الفتاوى

  • إضراب الأطباء

    ما هو رأي الشرع في إضراب الطبيب عن العمل، وخاصة من تغطية الطوارئ في ظل الظروف الراهنة؟ أفيدونا جزاكم الله خير

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فإنه يحسن بي قبل الإجابة المباشرة عن هذا السؤال أن أشير إلى أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم في ظل شريعة الإسلام تميِّزها الثقة التامة مع النقد الصادق وبذل النصيحة وأداء الحقوق، فليست العلاقة بينهما قائمة على تربص كل طرف بالآخر وتسقُّط هفواته وتتبُّع عثراته والتشنيع عليه في كل واد، والتشكيك في كل تصرف يصدر عنه، وقد قرر أهل العلم في قواعد الفقه المعتبرة أنَّ تصرف الإمام في الرعية منوط بالمصلحة، وأنه يتخذ من التدابير ــ عند الحاجة ــ ما يحقق سعادة الأمة بشرطين:

    أ ــ ألا يخالف نصاً صريحاً ورد في القرآن والسنة والإجماع.

    ب ــ أن تتفق تلك التدابير مع روح الشريعة ومقاصدها العامة، بالحفاظ على الأصول الكلية الخمسة، وهي الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وتوابعها

    وبخصوص الحقوق التي تنبغي للعمال ـ أطباء وغيرهم ـ فإن شريعة الإسلام قد فرضت الكفاية لكل عامل في مرفق من مرافق الدولة الإسلامية؛ وأقل الكفاية ما يصون به وجهه عن سؤال الناس من قوت يسد جوعته، ولباس يستر عورته، مع توفير فرص العمل للقادرين عليه، وأن تتكافأ الأجور مع العمل المبذول والإنتاج الحاصل من الفرد، حسب طبيعة العمل ونوعه، فليس من العدل أن تتمتع فئة بكل شيء لكون أفرادها قد تقلدوا مناصب معينة، كأن يكونوا وزراء أو سفراء أو مديري بنوك مثلاً، بينما تُحرم قطاعات أخرى لا يقل نفعها عن أولئك، بل قد يكون نفعها أعظم وفائدتها أجل كالأطباء وجنود وضباط الجيش ومعلمي المدارس والجامعات.

    وكان أول ما قررته الشريعة في هذا الباب أن للمسئول حقاً في أن يأخذ من بيت مال المسلمين ما يحقق كفايته، ويصون وجهه عن السؤال، ويكف يده عن الحرام، فروى المستورد بن شداد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {من كان لنا عاملاً فليكتسب زوجة، فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادماً، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكناً}. قال أبو بكر رضي الله عنه: أُخبرت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال {من اتخذ غير ذلك فهو غالٌّ أو سارق}. وهذه التدابير إنما جعلت من أجل أن يتفرغ العامل للقيام بالمهام الموكلة إليه والتعامل مع الناس وهو خالي الذهن من كل شاغل يمنعه من أداء عمله على الوجه الأتم الأكمل، ثم بعد ذلك إذا حصل منه تقصير أو إهمال فإنه يحاسب ويؤاخذ.

    والإضراب ـ بوجه عام ـ صورة من صور التعبير عن الاحتجاج قد تواطأ أهل عصرنا على التعامل به، مثلما يعبرون بالمظاهرات أحياناً، وبالمقالات أحياناً أخرى، وبغير ذلك من الوسائل التي هي من قبيل المصالح المرسلة التي لم تأت الشريعة بإعمالها ولا إهمالها؛ شريطة ألا يترتب عليها ضرر يؤثر على الضرورات التي جاءت الشريعة آمرة بالمحافظة عليها وعدم الإخلال بها وهي الدين والنفس والعرض والعقل والمال.

    وقد ذكروا في ترجمة مالك بن أنس إمام دار الهجرة ـ رحمه الله تعالى ـ أنه أضرب عن التدريس؛ حين قتل شاب فاسق أخاه فحكم عليه بالقتل؛ فجاء والداه إلى الحاكم وطلبا ألا ينفذ الحكم لئلا يفقدا ولديهما في زمان متقارب؛ فأراد الحاكم أن يعفو، لكن مالكاً رحمه الله أبى إلا إنفاذ الحكم؛ لأن القتل كان غيلة، فتعلق به حق عام، ولم يعد حقاً يخص الوالدين وحدهما؛ ولما وجد من الحاكم تلكؤاً توقف عن التدريس حتى ينفَّذ الحكم وقد كان له ما أراد.

    وأما بخصوص الأطباء فإن الحكم الذي يسري على غيرهم هو في حقهم كذلك؛ فيجوز لهم أن يضربوا إذا تعيَّن الإضراب سبيلاً وحيداً للوصول إلى الحقوق أو رد المظالم؛ لكن مع ذلك ينبغي لهم النظر بعين المصالح والمفاسد والجواب على عدة أسئلة قبل الشروع في الإضراب: هل السبل الموصلة إلى نيل الحقوق كلها قد سُدَّت ولم يبق من سبيل إلا الإضراب؟ ما هي الأضرار الناجمة عن إضرابهم؟ أعني إزهاق الأرواح وإتلاف الأنفس وغير ذلك من الأضرار التي تعارض غرض الشرع في الحفاظ على الأنفس. ثم الأضرار المعنوية الناتجة من تشويه سمعة الأطباء وتلطيخ سيرتهم لدى عامة الناس؛ حين يُصَوَّرون على أنهم أحلاس دنيا وطُلاب وليسوا حملة رسالة وأصحاب أهداف مثلى.

    والنصيحة التي يجب توجيهها في هذا المقام إلى من بسط الله يده من أولي الأمر أن يتقوا الله في الأطباء وأن يوصلوا إليهم حقوقهم كاملة؛ لأنه ـ كما قيل ـ إن المعلم والطبيب كلاهما لا ينصحان إذا هما لم يُكرما؛ خاصة وأن عملهم يحوي كثيراً من المشاق والمخاطر من التعرض للعدوى وسهر الليالي وغير ذلك من أمور لا تخفى، تقتضي توفير الكفاف لهم؛ لئلا يكونوا عرضة للإذلال والمهانة، ولئلا تزول هيبة الطبيب ومكانته من نفوس الناس.

    والنصيحة التي أوجهها للأطباء هو أن يخلصوا لله في عملهم، وأن يعلموا ـ يقيناً ـ أن في عملهم أجراً عظيماً وثواباً كبيرا ـ لمن ابتغى وجه الله ـ حين ينفسون الكروب ويزيلون الآلام ويفرجون الهموم، وعليهم الرضا بما يحصل من مكاسب مؤقتة ويواصلوا التفاوض عبر لجانهم ليصلوا إلى كامل حقوقهم، مستحضرين أن فئات أخرى لا تقل مهامها أهمية عن مهنة الطب يعانون من مثل ما يعانون، وما علينا إلا الصبر واليقين، والله لا يضيع أجر المحسنين.

  • العمل في المشاريع الربوية

    السلام عليكم ورحمة الله، أنا مهندس أعمل بشركة حكومية كبيرة، الآن لدينا الكثير من المشاريع المبنية على القروض، وأود أن أسأل هل الماهية التي آخذها حالياً بها شيء من الريبة لأني أعمل في مشروع ربوي؟ أرجوكم أفيدونا جزاكم الله خيرا.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فالربا مما لا خلاف بين المسلمين في تحريمه، وأنه من كبائر الذنوب، وسواء في ذلك الآخذ والمعطي؛ لأن النصوص في ذلك مما لا يكاد يجهله مسلم، ولا خلاف كذلك في أن الضرورة تبيحه، مثلما تبيح أكل الميتة والدم ولحم الخنزير، فلا حرام مع ضرورة كما أنه لا واجب مع عجز. وقد انعقدت ندوة ناقشت الضرورة الملجئة التي تبيح للدولة الاقتراض بالربا، وشارك فيها جمع من أهل العلم من داخل البلاد وخارجها، وخلصت تلك الندوة إلى جملة من التوصيات.

    وعليه فلا حرج عليك أيها السائل في العمل في تلك المشروعات ما دامت في الأصل تئول إلى نشاط مباح، والدولة مطالبة بأن تتقيد بضوابط الضرورة في الاقتراض بالربا، والله تعالى أعلم.

  • العمل في التصنيع الحربي

    السلام عليكم .. أعمل مهندساً في مؤسسة التصنيع الحربي، وعندي قناعة أن الحكومة لا تطبق الشريعة في الحكم، سألت أحد المشايخ عن جواز عملي فأخبرني بأنه لا يجوز في الوقت الحالي … فما هو حكم الشرع في عملي؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فأسأل الله تعالى أن يزيدك ورعاً وتقى، وأن يرزقنا مثل الذي رزقك، وجواباً على سؤالك – أخي – أقول: إن وجود السلطان – ممثلاً في الجيش والشرطة والحكومة والقضاء وما كان مثلها من أجهزة – أمر لا بد منه، ولا تستقيم حياة الناس بدونه؛ فلا بد للناس من إمرة برَّة أو فاجرة؛ وكون الحكومة تحكم بالشريعة أو لا؟ أقول: إن القوانين المدونة ليس فيها ما يخالف الشريعة؛ سواء في ذلك قانون أصول الأحكام القضائية أو قانون الأحوال الشخصية أو القانون الجنائي أو قانون المعاملات المدنية، وقد يكون فيها بعض الأقوال التي يرى بعض الناس أنها مرجوحة أو ضعيفة، وقد يكون في التطبيق نوع تساهل أو ضعف.

    ووجود هذه المفاسد التي ذكرتها في سؤالك لا يمنع من العمل في التصنيع الحربي؛ لأنه مهما قيل في فساد هذه الحكومة أو تقصيرها فإنها ما منعت الناس من صلاتهم ولا حالت بينهم وبين ممارسة شعائر دينهم – في صلاة أو صوم أو اعتكاف أو حج أو عمرة – ولو قيل: لا نعمل في التصنيع الحربي، وتخلى كل امرئ مؤمن عن مكانه وتعطلت تلك الصناعات فإنا لا نأمن أن يدهم البلاد في يوم ما عدو صائل يهدم المساجد ويمنع الصلوات وينتهك الأعراض – مثلما هو حاصل في بلاد شتى – وعندها لا يجدي أن يتلاوم الناس فيما بينهم، بل المطلوب الآن أن ينظر كل امرئ فيما ينجيه عند ربه وفيما يستطيع به أن يخدم دينه ومعتقده، ولعل الله يأتي بمن يحكِّم الإسلام في كل صغيرة وكبيرة، وما ذلك على الله بعزيز، والله الموفق والمستعان.

  • وقت صلاة التهجد

    متى يكون آخر وقت صلاة التهجد هل ينتهي مع الأذان الأول أم أن الوقت بين الأذان الأول والثاني يعتبر من وقت صلاة التهجد؟ هل تجوز صلاة النافلة خاصة الرواتب بالفاتحة فقط؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فوقت التهجد ينتهي بطلوع الفجر الصادق، أي مع الأذان الثاني؛ والوقت بين الأذانين الأول والثاني يعتبر وقتاً للتهجد، وصلاة النافلة تجوز بالفاتحة فقط، لكن السنة أن تقرأ بعد الفاتحة شيئاً من القرآن، وقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرأ في راتبة الفجر والمغرب وكذلك ركعتي الطواف بالكافرون والإخلاص، وكان من هديه في الوتر أن يقرأ بسبح والكافرون والإخلاص، والله تعالى أعلم.

  • بيع المجهول

    هنالك موقع في الإنترنت نقوم بحجز الفنادق من خلاله عن طريق اختيار مكان الفندق وتصنيفه (نجمة) وسعره دون تحديد فندق بعينه، في حال توافر المواصفات المطلوبة يقوم الموقع بعملية الشراء وقبض المبلغ (ثم) تحديد اسم الفندق ولا يمكن رفض العملية إلا بدفع مبلغ لإلغاء أمر الشراء.

    هل هذه العملية تعتبر بيع شيء غير معروف أو بما معناه وهل يجوز أو لا؟ وجزاكم الله خيراً.

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فهذه المعاملة تعد من قبيل بيع المنافع لا بيع الأعيان، أي أنها إجارة وليست بيعاً، وهو من قبيل البيع على البرنامج ـ أي البيع حسب صفة المبيع المكتوبة في دفتر ونحوه إذا كانت الصفة معلومة ـ الذي جوزه المالكية رحمهم الله. قال ابن رشد الحفيد رحمه الله في بداية المجتهد 2/126: ولا خلاف عند مالك أن الصفة إنما تنوب عن المعاينة لمكان غيبة المبيع أو لمكان المشقة التي في نشره، وما يخاف أن يلحقه من الفساد بتكرار النشر عليه، ولهذا أجاز البيع على البرنامج على الصفة.ا.هـــــ

    يبقى الإشكال في مسألة دفع مبلغ لإلغاء عملية الشراء؛ لأن الذي يظهر أنه من قبيل بيع العربون الذي اختلف أهل العلم في حكمه؛ حيث ذهب الجمهور إلى منعه، وأجازه الحنابلة؛ لأن الحديث الذي فيه النهي عن بيع العربون لم يثبت عندهم، واستدلالاً بفعل عمر رضي الله عنه فيما روي عن نافع بن الحارث أنه اشترى لعمر دار السجن من صفوان بن أمية فإن رضي عمر وإلا فله كذا وكذا، قال الأثرم: قلت لأحمد: تذهب إليه؟ قال: أي شيء أقول؟! هذا عمر رضي الله عنه. ذكره ابن قدامة في المغني، وأصله في سنن البيهقي ومصنف عبد الرزاق.

    والقول بإباحة بيع لعربون قد أفتت به المجامع الفقهية المعتبرة؛ لأنهم رأوا ذلك أنسب للعصر الذي نعيش فيه، وأجدر بألا تضيع حقوق الناس، والله تعالى أعلم.

  • زوجتي مجهولة النسب

    تزوجت امرأة مجهولة الأب بعد أن أسلمت، وقد أنجبت لي؛ لكني الآن اشعر بالندم لمسالة النسب. نحن نعيش في أوروبا وأهلي لا يعلمون الخبر؛ فهل اترك وأفارق أم أصبر وأحتسب؟ علماً باني استخرت قبل الزواج

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالذي أنصحك به أخي أن تمسك عليك زوجك وتتقي الله فيها؛ لأنها مسلمة قد صارت أماً لأولادك، وأما كونها مجهولة النسب فلا ذنب لها في ذلك، وقد قال سبحانه ((ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى)) خاصة وأنك تزوجتها بإرادتك واختيارك، ثم إن فراقك إياها قد يفتح عليها باب شر وفتنة؛ ولربما ترتد عن دينها، فاتق الله فيها وأحسن إليها؛ عسى الله أن يجعلها قرة عين لك، والله المستعان.

  • قتل الوزغ

    (1) هل يستحب قتل الضب الذي يعيش في سقف المنازل والشقوق؟

    (2) هل يجوز استخدام العطور التي تحتوي على نسبة من الكحول؟

    (3) هل يجوز دخول الحمامات ودورات المياه العامة بحقيبة يوجد بداخلها المصحف؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقتل الضب ـ أعني الوزغ ـ مستحب لقول النبي صلى الله عليه وسلم {من قتله في الضربة الأولى فله مائة حسنة} وعلل هذا الأمر بأن إبراهيم عليه السلام لما ألقي في النار كانت دواب الأرض كلها تطفئ إلا الوزغ فإنه كان ينفخ، وسواء في ذلك ما كان في السقوف أو الشقوق أو غيرها.

    واستعمال العطور التي تحوي نسبة من الكحول جائز إن شاء الله؛ لأن الراجح ـ والعلم عند الله تعالى ـ أن نجاسة الكحول معنوية لا حسية، ثم إن نسبة الكحول في تلك العطور ضئيلة وقد استحالت بانغماسها في شيء كثير.

    والمطلوب حال دخول الحمام أن ينحي الإنسان كل ما كان فيه ذكر لله تعالى؛ اقتداء بالنبي الأكرم صلى الله عليه وسلم الذي كان يخلع خاتمه إذا أراد الخلاء؛ لأن نقشه كان: محمد رسول الله. لكن لو خشيت على المصحف الضياع ولم تجد من يحفظه لك حتى تقضي حاجتك فلا حرج عليك في الدخول به إلى الحمام، والله تعالى أعلم.

  • كيف اتخلص من العادة السرية؟

    أقوم والحمد لله بواجباتي الدينية، غير أن مشكلتي العادة السرية ومشاهدة الصور والأفلام الخليعة، كيف يمكنني التخلص من هذه البلوى؟ جزا كم الله خيرا

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد

    فإنَّ طَلَبَ المنِيِّ وتحصيلَ الشهوةِ بالاستمناء اعتبرَه أهلُ العلمِ تعدِّياً على حُدُودِ الله، كما ذكر الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في تفسيرِ قولِ الله عز وجل {والذين هم لفروجِهم حافظون * إلا على أزواجِهم أو ما ملكتْ أيمانُهم فإنهم غيرُ مَلومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} أنّ هذه الآيات “تدلُّ بِعُمُومِها على مَنْعِ الاستِمناءِ باليد… لأنَّ مَنْ تلَذَّذَ بيدهِ حتى أنزَلَ منِيَّهُ بذلك؛ فقد ابتغَى وراء ما أحلَّهُ اللهُ؛ فهو من العادِين بنصِّ الآيةِ الكريمة”. أضواء البيان في إيضاحِ القرآنِ بالقرآن للشنقيطي 5/316.

    وأما ما ذكرتَ مِن غَلَبَةِ المعاصي عليك: مثل مُشاهَدة الصور والأفلام الخليعة وما يتبع ذلك من الاستمناء فعلاجه أن تتوبَ إلى الله عز وجل توبةً نصوحا، وأنْ تستحضِرَ مُراقَبةَ الله جلَّ جلاله؛ فتعلم أنه يراك فتستحيي منه ولا تكون من الذين {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا} وعليك أنْ تُوقِنَ أنَّ الله قادرٌ على إنزال العذاب بك {وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ}، ثم تُكْثِرُ من الأذكار والصلاة {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} وعليك أنْ تَهْجُرَ شياطينَ الإنسِ والجنِّ الذي يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا وقد توعَّدَهم الله عز وجل بالعذابِ في الدنيا قبل الآخِرَة؛ فلا تَكُنْ معهم {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}

    وعليك بِصُحْبةِ الأخيار الذين يُذَكِّرُونك بالله عز وجل ويُحبِّبُون إليك الصلاةَ في المساجد، وينفَعُونك بِعِلْمِهم وأخلاقِهم ونصائحِهم لإنقاذِ نفسِك وتصحيحِ حياتِك. وأكثِرْ من الاستِغفارِ يَزِدْك الله قُوةً ويَشْفِ قلبَك. والله الموفق.

  • اخراج زكاة الفطر بداية رمضان

    هل يجوز إخراج زكاة الفطر من بداية شهر رمضان؟ وما هو الوقت المفضل لإخراجها؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق والثوري -ومالك في رواية- إلى أن زكاة الفطر تجب بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان؛ لأنها وجبت طهرةً للصائم، والصوم ينتهي بالغروب فتجب به الزكاة. وقال أبو حنيفة وأصحابه والليث وأبو ثور ومالك -في إحدى روايتيه-: تجب بطلوع الفجر من يوم العيد؛ لأنها قربة تتعلق بيوم العيد، فلم يتقدم وجوبها يوم العيد، كالأضحية يوم الأضحى.

    والوقت الأفضل لإخراجها هو يوم العيد قبل الصلاة؛ لما رواه الشيخان وغيرهما عن ابن عمر رضي الله عنهما (أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة) يريد صلاة العيد، وعن عكرمة قال: يقدم الرجل زكاته يوم الفطر بين يدي صلاته؛ إن الله تعالى يقول: (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) ويمكن إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين، لما رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كانوا يعطونها قبل الفطر بيوم أو يومين)

    وأما إخراجها من بداية الشهر فمن أهل العلم ـ كالشافعي ـ من جوز ذلك، بناء على أن الزكاة تجب بأمرين هما الصيام والإفطار فإذا حصل أحد السببين ـ وهو الصيام ـ جاز إخراجها، والله تعالى أعلم.

  • الهجرة إلى فرنسا

    انا متزوج وعندي بنت وولد ونقيم في فرنسا. الحمد لله انا وزوجتي ملتزمين ولكن نخشى على اطفالنا. ما حكم الهجرة بالنسبة لنا؟ ما هو إظهار الشعائر؟ اثابكم الله

    الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، فيجب على هذا السائل من فرنسا وكلِّ من يخشى على نفسِه وعيالِه الفِتنةَ مُغادَرةُ بلادِ الكُفر؛ حِفاظاً على دينِهم ودَفْعاً لِلحرامِ الذي يُهَدِّدُ أُسَرَهم. ولا خيرَ في الإقامةِ في بلدٍ يُضيِّعُ فيه المسلمُ دينَه، ويخسرُ دُنياه وأُخْراه وأرض الله واسعة! وهل عُدِمَ العملُ والدراسةُ واستثمارُ الأموالِ في الدُّوَلِ الإسلامية؟ وإني أُحذِّرُ إخواني من الفِتْنةِ في الدِّين ومن سُوءِ الخاتمةِ، وأنصَحُهم أنْ لا يُخْدَعُوا بالتعلُّقِ بالمصالِحِ الموهُومة؛ وأيُّ مَصْلَحةٍ للعبدِ إذا ضاع دِينُه؟! وأُذكِّرُهم بقولِ الله عزَّ وجل (إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا) وأقول لإخواني الذين فضَّلوا الغربَ بحثاً عن اللجوء السياسي: إنكم مسؤولون أمام الله عزَّ وجلَّ عن دينِكم وأبنائكم ولا عُذْرَ لكم؛ فما زال بحمدِ الله في بلادِ الإسلام مَن يُجِيرُ المستَضْعَفِين. فإنْ عَجَزَ العبدُ عن الهجرةِ بدينِه بعد استِفْراغِ وُسْعِه؛ حتى صار كالذين (لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً)؛ فيجب عليه السَّعيُ الحثيثُ في إحْصانِ نفسِه بالزواج وغضِّ البصرِ والإكْثارِ من الصوم كما قال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؛ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) [صحيح البخاري ح 1772 وصحيح مسلم ح 2485]. ولْيَحْرِصْ على صُحْبةِ الأخيارِ والبُعْدِ عن رِفاقِ السُّوءِ الذين يُزيِّنُون له الحرام، ولْيَجْتَهِدْ في محاولةِ الهجرة بدينِه؛ فإنْ عَلِمَ الله عزَّ وجلَّ صِدْقَ تقواه وحِرْصَه على حِفْظِ دينِه جعلَ له مخرجاً. والله المستعان.

زر الذهاب إلى الأعلى