الفتاوى

  • القروض البنكية

    السلام عليكم ورحمه الله وبركاته، ما هو حكم الدين في معاملات القروض الشخصية بضمان المرتب لشراء سيارة (بنك غير إسلامي )؟

    هل يوجد اختلاف بين الحكم في معاملات بنك (hsbc) مثلاً ومعاملات شركات السيارات (contact cars)؟ وما هو حكم الدين في التأمين علي السيارة؟ وهل هناك فرق بين التأمين بنسبة تحمل وبدون؟

    فقد كان لديَّ سيارة من شركة سيارات بالتقسيط مع أحد البنوك، وفقدتها في حادث ثم عوضني التأمين بمبلغ ثم قمت بالاقتراض من البنك (قرض شخصي) والسيارة الجديدة تعرضت لحادثين في أقل من شهر والتأمين يحملني جزء من التكلفة! هل هذا حرام ام حلال؟ كيفيه التوبه اذا كان حرام؟

    علماً بأنه الفتره الأخيرة ٦ شهور عملت عملية، ٣ حوادث سيارة، دراعي اتكسر، دماغي اتفتحت!! هناك أصدقاء يقولوا أنت محسود،  تكفير ذنوب، المؤمن مصاب، وآخرون يقولون أنت معمولك عمل!! أنا اشعر أنها لعنة القرض؟ ما هو الحكم في أعمال الحسد، كيفيه الوقايه منها؟

    الحمد لله علي كل حال، آسف للإطالة، نرجو الإفادة وشكرا

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فأسأل الله تعالى لك شفاء عاجلاً وفرجاً قريباً وصبراً جميلاً ورزقاً واسعاً والعافية من البلايا، وأن يجعل ما أصابك كفارة للذنوب والخطايا، وعليك أن تتذكر قول الله عز وجل {لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم} وقول النبي صلى الله عليه وسـلم “ما يصيب المؤمنَ من هم ولا غم ولا نصب ولا وصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّر الله بها من ذنوبه وخطاياه” وجوابا على سؤالك أقول:

    لا يمكن الحكم على معاملة ما باعتبار اسم البنك، فإن الأسماء والعناوين لا تأثير لها في الحكم على الأشياء، بل الحكم منصبٌّ على المعاني والمضامين، فإذا كانت المعاملة بينك وبين البنك المذكور قائمة على أساس الفائدة الربوية فهذه معاملة لا تجوز ويجب عليك التوبة إلى الله تعالى منها، وإن استطعت فتحلل منها بردِّ رأس المال إلى البنك والخلاص من تلك المعاملة المشئومة، وقد قال سبحانه {يمحق الله الربا ويربي الصدقات}

    أما المعاملات التي تكون مع شركات السيارات فلا حرج فيها؛ لأنها قائمة على أساس البيع إما نقداً أو بالتقسيط بثمن أعلى، وكلاهما يشمله قوله تعالى {وأحل الله البيع} وقوله صلى الله عليه وسـلم (البيعان بالخيار) والبيع بالتقسيط لا حرج فيه عند جمهور العلماء بل يكاد يكون إجماعا.

    ونظام التأمين على السيارات في الغالب نظام ربوي لو استطاع الإنسان ألا يتورط فيه فليفعل، أما التأمين الإجباري الذي لا مناص منه فلا حرج عليك فيه؛ إذ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها. والله الموفق والمستعان

  • دولة البحر والنهر

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد

    فالدعوة إلى إقامة ما أسموه (دولة البحر والنهر) قد ذاع صيتها وشاع أمرها، وأذكى نارها ناس تعددت دوافعهم واختلفت مشاربهم؛ والتأمل في أحوال هؤلاء يؤدي بالناظر إلى مقالاتهم إلى تصنيفهم:

    • فمنهم من يدعوه إلى ذلك شفقةٌ على أهله وعطفٌ على رحمه، يحمله على ذلك ما يرى من تنمُّر البعض وشدة حملته على أهل الشمال والوسط، وتحميلهم أوزار ما كان من مآس وأهوال، وتخلف عانت منه البلاد كلها بغير استثناء
    • ومنهم من يواجه السيئة بمثلها، هديُه في ذلك شعار الجاهلية: ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
    • ومنهم شعوبيون عنصريون توجههم نظرة استعلائية حين يحسبون أنفسهم من طينة غير طينة البشر، وهم غافلون عن قوله تعالى {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}
    • ومنهم من تحركه جهات أجنبية لا تريد بالبلاد وأهلها خيراً، بل هم أحجار على رقعة الشطرنج، ومنفِّذون لخطط لا يعلمون – في الغالب – مآلاتها

    والذي أود بيانه في هذه الكلمات أن هذه الدعوة آثمة بغير شك، وذلك لما يترتب عليها من تفريق الكلمة وتشتيت الصف، وإذكاء نار العنصرية والقبلية، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ليس منا من دعا إلى عصبية، أو قاتل على عصبية) وقال (الناس كلهم لآدم وآدم من تراب) وقال (ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لأحمر على أسود إلا بتقوى الله) وها هنا لا بد من التذكير بأمور:

    أولها: أن الأدلة القطعية جاءت آمرة بالوحدة والاتفاق والتعاون على البر والتقوى بين سائر المسلمين، فقال تعالى {إنما المؤمنون إخوة} وقال سبحانه مادحاً أولياءه {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} وقال عنهم {أشداء على الكفار رحماء بينهم} وقال نبينا عليه الصلاة والسلام (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله) وقال (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) وهذه الدعوات التي تريد تجزئة البلاد وتشطيرها إنما تتعارض مع تلك التعاليم وهاتيك المفاهيم

    ثانيها: أن الدوائر الصليبية والصهيونية قد عمدت إلى تجزئة بلاد المسلمين بعد أن كانت كتلة واحدة، فجعلتها مِزَقاً وأشتاتا، وأغرت بين حكامها العداوة والبغضاء حتى نشبت بينهم حروب وثارات، ثم عمد أذياله وصنائعه إلى تجزئة هذا المجزَّأ فكثرت الأجسام والفرق التي يبغض بعضها بعضاً ويعادي بعضها بعضا، وهم حريصون على مزيد تجزئة وتقسيم؛ لما علموا من طبائع الأشياء وسنن العمران أن التفرُّق عنوان الفشل، والتجزئة بداية الوهن؛ وقد خاطبنا ربنا سبحانه بقوله {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} وقال {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} وقال معلِّلاً ما حدث يوم أحد مبيِّناً أسبابه {حتى إذا فشلتم وتنازعتم وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون} فكل من يدعو بهذه الدعوة ويروج لتلك الفرقة فهو معين لأولئك الأعداء شاء أم أبى، علم أم جهل

    ثالثها: النظر إلى المآلات يؤدي بنا إلى القول بحرمة مثل هذه الدعوات، وذلك من وجوه:

    • هذا التقسيم مؤذن بضعف الإسلام وأهله لا قوتهم، وتفريقهم لا جمعهم
    • هذا التقسيم سيؤدي بأهله إلى الاستعانة بأعدائهم على إخوانهم، ومن قرأ تاريخ سقوط الخلافة وما صنعه القائمون على ما سُمِّي حينها (الثورة العربية) علم أن ذلك كائن لا محالة
    • هذا التقسيم من نتائجه أن يتولى أمر ذلك المقسم صنائع لأولئك المستعمرين يأتمرون بأمرهم وينقادون لرأيهم، ويكون كل همهم الحفاظ على ما نالوا من لعاعة الدنيا في منصب أو جاه أو مال
    • هذا التقسيم غايته أن يكون انتقاماً للنفس ودفاعاً عن حظوظها، وليس غضباً لله تعالى ولا لانتهاك حرماته
    • دعاة التقسيم هؤلاء سرعان ما سيختلفون ويتصارعون، مما يؤدي بهم إلى مزيد وهن وفاقة؛ حيث لم يجمعهم هدف ولم توحدهم وجهة، وما خبر الجنوب عنا ببعيد

    رابعها: أن الواجب على المسلمين في السودان أن يتنادوا إلى كلمة سواء، وأن يعملوا على وحدة تجمع شتاتهم وتوحد صفوفهم؛ لأن ذلك أمر الدين ومقتضى المصلحة، ونحن في عالم يتعاون عقلاء أهله – على ما بينهم من تباين واختلاف – من أجل بلوغ ما يريدون من مصالح عاجلة وآجلة، ولذلك رأينا قيام الاتحادات بين الدول والأمم سعياً لتحصيل تلك المصالح، خاصة وأننا نعلم – يقيناً – أن معظم تلك الحركات المسلحة التي تفوَّه بعض منسوبيها بتلك الكلمات العنصرية إنما هي حركات موجَّهة من الخارج منفِّذة لأجندة المخابرات العالمية، ليست مبرَّأة من الهوى والغرض، وتاريخها يشهد بأن الغرب هو من استنبتها ورعاها واستضاف كثيراً من قادتها، فالواجب على أهل الإسلام – في الشمال والغرب والشرق والوسط والجنوب – أن يواجهوا ذلك بدعوة مضادة إلى الوحدة والائتلاف وحل المشكلات وفق هدي الإسلام؛ من أجل أن يفوتوا على أولئك الفتانين ما يريدون

    خامسها: استقراء الواقع يدل على أن مسلمي هذه البلاد ما يزالون – والحمد لله – على اختلاف قبائلهم ولهجاتهم ومذاهبهم يعيشون في سلم مجتمعي فريد، متسامحون متغافرون متعاونون، يغيثون ملهوفهم ويعينون ضعيفهم ويكرمون ضيفهم ويساعدون محتاجهم؛ و يعملون على حل ما يطرأ من مشكلات بما توارثوه من كريم عاداتهم وجميل طباعهم،حتى نبتت تلك النابتة التي تعين الشيطان في إيقاع العداوة والبغضاء بين المؤمنين يستوي في ذلك أهل الشرق والغرب والشمال والوسط، والواجب علينا تذكير الناس بتلك الأواصر من أجل استبقائها وتنميتها، لا أن نسعى في الانجرار وراء بعض الأشرار ممن لا يرجون لله وقارا.

    هذا وإني ناصح لإخواني هؤلاء ممن يروجون لتلك الدعوة، أقول لهم: لا يحملنكم ما سمعتم من نعرات عنصرية تصدر عن بعض الناس – خاصة في دارفور – على أن مواجهتها بمثلها؛ فإن الله تعالى لا يمحو الخبيث بالخبيث، ولكن يمحو الخبيث بالطيب، والخطأ لا يعالج بالخطأ، والدم لا يطهره البول، ورحم الله امرأ لم يجعل من نفسه عوناً للشيطان في بلوغ مآربه؛ وإن علينا تذكير الناس بأن ما يحدث من خلافات أحياناً قد تحدث بين أهل البيت الواحد والعائلة الواحدة والقبيلة الواحدة، ولو كان الناس كلما نشب خلاف دعا داعيهم إلى الانفصال لما بقيت لهم باقية، ولا حول ولا قوة إلا بالله

    أسأل الله تعالى أن يعصمنا من الزلل، وأن يجمع شملنا ويلم شعثنا، ويصلح سرائرنا؛ إنه خير المسئولين وخير المعطين، والحمد لله رب العالمين

  • نوى أن يوقف وقفا ثم تراجع

    لقد توفي الوالد رحمه الله تعالي. تركنا ووالدتنا ومعنا والدته (جدتنا) ونحن بصدد حصر التركة لإبراء ذمتنا من نصيب جدتنا لأنها مسنة وبدأت في مرحلة الخرف ونخشى أن يقضي الله امره قبل أن نعطيها نصيبها الشرعي؛ وفي سبيل ذلك بدأنا بحصر جميع ممتلكات الوالد رحمه الله تعالي من مال وعقار ومنقولات، ومن ضمن العقارات يوجد عقار كان والدنا رحمه الله ينوي أن يجعله وقف ويسجله لصالح وزارة الاوقاف. ولكن بعد النقاش ومشاورة الاسرة عدل عن رأيه هذا وترك الأمر خصوصاً بعد أن كان قد ظهرت بعض التجاوزات وملفات الفساد التي ظهرت للعلن حول تصرف بعض المفسدين في بعض الاوقاف وحولوها لمصالح شخصية. لقد قفل باب هذا الموضوع في حياته وهو بكامل صحته ولم يذكره مجدداً. تفاجأنا بأن وجدنا وصية مكتوبة منذ العام 2008 وبخط يده موجودة ضمن أوراق العقار موضوع الفتوي؛ فهل تعتبر هذه الوصية ملزمة لنا برغم عدوله عنها. ام نتجاهلها

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأسأل الله تعالى أن يتغمد الوالد برحمته وأن يسكنه فسيح جنته، أما بعد

    فللإجابة على هذه المسألة لا بد من بيان جملة أمور:

    أولها: أن الوقف لا ينعقد بمجرد النية بل لا بد من لفظ يقترن بالنية؛ كقوله: وقفت، أو حبست، أو سبّلت، فمجرد نية الوالد رحمه الله تعالى لا ينعقد بها وقف

    ثانيها: إن كان الوالد رحمه الله تعالى قد تلفظ بالوقف فلا يجوز له الرجوع فيه؛ جاء في فتاوى اللجنة الدائمة: لا يجوز الرجوع فيما وقف من الأرض ولا في بعضه لأنها خرجت من ملك الواقف بالوقف، إلا الانتفاع بها فيما جعلت له.ا.هـــ وأما إذا لم يكن قد تلفظ فكما بينت لك في الفقرة الأولى لا ينعقد ذلك الوقف

    ثالثها: الوصية التي وجدتموها بعد وفاته تختلف عن الوقف، حيث إن الوصية تمليك مضاف إلى ما بعد الموت، جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ أَنَّ كِلَيْهِمَا تَبَرُّعٌ، لَكِنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ فِي أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَكُونُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَدْ تَكُونُ بِالْعَيْنِ، وَقَدْ تَكُونُ بِالْمَنْفَعَةِ، أَمَّا الْوَقْفُ فَهُوَ تَبَرُّعٌ فِي حَال الْحَيَاةِ وَبِالْمَنْفَعَةِ فَقَطْ.ا.هــــــ

    رابعها: هذه الوصية وجدت مكتوبة فإن كنتم تجزمون أن تلك هي كتابة الوالد فهي ملزمة لكم وواجب عليكم تنفيذها، لكن هذا التنفيذ مقيد بأن يكون ذلك العقار الموقوف لا يستغرق أكثر من ثلث التركة، لأن الوصية لا تكون إلا في ذلك الحد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم (الثلث، والثلث كثير) والعلم عند الله تعالى.

  • هل يدخل غير المسلم الجنة؟

    أحد الزملاء سأل وبكل جدية قائلا: تعداد البشر حوالى السبعة مليارات منهم تقريباً فقط مليار ونصف من ‏المسلمين ،،، فهل تتصور أن الله سبحانه وتعالى  يدخل فقط المسلمين الجنة  ..!!!  وبقية المليارات تدخل  النار ‏حسب قولكم ..!!!! نرجو الإجابة على تساؤله فقد توقفت عن النقاش معه وقلت له هذه أمور تتعلق بالعقيدة، نسأل فيها أهل  العلم ،،،،  جزاكم  الله  خيرا  ‏

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فأنت مأجور على سؤالك عما أشكل عليك من أمور دينك، ومأجور كذلك عن الامتناع عن الخوض فيما لا علم لك به، ومأجور على إعراضك عن الجدل؛ فإن النبي صلى الله عليه وسـلم قال “أنا زعيم لبيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً” وصاحبك – غفر الله له – مخطئ في اعتراضه العقلي المحض على أمر قدري أخبر عنه ربنا جل جلالـه في القرآن، وقد كان حرياً به أن يسأل قبل أن يستنكر؛ من أجل أن يعرف الحق فيتبعه، وجواباً على السؤال أقول: إن الله تعالى قد خلق الخلق ليعرفوه ويوحدوه ويعبدوه فقال سبحانه {الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما} وقال سبحانه {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} وقد أرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وأخذ عليهم العهد وهم في ظهر أبيهم آدم عليه السلام أن يعبدوه وحده، ثم لما خرجوا إلى الدنيا منهم من وفى بهذا العهد – وهم قليل – وأكثر الناس أعرضوا واستكبروا عن عبادة ربهم وأطاعوا الشياطين فيما أحدثت من عقائد مبتدعة وملل زائغة؛ فقال سبحانه {وإن كثيراً من الناس لفاسقون} وقال {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} وقال سبحانه {ثم عموا وصموا كثير منهم} وقال {وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفرا} وقال {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} {وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم} وقال {وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون} وقال {وإن كثيراً من الناس بلقاء ربهم لكافرون} وقال {وقليل من عبادي الشكور}

    فكان من تمام عدله ورحمته جل جلالـه أن ينعم من آمن به وأطاعه في جنته، وأن يعذب من كفر به وعصاه في نار تلظى {لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى} وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسـلم أن أكثر الناس يوم القيامة في جهنم عياذاً بالله؛ فقد روى البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسـلم قال:  يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا آَدَمُ‼ فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ. فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ. قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ‼ فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَأَيُّنَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ؟ قَالَ: أَبْشِرُوا فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلٌ وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفٌ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ‼ فَكَبَّرْنَا؛ فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ‼ فَكَبَّرْنَا؛ فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ‼ فَكَبَّرْنَا؛ فَقَالَ: مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلاَّ كَالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ، أَوْ كَشَعَرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ.

    فليس الأمر كما ظن صاحبك بل أكثر من ذلك، وسلعة الله – وهي الجنة – غالية؛ لا يدخلها إلا المتقون الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهلها، والله الموفق والمستعان

  • هل يدخل الجن الجنة؟

    معلوم أن الجن الكافر والعاصي المؤمن يعذَّب في النار لكن هل يدخل الجن المؤمن الصالح الجنة مع الإنس وإذا لم يدخل الجنة فما مصيره؟؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالكافر من الجن والإنس مخلَّد في النار؛ لعموم قوله تعالى ((قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ * وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ * إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ * لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ)) وأما العاصي من الجن المؤمن فهو كالعاصي من مؤمني الإنس أمره إلى الله إن شاء عذَّبه وإن شاء غفر له؛ لعموم قوله سبحانه ((إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون لمن يشاء))

    والمؤمن المطيع منهم كالمؤمن المطيع من الإنس يدخل الجنة بفضل الله ورحمته؛ لعموم قوله تعالى ((وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) والله تعالى أعلم.

  • الإستماع لعدنان إبراهيم

    السلام‏ ‏عليكم‏ ‏ورحمة‏ ‏الله‏ ‏وبركاته، ‏التحية‏ ‏العطرة‏ ‏لأستاذ‏ ‏الأجيال‏ ‏شيخنا‏ ‏عبد‏ ‏الحي‏ ‏يوسف‏ ‏حفظه‏ ‏الله‏، ‏في‏ ‏الحقيقة‏ ‏لديَّ‏ ‏صديق‏ ‏حاذق‏ ‏في‏ ‏الكمبيوتر‏ ‏ويراه‏ أبناء‏ ‏عشيرته‏ أنه‏ ‏من‏ ‏أفضل‏ ‏الشباب‏ ‏المثقفين‏، ‏وقد‏ ‏وصلته‏ ‏منحة‏ ‏للسفر‏ ‏إلى‏ ‏أمريكا‏ ‏وكان‏ ‏هنا‏ ‏من‏ ‏أهل‏ ‏السنة‏ ‏والجماعة‏، ‏ولما‏ ‏سافر‏ ‏هناك‏ ‏افتتن‏ ‏بأحد‏ ‏الدعاة‏ ‏وهو‏ ‏المفكر‏ ‏الفلسطيني‏ ‏الذي‏ ‏يعيش‏ ‏بالنمسا‏ ‏المذكور‏ ‏أعلاه‏ ‏بالموضوع‏‏، ‏وأخذ‏ ‏يحث‏ ‏الشباب‏ ‏عليه‏، ‏والمعروف‏ ‏أن‏ ‏الدكتور‏ ‏‏عدنان‏ ‏إبراهيم‏ ‏ينكر‏ ‏نزول‏ ‏عيسى‏ ‏وخروج‏ ‏الدجال‏ ‏والمهدي‏، ‏‏ذكرت‏ ‏لأخي‏ ‏هذا‏ ‏أقوال‏ ‏العلماء‏ ‏فيه،‏ ‏‏ولكنه‏ ‏يرى‏ ‏أن‏ ‏العلماء‏ ‏هؤلاء‏ ‏علماء‏ ‏سلطان‏ ‏وضلاليين‏ ‏على‏ ‏حد‏ ‏زعمه‏، ‏وقد‏ ‏بذلت‏ ‏كل‏ ‏ما‏ ‏في‏ ‏وسعي ‏لأبين‏ ‏له‏ ‏حقيقة‏ ‏هذا‏ ‏الرجل‏ ‏ولكن‏ ‏لا‏ ‏حياة‏ ‏لمن‏ ‏تنادي‏، ‏والذي‏ ‏أخاف‏ ‏أنا‏ ‏منه‏ ‏أن‏ ‏يحرض‏ ‏خاصته‏ ‏لاتباع‏ ‏هذا‏ ‏الرجل‏ ‏‏فما‏ ‏هي‏ ‏نصيحتك‏ ‏لي‏ ‏ولاخي‏ ‏هذا‏؟ ‏وما‏ ‏هو‏ ‏الرد‏ ‏الشرعي‏ ‏‏على‏ ‏هذا‏ ‏الرجل‏ ‏الذي‏ ‏يطعن‏ ‏في‏ ‏سيدنا‏ ‏معاوية‏ ‏وعبد‏ ‏الله‏ ‏بن‏ ‏عمر‏ ‏وأم‏ ‏المؤمنين‏ ‏عائشة‏ ‏والإمام‏ ‏البخاري‏‏؟ ‏‏والله‏ ‏من‏ ‏وراء‏ ‏القصد‏ ‏وهو‏ ‏الهادي‏ ‏الى‏ ‏السبيل‏ ‏

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فشكر الله لك أخي حسن ظنك بي، لكنني لست أستاذاً للأجيال كما ذكرت بل أنا طالب علم، أسأل الله تعالى أن يستر عليَّ ويعفو عني ويتجاوز عن خطئي وتقصيري، كما أسأله سبحانه أن يهدينا جميعاً سواء السبيل، وندعو بالدعاء النبوي المأثور “اللهمَّ فاطرَ السموات والأرض، عالمَ الغيب والشهادة، أنت تحكمُ بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلفَ فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم” ثم إن تأخري في الجواب لأني ما كنت مهتماً بحال المسئول عنه ولا سمعت له شيئاً فطفقت أسأل وأستفسر وأحاول جمع ما تيسر من أقواله؛ حتى يكون الحكم على بينة، لأن الله تعالى علَّمنا أن نقول {وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين} أما الاستعجال فليس من شيم أهل العلم، وقد كان واجباً عليك – أحسن الله إليك – أن تحسن الظن وتبسط العذر لأخيك – قبل أن تنحو باللائمة، ومهما يكن من أمر فإنني أقول: إن للدكتور عدنان إبراهيم جهوداً مشكورة في الرد على الملاحدة الذين ينكرون وجود الله عز وجل، وقد وفِّق في إلزامهم بالحجة وهو مأجور إن شاء الله على ذلك، لكنني أود  أن أنبه على أمور:

    أولاً: ما ينبغي للإنسان العاقل أن يتبعَ كلَّ من كان فصيح اللسان حسن البيان قد أوتي لسانةً ومنطقا؛ بل عليه أن يلزم الجادة ويعضَّ على السُّنن وما كان عليه أهل العلم الذين تلقَّت الأمة أقوالهم بالرضا وجعل الله لهم القبول في الأرض، وهؤلاء لا يمكن أن يوصفوا بأنهم علماء سلاطين أو طلابُّ دنيا؛ لأن القبول من الله عز وجل لا يُشترى بالمال ولا يُفرض من ذي سلطان، وقد قال النبي صلى الله عليه وسـلم “إذا أحبَّ الله عبداً نادى جبريل: إني أحب فلاناً فأحبه؛ فيحبه جبريل ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه؛ فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض” رواه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى في التمهيد: فِيهِ أَنَّ الْوُدَّ وَالْمَحَبَّةَ بَيْنَ النَّاسِ اللَّهُ يَبْتَدِئُهَا وَيَبْسُطُهَا وَالْقُرْآنُ يَشْهَدُ بِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سيجعل لهم الرحمان وُدًّا} قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: يُحِبُّهُمْ وَيُحَبِّبُهُمْ إِلَى النَّاسِ.ا.هـــ

     وعلماء الأمة كانوا ولا يزالون فيهم من أهل التقى والهدى ممن لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً الجمُّ الغفير والعددُ الكثير، والحمد لله رب العالمين، لكن صاحب الهوى إذا أراد أن ينشر هواه فإن أول ما يبدأ به أن يطعن في هؤلاء العلماء من أجل أن يخلو له الجو وتنصت له الأسماع وترنو نحوه الأبصار؛ لأنه يعلم يقيناً أنه لا نُفوقَ لبضاعته ولا رواج لباطله إلا إذا زهد الناس في أولئك العلماء الأعلام، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسـلم إلى هذا المعنى حين قال “إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء؛ حتى إذا لم يُبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا”

    ثانياً: على المسلم الشحيح بدينه أن يكون معظِّماً لرسول الله صلى الله عليه وسـلم وسنته، ولا يقدِّم عقله على شيء منها بل عليه أن يعلم أن العقل مع النقل كالأعمى مع البصير أو كالمقلِّد مع المجتهد، وعليه أن يعلم أن للعقل حدوداً، وأن الشرع وإن لم يكن فيه مُحالات العقول أي ما يحكم العقل بأنه مستحيل إلا أن فيه مَحارات العقول أي ما تتحير فيه العقول، وقد قال سبحانه {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه “لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه” رواه أحمد وأبو داود. وقال عمر رضي الله عنه “أيها الناس اتهموا رأيكم” رواه أحمد والشيخان. قال مُطَرِّفُ بنُ عَبْدِ اللهِ، سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُوْلُ: “سَنَّ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوُلاَةُ الأَمْرِ بَعْدَهُ سُنَناً، الأَخْذُ بِهَا اتِّبَاعٌ لِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتِكمَالٌ بِطَاعَةِ اللهِ، وَقُوَّةٌ عَلَى دِيْنِ اللهِ، لَيْسَ لأَحَدٍ تَغِييرُهَا وَلاَ تَبْدِيلُهَا وَلاَ النَّظَرُ فِي شَيْءٍ خَالَفَهَا، مَنِ اهْتَدَى بِهَا، فَهُوَ مُهتَدٍ، وَمَنِ اسْتَنصَرَ بِهَا، فَهُوَ مَنْصُوْرٌ، وَمَنْ تَرَكَهَا، اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيْلِ المُؤْمِنِيْنَ، وَوَلاَّهُ اللهُ مَا تَوَلَّى، وَأَصْلاَهُ جهنم وساءت مصيرًا”.

    ثالثاً: على طالب العلم الراغب في الهدى أن يميِّز من يأخذ عنه العلم؛ فيعمد إلى من كان مرضيَّاً في دينه عدلاً في سلوكه عفَّ اللسان كثير الإحسان متتابع الذكر لله عز وجل مواظباً على الفرائض معظِّماً للسنن؛ ولا يكفي لأخذ العلم مجرد فصاحة اللسان أو حفظ بعض النصوص؛ وقد قال محمد بْن سِيرِينَ، «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ» رواه مسلم. وقال مالك رحمه الله تعالى – كما ذكر الذهبي في سير النبلاء – “لاَ يُؤْخَذُ العِلْمُ عَنْ أَرْبَعَةٍ: سَفِيْهٍ يُعلِنُ السَّفَهَ، وَإِنْ كَانَ أَرْوَى النَّاسِ، وَصَاحِبِ بِدْعَةٍ يَدعُو إِلَى هَوَاهُ، وَمَنْ يَكْذِبُ فِي حَدِيْثِ النَّاسِ، وَإِنْ كُنْتُ لاَ أتهمه في الحَدِيْثِ، وَصَالِحٍ عَابِدٍ فَاضِلٍ، إِذَا كَانَ لاَ يَحْفَظُ مَا يُحَدِّثُ بِهِ”

    رابعاً: ليس محموداً من المؤمن أن يكون متنقلاً في دينه كلما أعجبه قولٌ أخذ به، بل عليه أن يلزم الحق الذي نطقت به أدلة القرآن والسنة وقال به جمهور العلماء من الأولين والآخرين؛ لا سيما ما كان من مظان الإجماع؛ فإن الله تعالى لا يجمع أمة محمد صلى الله عليه وسـلم على ضلالة، وقد انْصَرَفَ مَالِكٌ يَوْماً، فَلَحِقَهُ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو الجُوَيْرِيَةِ، مُتَّهَمٌ بِالإِرْجَاءِ، فَقَالَ: اسْمَعْ مِنِّي. قَالَ: احْذَرْ أَنْ أَشْهَدَ عَلَيْكَ. قَالَ: وَاللهِ مَا أُرِيْدُ إِلاَّ الحَقَّ، فَإِنْ كَانَ صَوَاباً، فَقُلْ بِهِ، أَوْ فَتَكَلَّمْ قَالَ: فَإِنْ غَلَبْتَنِي؟ قَالَ: اتَّبِعْنِي. قَالَ: فَإِنْ غَلَبْتُكَ؟ قَالَ: اتَّبَعْتُكَ. قَالَ: فَإِنْ جَاءَ رَجُلٌ، فَكَلَّمَنَا، فَغَلَبَنَا؟ قَالَ: اتَّبَعْنَاهُ، فَقَالَ مَالِكٌ: يَا هَذَا، إِنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدِيْنٍ وَاحِدٍ، وَأَرَاكَ تَتَنَقَّل.

    خامساً: من الملاحظات الجوهرية على مسلك الدكتور إبراهيم أنه قد تلقى العلم عن الكتب ولم يُثنِ ركبتيه بين يدي أهل العلم ليتلقى من أدبهم ويتعرف على طريقهم، ومن أراد العلم الصحيح –  في أي فن – فلا بد أن يتلقاه عن أهله المعروفين الضابطين، الذين لا يتسرعون بجواب ولا يميل بهم الهوى، ولا يعني ذلك أنهم معصومون لا يخطئون، بل هم بشر كسائر الناس؛ لكنهم استفرغوا وسعهم وبذلوا طاقتهم في الوصول إلى الصواب. يقول أبو عبد الله بن القيم رحمه الله تعالى: ولما كان التبليغ عن الله سبحانه يعتمد العلم بما يبلغ والصدق فيه، لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق؛ فيكون عالماً بما بلَّغ صادقاً فيه، ويكون مع ذلك حسن الطريقة، مرضيَّ السيرة، عدلاً في أقواله وأفعاله، متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله، وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا يُنكر فضله ولا يُجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيَّات فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات.ا.هــــــــ

    ولا تغني في هذا الباب الكتبُ أو الدخول على مواقع الشبكة الدولية؛ لأن في تلك الكتب والمواقع الشيء النافع والضار، بل فيها السم الناقع؛ وقد قال الله عز وجل {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} وقد قيل “لا تأخذ القرآن من مصحفي ولا الحديث من صُحُفي” والمصحفي هو الذي قرأ القرآن من المصحف دون استعانة بشيخ ضابط، والصُحُفي هو الذي قرأ الحديث من الصحف والأوراق دون رجوع إلى أهله، ثم إن جلوس الطالب مع العالم يختصر طريق الطلب عليه؛ فإن العالم يبيِّن له الاصطلاحات الخاصة في العلم أو الكتاب، والتي يكون الشيخ قد اكتشفها من كثرة المخالطة، أو أخذها عن شيخ تتلمذ عليه من قبل، والعلم وراثة، كما يجمع له قواعد ذلك العلم، ويدله إلى أحسن من تناول المسألة، ويحصل على الملكة العلمية. ويعلِّمه طرق البحث وآداب المناظرة، ويفيده من تجاربه ما لا يجده في كتاب مهما قرأ؛ كما أن جلوسه إلى العالم يُكسبه الأجر والثواب؛ لأنه سعى للعلم من بابه وقد قال عليه الصلاة والسلام “من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة” رواه مسلم. وهو بالجلوس إلى العالم يستفيد من سمته ودلِّه وهيئته وكلامه، ولربما عرضت له شبهة ـ أثناء الدرس ـ فسأل عنها، أو أشكل عليه نص فاستفسر منه، وهكذا فإن مجالسة العالم لا يغني عنها شيء من الوسائط الحديثة. لكن الحال أن بعض الناس ممن برعوا في العلوم التجريبية أو العقلية يظنون أنهم في غنى عن سؤال أهل العلم والجلوس إليهم، ويكتفون بالأخذ عن الكتب دون تمييز، وقد قيل: من جعل شيخه كتابَه، غلب خطؤه صوابَه. ومن عواقب الاستغناء عن سؤال العلماء: سوء التربية، والتطاول على أهل العلم، وسلاطة اللسان، وحصول الفهم السقيم، لأن الشيخ هو مفتاح العلوم الذي يجلِّي المسائل الغامضة، والتي قد يفهمها القارئ فهماً غير سليم، ومن أسوأ العواقب كذلك حصول التصحيف والتحريف كما هو مشاهد في كثير مما يكتبه الناس اليوم أو ينقلونه وقد نظم هذا المعنى غير واحد؛ ومن ذلك الأبيات السائرة لأبي حيان المفسر واللغوي الشهير:

    يظن الغِمْرُ أن الكتب تهدى … … أخا فــهم لإدراك العلوم

    وما يدرى الجهولُ بأن فيها… …  غوامضَ حيَّرت عقل الفهيم

    إذا رُمْتِ العلوم بغير شيخ … …  ضللت عن الصراط المستقيم

    وتلتبس الأمور عليك حتى… …   تصير أضلَّ من توما الحكيم

    تَصَدَّقَ بالبنات على رجالٍ … …يريد بذاك جناتِ النعيــم

    وقد قيل: من دخل في العلم وحده؛ خرج وحده. أي من دخل في طلب العلم بلا شيخ؛ خرج منه بلا علم، إذ العلم صنعة، وكل صنعة تحتاج إلى صانع، فلا بد إذاً لتعلُّمها من معلمها الحاذق، وكان الأوزاعي يقول: كان هذا العلم كريماً يتلاقاه الرجال بينهم، فلما دخل في الكتب دخل فيه غير أهله.

    سادساً: مما لوحظ عليه أنه يعمد إلى الطعن في بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسـلم كطلحة بن عبيد الله وأبي هريرة وأنس بن مالك ومعاوية بن أبي سفيان والمغيرة بن شعبة وغيرهم رضي الله عنهم ويعتمد في ذلك على روايات الإخباريين التي حوتها كتب التاريخ والتي لا تخلو من الأكاذيب والترهات والأباطيل، ويهمل الأصلين العظيمين – القرآن والسنة الصحيحة – التي فيها الثناء على أولئك الأصحاب والترضي عنهم وتزكيتهم، حتى إنه لا يتورع عن وصف معاوية رضي الله عنه بأنه دعي ابن دعي!!! ويصفه بأنه دجال عظيم!! ومن أفحش أقواله زعمه – ولا حول ولا قوة إلا بالله – أنه كان بين عائشة رضي الله عنها وطلحة بن عبيد الله حب!! وتلك – والله – بائقة من أعظم البوائق، وإن كان الطعن في الصحابة عامة علامةَ الخذلان عياذاً بالله تعالى؛ فإن من طعن في الصحابة الكرام كان بالطعن أولى، وهو متهم في دينه بلا ريب؛ لأن الطعن فيهم مستلزم للطعن فيما نقلوا من أخبار ورروا من آثار، ومن ذلك أنه يتهم راوية الإسلام أبا هريرة رضي الله عنه بأنه أسلم من أجل الخرفان!! وأن بني أمية قد شروه بالمال ليروي الأحاديث لهم!!! كيف ذلك وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسـلم “اللهم حبِّب عُبَيدَك هذا وأُمَّه إلى كل مؤمن” رواه مسلم، وقد قال أبو زرعة الرازي رحمه الله تعالى: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسـلم فاعلم بأنه زنديق؛ وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسـلم عندنا حق والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسـلم، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا القرآن والسنة؛ والجرح بهم أولى وهم زنادقة.

    سابعاً: طعنه في علماء الأمة الكبار الذين ملئوا الأرض علماً ونوراً وهدى من أمثال أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري وأبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري ومحمد بن جرير الطبري والحافظ ابن كثير الدمشقي وأبي محمد بن حزم الظاهري وأبي بكر بن العربي المالكي والحافظ الذهبي وأبي العباس بن تيمية وابن عساكر وغيرهم رحمة الله عليهم أجمعين، إلى أن يصل به الحال أن يصف علماء المسلمين اليوم بأنهم ذباب وصراصير وفئران وأرانب وحمير وضُلال!!! إلى غير ذلك من الفحش والقبح الذي يفوه به هذا الرجل هداه الله

    ثامناً: تقديمه عقله القاصر على شرع الله عز وجل في مواطن كثيرة؛ ومن ذلك حكمه الخاطئ بأن قسمة الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين كانت تصلح في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، أما الآن فينبغي أن تكون القسمة سواء لأن الميراث مسألة اقتصادية!! وفي هذا القول من الضلال ما لا يخفى، بل قد يكون كفراً لولا أن قائله قد يُعذر بالجهل. وقد سبقه إلى ذلك بعض أئمة الضلال ممن سرق منهم ذلك ونسبه إلى نفسه، ثم إنه لا يعتد بالإجماع قائلا: لا تقل لي: إجماع المهم أقتنع!!! وقد قال سبحانه {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} وقال النبي صلى الله عليه وسـلم “فإن الله لا يجمع أمتي على ضلالة”

    تاسعاً: الرجل يسيء الأدب مع الله عز وجل حين يصفه بالعبث ويسيء الأدب مع النبي عليه الصلاة والسلام حين ينسب إليه الشك، ويخطِّئ العلماء الكبار الذين هم أولى بالله منه وأعلم بمراد الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسـلم منه حين يصف كلامهم بأنه كلام فارغ، وهم الذين فهموا من قوله صلى الله عليه وسـلم “نحن أولى بالشك من إبراهيم” أنه ينفي عن إبراهيم عليه السلام الشك، وأنه لو شك إبراهيم لشككنا نحن، وهذا على سبيل التواضع منه صلى الله عليه وسـلم وهضم حظ النفس؛ مثلما قال “لو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم دعيت لأجبت الداعي” وقال “ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى” وقال “لا تخيِّروا بين الأنبياء”

    عاشراً: الرجل متناقض مضطرب في أمور عقدية وأخرى فقهية؛ فتارة يحكم على اليهودي والنصراني بأنه يمكن أن يكون من أهل الجنة، وتارة ينكر على المسلم الذي يعتقد أن الإسلام هو الحق المطلق، مع إنكاره جملة من أشراط الساعة كنزول المسيح بن مريم وخروج الدجال إلى غير ذلك مما شاركه فيه غيره من أهل الأهواء، وتارة ينكر حد الردة ويجحده وتارة يثبته ويردُّ على من ينفيه؛ فليس له نهج مضطرد بحيث يحاكَم إليه عند الاختلاف

    وخلاصة ما هنالك أن عدنان إبراهيم ليس أهلاً لتلقي العلم عنه، وليس فوق مستوى الشبهات بل أحسن أحواله أن يقال عنه بأنه متعالم متشبِّع بما لم يُعط، وقد نَصَبَ نفسه للردِّ على الأئمة الكبار وتخطئة جهابذة علماء الأمة، ولا يأمن مستمع أقواله أن يتأثر ببعضها أو كلها إذا كانت بضاعته في العلم مزجاة؛ لأن الرجل قد أوتي فصاحة ولسانة مع جرأة غير محمودة على الخوض فيما لا يحسن، وقد قيل قديماً: الشُّبَهُ خطَّافة، ونبينا صلى الله عليه وسـلم قد أمرنا بالابتعاد عن الدجال فقال “مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ مِنْهُ؛ مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَالِ، فَلْيَنْأً مِنْهُ مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَالِ، فَلْيَنْأً مِنْهُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ يَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ، فَلَا يَزَالُ بِهِ لِمَا مَعَهُ مِنَ الشُّبَهِ حَتَّى يَتَّبِعَهُ” رواه أحمد وأبو داود من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه

    هذا وإني لأسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يهدي المسلمين جميعاً ويمنَّ عليهم بتوبة نصوح، وأن يكفيهم شرَّ كل ذي شرٍّ هو آخذ بناصيته؛ إنه خير المسئولين وخير المعطين، والحمد لله رب العالمين.

  • التصوّف

    ما حكم التصوف؟ هل كل من اتبعه فهو ظالم؟ وما حكم الاستمتاع بالمديح؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فاسم التصوف لا يتعلق به مدح ولا ذم لمجرده، بل العبرة بما يقترن به من مقاربة للشريعة أو مباعدة لها؛ فإذا كان التصوف يعني الزهد في الدنيا والتقلل من متاعها وحسن الخلق ودوام المراقبة وطيب الكسب في عفة طُعْمَة مع تعظيم للشريعة واتباع للسنة فأنعم به وأكرم، أما إذا كان يعني الاعتماد على الأذواق والمواجد وكلام فلان وفلان من الأشياخ مع تنحية الشريعة ومنابذة السنة واعتبارها ظواهر تليق بالعوام دون الخواص، وأن للخواص علماً لدنياً يبيح لهم ارتكاب الفواحش والاجتراء على المحرمات، مع فساد اعتقاد في الأقطاب والأوتاد ـ كما يُسمَّون ـ وأن لهم تصرفاً في الكون؛ فهذا تصوف ما أنزل الله به من سلطان، والله ورسوله منه بريئان.

    وعلى المسلم أن يعمر باطنه بدوام المراقبة وظاهره باتباع السنة وأن يحرص على طلب العلم والاقتداء بالصالحين ليسلم له دينه ويدوم له إيمانه، وليحذر من بنيات الطريق؛ لأن الله تعالى ما تعبدنا بقول فلان أو فلان من الناس، وإنما الحجة والهدى والنور في كتاب ربنا سبحانه وتعالى وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم.

    وأما المديح فإذا كان متضمناً الحث على مكارم الأخلاق والحديث عن الشمائل والمعجزات والثناء على الله تعالى بما أثنى به على نفسه، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم بما عهد عنه في سيرته النضرة وأيامه العطرة دون غلو أو تجاوز، مع خلوه من المعازف وعدم الإسراف فيه فلا حرج إن شاء الله، والاستماع إليه مما يروح به المرء عن نفسه ويطرد عنها الملل. والعلم عند الله تعالى.

  • الصلاة خلف الصف

    ما هو رأي الدين في من يحضر إلى الصلاة ويجد أن الصفوف مكتملة؛ هل الأفضل أن يصلي وحده أم يجر شخصاً من الصف ليصلي معه، وجزاكم الله خيراً؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالأفضل أن يحاول أن يجد لنفسه مكاناً في الصف؛ لأن الناس ـ في الغالب ـ يتركون فرجات فيما بينهم؛ فيمكنه ـ والحال كذلك ـ أن يجد مكاناً، وأما إذا تعذر عليه ذلك فليصل وحده والصلاة صحيحة إن شاء الله؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد وابن ماجه عن علي بن شيبان رضي الله عنه {لا صلاة لمنفرد خلف الصف} محمول على من فعل ذلك اختياراً، أما من فعله اضطراراً فلا شيء عليه وصلاته صحيحة وهذا هو أوسط أقوال العلماء رحمهم الله تعالى.

    وما ينبغي له أن يتخطى الصفوف ليقف إلى جوار الإمام؛ لأن السنة أن يكون الإمام وحده أمام الناس؛ ولا يجر أحداً ليقيم معه صفاً؛ لئلا يشوش عليه صلاته ولئلا ينقله من مكان فاضل إلى مكان مفضول، خاصة إذا علمنا أن الحديث في ذلك لا يصح، أعني حديث وابصة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال لرجل صلى خلف الصف {أيها المصلي: هلا دخلت في الصف، أو جررت رجلاً من الصف؟ أعد صلاتك} قال الشوكاني رحمه الله تعالى: وفيه السري بن إسماعيل وهو متروك، وله طريق أخرى في تاريخ أصبهان لأبي نعيم، وفيها قيس بن الربيع وفيه ضعف، ولأبي داود في المراسيل من رواية مقاتل بن حيان مرفوعاً {إن جاء رجل فلم يجد أحدا فليختلج إليه رجلا من الصف فليقم معه فما أعظم أجر المختلج} والعلم عند الله تعالى.

  • أين الله؟

    هنالك من يقول انه لا يجوز تحديد مكان لله جل جلاله بان نقول أن الله في السماء، وهنالك من يقول بان الله جل جلاله  في السماء أي الفريقين اصح؟ وما الدليل على ذلك؟ أرجو الإفادة بأسرع وقت ممكن وجزاكم الله خيراً

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالذي أنصحك به أخي أن تعنى بتصحيح عقيدتك وتقويم سلوكك والتزود من العلم الشرعي النافع ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، وإياك والمراء في الدين؛ فما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، وأما بخصوص ما سألت عنه فإن الذي عليه أهل الحق بأن الله تعالى مستو على عرشه بائن من خلقه، وأنه موصوف بصفة العلو؛ كما نطقت بذلك آيات القرآن؛ فقال سبحانه {الرحمن على العرش استوى} وقال سبحانه {الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش} وقال سبحانه {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور}

    وهو سبحانه في كل مكان بعلمه؛ كما قال سبحانه {وهو معكم أينما كنتم} وقال سبحانه {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا} فهذه أدلة القرآن الكريم ومثلها في السنة كثير، وهي كافية للمسلم الموحِّد، والله الهادي إلى سواء السبيل.

  • التشكيك في عذاب القبر

     أطل علينا من قناة الشروق في برنامج مقاربات دكتور يدرس في جامعة النيلين (لا داعي لذكر اسمه) كان يقول إن الأحاديث التي يجب أن نقر بصحتها هي فقط التي لها تأييد من آيات القرآن، أما غير ذلك فهو مشكوك فيها بحجة أن الأحاديث لم يتم جمعها إلا في عهد عمر بن عبد العزيز أي بعد قرن ويزيد من وفاة المصطفى عليه أفضل السلام … وكذلك ينكر عذاب القبر بحجة أن العذاب لا يجدي إلا إذا كان الإنسان حياً وليس هناك حياة بعد الموت إلا عند البعث يوم القيامة وجاء بآيات استدل بها منها علي سبيل المثال {من بعثنا من مرقدنا….} ما حكم هذا الكلام؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

     فقول هذا القائل إن السنة لم تدوَّن إلا بعد مائتي سنة من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم هو قولٌ مجافٍ للحقيقة؛ إذ في الأمر تفصيل يحسن الإحاطة به؛ حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم قد منع من ذلك في بداية الأمر حيث روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تكتبوا عني شيئاً سوى القرآن، ومن كتب عني شيئاً سوى القرآن فليمحه” رواه مسلم. ثم أباحه بعد ذلك بدليل قصة أبي شاهٍ اليمني – التي رواها أبو هريرة رضي الله عنه – حين التمس من النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب له شيئاً سمعه في خطبته عام فتح مكة” فقال صلى الله عليه وسلم ” اكتبوا لأبي شاة” متفق عليه، ويدل على أن الكتابة قد حصلت من زمان النبي صلى الله عليه وسلم حديث عليٍّ رضي الله عنه في الصحيحين حين سئل: هل خصَّكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء من الوحي؟ فقال: “لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهماً يؤتيه الله رجلاً في كتابه وما في هذه الصحيفة” ثم ذكر أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم مكتوبة فيها. وفي البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: “لم يكن أحد أكثر حديثاً عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب” وفي رواية: “استأذن رسول الله في الكتابة فأذن له” وفي السنن: أن عبد الله بن عمرو قال يا رسول الله: أكتب عنك في الرضا والغضب؟ فقال اكتب فو الذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق” وأشار بيده إلى فيه.

    وليس في ذلك غرابة فإن أموراً أخرى من جنس ذلك قد نهي عنها ثم أبيحت؛ كنهيه صلى الله عليه وسلم عن زيارة القبور ثم ترخيصه فيها، ونهيه عن القراءة في كتب أهل الكتاب ثم إباحته ذلك، فلعل النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك أولاً خشية اختلاط كلامه بالقرآن حين يكون في الصحف؛ ثم إذن حين أمن ذلك. أو لعله أذن في الكتابة عنه لمن خشي عليه النسيان، ونهى عن الكتابة عنه لمن وثق بحفظه مخافة الاتكال على الكتابة، ثم زال الاختلاف، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته، ولولا التدوين لدرس في الأعصر الأخيرة.

    وقد كان الصحابة يكتب بعضهم لبعض؛ ففي مسند الإمام أحمد عن أبي عثمان النَّهدي قال: كنا مع عتبة بن فَرقَد فكتب إليه عمر بأشياء يحدثه عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكان فيما كتب إليه أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “لا يَلبَسُ الحريرَ في الدنيا إلا من ليس له في الآخرة منه شيء، إلا هكذا” وقال بإصبعيه السبابة والوسطى. قال أبو عثمان: فرأيت أنها أزرار الطيالسة، وكذلك التابعون لهم بإحسان؛ فهذا عروة بن الزبير ـ رضي الله عنهما ـ ينقل عن خالته السيدة عائشة رضوان الله عليها فتقول له: يا بنيَّ، بلغني أنك تكتب عنِّي الحديث ثم تعود فتكتبه. فقال لها: أسمعه منك على شيء ثم أعود فأسمعه على غيره. فقالت: هل تسمع في المعنى خلافًا؟ قال: لا. قالت: لا بأس بذلك. وهذا عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يرسل إلى أبي بكر بن حزم عامله وقاضيه على المدينة قائلاً: (انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء) وأمره أن يكتب ما عند عمرة بنت عبد الرحمن، والقاسم بن محمد. ورغب إلى محمد بن مسلم الزهري أن يكتب بقية حديث أهل المدينة. بل أرسل إلى ولاة الأمصار كلها وكبار علمائها يطلب منهم مثل هذا، فقد أخرج أبو نعيم في تاريخ أصبهان أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أهل الآفاق (انظروا إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجمعوه)

    يقول الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله تعالى: فلما كان عهد عثمان سُمح للصحابة أن يتفرقوا في الأمصار واحتاج الناس إلى الصحابة، وخاصة صغارهم، بعد أن أخذ الكبار يتناقصون يومًا بعد يوم، فاجتهد صغار الصحابة بجمع الحديث من كبارهم فكانوا يأخذونه عنهم. كما كان يرحل بعضهم إلى بعض من أجل طلب الحديث، فقد أخرج البخاري في الأدب المفرد، وأحمد والطبراني والبيهقي، واللفظ له، عن جابر بن عبد الله قال: بلغني حديث عن رجل من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم أسمعه، فابتَعتُ بعيرًا فشددتُ عليه رَحلي ثم سرت إليه شهرًا حتى قدمت الشام، فإذا هو عبد الله بن أُنيس الأنصاري، فأتيته فقلت له: حديثٌ بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المظالم لم أسمعه، فخشيت أن أموت أو تموت قبل أن أسمعه. فقال: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: “يُحشر الناس غُرْلًا بُهْمًا” قلنا: وما بُهْمٌ؟ قال: “ليس معهم شيء، فيناديهم نداء يَسمعه من بعُد كما يَسمعه من قرُب: أنا الدَّيَّان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وأحدٌ من أهل الجنة عنده مَظلَمة حتى أقتَصَّها منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحدٌ من أهل النار يطلبه بمَظلَمة حتى أقتَصَّها منه حتى اللطمة. قلنا: كيف وإنما نأتي عُراةً غُرْلًا بُهْمًا؟ قال: “بالحسنات والسيئات”.

    وأخرج البيهقي وابن عبد البر عن عطاء بن أبي رباح أن أبا أيوب الأنصاريَّ رحل إلى عتبة ابن عامر يسأله عن حديث سمعه من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يبق أحد سمعه منه غيره، فلما قدم إلى منزل مَسلَمة بن مَخلَد الأنصاري، وهو أمير مصر، فخرج إليه فعانقه ثم قال: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ قال: حديث سمعته من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ستر المؤمن. فقال: نعم، سمعتُ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: “من ستر مؤمنًا في الدنيا على كُربته ستره الله يوم القيامة” ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته، فركبها راجعًا إلى المدينة، فما أدركته جائزة مَسلَمة إلا بعريش مصر.

    وخلاصة القول أن السنة قد بدأ تدوينها من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استكمل الصحابة ذلك بعد وفاته.

    وأما قوله بأن عذاب القبر لا فائدة فيه لأن العذاب لا يؤثر إلا على الحي فقول باطل؛ وهذا القائل إنما أتي من جهة أنه يحكِّم عقله في نصوص الشرع؛ فما قَبِلَه عقله فبها وما لا فلا!! ولا شك أن في هذا المسلك افتياتاً على الشرع لأن الغيبيات لا مدخل للعقول في تكييفها، بل ينبغي الاقتصار فيها على السمعيات، أعني ما جاء في القرآن وما ثبت في صحيح سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ويكفينا أن عالم الأرواح لا نملك تكييفاً له وقد قال الله تعالى {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} فلا يحق لعاقل أن يحتج بمثل هذا الكلام على نصوص ثابتة متواترة في القرآن والسنة؛ كقوله تعالى {ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق} وقوله تعالى {النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} وقول النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه “تعوذوا بالله من عذاب القبر” وقوله دبر كل صلاة “اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر” وقوله “إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير؛ بلى إنه لكبير” وقوله عليه الصلاة والسلام “إن هؤلاء يعذبون في قبورهم عذاباً تسمعه البهائم” إلى غير ذلك من النصوص، ويمكن للسائل أن يحيل هذا المشكك – إن كان طالباً للحق لا تابعاً للهوى – إلى بعض كتابات أهل العلم ككتاب (التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة) للإمام أبي عبد الله القرطبي رحمه الله تعالى، أو كتاب (الروح) للإمام أبي عبد الله بن القيم رحمه الله تعالى، أو كتاب (شرح الصدور) للإمام الجلال السيوطي رحمه الله تعالى، والله الهادي إلى سواء السبيل.

زر الذهاب إلى الأعلى