الفتاوى

  • أجبرها والدها على الزواج

    فتاة أجبرها والداها على الزواج من شاب لا يليق بها في الدين والخلق والعلم بالرغم من أنه مسلم، وتعتبر هذه الفتاة أنها إذا قبلت هذا الزواج فقد أرضت والديها، لكنها باعت دينها بالدنيا، فماذا يلزم هذه الفتاة المؤمنة؟ وإذا قام الوالد بعقد النكاح بدون رضا الفتاة فما حكمه؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فلا يحق للوالد أن يجبر ابنته على الزواج بمن لا ترضى؛ إذ العقود كلها في الإسلام مبناها على الرضا؛ كما قال جل جلاله {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} وفي خصوص الزواج لا بد من استئذان البنت والحصول على رضاها؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (البكر تستأذن، وإذنها صماتها) ومتى ما وقع العقد عن غير رضا منها فإنه يقع باطلاً؛ ففي حديث عبد الله بن بريدة رضي الله عنه أنها دخلت على عائشة رضي الله عنها فقالت: إن أبي زوجني من ابن أخيه يرفع بي خسيسته، وأنا كارهة! فقالت عائشة: اجلسي حتى يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فأرسل إلى أبيها فدعاه فجعل الأمر إليها؛ فقالت: يا رسول الله: قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء} رواه أحمد والنسائي

    والذي أنصح به هذه الفتاة أن تعمل على إرضاء والديها إن كان ثمة سبيل إلى القبول بذلك الشاب دون أن يؤثر ذلك على دينها؛ بمعنى أنه إذا كان الشاب مرضيَّاً في الجملة؛ أي أنه يؤدي الفرائض ويجتنب المحرمات؛ فخير لها أن تقبل به وستجد أثر ذلك في دنياها وآخرتها؛ لأنها ما قبلت إلا إرضاء للوالدين، وأسأل الله أن يقدِّر الخير للجميع.

  • زوجي غير ملتزم بالصلاة

    أنا متزوجة، ولي أولاد صغار في السن، زوجي غير ملتزم بالصلاة، يقطع الصلاة، وأحياناً يؤخرها عن وقتها بسبب النوم، وكذلك الصيام، لكنه حسن الأخلاق، ويستمع للمدائح كثيراً، ولا يحب الغناء والحفلات، به صفات طيبة، فماذا أفعل؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فعليك بالإكثار من الدعاء واللجوء إلى الله تعالى بأن يهدي زوجك، ويأخذ بناصيته إلى الخير، ويجعله من خير عباده المؤمنين، الذين هم على صلاتهم يحافظون، والذين هم عن اللغو معرضون، ثم لا تيأسي من دعوته إلى الخير وتشجيعه على الصلاة، ويكون ذلك بكل وسيلة مشروعة من إسماعه شريطاً، أو إهدائه كتاباً، أو مصاحبته إلى المسجد أحياناً، وتحريض بعض الصالحين للحديث معه في هذا الأمر وسوقه إلى بيت الله، وغير ذلك من الأساليب التي ستثمر خيراً بإذن الله، والله الموفق والمستعان.

  • الصلاة خير من النوم

    في الحي الذي تسكن فيه هنالك مسجد يرفع أذان الفجر، وفيه يذكر الصلاة خير من النوم في الأذان الأول!! نرجو توضيح ذلك

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فمن السنة أن تقال هذه الكلمة المباركة في النداء لصلاة الصبح؛ وقد اتفق الأئمة الأربعة رحمهم الله على مشروعية زيادتها في أذان الصبح؛ لما رواه ابن خزيمة والدارقطني والبيهقي من حديث أنس رضي الله عنه قال {من السنة إذا قال المؤذن في أذان الفجر حي على الفلاح، قال: الصلاة خير من النوم} وصححه ابن السكن ولفظه {كان التثويب في صلاة الغداة إذا قال المؤذن: حي على الفلاح} وروى ابن ماجه من حديث ابن المسيب عن بلال رضي الله عنه {أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم يؤذنه لصلاة الفجر، فقيل: هو نائم، فقال: الصلاة خير من النوم مرتين فأُقرَّت في تأذين الفجر} فثبت الأمر على ذلك، قال ابن حجر في التلخيص الحبير: وفيه انقطاع مع ثقة رجاله، وذكره ابن السكن من طريق أخرى عن بلال، وهو في الطبراني من طريق الزهري عن حفص بن عمر عن بلال وهو منقطع أيضاً، ورواه البيهقي في المعرفة من هذا الوجه فقال: عن الزهري عن حفص بن عمر بن سعد المؤذن، أن سعداً كان يؤذن، قال حفص: فحدثني أهلي أن بلالاً فذكره. وروى الطبراني والبيهقي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال {كان الآذان الأول بعد حي على الصلاة حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم مرتين. قال ابن حجر: وسنده حسن. وروى النسائي من حديث أبي محذورة رضي الله عنه قال {كنت غلامًا صبيًا فأذنت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر يوم حنين، فلما انتهيت إلى حي على الفلاح قال {ألحق فيها الصلاة خير من النوم} وهذه الرواية صححها الإمام ابن حزم رحمه الله.

    فالقائلون بأنها في الأذان الأول استدلوا بظاهر حديث ابن عمر الذي فيه {كان الآذان الأول بعد حي على الصلاة حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم مرتين} والقائلون بأنها تقال في الأذان الثاني قالوا: إن النداء الأول الذي يكون قبل الفجر في سدس الليل الآخر إنما جُعِل تنبيهاً للناس من أجل أن يغتسل الجنب ويوتر المتهجد، لا من أجل الإعلام بدخول وقت الصلاة، وعليه فإن هذه الكلمة تقال في الأذان الثاني الذي يكون بعد دخول الوقت بطلوع الفجر الصادق، وأما الروايات التي أفادت أنها تقال في الأذان الأول فإنها تُحمل على أن ذلك كان في أول الأمر ثم استقر على أن تكون في الأذان الثاني، أو أن كلمة الأذان الأول مراد بها الأذان الذي قبل الإقامة؛ لأن الإقامة في لسان الشرع يقال لها: أذان؛ كما في حديث {بين كل أذانين صلاة} فالأولية هنا بالنسبة للإقامة، والعلم عند الله تعالى

  • صلاة شارب الخمر

    إذا تكرمتم لي سؤال سأله أحد الزملاء وهو هل صحيح أن من شاهد أفلام مخلة لا تقبل صلاته 40 يوم وهل من شرب الخمر فعلاً لا تقبل صلاته 40 يوم وما هي الأدلة على التحريم لشرب الخمر أرجو تصحيح الصورة وجزاكم الله خيرا

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فمشاهدة الأفلام المخلة من المنكر العظيم الذي يذهب بالمروءة والدين، وهي من المصائب التي عمت بها البلوى، وقد حرم الله ذلك في كتابه بعموم قوله ((قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق)) وبقوله ((ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن)) وبقوله ((قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون + وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن)) فمن شاهد تلك الأفلام فقد عرض نفسه لسخط الله عز وجل، لكنني لا أعلم دليلاً على ما قاله صاحبكم من أنه لا تقبل له صلاة أربعين يوماً.

    وأما الخمر فهي أم الخبائث وهي مستوجبة للعنة الله تعالى، وقد سماها الله في كتابه رجساً ((إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان)) وأخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن شاربها ملعون وكذلك حاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها وعاصرها ومعتصرها، وأن الميت وهو مصر على شربها كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال، قيل: وما طينة الخبال يا رسول الله؟ قال (عصارة أجسام أهل النار)

    وأما حديث (من شرب الخمر فجعلها في بطنه لم يقبل الله منه صلاة سبعاً إن مات فيها مات كافراً، فإن أذهبت عقله عن شيء من الفرائض لم تقبل له صلاة أربعين يوماً، إن مات فيها مات كافرا) فقد رواه النسائي عن محمد بن آدم. قال الشيخ الألباني: ضعيف. والله تعالى أعلم.

  • حناء العريس

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فبداية لا بد من التنبيه إلى أن هذه المسألة من مسائل الفروع التي يسوغ فيها الخلاف، وقد وقع هذا الخلاف بين أهل العلم الأولين رحمهم الله تعالى، فأجروها كسائر مسائل الفقه التي لا يلزم من الخلاف فيها حصول عداوة أو بغضاء أو تشنيع على المخالف، وهذا هو الأدب الذي تعلمناه منهم؛ لكن بعض الناس يضيق عطنه لأنه ما قرأ في المسألة إلا رأياً واحداً حسبه الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ ولذا تجد هؤلاء يجعلون مسائل الفقه الفرعية كمسائل العقيدة التي لا خلاف عليها ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    وإذا جرى عرف الناس بأن الخضاب وسيلة لإشهار العرس فلا حرج في ذلك شريطة ألا يصحب هذا الأمر اعتقاد فاسد ولا تضييع للصلوات ولا انتهاك للحرمات، بمعنى أن يتولى خضاب العريس محارمه كخالاته وعماته لا أن يتولى ذلك نساء أجنبيات، وألا يكون فيه تشبه بالنساء، وهذه الفتوى مبناها على أن الأصل في العادات الإباحة وفي العبادات المنع، والله تعالى أعلم.

  • حذاء مصنوع من جلد النمر

    ما حكم لبس مركوب الأصلة والنمر؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالأصل في الملبوسات والمأكولات الإباحة؛ عملاً بعموم النصوص كقوله تعالى ((هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا)) وقوله سبحانه ((وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه)) وقوله صلى الله عليه وسلم “كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ، وَلاَ مَخِيلَةٍ” وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ “كُلْ مَا شِئْتَ وَالْبَسْ مَا شِئْتَ مَا أَخْطَأَتْكَ اثْنَتَانِ سَرَفٌ، أَوْ مَخِيلَةٌ” رواهما البخاري؛ فهذا هو الأصل العام، ولا يستثنى منه إلا ما جاء النهي عنه إما لذاته أو لعارض تعلق به.

    ومن ذلك النهي عن جلود النمر؛ فقد ثبت في الحديث الذي رواه أبو داود عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن لبس جلود السباع والركوب عليها. رواه أبو داود وصححه الألباني. وروى كذلك عن معاوية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال “لا تصحب الملائكة رفقة فيها جلد نمر” وقد ذكر أهل العلم أن الحكمة من ذلك ما فيها من الكبر والخيلاء؛ ولأن فيها تشبهاً بالجبابرة؛ ولأنها زي أهل الترف والإسراف.

    ومن ينتعل جلد النمر في قدميه قد يتأول هذه الأحاديث بأن ما لُبس في الرجلين فإنه ممتهن محتقر لا يفيد كبراً ولا خيلاء، ثم إنه يأخذ بمذهب المالكية والحنابلة القائلين بأن الدباغ يطهر كل جلد مأكولاً كان أو غير مأكول؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم “أيما إهاب دبغ فقد طهر”

    وأما جلد الأصلة – على هذا المذهب – فلا حرج في لبسه لأنه يطهر بالدباغ، ولعدم وجود علة الكبر والخيلاء والإسراف في لبسه، والله تعالى أعلم.

  • تقبيل الرجل للرجل

    هل هناك دليل شرعي من القرآن أو السنة يحرِّم تقبيل الرجل لرجل آخر بالفم؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالسنة في حق المسلم إذا لقي مسلماً أن يصافحه، لما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الرجل يلقى صاحبه أينحني له؟ قال {لا} قيل: أيلتزمه ويقبله؟ قال {لا} قيل: أيصافحه؟ قال {نعم} ولا يخفى أن التقبيل في الفم مظنة الشهوة، ولذلك لا يباح إلا بين الزوجين؛ أما بين المرأة والمرأة والرجل والرجل فلا، والعلم عند الله تعالى

  • جماعة المسلمين

    السلام عليكم ورحمة الله.. فى هذا الزمان كل فرقة تدَّعي أنها على الحق الحوثى والقاعدة وحزب الله وأنصار الشريعة والإخوان المسلمين …… الخ، وأنها تريد أن تعيد الخلافة الاسلامية، وهذا طرح نبيل، والدول الإسلامية تقف جنبًا الى جنب مع الأمريكان والاتحاد الأوربى ضدهم وتفتح مجالها الجوى لهم لقتلهم وتدميرهم بجة انهم خطر عليهم، هذه الدول نعلم جميعًا أنها لا تريد الخلافة ولا تريد أن تتخلى عن كراسيها، ولكن ما تقوم به تلك الجماعات من قتل وتشريد وتفجير يجعلنا مرتبكين، فنحن بين جماعات طرحها وغايتها نبيلة ولكن وسيلتها ومنهجها التكفيرى مرعبان، وبين أمراء يحفظون أمن البلاد العباد، ولكنهم فى أيدى أعداء الإسلام فما هو المخرج هدانى الله واياكم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فليس بالضرورة أن تكون القسمة بهذه الثنائية المجحفة إما أن أكون مع حكام يعطلون شريعة الله ويوالون أعداء الله ويحاربون الدعاة إلى الله بدعوى حفظ الأمن، وإما أن أكون مع جماعة غالية تعتمد التكفير والتفجير منهجاً؟ فلا تكن مع هؤلاء ولا مع هؤلاء بل عليك أن تتعلم دين الله عز وجل وتوالي من والى الله ورسوله وتعادي من عادى الله ورسوله؛ كما قال سبحانه {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون. ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون}

    ثم إن في السؤال خلطاً عجيباً حيث سوى السائل بين جماعة الحوثي – وهي جماعة شيعية رافضية تسب الصحابة الكرام وتوالي الملالي في إيران أصحاب العقيدة الزائغة والملة المنحرفة – وكذلك حزب الله وهو على ذات منهج جماعة الحوثي، ثم جماعة القاعدة التي هي أخلاط من الناس فيهم البر والفاجر والأصيل والعميل، ثم جماعة الإخوان المسلمين التي تعلن في أدبياتها أنها لا تعتمد العنف سبيلا، بل السلمية منهجها، ويصدق ذلك أن أفرادها يتعرضون للقتل والأذى على أيدي عملاء اليهود والصليبيين وهم مع ذلك لا يحملون السلاح على المسلمين بل يصبرون ويحتسبون.

    ومهما يكن من أمر فالمطلوب من المسلم أن يسعى في نجاة نفسه وإنقاذها من النار، وليس بضارِّه كثرة الهالكين مهما تعددت الشارات والعناوين، والله الهادي إلى سواء السبيل.

  • الأسباب الشرعية والطبيعية للرزق

    السلام عليكم و رحمة الله وبركاته، لو تفضلتم، مسألة (الرزق وجلب الرزق) يتناولها  الكثير من الدعاة في نشر الدعوة ودعوة الشباب إلى الطريق المستقيم ويذكرون الناس بأحاديث الاستغفار يكثر الرزق والاستقامة تجلب الأموال ومثل ذلك كثير، والمشكلة أن بعض الشباب يرفع سقف التوقعات فيستغفر كثيرا وينتظر الأموال الكثيرة بناء على القصص التي سمعها فلا يحصل على ذلك ثم سرعان ما يعود أدراج الرياح، والناظر في السيرة النبوية  يجد أن النبي صلى الله عليه و سلم يدعو الناس إلى الإسلام من أجل دخول الجنة ورضوان الله وليس من أجل تحصيل الرزق… المرجو توضيح في هذا الباب وجزاكم الله خيرا

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد

    فدين الإسلام قد جاء لتحقيق مصالح العباد في المعاش والمعاد، ولإسعادهم في الدنيا والآخرة، ولذلك تجد آيات القرآن تدعو الناس إلى الهدى والخير مبيِّنةً أن ذلك هو طريق السعادة في الدارين؛ وذلك كقوله تعالى {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه} وقوله تعالى {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} وقوله تعالى {وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقاً} ونحو ذلك من الآيات

    ونبيُّنا صلى الله عليه وسلم حين يدعو الناس إلى الإيمان يبيِّن لهم ما في ذلك من مصالح دنيوية وأخروية كقوله عليه الصلاة والسلام (قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، قولوا: لا إله إلا الله تملكوا بها العرب والعجم) وقوله (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتعود بطانا) إلى غير ذلك من الأحاديث.

    ولذلك النظرة الشرعية الصحيحة في هذا الأمر تنبني على جملة من المفاهيم:

    أولها: حقارة الدنيا وهوانها على الله عز وجل، وأنها لو كانت تزن عنده جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء؛ فليست هي مقياساً لقرب العبد من الله أو بعده عنه، وليست هي معياراً لكرامته على الله أو هوانه عليه، وقد قال ربنا جل جلاله مصححاً الفهم لأولئك المشركين المغرورين {أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين. نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون} ولما مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه على جدي أسكَّ ميت؛ فقال لهم (أيكم يشتري هذا بدرهم؟) ثم قال لهم (والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هوان هذا عليكم)

    ثانيها: أن نبيِّن للناس أن الأرزاق مقسومة والآجال مكتوبة، وأن الرزق والأجل قرينان، وكل ما نبذله إنما هو من باب الأسباب، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها؛ فاتقوا الله وأجملوا في الطلب) ولا بد من أن نعرِّف الناس أن الرزق والأجل قد كُتبا ونحن في بطون أمهاتنا؛ كما ثبت من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

    ثانيها: أن مطلوباً منا الأخذ بالأسباب الشرعية التي نجلب بها الأرزاق من تقوى الله والإكثار من الاستغفار؛ لقوله عليه الصلاة والسلام (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب) والصلاة والسلام على رسول الله، لقوله عليه الصلاة والسلام (تكفى همك ويقضى دينك)والمتابعة بين الحج والعمرة، لقوله (تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد) وصلة الأرحام لقوله (من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه) والإنفاق في وجوه الخير  لقوله (ما من يوم يصبح إلا وينزل فيه ملكان يقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفا) ومصداق ذلك في القرآن قول ربنا جل جلاله {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين}

    ثالثها: أن الأسباب الشرعية لا تغني عن الأسباب الوضعية التي جعلها الله باباً للرزق؛ فإن ربنا جل جلاله قد أمرنا بذلك حين قال {فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه}؛ وقد كان الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أهل حرف؛ فما من نبي إلا ورعى الغنم، وقد كان نبي الله داود عليه السلام حدادا، ومارس نوح عليه السلام النجارة، ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أطيب الكسب قال (عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور) وقال (ما أكل آدميٌّ طعاماً قط خير من أن يأكل من عمل يده) وحثَّ على الزراعة والتجارة والاحتطاب؛ فكل نشاط إنساني نافع إنما يندرج تحت المهمة التي من أجلها استخلفنا الله في الأرض حين قال {هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها}.

    رابعها: لا بد أن نعلم الناس أن الدنيا ليست مقصودة لذاتها، وإنما هي مزرعة للآخرة، وقد ذمَّ الله تبارك وتعالى ناساً فقال {ولكن أكثر الناس لا يعلمون. يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون} ونهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكون الدنيا هي غاية همنا ومبلغ علمنا فقال (من كانت الدنيا همه شتت الله عليه شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له، ومن كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع الله عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة) وقال (من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم لم يبال الله به في أي أوديتها هلك)

    خامسها: لا بد أن نضرب للشباب مثلاً بتلك القدوات الصالحة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن جمع الله لهم بين الخيرين؛ فكانوا في الدنيا أغنياء أهل يسار وسعة وفي الوقت نفسه عملوا لآخرتهم فأعزَّ الله بهم الدين وأصلح بهم الدنيا؛ كالصِّديق أبي بكر رضي الله عنه الذي نال شهادة النبي صلى الله عليه وسلم حين قال (ما نفعني مال مثلما نفعني مال أبي بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا) وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه الذي حُفر الذهب من تركته بالفئوس بعد موته وأصابت كل امرأة من زوجاته ثمانين ألف دينار، وعبد الله بن جعفر رضي الله عنهما الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم فقال (اللهم بارك لعبد الله في صفقة يمينه)

    وأخيراً لا بد أن نعلِّم الناس أن المال ظل زائل وعارية مستردة، ويوم القيامة لا ينفع العبد مال ولا بنون، وأن الأكثرين هم المقلون يوم القيامة إلا من أنفق ماله ابتغاء رضوان الله، والله الموفق والمستعان.

  • كتابة الرزق والأجل

    في الحديث {إن الله خلق آدم، ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره واستخرج منه ذرية، فقال‏:‏ خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون‏؛ فقال رجل‏:‏ يا رسول الله، ففيم العمل‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏إن الله إذا خلق الرجل  للجنة استعمله بعمل أهل الجنة، حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخله به الجنة، وإذا خلق الرجل للنار، استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار، فيدخله به النار} رواه الإمام مالك في الموطأ
    وقال صلى الله عليه وسلم {‏‏إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا نُطْفَةً، ثم يكون عَلَقَةً مثل ذلك، ثم يكون  مُضْغَةً مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات فيقال‏:‏ اكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح،‏ قال‏:‏ ‏‏فوالذي نفسي بيده ـ أو قال‏:‏ فوالذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار، فيدخل النار‏} رواه البخاري ومسلم
    فما معنى أن يكتب رزقه وعمله وشقي أو سعيد مرة أخرى بعد أن كان ذلك قبل خلق آدم؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فكتابة المقادير قد حصلت ـ كما ثبت في الحديث الذي رواه مسلم ـ قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وهذه الكتابة على خمسة أنواع:

    الأولى: التقدير الأزلي وهو الذي كان قبل أن يخلق الله الخلق، والثاني: التقدير يوم أخذ الميثاق كما في الحديث الذي رواه مالك في الموطأ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والثالثة: التقدير العمري كما في الحديث الذي في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، والرابعة: التقدير الحولي وهو الذي يكون في ليلة القدر كما في قوله تعالى )فيها يفرق كل أمر حكيم( قال ابن كثير رحمه الله تعالى: أي: في ليلة القدر يفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر السنة، وما يكون فيها من الآجال والأرزاق، وما يكون فيها إلى آخرها. وهكذا روي عن ابن عمر، وأبي مالك، ومجاهد، والضحاك، وغير واحد من السلف.ا.هـ والخامسة: التقدير اليومي حين تنقل الملائكة من اللوح المحفوظ ما يكون في كل يوم من رزق وأجل وصحة وسقم وغير ذلك مما قدره الله جل جلاله ، وبذلك يعلم أنه لا تنافي بين الحديثين، بل يُحمل كل منهما على حالة دون الأخرى، والله تعالى أعلم.

زر الذهاب إلى الأعلى