإثبات الجرم إلا بإقرار أو شهادة؛ وكلاهما معدومٌ في هذه الحالة، لكن يمكنك توجيه النصيحة لهذه المرأة من طرف خفيٍ دون مصارحتها بحقيقة ما بلغَك؛ وتخويفها من الفضيحة والعار، كما يمكن توجيه نصيحة للزوج بوجوب رعاية أهله ومراقبة عرضه، ويمكن التنويع في ذلك بوسائل شتى، وأسأل الله أن يديم علينا جميعاً نعمته وعافيته وستره في الدنيا والآخرة.

  • الصلاة في مسجد به قبر

    هل يجوز الصلاة في مسجد به قبر؛ علماً بأنه لا يوجد مسجد بدون قبر قرب المنزل؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسـلم عن بناء المساجد على القبور، ونهى عن اتخاذ القبور مساجد، ولعن اليهود والنصارى على اتخاذهم قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، وذلك في أحاديث كثيرة؛ منها ما رواه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها عن النبي قال في مرضه الذي مات فيه {لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} وما رواه مسلم من حديث جندب رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسـلم قبل  أن يموت  بخمس وهو يقول {ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك} وفي مسلم عن عائشة قالت: إن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا لرسول الله صلى الله عليه وسـلم كنيسة رأتاها بالحبشة فيها تصاوير، فقال: إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات، بنوا على قبره مسجداً، وصوَّروا تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة} وفي سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال {لعن رسول  الله صلى الله عليه وسـلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج} وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسـلم قال {اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} رواه مالك في الموطأ وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وأبو نعيم في الحلية، وصححه البزار وابن عبد البر

    وقد عدَّ العلماء رحمهم الله تعالى بناء المساجد على القبور من كبائر الذنوب، قال ابن حجر الهيتمي رحمه الله: الكبيرة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتسعون: اتخاذ القبور مساجد، وإيقاد السرج عليها، واتخاذها أوثاناً، والطواف بها، واستلامها، والصلاة إليها

    وأما الصلاة في المسجد الذي حوى قبراً فهي صحيحة عند جمهور العلماء، ولا يلزمه إعادة الصلاة في قول أكثر أهل العلم منهم المالكية والحنفية والشافعية وهي رواية عن أحمد رحمهم الله جميعاً؛ خاصة في مثل حالك حيث لا يوجد مسجد قريب من المنزل سوى المسجد الذي به قبر، وأنصحك ـ أخي ـ بأن تعمد إلى نصح القائمين على المسجد ليبنوا جداراً فاصلاً بين القبر والمسجد، ويجعلوا للقبر باباً على الشارع؛ خروجاً من خلاف العلماء، والله أعلم.

  • الصدقة الجارية

    ماتَ لي أبٌ، وابنٌ (عمُره يومان)، وأخ، وصديق حميم.. أسأل اللّه أن يجمعني بهم جميعاً في جنّته.. وكلّما أخرجت صدقة (نقديةً) أنويها عن نفسي، أبي، أخي، وصديقي. فهل هذا مشروع؟ وماذا عن الصّدقات العينيّة؟ وكيف أفعل من هذا الباب لابني؟ كذلك أسألُ عن معنى الصّدقة الجارية: هل هي ممّا أَخرجه الميّت حال حياته؟ أم ما يُمكن أن يُخرجه عنه غيرُه بعدَ وفاته؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالواجب عليك أن تحتسب ما أصابك، وأن تكثر من الدعاء لوالدك وولدك وأخيك ولموتى المسلمين أجمعين، والصدقة يصل ثوابها لمن نويت إيصالها إليهم، وسواء في ذلك الصدقة العينية ـ كالطعام والكساء والدواءـ أم النقدية، والصدقة الجارية هي التي يدوم نفعها ما بقي أصلهاـ كبئر ماء حفرت أو عين أجريت أو مصحف طبع ونحو ذلك ـ وهي مما ينتفع به الميت سواء أعملت في حياته أم بعد مماته، والله تعالى أعلم.

  • أعمال يصل ثوابها للميت

    • هل الصدقة الجارية لميت من الميت لنفسه قبل وفاته أم ممكن من أبنائه له؟
    • هل يجوز عمل عمرة لميت من أحد المسلمين له أم شرط أن يكون أحد أبنائه؟
    • هل يجوز قراءة القرآن ووهب ثوابها للميت أم لا؟ جزيتم خيراً.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالميت ينتفع بثواب الصدقة، سواء في ذلك ما عمله في حياته أو ما عمل له بعد مماته، وقد دل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن قال له {إن أمي افتلتت نفسها وإني أظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم} رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها. وقد ذكر مسلم رحمه الله في مقدمة صحيحه عن ابن المبارك أنه قال: (ليس في الصدقة خلاف) قال النووي رحمه الله تعالى: وفي هذا الحديث أن الصدقة عن الميت تنفع الميت ويصله ثوابها.ا.هـ وروى أحمد والنسائي عن سعد بن عبادة رضي الله عنه أن أمه ماتت فقال: {يا رسول الله، إن أمي ماتت أفأتصدق عنها؟ قال: نعم. قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء} قال الحسن: فتلك سقاية آل سعد بالمدينة. وكذلك العمرة يصل ثوابها إلى الميت سواء كان المعتمر عنه أحد أوليائه أو كان أجنبياً عنه.

    وأما تلاوة القرآن فمن المسائل التي اختلف فيها أهل العلم؛ فالمشهور من مذهب الشافعي وجماعة من أصحابه أنه لا يصل إلى الميت ثواب قراءة القرآن، وذهب أحمد ابن حنبل وجماعة من العلماء وجماعة من أصحاب الشافعي إلى أنه يصل، كذا ذكره النووي رحمه الله تعالى في الأذكار، قال بعض أهل العلم: وينبغي الجزم به ـ أي وصول الثواب ـ إذا سأل الله إيصال ثواب قراءته؛ لأنه دعاء، فإذا جاز الدعاء للميت بما ليس للداعي فلأن يجوز بما هو له أولى، ويبقى الأمر موقوفاً على استجابة الدعاء

     قال الصنعاني في سبل السلام: وهذا هو القول الأرجح دليلاً. وقال ابن قدامة في المغني: وأي قربة فعلها وجعل ثوابها للميت المسلم نفعه ذلك إن شاء الله، أما الدعاء والاستغفار والصدقة وأداء الواجبات فلا أعلم فيه خلافاً إذا كانت الواجبات مما يدخله النيابة، وقد قال الله تعالى ((والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان)) وقال الله تعالى ((واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات)) ودعا النبي صلى الله عليه وسلم لأبي سلمة حين مات، وللميت الذي صلى عليه في حديث عوف بن مالك، ولكل ميت صلى عليه، ولذي النجادين حين دفنه، وشرع الله ذلك لكل من صلى على ميت، وسأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: إن أمي ماتت, فينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: نعم} رواه أبو داود. وروي ذلك عن سعد بن عبادة. وجاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى} وقال للذي سأله: إن أمي ماتت، وعليها صوم شهر, أفأصوم عنها؟ قال: نعم} وهذه أحاديث صحاح، وفيها دلالة على انتفاع الميت بسائر القرب؛ لأن الصوم والحج والدعاء والاستغفار عبادات بدنية، وقد أوصل الله نفعها إلى الميت، فكذلك ما سواها، مع ما ذكرنا من الحديث في ثواب من قرأ يس، وتخفيف الله عن أهل المقابر بقراءته. إلى أن قال رحمه الله: ولنا ما ذكرناه، وأنه إجماع المسلمين، فإنهم في كل عصر ومصر يجتمعون ويقرءون القرآن، ويهدون ثوابه إلى موتاهم من غير نكير. ولأن الحديث صح عن النبي صلى الله عليه وسلم {إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه} والله أكرم من أن يوصل عقوبة المعصية إليه، ويحجب عنه المثوبة، ولأن الموصل لثواب ما سلموه، قادر على إيصال ثواب ما منعوه، والآية ((وأن ليس للإنسان إلا ما سعى)) مخصوصة بما سلموه، وما اختلفنا فيه في معناه، فنقيسه عليه.أ.هـ

    وليس هذا خاصاً بالولد، بل كل من عمل عملاً مما تدخله النيابة ونوى إيصال ثوابه إلى الميت وصل بإذن الله ولداً كان أو غيره؛ لإجماع العلماء على وصول ثواب الدعاء والصدقة للميت وإن كان من غير الولد؛ لحديث المُحْرِم عن أخيه شبرمة، ولم يستفصل النبي صلى الله عليه وسلم هل أوصى شبرمة أم لا؟ ولحديث عائشة رضي الله عنها {من مات وعليه صيام صام عنه وليه} متفق عليه وكذلك قراءة يس من الولد وغيره لحديث {اقرءوا على موتاكم يس} وبالدعاء لحديث {استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل} ولقوله تعالى ((والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان)) ولما ثبت من الدعاء للميت عند الزيارة كحديث بريدة رضي الله عنه {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية} رواه مسلم

    وأما استدلال بعض العلماء بقوله تعالى )وأن ليس للإنسان إلا ما سعى( فقد أجيب عنه بأن ذلك من طريق العدل؛ وأما من طريق الفضل فله ما سعى وما سُعِي له، أو أن اللام في قوله )للإنسان( بمعنى علي؛ أي ليس على الإنسان إلا ما سعى، وأيضاً فإنه مخصوص بأن الميت ينتفع بثواب ما أهدي إليه من الصدقات والحج والعمرة والدعاء، فكذلك ينتفع بالقراءة. قال الشيخ تقي الدين أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله فقد خرق الإجماع، وذلك باطل من وجوه كثيرة:

    أحدها: أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره، وهو انتفاع بعمل الغير. ثانيها: أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الموقف في الحساب؛ ثم لأهل الجنة في دخولها. ثالثها: أنه صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الكبائر في الخروج من النار، وهذا انتفاع بسعي الغير. رابعها: أن الملائكة يستغفرون ويدعون لمن في الأرض، وذلك منفعة بعمل الغير. خامسها: أن الله تعالى يخرج من النار من لم يعمل خيراً قط – أي من المؤمنين – بمحض رحمته، وهذا انتفاع بغير عملهم. سادسها: أن أولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم، وذلك انتفاع بمحض عمل الغير. سابعها: قال الله تعالى في قصة الغلامين اليتيمين )وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً( فانتفعا بصلاح أبيهما، وليس من سعيهما. ثامنها: أن الميت ينتفع بالصدقة عنه، وبالعتق، بنص السنة والإجماع، وهو من عمل الغير. تاسعها: أن الحج المفروض يسقط عن الميت، بحج وليه بنص السنة، وهو انتفاع بعمل الغير. حادي عشر: المدين قد امتنع صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليه حتى قضى دينه أبو قتادة، وقضى دين الآخر على بن أبى طالب، وانتفع بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم وهو من عمل الغير. ثاني عشر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن صلى وحده {ألا رجل يتصدق على هذا فيصلى معه} فقد حصل له فضل الجماعة بفعل الغير. ثالث عشر: أن الإنسان تبرأ ذمته من ديون الغير، إذا قضاها عنه قاض، وذلك انتفاع بعمل الغير. رابع عشر: أن من عليه تبعات ومظالم، إذا حلل منها سقطت عنه، وهذا انتفاع بعمل الغير. خامس عشر: أن الجار الصالح ينفع في المحيا وفى الممات – كما جاء في الأثر – وهذا انتفاع بعمل الغير. سادس عشر: أن جليس أهل الذكر يُرحم بهم، وهو لم يكن معهم، ولم يجلس لذلك بل لحاجة عرضت له، والأعمال بالنيات، فقد انتفع بعمل غيره. سابع عشر: الصلاة على الميت، والدعاء له في الصلاة، انتفاع للميت بصلاة الحي عليه وهو عمل غيره. ثامن عشر: أن الجمعة تحصل باجتماع العدد، وكذا الجماعة بكثرة العدد وهو انتفاع للبعض بالبعض. تاسع عشر: أن الله تعالى قال لنبيه )وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ( وقال تعالى )وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ..( فقد رفع الله تعالى العذاب عن بعض الناس بسبب بعض، وذلك انتفاع بعمل الغير. تمام العشرين: أن صدقة الفطر تجب على الصغير وغيره ممن يمونه الرجل، فإنه ينتفع بذلك من يُخرِج عنه، ولا سعى له فيها.

    ثم قال رحمه الله: ومن تأمل العلم وجد انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى، فكيف يجوز أن تتأول الآية الكريمة، على خلاف صريح الكتاب والسنة، وإجماع الأمة.ا.هـ

  • هل تعاطي السجائر انتحار؟

    الشيخ د. عبد الحي يوسف وفقك الله وزادك علماً، إذا توفي شخص وكان يتعاطى السجائر، وسبب الوفاة أجارنا الله وإياك تلف في الرئة، فهل يدخل في باب من قتل نفسه (الانتحار)؟ وما الأحكام المترتبة عليه؟ وفقك الله وزادك علماً

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فإن التبغ ـ بجميع أنواعه ـ لا يجوز تعاطيه ولا ترويجه ولا الاتجار به ولا الإعانة في ذلك كله؛ لأدلة شرعية معتبرة منها:

    1ـ قول الله تعالى في وصف نبيه محمد صلى الله عليه وسلم {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحلُّ لهم الطيبات ويحرِّم عليهم الخبائث} والعقلاء متفقون على كون الدخان خبيثاً في شكله وريحه وأثره

    2ـ قوله تعالى {ولا تقتلوا أنفسكم} وقد ثبت ـ طباً ـ أن تناول الدخان سبب لأمراض مستعصية تؤول بصاحبها إلى الموت مثل السرطان وتصلب الشرايين وأمراض القلب؛وقد ورد في إحصائيات منظمة الصحة العالمية أن التبغ يقتل سنوياً أكثر من أربعة ملايين شخص في العالم؛ فيكون متناوله قد تعاطى سبب هلاكه

    3ـ قوله تعالى {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} قال صاحب المنار رحمه الله تعالى: قال بعضهم: يدخل فيه الإسراف الذي يوقع صاحبه في الفقر المدقع، فهو من قبيل {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} المنار2/213

    4ـ قوله تعالى {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} ووجه الدلالة من الآية أن الله تعالى نهى عن الإسراف في المباحات بمجاوزة الحد في تعاطيها، فمن باب أولى يكون النهي عن صرف المال فيما لا نفع فيه. قال الإمام أبو محمد بن حزم في المحلى: مسألة 1027: السرف حرام وهو:

    ·       النفقة فيما حرم الله تعالى قَلَّت أو كثرت ولو أنها قدر جزء من جناح بعوضة

    ·       أو التبذير فيما لا يحتاج إليه ضرورة،مما لا يبقى للمنفق بعده غنى

    ·       أو إضاعة المال وإن قلَّ برميه عبثاً

    ومتعاطي الدخان قد تناوله كلام الإمام ابن حزم رحمه الله لكونه ينفق فيما حرَّم الله تعالى ويضيع المال بإحراقه عبثاً في غير فائدة.

    5ـ قوله تعالى {ولا تبذر تبذيراً إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} وإنفاق المال في الدخان تبذير من حيث كونه إفساداً

    ومن السنة المطهرة:

    1ـ قوله صلى الله عليه وسلم (وأنهاكم عن ثلاث:قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) رواه البخاري. وإنفاق المال في الدخان إضاعة له لأنه صرف له فيما لا فائدة فيه

    2ـ قوله صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ولا ضرار) أخرجه الإمام أحمد وغيره وهو في صحيح الجامع (7517) فثبت أن كل ما غلب ضرره على نفعه فتناولُه حرام، وتناول الدخان موجب للضرر بمتناوله ومن يحيطون به من زوج وعيال وزملاء.

    3ـ روى الإمام أحمد وأبو داود عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن كل مسكر ومفتِّر) قال العلماء: المفتِّر: ما يورث الفتور والخدر في الأطراف، وهذا الأثر يحدث لمتعاطي الدخان خاصة في أول أمره

    ومن النظر الصحيح:

    1.    تناول الدخان يهدم بعض الكليات التي جاءت الشريعة بالمحافظة عليها وهي النفس والمال

    2.     شارب الدخان إن فَقَدَه ضاق صدره وكثرت عليه البلابل والأفكار ولا ينشرح صدره إلا بالعودة إلى شربه

    3.     شارب الدخان يستثقل الصوم جداً؛ لأنه حرمان له من شربه بعد طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فيكون الصوم مكروهاً لديه

    4.     ما يصحب هذا الشيء الخبيث من نتن الرائحة المؤذية لمن يحيطون بمن يتناوله

    وعليه فإن متعاطي السجائر عاص بفعله ذاك؛ مرتكب حراماً، منفق ماله في غير نفع بل في ضرر محض، لكنه إن مات لا يعد منتحرا، لأن الانتحار – مشتق من النحر – وهو أن يتعاطى الإنسان فعلاً يسرع في إزهاق روحه به؛ كمن يتناول سماً أو يطعن نفسه بحديدة أو يطلق الرصاص على نفسه في موضع قاتل من مسدس ونحوه؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم (من قتل نفسه بشيء عذب به في النار) والله المستعان.

زر الذهاب إلى الأعلى