الفتاوى

  • كفر اليهود والنصارى

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فكفر اليهود والنصارى مما تظاهرت عليه أدلة الكتاب المطهر؛ كقوله تعالى {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة} وقوله تعالى {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم} وقوله تعالى {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} وقوله تعالى {وقالت اليهود عزير بن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون} وقوله تعالى {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} وقوله تعالى {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون}

    وأما السنة المشرفة فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لاَ يَسْمَعُ بِى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِىٌّ وَلاَ نَصْرَانِىٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وثبت أنه كاتب الملوك النصارى الذين كانوا في عهده يدعوهم إلى الإسلام؛ فكتب إلى هرقل «مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلاَمِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ» وَ{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لاَ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ، وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} رواه الشيخان من حديث عبد الله بن عباس عن أبي سفيان بن حرب رضي الله عنهم. وكذلك كتب إلى النجاشي ملك الحبشة والمقوقس حاكم مصر يدعوهم إلى الإسلام.

    فالإسلام هو الدين الذي بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم، وأكمل به الدين وأتم به النعمة ختم به الشرائع، وهو الذي لا يقبل الله ديناً سواه، ولا ينجو يوم القيامة إلا من لقي الله به؛ قال سبحانه {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} وقال سبحانه {إن الدين عند الله الإسلام} وأما اليهودية والنصرانية فهما في الأصل ديانتان قائمتان على التوحيد وعبادة الله تعالى؛ وقد جاء بهما نبيان كريمان هما موسى الكليم وعيسى روح الله وكلمته، على نبينا وعليهما صلوات الله وسلامه؛ لكن قد دخلهما من التحريف والتبديل ما أحالهما عن حقيقتهما التي جاء بها هذان النبيان الكريمان عليهما سلام الله، وقد كان أتباع هاتين الملتين شديدي العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كما قال سبحانه {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا} وقال سبحانه {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق}.

    فمن زعم أن اليهودية والنصرانية داخلتان تحت مظلة الإسلام الواسع؛ فإننا نقول: ليس هناك إسلام واسع وإسلام ضيق؛ بل الإسلام – إذا أطلق – فلا يراد به إلا دين محمد صلى الله عليه وسلم، وهو دين الأنبياء جميعاً صلوات الله وسلامه عليهم؛ كما قال سبحانه على لسان إبراهيم وإسماعيل {ربنا واجعلنا مسلمين لك} وقال على لسان نوح {وأمرت أن أكون من المسلمين} وعلى لسان يوسف {توفني مسلماً وألحقني بالصالحين} وقال عن يعقوب {أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي؟ قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون} فهؤلاء الأنبياء وأتباعهم مسلمون باعتبارهم كانوا يعبدون الإله الواحد جل جلاله وينطقون بكلمة التوحيد كما قال سبحانه {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} وكلهم شهد لمحمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة؛ كما قال سبحانه {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين}

    أما اليهود والنصارى بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم فليسوا بمسلمين، ولا هم من الناجين؛ لأن الكفر بنبي واحد كفر بسائر النبيين؛ كما قال سبحانه {كذبت قوم نوح المرسلين} وقال {كذبت عاد المرسلين} وقال {كذبت ثمود المرسلين} وقال {كذبت قوم لوط المرسلين} وقال {كذب أصحاب الأيكة المرسلين} وكل واحدة من هذه الأمم كلها ما كذبت إلا نبيها، ومع ذلك نسب الله إليهم تكذيب جميع المرسلين؛ وقال جل من قائل {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا. أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذاباً أليما} فمن زعم أن اليهود والنصارى اليوم داخلون تحت مظلة الإسلام الواسع فهو كذاب أشر أو جاهل أحمق؛ لتكذيبه نصوص القرآن والسنة وما أجمع عليه المسلمون، والله الموفق والمستعان.

  • هدايا العمال

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فشكر الله لك اهتمامك بالسؤال عن أمر دينك والتحري لطيب مكسبك، وأسأل الله لك مزيداً من تقى وهدى وورع، وجواباً على سؤالك أقول:ترجم الإمام البخاري باب: هدايا العمال غلول، وأورد حديث ابن اللتبية الذي وكله النبي صلى الله عليه وسلم على جمع الصدقات، فجاء يقول: هذا لكم وهذا أهدي إليَّ!! فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: «ما بال الرجل نستعمله على عمل من أعمالنا فيقول: هذا لكم وهذا أهدي إليَّ؟ هلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا؟» وعليه فإنه ما ينبغي للموظف أن يقبل الهدية إلا ممن كان يهاديه قبل الوظيفة، وكانت الهدية معقولة من مثله لمثله؛ أما من هاداك بعد الوظيفة فإنه ما أهدى إليك إلا من أجل الوظيفة لا لأنك فلان؛ وكذلك من كان يهاديك قبلها في حدود معينة وبعد الوظيفة صار يأتي بالهدايا ذات القيمة العالية فلا ينبغي لك قبولها “فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام”

    ولا يشمل هذا الحكم الهدايا التي لا خطر لها ولا تأثير، وذلك من جنس ما اعتادت عليه الشركات والبنوك في بداية العام الميلادي من إهداء المفكرات والأقلام وبعض الحقائب، فمثل هذه لا حرج في قبولها لأنها ليست رشوة في العرف ولا يراد من ورائها الوصول إلى مأرب أو التحايل على حق، وأما الهدايا الرفيعة التي لا تعطى إلا للخاصة فما ينبغي لكم قبولها؛ لأن هدايا العمال غلول، وإنما تعطى لكم لصفاتكم الوظيفية لا لأشخاصكم، ومن عجز عن ردها إلى الجهة المانحة أو الجهة التي يعمل بها فإنه يتصدق بقيمتها في بعض وجوه الخير، وبذا تبرأ ذمته، والله تعالى أعلم.

  • وظيفة بالواسطة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فإن الشفاعة ـ وهي بلغة اليوم الوساطة ـ إذا كانت لتحصيل حق أو دفع ظلم أو إصلاح بين الناس فهي مستحبة مطلوبة وقد أمر بها النبي صلى الله عليه وسـلم في قوله “اشفعوا تؤجروا” ومارسها صلى الله عليه وسـلم عملياً حين شفع عند بريرة مولاة عائشة ـ رضي الله عنهما ـ حين أرادت أن تفارق زوجها مغيثا، فقالت له: أتأمرني؟ قال: “لا إنما أنا شافع”. قالت: لا حاجة لي فيه. وقد رتب الله عليها الأجر والثواب في قوله تعالى {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها}

    وأما إذا كانت الشفاعة لإسقاط حد من حدود الله تعالى أو إعانة على ظلم أو دفع شيئ لمن لا يستحق أو رجا بها الشافع رشوة أو هدية من المشفوع فيه فهي شفاعة محرمة وصاحبها آثم؛ كما قال سبحانه {ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها}، وبذلك يُتبيَّن جواب ما سئل عنه. وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسـلم على أسامة بن زيد رضي الله عنهما حين شفع في المرأة المخزومية التي سرقت وأراد النبي صلى الله عليه وسـلم أن يقطع يدها؛ فقال مُنكراً “أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة” وفي سنن أبي داود من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ وَمَنْ خَاصَمَ فِى بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ لَمْ يَزَلْ فِى سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ عَنْهُ وَمَنْ قَالَ فِى مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ أَسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ»

    والأصل في الدولة المسلمة أن يحصل كل امرئ على حقه دونما حاجة إلى واسطة أو شفاعة، لكن قد غلب على الناس استعمال هذه الأساليب إن بحق أو بباطل، للوصول إلى ما يشتهون من الأموال أو المناصب، ولعل الفساد الإداري الضارب بأطنابه في بلادنا هو الذي يحوج كثيرا من الناس إلى مثل هذه الأساليب، ونسأل الله أن يصلح فساد المسلمين.

    ولما كان هذا الأمر مما عمت به البلوى وعظمت منه الشكوى فإننا ننصح السائلة – وقد نالت ما ليس بحق لها؛ حيث إن شهاداتها لا تؤهلها لتلك الوظيفة، ولعله قد تقدم لها من هو أكفأ منها وأجدر وأحق – بأن ترفع أمرها إلى المسئولين عنها فينظروا في أدائها للعمل الذي كلفت به، ومدى كفاءتها في القيام بتلك الأعمال وبناء على ذلك يكون الحكم، والله الموفق والمستعان.

  • نذرت الصوم ولم توفِ

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فبداية لا بد من التنبيه على كراهة النذر المشروط؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم ” «لاَ تَنْذُرُوا فَإِنَّ النَّذْرَ لاَ يُغْنِى مِنَ الْقَدَرِ شَيْئًا وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ» رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، والترمذي وقال: وفي الباب عن ابن عمر. قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم وكرهوا النذر، وقال عبد الله بن المبارك: معنى الكراهية في النذر في الطاعة والمعصية وإن نذر الرجل بالطاعة فوفى به فله أجر ويكره له النذر.ا.هــــــ والمسلم يعلم أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، نذر أم لم ينذر.

    والواجب على من نذر طاعة أن يوفي بها؛ لأن الله تعالى أمر بذلك فقال ((وليوفوا نذورهم)) ومدح أهل الوفاء فقال ((يوفون بالنذر)) وقد قال عليه الصلاة والسلام {من نذر أن يطيع الله فليطعه} رواه البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.  اللهم إلا إذا عجز عن الوفاء بسبب عذر لا يرجى زواله ككبر سن أو مرض مزمن يمنع من الصيام فإنه يلزمه كفارة يمين، لقوله صلى الله عليه وسلم “من نذر نذراً لم يسمِّه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً لم يطقه فكفارته كفارة يمين” رواه أبو داود وابن ماجه. قال ابن قدامة رحمه الله في المغني: وإن عجز لعارض يرجى زواله من مرض أو نحوه انتظر زواله ولا تلزمه كفارة ولا غيرها؛ لأنه لم يفت الوقت فيشبه المريض في شهر رمضان، فإن استمر عجزه إلى أن صار غير مرجو الزوال صار إلى الكفارة والفدية.ا.هــــــ

    وعليه فالمطلوب من هذه المرأة أن تكفِّر كفارة يمين بإطعام عشرة مساكين؛ أو كسوتهم، وبذلك تبرأ ذمتها، والعلم عند الله تعالى.

  • نبش قبر غير المسلم من مقابر المسلمين

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فالأصل أن يدفن المسلم في مقابر المسلمين؛ وعلى هذا جرى العمل منذ عهد النبي صلى الله عليه وسـلم وإلى يوم الناس هذا، ولا يجوز دفنه في مقابر المشركين، حيث كان للمسلمين مقبرتهم ولغير المسلمين مقبرتهم، ولزيارة مقبرة المسلمين آدابها من الدعاء لهم والسلام عليهم حيث ثبت عن النبي صلى الله عليه وسـلم أنه كان يقول: “السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية”. وأمرنا صلى الله عليه وسـلم إذا مررنا بمقابر المشركين أن نبشرهم بالنار؛حيث روى ابن ماجه في سننه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسـلم قال لأعرابي “حَيْثُمَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ مُشْرِكٍ, فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ, قَالَ: فَأَسْلَمَ الأَعْرَابِيُّ بَعْدُ، وَقَالَ: لَقَدْ كَلَّفَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ تَعَبًا، مَا مَرَرْتُ بِقَبْرِ كَافِرٍ إِلاَّ بَشَّرْتُهُ بِالنَّارِ”

     كما أن دفن غير المسلم في مقابر المسلمين يفضي إلى أذية أهل القبور بعذاب ذلك المشرك؛ لأنه عذاب دائم غير منقطع قال تعالى {النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب}.

    ولذلك نص العلماء على أنه لو ماتت امرأة ذمية وفي بطنها جنين من مسلم أنها تدفن بين مقابر المسلمين والمشركين أو في فلاة من الأرض أو في مقابر المسلمين وكأنها صندوق للجنين؛ رعاية لحق الجنين المسلم؛ لئلا يتأذى بعذاب المشركين لو دفن بينهم، ورعاية لحق المسلمين الموتى لئلا يتأذوا بعذاب تلك المرأة الكافرة.

    وإذا دفن غير المسلم في مقابر المسلمين فإن الواجب نبشه ورده إلى مقبرة أهل ملته إن أمكن ذلك بغير مفسدة أكبر، وكذلك الحال في المسلم الذي دفن بين قوم كفار؛ لأن نبش القبر جائز إذا وجد السبب الموجب أو المبيح لذلك؛ استدلالاً بفعل النبي صلى الله عليه وسـلم حين أخرج عبد الله بن سلول من لحده وتفل في فمه من ريقه الشريف وصلى عليه رجاء أن يرحمه ربه وذلك قبل نزول قوله تعالى {ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله}

    والأصل أن الميت إذا وضع في قبره فقد تبوأ منزلاً وسبق إليه فهو حبس عليه ليس لأحد التعرض له، ولا التصرف فيه، ولأن النبش قد يؤدي إلى كسر عظم الميت وامتهانه. وقد قال النبي “كسر عظم الميت ككسره حياً” رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. هذا هو الحكم المقرر عند أئمة أهل العلم، لكنهم قرروا كذلك أنه يجوز نبش قبر الميت وإخراجه منه إذا دعت إلى ذلك ضرورة أو مصلحة إسلامية راجحة يقررها أهل العلم.

    وقد سبق إلى القول بذلك إمام من أئمة أهل السنة وهو أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، في المغني لابن قدامة رحمه الله: وسئل أحمد عن الميت يُخرج من قبره إلى غيره فقال: إذا كان شيء يؤذيه، قد حُوِّل طلحة وحُوِّلت عائشة، وسئل عن قوم دفنوا في بساتين ومواضع رديئة. فقال: قد نبش معاذ امرأته، وقد كانت كفنت في خَلَقَيْن فكفَّنها، ولم ير أبو عبد الله بأساً أن يحوَّلوا.

    وعن جابر رضي الله عنه قال: دُفن مع أبي رجل، فلم تطب نفسي حتى أخرجته فجعلته في قبر على حدة}رواه البخاري والنسائي. قال الشوكاني رحمه الله: فيه دليل على أنه يجوز نبش الميت لأمر يتعلق بالحي. والعلم عند الله تعالى.

  • استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فإن الله تعالى قد أوجب علينا التطهر قبل الوقوف بين يديه مصلين فقال سبحانه { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} وهذا التطهر يكون بالماء الطهور الباقي على أصل خلقته، ولم يتغير أحد أوصافه لا لونه ولا طعمه ولا ريحه، سواء نزل من السماء أو نبع من الأرض؛ كماء المطر وماء البحر وماء العيون وماء الآبار ونحوها. فإذا خالط الماء نجس فغير لونه أو ريحه أو طعمه فإنه ينجس ولا يجوز استعماله في عبادة ولا عادة، أما إذا تغير بشيء طاهر كلبن وعصير ونحوهما فإنه يكون طاهراً يستعمل في العادات كالأكل والشرب، لكنه غير طهور فلا يستعمل في العبادات كالوضوء والغسل وتطهير البدن والثوب. قال ابن أبي زيد رحمه الله تعالى في الرسالة: وما غير لونه بشيء طاهر حل فيه فذلك الماء طاهر غير مطهر في وضوء أو طهر أو زوال نجاسة، وما غيرته النجاسة فليس بطاهر ولا مطهر لغيره.ا.هــــ

    وقد قرر فقهاؤنا رحمهم الله أن الماء النجس إذا عولج حتى طهر فإنه يجوز استعماله في العادات والعبادات، وتكون معالجته بمكاثرته بالماء الطهور حتى يغلب عليه؛ فإن كوثر بالماء الطهور حتى زال التغير، أو زال تغيره بطول مكثه فقد طهر، وهذا عند الشافعية والحنابلة رحمهم الله تعالى، أما المالكية رحمهم الله فإنهم يتفقون في تطهير الماء المتنجس بالمكاثرة بالماء الطهور، أما زوال النجاسة بطول المكث ففيه قولان عندهم بالطهارة وعدمها، والراجح عندهم عدم التطهر

    وعليه فإنه إذا أمكن تطهير مياه الصرف الصحي وتنقيتها من آثار النجاسة طعماً ولوناً ورائحة فلا حرج في استعمالها في العادات والعبادات؛ لأن وصف الماء الطهور ينطبق عليه والحالة هذه؛ كما أن العلة المانعة من استخدامه وهي النجاسة قد زالت، ومعلوم أن الحكم يزول بزوال علته، والعلم عند الله تعالى.

  • قضية التكفير

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    أولاً: الحكم بتكفير المسلم من أخطر الأحكام التي ما ينبغي أن يجترئ عليها الناس؛ فقد نهت الشريعة عن إطلاق اللسان بتكفير المسلم ـ أياً كان ـ لما ثبت في الصحيحين عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال {إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر؛ فقد باء بها أحدهما} وفي الحديث الآخر في الصحيحين كذلك {ومن دعا رجلاً بالكفر أو قال: عدو الله، وليس كذلك إلا حار عليه} أي رجع عليه ما قاله. قال الحافظ رحمه الله في الفتح 1/466: والتحقيق أن الحديث سيق لزجر المسلم عن أن يقول ذلك لأخيه المسلم، وقيل: الراجع هو التكفير لا الكفر.ا.هــ[1] والواجب على المسلم أن يتورع عن إطلاق هذا اللفظ الخطير على أخيه المسلم؛ قال الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله، ولا بخطأ أخطأ فيه كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة.ا.هــ انظر: الفتاوى الكبرى 3/282

    ثانياً: التكفير حكم شرعيٌّ تترتب عليه أحكام خطيرة منها: أن المحكوم بكفره لا يحل لزوجته البقاء معه؛ لقوله تعالى }لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن( ولا يجوز لأولاده البقاء تحت سلطانه لقوله تعالى }ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا{ وتنقطع الولاية بينه وبين مجتمع المؤمنين؛ لقوله تعالى }لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء{ ويجب تقديمه للقضاء ليقيم فيه حكم الله؛ لقوله e {من بدل دينه فاقتلوه} رواه البخاري وبعد موته لا تجرى عليه أحكام موتى المسلمين؛ فلا يُغسَّل، ولا يُكفَّن، ولا يُصلَّى عليه[2]، ولا يُدفَن في مقابر المسلمين، ولا يورث ماله، ولا يُدعَى له بالرحمة والمغفرة؛ لقوله تعالى }ولا تصلِّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون{ ويستوجب الخلود في جهنم مع لعنة الله تعالى وغضبه.

    ثالثاً: الأصل فيمن ينتسب للإسلام بقاء إسلامه حتى يتحقق زوال ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي، ولا يجوز التساهل في تكفيره لأن في ذلك محذورين عظيمين: أحدهما: افتراء الكذب على الله تعالى في الحكم، والثاني: افتراء الكذب على المحكوم عليه في الوصف الذي نبزه به. أما الأول فواضح حيث حكم بالكفر على من لم يكفِّره الله تعالي فهو كمن حرَّم ما أحل الله؛ لأن الحكم بالتكفير أو عدمه إلى الله وحده كالحكم بالتحريم أو عدمه. وأما الثاني فلأنه وصف المسلم بوصف مضاد، فقال: إنه كافر، مع أنه بريء من ذلك، وحريٌّ به أن يعود وصف الكفر عليه لما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – أن النبي e قال {إذا كفَّر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما} وفي رواية {إن كان كما قال وإلا رجعت عليه} وله من حديث أبي ذر t أن النبي e قال {ومن دعا رجلاً بالكفر أو قال: عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه} يعني رجع عليه. وقوله في حديث ابن عمر {إن كان كما قال} يعني في حكم الله-تعالى- وكذلك قوله في حديث أبي ذر t {وليس كذلك} يعني في حكم الله تعالى.

    رابعاً: الذي يحكم بردة المسلم وكفره هم الراسخون في العلم من أهل الاختصاص الذين يميِّزون بين القطعي والظني، وبين المحكم والمتشابه، وبين ما يقبل التأويل وما لا يقبل التأويل، فلا يكفّرون إلا بما لا يجدون له مخرجًا، مثل: إنكار المعلوم من الدين بالضرورة، أو وضعه موضع السخرية من عقيدة أو شريعة، ومثل سبِّ الله تعالى ورسوله، أو كتابة ذلك السبِّ علانية، ونحو ذلك. ثم إن الذي يناط به تنفيذ حكم الردة هو ولي الأمر الشرعي، بعد حكم القضاء الإسلامي المختص؛ الذي لا يحتكم إلا إلى شرع الله U، ولا يرجع إلا إلى المُحْكمات البَيِّنات من كتاب الله تعالى وسنة رسوله e، وهما المرجعان اللذان يُرجَعُ إليهما إذا اختلف الناس، وهو الأمر الذي أكَّد عليه الله تعالى بقوله }فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً{ فليس الحكم بالردة والكفر موكولاً إلى آحاد الناس وصغار الطلبة؛ بل الأمر في ذلك عظيم، وحريٌّ بالعاقل أن يتورع عن إطلاق القول فيه.

    خامساً: المسألة الواردة يلاحظ فيها أولاً: أن الجهاز الذي وقع في دورة المرحاض ليست له حرمة المصحف الشريف، وثانياً: أن الشخص لم يتعمد إلقاء ذلك الجهاز، بل حصل ذلك دون إرادة منه، والله تعالى يقول )وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم( قال خليل بن إسحاق المالكي رحمه الله حين بيان ما يعد ردة: الردة كفر المسلم؛ كإلقاء مصحف بقذر. قال الخرشي: كإلقاء مصحف، ومما يرتد به وضعه بالأرض مع قصد الاستخفاف انظر حاشية الخرشي على خليل 8/ 62. وقال الإمام أبو يحيى الأنصاري في أسنى المطالب وهو يعدد ما تحصل به الردة: وإلقاء مصحف أو نحوه ككتب الحديث في قذر استخفافاً.ا.هــــــــــــــ انظر أسنى المطالب 19/399

    سادساً: لا حاجة إلى ردم ذلك المرحاض ولا دفنه، بل الواجب بذل الجهد في نزحه حتى يستخرج ما وقع فيه ـ من معظَّم كمصحف أو كتاب حديث أو ما فيه ذكر الله ـ إن أمكن، وإلا فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، والعلم عند الله تعالى.

  • يسيئون للإسلام

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فإن رد الشبهات وإبطال الترهات، والدفاع عن دين الإسلام من فروض الكفايات التي ينبغي أن يضطلع بها ثلة من أهل العلم الثقات الحاذقين، وليست هذه المهمة موكولة إلى آحاد الناس  ممن ضعف علمُهم وقلَّت بضاعتهم؛ لعموم قوله تعالى {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} وقوله سبحانه {ولو ردوه إلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «هلا سألوا إذ جهلوا؟ إنما شفاء العي السؤال» وكذلك الصحابة رضي الله عنهم كانوا إذا أشكل عليهم شيء رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه مثلما صنع المغيرة بن شعبة رضي الله عنه حين سأله أهل الكتاب عن قوله تعالى عن مريم {يا أخت هارون} وبين هارون ومريم قرون متطاولة؛ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «إنما كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم وصالحيهم»

    وعليه فما ينبغي لكل أحد أن يدخل على تلك المواقع المسيئة، ولا أن يتجشم عناء الرد عليهم؛ لأن الشبهة قد تعلق بالقلب ولا يستطيع لها دفعاً؛ وقد قال علماؤنا: الشبه خطافة والقلوب ضعيفة. ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وعلى المرء الذي وقعت عينه على شيء من ذلك أن يدل أهل العلم عليها من أجل أن يتفرغوا لها ويعملوا على دفع تلك الشبهات وحماية جناب الدين من اعتداء المعتدين، كما نوصي الجهات المسئولة – في الهيئة القومية للاتصالات وغيرها – أن تعمل على حجب تلك المواقع المسيئة، والحيلولة دون اننشار شرها، والله الموفق والمستعان.

  • وقع في مقدمات الزنا

    السؤال: ما حكم من قام بالاستمتاع الذي يكون بين الأزواج بفتاة ويرغب بالزواج منها؛ لكنه لم يقم بالجماع أبداً معها، والفتاة ما زالت عذراء، ولكن بمداعبته بيه لأعضائها من تحت، وحدث ذلك أثناء مقابلتهم والحديث معها بسيارته أربع مرات، بدون قد زواج وذلك بالاتفاق بينهم على نية الزواج، وذلك بسبب رفض أهلها له، وقد تقدم لأهلها بعد ذلك ورفضوا، وهو إلى اليوم يريد الزواج منها بعد موافقة أهلها؛ فماذا يفعل؟ وما حكم ما فعلوا؟ وهل يترتب عليه أي عقوبة؟ وكيف يتوبون منه؟ فهما نادمان بسبب ما حدث منهم مع عدم إتمام زواجهم لعدم موافقة أهلها.

    الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالزنا الذي يترتب عليه إيقاع الحد هو إيلاج فرج في فرج محرم شرعاً مشتهى طبعا، وأما ما دون ذلك من مقدمات الزنا فلا يترتب عليه حد، ولا يسمى زنا إلا مجازا؛ لكن فيه إثماً عظيماً؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم “العينان تزنيان، وزناهما النظر، والأذنان تزنيان، وزناهما السمع، واليدان تزنيان، وزناهما البطش، والرجلان تزنيان، وزناهما المشي، والقلب يشتهي ويتمنى، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه” فعلى من وقع في شيء من ذلك أن يبادر بتوبة نصوح قبل الفوات، ولا مانع من أن يسعيا إلى الزواج الحلال الذي يحصل به الإعفاف ويبذلا الأسباب الموصلة إلى ذلك، والله الموفق والمستعان.

  • سبعون ألفا يدخلون الجنة

    ما هي صفتهم على وجه الدقة؟ وماذا لو مرض المسلم فتطبب عند الطبيب هل يخرجه هذا من دائرة السبعين؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد روى البخاري ومسلم من حديث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ مَعَهُمُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، حَتَّى رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ قُلْتُ: مَا هَذَا؟ أُمَّتِي هَذِهِ؟ قِيلَ: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ. قِيلَ: انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ فَإِذَا سَوَادٌ يَمْلأُ الأُفُقَ، ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا فِي آفَاقِ السَّمَاءِ؛ فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلأَ الأُفُقَ، قِيلَ: هَذِهِ أُمَّتُكَ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَؤُلاَءِ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ” ثُمَّ دَخَلَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ؛ فَأَفَاضَ الْقَوْمُ وَقَالُوا: نَحْنُ الَّذِينَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاتَّبَعْنَا رَسُولَهُ فَنَحْنُ هُمْ، أَوْ أَوْلاَدُنَا الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الإِسْلاَمِ فَإِنَّا وُلِدْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَخَرَجَ فَقَالَ: “هُمُ الَّذِينَ لاَ يَسْتَرْقُونَ، وَلاَ يَتَطَيَّرُونَ، وَلاَ يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ” فَقَالَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ أَمِنْهُمْ أَنَا يا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: “نَعَمْ” فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا؟ قَالَ: “سَبَقَكَ عُكَّاشَةُ” فعلم من هذا الحديث أن هؤلاء السبعين ألفاً لا بد فيهم من أربع صفات، نسأل الله أن يجعلنا منهم:

    الصفة الأولى: هم الذين لا يسترقون، والمراد بذلك الرقى بغير ما ورد به الشرع، أما ما ورد به الشرع; فليست داخلة في ذلك، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الفاتحة: “وما يدريك أنها رقية” وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم رقى جمعاً من أصحابه بدعوات طيبات كقوله صلى الله عليه وسلم “اللهم رب الناس، أذهب الباس، اشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما” وقوله “بسم الله، تربة أرضنا، بريقة  بعضنا، يشفى سقيمنا بإذن ربنا” فلا مانع من أن يرقي الإنسان غيره أو يطلب الرقية من غيره، قال الإمام أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى: وكان عليه السلام قد رقى ورقي وأمر بها وأجازها، فاذا كانت بالقرآن أو بأسماء الله تعالى فهي مباحة أو مأمور بها، وإنما جاءت الكراهية والمنع فيما كان منها بغير لسان العرب؛ فإنه ربما كان كفراً أو قولاً يدخله الشرك. قال: ويحتمل أن يكون الذي يكره من ذلك ما كان على مذاهب الجاهلية التي يتعاطونها، وأنها تدفع عنهم الآفات ويعتقدون ذلك من قبل الجن ومعونتهم.ا.هـــــ وقال ابن التين رحمه الله تعالى: الرقى بالمعوذات وغيرها من أسماء الله تعالى هو الطب الرباني؛ فاذا كان على لسان الابرار من الخلق حصل الشفاء باذن الله تعالى.ا.هــــ وقال أبو الحسن بن القابسى: معنى لا يسترقون. يريد الاسترقاء الذى كانوا يسترقونه فى الجاهلية عند كهانهم وهو استرقاء لما ليس فى كتاب الله ولا بأسمائه وصفاته، وإنما هو ضرب من السحر، فأما الاسترقاء بكتاب الله والتعوذ بأسمائه وكلماته فقد فعله الرسول وأمر به ولا يخرج ذلك من التوكل على الله، ولايرجى فى التشفى به إلا رضا الله.ا.هـــــــــ وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: فالرقية في ذاتها ليست ممنوعة وانما منع منها ما كان شركا أو احتمله ومن ثم قال صلى الله عليه و سلم اعرضوا علي رقاكم ولا بأس بالرقى ما لم يكن شرك.ا.هــــــــــــــ وقال الجلال السيوطي رحمه الله تعالى: قد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: أن يكون بكلام الله أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربي وبما يعرف معناه، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله تعالى.ا.هـــ

    ثانيها: لا يتطيرون، والطيرة هي التشاؤم بمعلوم مرئياً كان أو مسموعاً، زماناً كان أو مكانا، وسميت كذلك لأن العرب كانوا يتشاءمون بأنواع من الطير، ويتشاءمون بالطير إذا طارت ناحية الشمال، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم “ليس منا من تَطَيَّر أو تُطُيِّر له”

    ثالثها: لا يكتوون، قال ابن بطال رحمه الله تعالى: ومعنى ذلك الذين يكتوون معتقدين أن الشفاء بيد الله لا بعلاجه، من اعتقد أن الله هو الذى شفاه به فهو المتوكل على ربه التوكل الصحيح، ولا أحد يتقدم النبى عليه السلام فى دخول الجنة ولا يسبقه إليها وقد قال:  «أنا أول من يقرع باب الجنة فيقال لى: من أنت؟ فأقول: محمد. فيقول الخازن: أمرت ألا أفتح لأحد قبلك» قالوا: وقد كوى عليه السلام جماعة من أصحابه، كوى أبا أمامه أسعد بن زرارة من الذبحة، وكوى سعد بن معاذ من كلمه يوم الخندق، وكوى أبى بن كعب على أكحله حين أصابه السهم يوم أحد، وكوى أبو طلحة فى زمن النبى عليه السلام، وقال جرير بن عبد الله: أقسم عليَّ عمر بن الخطاب لأكتوين، واكتوى خباب بن الأرت سبعًا على بطنه، واكتوى من اللقوة ابن عمر ومعاوية وعبد الله بن عمرو، روى ذلك كله الطبرى بأسانيد صحاح.ا.هـــــــ قال الطبرى: فبان أن معنى الحديث ماقلناه وأن الصواب فى حد التوكل الثقة بالله تعالى والاعتماد فى الأمور عليه، وتفويض كل ذلك إليه بعد استفراغ الوسع فى السعى فيما بالعبد الحاجة إليه من أمر دينه ودنياه على ما أمر به من السعى فيه لا مالقله الزاعمون أن حدة الاستسلام للسباع وترك الاحتراز من الاعداء ورفض السعى للمكاسب والمعاش، والإعراض عن علاج العلل؛ لأن ذلك جهل وخلاف لحكم الله فى بعاده. وخلاف حكم رسوله فى أمته وفعل الأثمه الراشدين.

    رابعها: وعلى ربهم يتوكلون؛ بمعنى أنهم يأخذون بالأسباب ويفوضون النتائج إلى الله تعالى، فلا يعتمدون على السبب وحده، بل يعتقدون أن الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

    قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: يحتمل أن تكون هذه الجملة مفسرة لما تقدم من ترك الاسترقاء والاكتواء والطيرة، ويحتمل أن تكون من العام بعد الخاص؛ لأن صفة كل واحدة منها صفة خاصة من التوكل وهو أعم من ذلك.ا.هـــــ وقال القرطبي وغيره قالت طائفة من الصوفية لا يستحق اسم التوكل الا من لم يخالط قلبه خوف غير الله تعالى حتى لو هجم عليه الأسد لا ينزعج وحتى لا يسعى في طلب الرزق لكون الله ضمنه له وأبى هذا الجمهور وقالوا يحصل التوكل بأن يثق بوعد الله ويوقن بأن قضاءه واقع ولا يترك اتباع السنة في ابتغاء الرزق مما لا بد

    أما ذهاب المريض إلى الطبيب وطلبه العلاج عنده فلا ينافي التوكل، ولا يفهم من هذا الحديث منع التداوي؛ قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: احتج بعض الناس بهذا الحديث على ان التداوى مكروه، وجلّ مذاهب العلماء على خلاف ذلك، واحتجوا بما وقع فى أحاديث كثيرة من ذكره صلى الله عليه وسلم لمنافع الاَدوية والأطعمة كالحبَّةِ السوداء والقُسْط والصبر وغير ذلك، وبأنه صلى الله عليه وسلم تداوى، وبإخبار عائشة رضى اللّه عنها بكثرة تداويه وبما عُلم من الاستشفاء بُرقاه، وبالحديث الذى فيه أن بعض أصحابه أخذوا على الرُقيةِ أجرًا، فإذا ثبت هذا صح أن يُحمَلَ ما فى الحديث على قوم يعتقدون ان الأدوية نافعةً بطباعها كما يقول بعض الطبائعين، لا ائهم يفوضون الأمر إلى اللّه تعالى، وهذا على نحو التأويل المتقدم فى حديث الاستمطار بالنجوم… إلى أن قال رحمه الله تعالى: وقد تكلم العلماء وأصحابُ المعانى على هذا، فذهب أبو سليمان الخطابى وغيرُه اْن وجه هذا أن يكون تركها على جهة التوكل على الله والرّضى بما يقضيه من قضاء ويُنزِله من بلاَء، قال: وهذه من أرفع درجات المتحققين بالإيمان، وإلى هذا ذهب جماعة من السلًف. قال القاصْى: وهذا هو ظاهر الحديث، ألا ترى قوله: “وعلى ربهم يتوكلون”؟.ا.هـــــــــــــــــــــــــــــــــ والعلم عند الله تعالى.

زر الذهاب إلى الأعلى