الفتاوى

  • جرائد فيها اسم الله

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالواجب على كل مسلم تعظيم الآيات القرآنية وأسماء الله الحسنى وكذلك أحاديث النبي صلى الله علـيه وسلم لعموم قوله تعالى {ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه} وقوله تعالى {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} ولأن المتواتر من فعل المسلمين الصالحين الحرص على ذلك؛ وقد روى البيهقي أن عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه كان يضع المصحف على عينه ويقول: كلام ربي كلام ربي. ومن باب التعظيم للقرآن أن جمهور العلماء قد حرَّموا مس المصحف إلا على طهارة كاملة، وذكر أهل العلم في تعظيم المصحف ألا يحمل بالشمال وألا يوضع على الأرض وإن كانت طاهرة وألا يوضع فوقه شيء لأن كلام الله يعلو ولا يعلى، وألا تقلب صفحاته ببلِّ الإصبع بالريق لأن الريق وإن كان طاهراً فإنه مستقذر إلى غير ذلك من الأحكام.

    وعليه فإنه يحرم المشي على الآيات القرآنية أو رميها مع النفايات أو الأكل عليها أو لف الأطعمة فيها، ومن فعل ذلك متعمداً عالماً فإنه يخشى عليه من الردة لقوله تعالى {أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} ومن وقع في شيء من ذلك فعليه التوبة إلى الله عز وجل

    هذا، ولا مانع من إعادة تدوير الجرائد والأوراق التي تحتوي على بعض أسماء الله عز وجل أو بعض الآيات أو بعض الأحاديث، وذلك بطمرها في أحواض كبيرة لمسحها؛ وذلك أنها إذا مسحت فقد زال حكمها ولا مانع حينها من الاستفادة من عجينتها في أشياء أخرى، وذلك تخريجاً على ما نص عليه أهل العلم من جواز تحريق المصاحف إذا استنفذ الغرض الذي من أجلها كتبت، كما فعل الصحابة رضي الله عنهم حين حرقوا المصاحف بعد كتابة المصحف الجامع على زمان عثمان رضي الله عنه فقد روى البخاري  في صحيحه أن الصحابة لما كتبوا المصاحف أرسل عثمان إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق، وفي رواية للطبراني وابن أبي داود: وأمرهم أن يحرقوا كل مصحف يخالف المصحف الذي أرسل به.

    وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح أنه لم ينكر ذلك أحد من الصحابة رضوان الله عليهم، فذكر عن مصعب بن سعد أنه قال: أدركت الناس متوافرين حين حرق عثمان المصاحف فأعجبهم ذلك أو قال لم ينكر ذلك منهم أحد. ونقل عن ابن بطال قال: في هذا الحديث جواز تحريق الكتب التي فيها اسم الله بالنار وأن ذلك إكرام لها وصون عن وطئها بالأقدام.ا.هـــــــــــــ وقد ثبت أن الصحف التي كانت عند حفصة لم يحرقها عثمان ولكن أحرقها مروان بعد وفاة حفصة. والعلم عند الله تعالى

  • معاش من امتهان الغناء

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فالحكم في هذه المسألة فرع عن الحكم في الموسيقى ذاتها هل هي حلال أو حرام، وبالرجوع إلى أدلة الشرع نعلم أن المعازف ـ وهي الموسيقى بلغة اليوم ـ محرَّمة بقول الله تعالى )ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم( وصحَّ عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنه أن الآية نزلت في الغناء وأشباهه، وكان ابن مسعود يحلف إنها الغناء. وقوله تعالى مخاطباً إبليس ـ لعنه الله ـ )واستفزز من استطعت منهم بصوتك( قال المفسرون كمجاهد بن جبر رحمه الله: هو الغناء والمزامير، وفي صحيح البخاري ـ معلَّقاً بصيغة الجزم ـ  من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال {ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف} وقد صحح هذا الحديث أئمة حفاظ كبار كابن الصلاح والنووي وابن حجر رحمهم الله جميعا، قال الذهبي رحمه الله: المعازف اسم لكل آلات الملاهي التي يُعزَف بها. وفي مسند أحمد عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال {إن الله حرم عليكم الخمر والميسر والكوبة، وقال: كل مسكر حرام} والكوبة: الطبل، وقد توعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الأمة بالمسخ والخسف إذا ظهرت فيها القينات والمعازف؛ ففي سنن الترمذي من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال {في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف، فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله ومتى ذاك؟ قال: إذا ظهرت القينات والمعازف وشُربت الخمور} وفي مسند البزار بسند حسن عن النبي صلى الله عليه وسلم (صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: مزمار عند نعمة ورنة عند مصيبة ) بل إن بعض أهل العلم نقل الإجماع على القول بالحرمة ومن هؤلاء أبو الطيب الطبري والقرطبي وابن رجب الحنبلي وابن الصلاح وابن حجر الهيتمي وغيرهم، عليه فالواجب على كل مسلم اجتناب المعازف ـ صناعة أو سماعاً أو ترويجاً ـ ولا يغرنك كثرة الواقعين في هذا المنكر حتى ظنه البعض قربة يتقرب بها إلى الله، وقد اشتد نكير أهل العلم على سامعي المعازف حتى عدّوا ذلك عيبا ترد به الشهادة. قال ابن فرحون المالكي رحمه الله في تبصرة الحكام: ولا تقبل شهادة من يسمع الطنابير والمزامير. ونص الشافعي رحمه الله على الحكم بالسفه على من يفعل ذلك، ولما سئل مالك رحمه الله عن الغناء قال: إنما يفعله الفساق عندنا. وقال أبو حنيفة رحمه الله: سماع الغناء فسق والتلذذ به كفر. نسأل الله أن يغير ما بنا وأن يتوب علينا.

    إذا عُلم هذا تبيَّن أن اتخاذ الموسيقى مهنة يقتات منها المرء ـ تعليماً أو ممارسة ـ لا يجوز؛ لأن الله تعالى إذا حرَّم شيئاً حرَّم ثمنه، وإذا كان رزق المرء من حرام لم يبارك الله له فيه، وكانت معيشته ضنكاً، لكنَّ كثيراً من الناس لا يعلمون هذه الأحكام ولربما يستغربونها إذا سمعوا بها أو اطلعوا عليها رغم أنه قول جمهور العلماء ـ ومنهم الأئمة الأربعة وأصحابهم ـ وقد يكون في هؤلاء الممتهنين العمل بالموسيقى بعض الطيبين ممن يصلون الخمس ويصومون الشهر ويأتون أبواباً من الخير لكنهم يظنون حِلَّ عملهم وطيب رزقهم، فالذي أنصح به هو وجوب مناصحة أمثال هؤلاء والصبر عليهم إذا كانوا من الصنف الذي ذكرته ممن يعرفون للدين حرمته، فإن انتصح فبها ونعمت وإلا فحسابه على الله.

    وبخصوص ما جاء في الاستفتاء فإن هؤلاء السائلين مشكورون على ورعهم في مطعمهم وتحريهم للحلال في كسبهم، والذي نفتي به أنهم إن كانوا بحاجة إلى هذا المبلغ فلا حرج عليهم في الانتفاع به؛ إذ الحرام لا يتعدى إلى ذمتين؛ كما أن الدولة ملزمة بكفالة ذوي الحاجات من رعيتها، ومن كان غنياً فليستعفف رجاء أن يبدله الله خيراً منه، والعلم عند الله تعالى.

  • مصافحة الأجنبيات

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فلا يجوز للرجل المسلم مصافحة المرأة الأجنبية ولا للمرأة المسلمة مصافحة الرجل الأجنبي لدلالة القرآن والسنة على ذلك، فمن القرآن قوله تعالى: )قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون ! وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن( وقد استدل بهذه الآية العلامة الشيخ الشنقيطي رحمه الله على تحريم المصافحة من باب قياس الأولى؛ لأن الله عز وجل حرَّم إطلاق النظر لأنه ذريعة إلى الحرام واللمس أشد من النظر.

    وأما من السنة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مسَّت يدُه يد امرأة قط إلا امرأة يملكها؛ وفي بيعة النساء ما كان يبايعهن إلا كلاماً، كما في حديث عائشة رضي الله عنها قالت: {كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتحن بقول الله عز وجل )يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين( قالت عائشة: فمن أقر بهذا من المؤمنات فقد أقر بالمحنة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقررن بذلك من قولهن قال لهن: انطلقن فقد بايعتكن، ولا والله ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم  يد امرأة قط غير أنه يبايعهن بالكلام، قالت عائشة: والله ما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء قط إلا بما أمره الله تعالى وما مست كف رسول الله صلى الله عليه وسلم كف امرأة قط، وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن: قد بايعتكن كلاماً} رواه مسلم. والله تعالى يقول )لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا( والنبي صلى الله عليه وسلم يقول {لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له} رواه الطبراني بسند صحيح، وقد تتابع النقل عن أهل العلم في تحريم مصافحة الرجل للمرأة الأجنبية حتى عدَّها بعضهم من الكبائر كابن حجر الهيتمي رحمه الله حيث قال في كتابه الزواجر عن اقتراف الكبائر: الكبيرة الثانية والأربعون والثالثة والأربعون والرابعة والأربعون بعد المائتين: نظر الأجنبية بشهوة مع خوف فتنة، ولمسها كذلك، وكذا الخلوة بها بأن لم يكن معهما محرم.

    ويكفي عند لقاء الرجل بنساء من أرحامه أو جيرانه أن يلقي عليهن السلام كما كان يفعل خير البشر صلى الله عليه وسلم، والعلم عند الله تعالى.

  • قبر داخل المسجد

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فللجواب على هذه المسألة لا بد من التعرض لجملة أمور:

    أولها: أنه قد ثبت تحذير الشرع الحنيف من البناء على القبور، وقد وردت في ذلك أحاديث صحاح مشهورة، منها:

    1- ما رواه أحمد والشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) قالت: فلولا ذاك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا. قال ابن حجر رحمه الله تعالى: أي كشف قبره صلى الله عليه وسلم ولم يتخذ عليه الحائل والمراد دفن خارج بيته.ا.هــــ كذا في “فتح الباري “

    2- ما رواه مالك والشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) قال الحافظ ابن حجر: وكأنه صلى الله عليه وسلم علم أنه مرتحل من ذلك المرض فخاف أن يعظم قبره كما فعل من مضى فلعن اليهود والنصارى إشارة إلى ذم من يفعل فعلهم.ا.هــــــ

    3- ما رواه مالك والشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما كان مرض النبي صلى الله عليه وسلم تذاكر بعض نسائه كنيسة بأرض الحبشة يقال لها: مارية وقد كانت أم سلمة وأم حبيبة قد أتتا أرض الحبشة فذكرن من حسنها وتصاويرها قالت: فرفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه فقال: (أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا ثم صوروا تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة) قال الحافظ ابن رجب في “فتح الباري/2/203”: فإن اجتمع بناء المسجد على القبور ونحوها من آثار الصالحين مع تصوير صورهم فلا شك في تحريمه، سواء كانت صورا مجسدة كالأصنام أو على حائط ونحوه، كما يفعله النصارى في كنائسهم، والتصاوير التي في الكنيسة التي ذكرتها أم حبيبة وأم سلمة أنهما رأتاها بالحبشة كانت على الحيطان ونحوها، ولم يكن لها ظل، وكانت أم سلمة وأم حبيبة قد هاجرتا إلى الحبشة.

    فتصوير الصور على مثل صور الأنبياء والصالحين؛ للتبرك بها والاستشفاع بها محرم في دين الإسلام، وهو من جنس عبادة الأوثان، وهو الذي أخبر النبي – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أن أهله شرار الخلق عند الله يوم القيامة. وتصوير الصور للتآنس برؤيتها أو للتنزه بذلك والتلهي محرم، وهو من الكبائر وفاعله من اشد الناس عذابا يوم القيامة، فإنه ظالم ممثل بأفعال الله التي لا يقدر على فعلها غيره، والله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله سبحانه وتعالى.ا.هــــــ

    4- ما رواه مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ اللهِ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ)

    5-  ما رواه ابن أبي شيبة عن الحارث النجراني قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: (ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك)

    واتخاذ القبور مساجد المنهي عنه في هذه الأحاديث قد فسر العلماء المراد منه؛ فقال ابن حجر الهيتمي في “الزواجر” (1 / 121): واتخاذ القبر مسجدا معناه الصلاة عليه أو إليه.ا.هـــ وقال الصنعاني في “سبل السلام” (1 / 214): “واتخاذ القبور مساجد أعم من أن يكون بمعنى الصلاة إليها أو بمعنى الصلاة عليها “

    وقد نبه على ذلك الملا على القارئ نقلاً عن بعض أئمة الحنفية فقال في “مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح” (1 / 45): سبب لعنهم: إما لأنهم كانوا يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيماً لهم وذلك هو الشرك الجلي، وإما لأنهم كانوا يتخذون الصلاة لله تعالى في مدافن الأنبياء والسجود على مقابرهم والتوجه إلى قبورهم حالة الصلاة نظرا منهم بذلك إلى عبادة الله والمبالغة في تعظيم الأنبياء؛ وذلك هو الشرك الخفي لتضمنه ما يرجع إلى تعظيم مخلوق فيما لم يؤذن له فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أمته عن ذلك إما لمشابهة ذلك الفعل سنة اليهود أو لتضمنه الشرك الخفي. كذا قاله بعض الشراح من أئمتنا ويؤيده ما جاء في رواية: (يحذر ما صنعوا).ا.هــــ

    قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى {لنتخذن عليهم مسجدا} فَاتِّخَاذُ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ وَالصَّلَاةُ فِيهَا وَالْبِنَاءُ عَلَيْهَا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَضَمَّنَتْهُ السُّنَّةُ مِنَ النَّهْيِ عَنْهُ مَمْنُوعٌ لَا يَجُوزُ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَرَوَى الصَّحِيحَانِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” إن أولئك ذا كان فيهم الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ”. لَفْظُ مُسْلِمٍ. قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَهَذَا يُحَرِّمُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَّخِذُوا قُبُورَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ مَسَاجِدَ. وَرَوَى الْأَئِمَّةُ عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:” لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا” لَفْظُ مُسْلِمٍ. أَيْ لَا تَتَّخِذُوهَا قِبْلَةً فَتُصَلُّوا عَلَيْهَا أَوْ إِلَيْهَا كَمَا فَعَلَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَيُؤَدِّي إِلَى عِبَادَةِ مَنْ فِيهَا كَمَا كَانَ السَّبَبُ فِي عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ. فَحَذَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ، وَسَدَّ الذَّرَائِعَ الْمُؤَدِّيَةَ إِلَى ذَلِكَ فَقَالَ: “اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ”. وَرَوَى الصَّحِيحَانِ عَنْ عَائِشَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَا: لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: “لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ” يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا. وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٌ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ. وَخَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ أَيْضًا عَنْ جَابِرٌ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى أَنْ تُجَصَّصَ الْقُبُورُ وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهَا وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهَا وَأَنْ تُوطَأَ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَوَى الصَّحِيحُ عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ قَالَ قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَّا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ- فِي رِوَايَةٍ- وَلَا صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. قَالَ عُلَمَاؤُنَا: ظَاهِرُهُ مَنْعُ تَسْنِيمِ الْقُبُورِ وَرَفْعِهَا وَأَنْ تَكُونَ لَاطِئَةً»

    شبهة وجوابها

    استدلال بعض الناس بآية الكهف على جواز البناء على القبور وتعظيمها قد أجاب عنه العلماء الثقات. قال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في (أضواء البيان/2/301) اعْلَمْ أَنَّ مَا يَزْعُمُهُ بَعْضُ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ: مِنْ أَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ دَلَّا عَلَى اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ، يَعْنِي بِالْكِتَابِ قَوْلَهُ تَعَالَى: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} وَيَعْنِي بِالسُّنَّةِ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ أَنْ: مَوْضِعَ مَسْجِدِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَانَ فِيهِ قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، فِي غَايَةِ السُّقُوطِ، وَقَائِلُهُ مِنْ أَجْهَلِ خَلْقِ اللَّهِ.

    أَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ فَهُوَ أَنْ تَقُولَ: مَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ قَالُوا: «لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا» ؟ أَهُمْ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ؟ أَمْ هُمْ كَفَرَةٌ لَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ؟ وَقَدْ قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ – رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى – فِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، مَا نَصُّهُ: «وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي قَائِلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، أَهُمُ الرَّهْطُ الْمُسْلِمُونَ أَمْ هُمُ الْكُفَّارُ؟ فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّهُمْ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمْ كُفَّارٌ فَلَا إِشْكَالَ فِي أَنَّ فِعْلَهُمْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ; إِذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِالِاحْتِجَاجِ بِأَفْعَالِ الْكُفَّارِ كَمَا هُوَ ضَرُورِيٌّ. وَعَلَى الْقَوْلِ: بِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ كَمَا يَدُلُّ لَهُ ذِكْرُ الْمَسْجِدِ; لِأَنَّ اتِّخَاذَ الْمَسَاجِدِ مِنْ صِفَاتِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَخْفَى عَلَى أَدْنَى عَاقِلٍ أَنَّ قَوْلَ قَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ: إِنَّهُمْ سَيَفْعَلُونَ كَذَا، لَا يُعَارِضُ بِهِ النُّصُوصَ الصَّحِيحَةَ الصَّرِيحَةَ عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَّا مَنْ طَمَسَ اللَّهُ بَصِيرَتَهُ فَقَابَلَ قَوْلَهُمْ: {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} بِقَوْلِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي مَرَضِ مَوْتِهِ قَبْلَ انْتِقَالِهِ إِلَى الرَّفِيقِ الْأَعْلَى بِخَمْسٍ: (لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى; اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) الْحَدِيثَ. يَظْهَرُ لَكَ أَنَّ مَنِ اتَّبَعَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ فِي اتِّخَاذِهِمُ الْمَسْجِدَ عَلَى الْقُبُورِ، مَلْعُونٌ عَلَى لِسَانِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَمَا هُوَ وَاضِحٌ، وَمَنْ كَانَ مَلْعُونًا عَلَى لِسَانِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَهُوَ مَلْعُونٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ كَمَا صَحَّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -; لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ}; وَلِهَذَا صَرَّحَ ابْنُ مَسْعُودٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: بِأَنَّ الْوَاصِلَةَ وَالْوَاشِمَةَ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُمَا فِي الْحَدِيثِ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مَلْعُونَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ. وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي قَالَتْ لَهُ: قَرَأْتُ مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ فَلَمْ أَجِدْ، إِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ فَقَدْ وَجَدْتِيهِ، ثُمَّ تَلَا الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ، وَحَدِيثُهُ مَشْهُورٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَبِهِ تُعْلَمُ أَنَّ مَنِ اتَّخَذَ الْمَسَاجِدَ عَلَى الْقُبُورِ مَلْعُونٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ – جَلَّ وَعَلَا – عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَنَّهُ لَا دَلِيلَ فِي آيَةِ: {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا}.

    وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ: بِأَنَّ مَسْجِدَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِالْمَدِينَةِ مَبْنِيٌّ فِي مَحَلِّ مَقَابِرِ الْمُشْرِكِينَ فَسُقُوطُهُ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أُمِرَ بِهَا فَنُبِشَتْ وَأُزِيلَ مَا فِيهَا. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ: قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، وَفِيهِ خَرِبٌ، وَفِيهِ نَخْلٌ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ، فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالْخَرِبِ فَسُوِّيَتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ الْحِجَارَةَ. . . . .. الْحَدِيثَ. هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ. وَلَفْظُ مُسْلِمٍ قَرِيبٌ مِنْهُ بِمَعْنَاهُ. فَقُبُورُ الْمُشْرِكِينَ لَا حُرْمَةَ لَهَا ; وَلِذَلِكَ أَمَرَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِنَبْشِهَا وَإِزَالَةِ مَا فِيهَا. فَصَارَ الْمَوْضِعُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قَبْرٌ أَصْلًا لِإِزَالَتِهِ بِالْكُلِّيَّةِ. وَهُوَ وَاضِحٌ كَمَا تَرَى اهـ.

    وَالتَّحْقِيقُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْبِنَاءُ عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تَجْصِيصُهَا. كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ: أَنَّ عَلِيًّا – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ لَهُ: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ; أَلَّا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ» .

    وَلِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ» فَهَذَا النَّهْيُ ثَابِتٌ عَنْهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَدْ قَالَ: «وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ» . وَقَالَ – جَلَّ وَعَلَا -: {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}.ا.هــــــ

    ثانيها: أنه يجب على كل من بسط الله يده من ذي سلطان أن يسعى في هدم القبور المشرفة، وذلك في حال القدرة على ذلك مع أمن الفتنة على النفس وعلى جماعة المسلمين، لأن النبي صلى الله علـيه وسلم قال لعلي رضي الله عنه  “لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته.” رواه مسلم وغيره.

    ثالثاً: وأما حكم الصلاة في المساجد التي بنيت على القبور فقد اختلف العلماء  ما بين مصحح لها ومبطل؛ مع اتفاقهم على أن الشرع قد منع من الصلاة على القبور وإليها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم) لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) متفق عليه، وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها)

    وسبب الخلاف يرجع إلى علة النهي عن ذلك؛ فمنهم من رأى النهي واردا في المقابر المنبوشة لما في ذلك من النجاسة، ومنهم من رأى أن البطلان حاصل لظاهر النهي ولو لم تكن منبوشة.

    فذهب بعضهم إلى أن الصلاة مجزئة وإن أساء صاحبها وحرم الثواب بسبب الكراهة؛ قال الشافعي رحمه الله تعالى في كتاب الأم 1/317: “وَأَكْرَهُ أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ مَسْجِدٌ، وَأَنْ يُسَوَّى أَوْ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَوًّى أَوْ يُصَلَّى إلَيْهِ (قَالَ) : وَإِنْ صَلَّى إلَيْهِ أَجْزَأَهُ، وَقَدْ أَسَاءَ،”  وقال أيضا: فلو صلى فوق قبر أو إلى جنبه ولم ينبش أجزأه.ا.هــ الحاوي الكبير 2/261

    قال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ لَا مَطْعَنَ فِيهَا، وَهِيَ تَدُلُّ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ ; لِأَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ صُلِّيَ فِيهِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَسْجِدِ ; لِأَنَّ الْمَسْجِدَ فِي اللُّغَةِ مَكَانُ السُّجُودِ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا» . الْحَدِيثَ. أَيْ: كُلُّ مَكَانٍ مِنْهَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ. وَظَاهِرُ النُّصُوصِ الْمَذْكُورَةِ الْعُمُومُ، سَوَاءٌ نُبِشَتِ الْمَقْبَرَةُ وَاخْتَلَطَ تُرَابُهَا بِصَدِيدِ الْأَمْوَاتِ أَوْ لَمْ تُنْبَشْ ; لِأَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ لَيْسَتْ بِنَجَاسَةِ الْمَقَابِرِ كَمَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيَّةُ ; بِدَلِيلِ اللَّعْنِ الْوَارِدِ مِنَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَى مَنِ اتَّخَذَ قُبُورَ الْأَنْبِيَاءِ مَسَاجِدَ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ قُبُورَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ لَيْسَتْ نَجِسَةً، فَالْعِلَّةُ لِلنَّهْيِ سَدُّ الذَّرِيعَةِ ; لِأَنَّهُمْ إِذَا عَبَدُوا اللَّهَ عِنْدَ الْقُبُورِ آلَ بِهِمُ الْأَمْرُ إِلَى عِبَادَةِ الْقُبُورِ.

    فَالظَّاهِرُ مِنَ النُّصُوصِ الْمَذْكُورَةِ: مَنْعُ الصَّلَاةِ عِنْدَ الْمَقَابِرِ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَفِي صِحَّتِهَا عِنْدَهُ رِوَايَتَانِ وَإِنْ تَحَقَّقَتْ طَهَارَتُهَا. وَذَهَبَ مَالِكٌ: إِلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِيهَا مَكْرُوهَةٌ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ: إِلَى أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ نَجِسَةً لِاخْتِلَاطِ أَرْضِهَا بِصَدِيدِ الْأَمْوَاتِ لِأَجْلِ النَّبْشِ ; فَالصَّلَاةُ فِيهَا بَاطِلَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ لَمْ تُنْبَشْ ; فَالصَّلَاةُ فِيهَا مَكْرُوهَةٌ عِنْدَهُمْ. وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ عَنِ ابْنِ الْمُنْذِرِ: أَنَّهُ قَالَ: رُوِّينَا عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَطَاءٍ، وَالنَّخَعِيِّ، أَنَّهُمْ كَرِهُوا الصَّلَاةَ فِي الْمَقْبَرَةِ. قَالَ: وَلَمْ يَكْرَهْهَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَوَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَنَقَلَ صَاحِبُ الْحَاوِي عَنْ دَاوُدَ: أَنَّهُ قَالَ: تَصِحُّ الصَّلَاةُ وَإِنْ تَحَقَّقَ نَبْشُهَا. وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ النَّهْيَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ عَنْ خَمْسَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَهُمْ: عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ. وَقَالَ: مَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا، وَحَكَاهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ: إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَنَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَطَاوُسٍ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَخَيْثَمَةَ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدْ حَكَى الْخَطَّابِيُّ «فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ» عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ رَخَّصَ فِي الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ. وَحُكِيَ أَيْضًا عَنِ الْحَسَنِ: أَنَّهُ صَلَّى فِي الْمَقْبَرَةِ.

    وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ لِنَافِعٍ: أَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ أَنْ يُصَلَّى وَسْطَ الْقُبُورِ؟ قَالَ: لَقَدْ صَلَّيْنَا عَلَى عَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – وَسْطَ الْبَقِيعِ وَالْإِمَامُ يَوْمَ صَلَّيْنَا عَلَى عَائِشَةَ أَبُو هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَحَضَرَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ. وَمِمَّنْ كَرِهَ الصَّلَاةَ فِي الْمَقْبَرَةِ: أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ. وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ: بِأَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – صَلَّى عَلَى الْمِسْكِينَةِ السَّوْدَاءِ بِالْمَقْبَرَةِ. وَسَيَأْتِي قَرِيبًا – إِنْ شَاءَ اللَّهُ – حُكْمُ الصَّلَاةِ إِلَى جِهَةِ الْقَبْرِ.

    قَالَ مُقَيِّدُهُ – عَفَا اللَّهُ عَنْهُ -: أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ دَلِيلًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدِي قَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ – رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى – ; لِأَنَّ النُّصُوصَ صَرِيحَةٌ فِي النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقَابِرِ، وَلَعْنِ مَنِ اتَّخَذَ الْمَسَاجِدَ عَلَيْهَا، وَهِيَ ظَاهِرَةٌ جِدًّا فِي التَّحْرِيمِ. أَمَّا الْبُطْلَانُ فَمُحْتَمَلٌ ; لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ لِقَوْلِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَحْدَثَ مِنْ أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» . وَالصَّلَاةُ فِي الْمَقَابِرِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، فَلَيْسَتْ مِنْ أَمْرِنَا فَهِيَ رَدٌّ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: الصَّلَاةُ مِنْ أَمْرِنَا فَلَيْسَتْ رَدًّا، وَكَوْنُهَا فِي الْمَكَانِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ هُوَ الَّذِي لَيْسَ مِنْ أَمْرِنَا.

    كَمَا عُلِمَ الْخِلَافُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي كُلِّ مَنْهِيٍّ عَنْهُ لَهُ جِهَتَانِ: إِحْدَاهُمَا مَأْمُورٌ بِهِ مِنْهَا: كَكَوْنِهِ صَلَاةً، وَالْأُخْرَى مَنْهِيٌّ عَنْهُ مِنْهَا: كَكَوْنِهِ فِي مَوْضِعِ نَهْيٍ، أَوْ وَقْتِ نَهْيٍ، أَوْ أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ، أَوْ بِحَرِيرٍ، أَوْ ذَهَبٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ; فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنِ انْفَكَّتْ جِهَةُ الْأَمْرِ عَنْ جِهَةِ النَّهْيِ لَمْ يَقْتَضِ النَّهْيُ الْفَسَادَ، وَإِنْ لَمْ تَنْفَكَّ عَنْهَا اقْتَضَاهُ. وَلَكِنَّهُمْ عِنْدَ التَّطْبِيقِ يَخْتَلِفُونَ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ: الْجِهَةُ هُنَا مُنْفَكَّةٌ. وَيَقُولُ الْآخَرُ: لَيْسَتْ مُنْفَكَّةً كَالْعَكْسِ، فَيَقُولُ الْحَنْبَلِيُّ مَثَلًا: الصَّلَاةُ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَنْفَكَّ فِيهَا جِهَةُ الْأَمْرِ عَنْ جِهَةِ النَّهْيِ ; لِكَوْنِ حَرَكَةِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِيَامِ كُلُّهَا يَشْغَلُ الْمُصَلِّي بِهِ حَيِّزًا مِنَ الْفَرَاغِ لَيْسَ مَمْلُوكًا لَهُ، فَنَفْسُ شَغْلِهِ لَهُ بِبَدَنِهِ أَثْنَاءَ الصَّلَاةِ حَرَامٌ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قُرْبَةً بِحَالٍ. فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ كَالْمَالِكِيِّ وَالشَّافِعِيِّ: الْجِهَةُ مُنْفَكَّةٌ هُنَا ; لِأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ صَلَاةً قُرْبَةٌ، وَمِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ غَصْبًا حَرَامٌ، فَلَهُ صَلَاتُهُ وَعَلَيْهِ غَصْبُهُ كَالصَّلَاةِ بِالْحَرِيرِ. وَإِلَى هَذَا الْمَسْأَلَةِ وَأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فِيهَا أَشَارَ فِي مَرَاقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ:

    دُخُولُ ذِي كَرَاهَةٍ فِيمَا أُمِرَ … بِهِ بِلَا قَيْدٍ وَفَصْلٍ قَدْ حُظِرْ

    فَنَفْيُ صِحَّةٍ وَنَفْيُ الْأَجْرِ … فِي وَقْتِ كُرْهٍ لِلصَّلَاةِ يَجْرِي

    وَإِنْ يَكُ النَّهْيُ عَنِ الْأَمْرِ انْفَصَلْ … فَالْفِعْلُ بِالصِّحَّةِ لَا الْأَجْرُ اتَّصَلْ

    وَذَا إِلَى الْجُمْهُورِ ذُو انْتِسَابِ … وَقِيلَ بِالْأَجْرِ مَعَ الْعِقَابِ

    وَقَدْ رُوِي الْبُطْلَانُ وَالْقَضَاءُ … وَقِيلَ ذَا فَقَطْ لَهُ انْتِفَاءُ

    مِثْلَ الصَّلَاةِ بِالْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ … أَوْ فِي مَكَانِ الْغَصْبِ وَالْوُضُو انْقَلَبْ

    وَمَعْطَنٍ وَمَنْهَجٍ وَمَقْبَرَهْ … كَنِيسَةٍ وَذِي حَمِيمٍ مَجْزَرَهْ

    وَأَمَّا الصَّلَاةُ إِلَى الْقُبُورِ فَإِنَّهَا لَا تَجُوزُ أَيْضًا، بِدَلِيلِ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا». هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ. وَفِي لَفْظٍ لَهُ أَيْضًا: «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا» . وَالْقَاعِدَةُ الْمُقَرَّرَةُ فِي الْأُصُولِ: أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ. فَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ دَلِيلًا مَنْعُ الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ وَإِلَى الْقَبْرِ ; لِأَنَّ صِيغَةَ النَّهْيِ الْمُتَجَرِّدَةَ مِنَ الْقَرَائِنِ تَقْتَضِي التَّحْرِيمَ. أَمَّا اقْتِضَاءُ النَّهْيِ الْفَسَادَ إِذَا كَانَ لِلْفِعْلِ جِهَةُ أَمْرٍ وَجِهَةُ نَهْيٍ، فَفِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ آنِفًا، وَإِنْ كَانَتْ جِهَتُهُ وَاحِدَةً اقْتَضَى الْفَسَادَ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمَرَاقِي فِي اقْتِضَاءِ النَّهْيِ الْفَسَادَ:

    وَجَاءَ فِي الصَّحِيحِ لِلْفَسَادِ … إِنْ لَمْ يَجِي الدَّلِيلُ لِلسَّدَادِ

    وَقَدْ نَهَى – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ الصَّلَاةِ إِلَى الْقُبُورِ، وَقَدْ قَالَ: «وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ» ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ لَعْنَهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَنِ اتَّخَذَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ يَدُلُّ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى التَّحْرِيمِ. وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقَابِرِ وَإِلَى الْقُبُورِ بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا: عُمُومُ قَوْلِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الثَّابِتُ فِي الصَّحِيحِ: «وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا» الْحَدِيثَ. قَالُوا: عُمُومُهُ يَشْمَلُ الْمَقَابِرَ، وَيُجَابُ عَنْ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ مِنْ وَجْهَيْنِ:

    أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَحَادِيثَ النَّهْيِ مِنْهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ وَإِلَى الْقَبْرِ خَاصَّةً، وَحَدِيثُ «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا» عَامٌّ، وَالْخَاصُّ يُقْضَى بِهِ عَلَى الْعَامِّ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.

    وَالثَّانِي: أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – اسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِ كَوْنِ الْأَرْضِ مَسْجِدًا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ، فَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَاهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ» ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي «فَتْحِ الْبَارِي» فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِ الْبُخَارِيِّ بَابُ «كَرَاهِيَةِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقَابِرِ» فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ هَذَا: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، لَكِنِ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ، وَحَكَمَ مَعَ ذَلِكَ بِصِحَّتِهِ الْحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ. وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ – رَحِمَهُ اللَّهُ – فِي «نَيْلِ الْأَوْطَارِ» : صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ، وَأَشَارَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ إِلَى صِحَّتِهِ.

    قَالَ مُقَيِّدُهُ – عَفَا اللَّهُ عَنْهُ -: التَّحْقِيقُ أَنَّ الْحَدِيثَ إِذَا اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ، وَثَبَتَ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحِةٍ حُكِمَ بِوَصْلِهِ، وَلَا يَكُونُ الْإِرْسَالُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عِلَّةً فِيهِ; لِأَنَّ الْوَصْلَ زِيَادَةٌ وَزِيَادَاتُ الْعَدْلِ مَقْبُولَةٌ. وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ صَاحِبِ «مَرَاقِي السُّعُودِ»:

    وَالرَّفْعُ وَالْوَصْلُ وَزِيدَ اللَّفْظُ … مَقْبُولَةٌ عِنْدَ إِمَامِ الْحِفْظِ

    أدلة من قالوا بصحة الصلاة في القبور

    مِنْ أَدِلَّةِ مَنْ قَالَ: تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي الْقُبُورِ – مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ أَوْ شَابًا، فَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَسَأَلَ عَنْهَا أَوْ عَنْهُ، فَقَالُوا: مَاتَ قَالَ: «أَفَلَا آذَنْتُمُونِي» ، قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا أَوْ أَمْرَهُ. فَقَالَ: «دَلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ» فَدَلُّوهُ فَصَلَّى عَلَيْهَا. ثُمَّ قَالَ: «هَذِهِ الْقُبُورُ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللَّهَ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ» . وَلَيْسَ لِلْبُخَارِيِّ: «إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً» إِلَى آخِرِ الْخَبَرِ، قَالُوا: فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلَاةِ إِلَى الْقَبْرِ.

    وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ أَيْضًا مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قَالَ: انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَى قَبْرٍ رَطْبٍ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَصَفُّوا خَلْفَهُ، وَكَبَّرَ أَرْبَعًا.

    وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ أَيْضًا مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – صَلَّى عَلَى قَبْرٍ.

    وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ مَا قَدَّمْنَا مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – وَسْطَ الْبَقِيعِ، وَهَذِهِ الْأَدِلَّةُ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ إِلَى الْقُبُورِ وَصِحَّتِهَا; لَا مُطْلَقِ صِحَّتِهَا دُونَ الْجَوَازِ.

    وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – بِلَفْظِ: «وَرَأَى عُمَرُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – يُصَلِّي عِنْدَ قَبْرٍ. فَقَالَ: الْقَبْرَ، الْقَبْرَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ» اهـ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ: أُورِدَ أَثَرُ عُمَرَ الدَّالُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ فِي ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي فَسَادَ الصَّلَاةِ. وَالْأَثَرُ الْمَذْكُورُ عَنْ عُمَرَ رُوِّينَاهُ مَوْصُولًا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ. وَلَفْظُهُ: «بَيْنَمَا أَنَسٌ يُصَلِّي إِلَى قَبْرٍ نَادَاهُ عُمَرُ: الْقَبْرَ، الْقَبْرَ; فَظَنَّ أَنَّهُ يَعْنِي الْقَمَرَ. فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ يَعْنِي الْقَبْرَ، جَاوَزَ الْقَبْرَ وَصَلَّى» وَلَهُ طُرُقٌ أُخْرَى بَيَّنْتُهَا فِي تَعْلِيقِ التَّعْلِيقِ. مِنْهَا: مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ نَحْوَهُ، زَادَ فِيهِ: فَقَالَ بَعْضُ مَنْ يَلِينِي: إِنَّمَا يَعْنِي الْقَبْرَ فَتَنَحَّيْتُ عَنْهُ. وَقَوْلُهُ: الْقَبْرَ الْقَبْرَ، بِالنَّصْبِ فِيهِمَا عَلَى التَّحْذِيرِ. وَقَوْلُهُ: وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ اسْتَنْبَطَهُ مِنْ تَمَادِي أَنَسٍ عَلَى الصَّلَاةِ. وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ يَقْتَضِي فَسَادَهَا لَقَطَعَهَا وَاسْتَأْنَفَ. اهـ مِنْهُ بِلَفْظِهِ.

    قَالَ مُقَيِّدُهُ – عَفَا اللَّهُ عَنْهُ -: هَذِهِ الْأَدِلَّةُ يَظْهَرُ لِلنَّاظِرِ أَنَّهَا مُتَعَارِضَةٌ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْجَمْعَ وَاجِبٌ إِذَا أَمْكَنَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ وَجَبَ التَّرْجِيحُ، وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَجِبُ الْجَمْعُ وَالتَّرْجِيحُ مَعًا. أَمَّا وَجْهُ الْجَمْعِ: فَإِنَّ جَمِيعَ الْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الصَّلَاةِ إِلَى الْقُبُورِ كُلُّهَا فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ، وَلَيْسَ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ، وَإِنَّمَا هِيَ دُعَاءٌ لِلْمَيِّتِ: فَهِيَ مِنْ جِنْسِ الدُّعَاءِ لِلْأَمْوَاتِ عِنْدَ الْمُرُورِ بِالْقُبُورِ.

    وَلَا يُفِيدُ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الْأَدِلَّةِ جَوَازَ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ أَوِ النَّافِلَةِ الَّتِي هِيَ صَلَاةٌ ذَاتُ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ. وَيُؤَيِّدُهُ تَحْذِيرُ عُمَرَ لِأَنَسٍ مِنَ الصَّلَاةِ عِنْدَ الْقَبْرِ. نَعَمْ تَتَعَارَضُ تِلْكَ الْأَدِلَّةُ مَعَ ظَاهِرِ عُمُومِ: «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ، وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا» ; فَإِنَّهُ يَعُمُّ كُلَّ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّلَاةِ، فَيَشْمَلُ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ، فَيَتَحَصَّلُ أَنَّ الصَّلَاةَ ذَاتَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَمْ يَرِدْ شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهَا إِلَى الْقَبْرِ أَوْ عِنْدَهُ، بَلِ الْعَكْسُ. أَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ: فَهِيَ الَّتِي تَعَارَضَتْ فِيهَا الْأَدِلَّةُ. وَالْمُقَرَّرُ فِي الْأُصُولِ: أَنَّ الدَّلِيلَ الدَّالَّ عَلَى النَّهْيِ مُقَدَّمٌ عَلَى الدَّلِيلِ عَلَى الْجَوَازِ، وَلِلْمُخَالِفِ أَنْ يَقُولَ: لَا يَتَعَارَضُ عَامٌّ وَخَاصٌّ. فَحَدِيثُ: «لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ» عَامٌّ فِي ذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ. وَالْأَحَادِيثُ الثَّابِتَةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى قَبْرِ الْمَيِّتِ خَاصَّةٌ، وَالْخَاصُّ يُقْضَى بِهِ عَلَى الْعَامِّ.

    فَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ بِحَسَبِ الصِّنَاعَةِ الْأُصُولِيَّةِ: مَنْعُ الصَّلَاةِ ذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عِنْدَ الْقَبْرِ وَإِلَيْهِ مُطْلَقًا ; لِلَعْنِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِمُتَّخِذِي الْقُبُورِ مَسَاجِدَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى قَبْرِ الْمَيِّتِ – الَّتِي هِيَ لِلدُّعَاءِ لَهُ الْخَالِيَةَ مِنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ – تَصِحُّ ; لِفِعْلِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الثَّابِتِ فِي الصَّحِيحِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٍ، وَيُومِئُ لِهَذَا الْجَمْعِ حَدِيثُ لَعْنِ مُتَّخِذِي الْقُبُورِ مَسَاجِدَ; لِأَنَّهَا أَمَاكِنُ السُّجُودِ. وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ لَا سُجُودَ فِيهَا; فَمَوْضِعُهَا لَيْسَ بِمَسْجِدٍ لُغَةً; لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ سُجُودٍ.

    رابعاً: الخروج من الإشكال؛ يكون ببناء جدار فاصل بين القبر والمسجد؛ قال في مطالب أولي النهى: (فإن كان حائل لم تكره الصلاة) وقال (ويكفي حائط المسجد) قال الشيخُ ابن بازٍ – رحمه الله -: إذا كان في قبلة المسجد شيء من القبور فالأحوط أن يكون بين المسجد وبين المقبرة جدار آخر غير جدار المسجد، أو طريق يفصل بينهما، هذا هو الأحوط والأولى؛ ليكون ذلك أبعد عن استقبالهم للقبور, أما إن كانت عن يمين المسجد أو عن شماله، أي عن يمين المصلين أو عن شمالهم فلا يضرهم شيئًا؛ لأنهم لا يستقبلونها، لأن هذا أبعد عن استقبالها وعن شبهة الاستقبال. انتهى .

    وقال العلامة العثيمين رحمه الله: فإذا قال قائل: ما هو الحَدُّ الفاصل في الصلاة إليها؟ قلنا:الجدار فاصل، إلا أن يكون جدارَ المقبرة ففي النفس منه شيء، لكن إذا كان جداراً يحول بينك وبين المقابر، فهذا لا شَكَّ أنه لا نهي، كذلك لو كان بينك وبينها شارع فهنا لا نهي. انتهى.

    هذا كله فيما لو كانت تلك القبور بارزة ظاهرة، أما إذا كانت مندرسة لا يظهر منها شيء فلا حرج في الصلاة في أماكنها؛ قال الألباني رحمه الله تعالى في تحذير الساجد من بدعة اتخاذ القبور مساجد في الرد على من زعم وجود قبور في الحجر في المسجد الحرام: القبور المزعوم وجودها في المسجد الحرام غير ظاهرة ولا بارزة ولذلك لا تقصد من دون الله تعالى فلا ضرر من وجودها في بطن أرض المسجد، العبرة في هذه المسألة بالقبور الظاهرة وأن ما في بطن الأرض من القبور فلا يرتبط به حكم شرعي من حيث الظاهر بل الشريعة تنزه عن مثل هذا الحكم، لأننا نعلم بالضرورة والمشاهدة أن الأرض كلها مقبرة الأحياء كما قال تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً ‎وَأَمْوَاتًا} قال الشعبي: بطنها لأمواتكم وظهرها لأحيائكم.

     ومن البين الواضح أن القبر إذا لم يكن ظاهراً معروفاً مكانه فلا تترتب على ذلك مفسدة كما هو مشاهد، حيث ترى الوثنيات والشركيات إنما تقع عند القبور المشرفة حتى ولو كانت مزوَّرة لا عند القبور المندرسة ولو كانت حقيقة، فالحكمة تقتضي التفريق بين النوعين.اهـ. مختصرا.

  • مركز للعلاج بالقرآن

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالشافي هو الله رب العالمين؛ كما قال سبحانه حكاية عن الخليل عليه الصلاة والسلام {وإذا مرضت فهو يشفين} وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام “اشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقما” وليس الراقي إلا سببا، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وما شاع أخيراً من كون بعض الناس يتفرغ للرقية وأخذ الأجر عليها فإن هذه من الظواهر المحدَثة التي لم يكن للسابقين بها عهد، وما ينبغي السماح بانتشارها؛ لأنها تفضي – شئنا أم أبينا – إلى التعلق بغير الله عز وجل، بل الواجب الاجتهاد في تعليم الناس الرقية الشرعية التي كان يستعملها النبي عليه الصلاة والسلام ويعلِّمها أصحابه. ولا أفضل من أن يرقي الإنسان نفسه بنفسه؛ لأن ذلك أخذ بالأسباب الشرعية واتباع للسنة النبوية وسلوك لسبيل الأولين، ثم إنه لن يخلص أحد لأحد كإخلاص الإنسان لنفسه، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسـلم في صفات السبعين ألفاً من أمته الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب أنهم “لا يسترقون” أي لا يطلبون الرقية من غيرهم.

    لكن لو رقى شخص شخصاً – عَرَضاً – وبذل المريض للراقي أجراً، أو اشترط الراقي عليه ذلك فلا حرج؛ أما أن يمتهنها مهنة ويتخذها حرفة فما ينبغي، والله تعالى أعلم.

  • متابعة الإمام من المصحف

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فالأذان إعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة، وعليه فما ينبغي الزيادة على تلك الألفاظ ولا النقص منها؛ فلا يشرع للمؤذن أن يفتتح بالبسملة، ولا أن يرفع صوته بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسـلم قبل الأذان ولا بعده، بل عليه أن يتقيد بالألفاظ الثابتة عن نبينا عليه الصلاة والسلام في أذان بلال أو ابن أم مكتوم أو أبي محذورة رضي الله عنهم أجمعين، ولا يزيد على ذلك شيئاً، من أجل أن يحصل له كمال الاتباع، ويسلم الناس من الخلاف

    وأما متابعة الإمام من المصحف فلا تشرع في صلاة الفريضة، وأكثر العلماء يمنعون ذلك؛ حيث ذهب أبو حنيفة رحمه الله تعالى إلى أنه ليس للمصلي أن يقرأ من المصحف، فإن قرأ بالنظر في المصحف فسدت صلاته مطلقا، أي قليلاً  كان ما قرأه أو كثيرا، إماماً كان أو منفرداً، وكذا لو كان ممن لا يمكنه القراءة إلا منه لكونه غير حافظ. وقد اختلف الحنفية في تعليل قوله، فقيل: لأن حمل المصحف والنظر فيه وتقليب الأوراق عمل كثير، وقيل: لأنه تلقن من المصحف، فصار كما إذا تلقن من غيره، وصحح هذا الوجه في الكافي تبعا لتصحيح السرخسي، وعليه فلو لم يكن قادراً على القراءة إلا من المصحف فصلى بلا قراءة فإنها تجزئه. وذهب الصاحبان إلى تجويز القراءة للمصلي من المصحف مع الكراهة لما في ذلك من التشبه بأهل الكتاب. حاشية ابن عابدين 1/419

    وذهب المالكية إلى أنه يكره للمصلي القراءة من المصحف في فرض أو نفل لكثرة الشغل بذلك، لكن كراهته عندهم في النفل إن قرأ في أثنائه، ولا يكره إن قرأ في أوله، لأنه يغتفر في النفل ما لا يغتفر في الفرض، قال ابن قدامة: ورويت الكراهية في ذلك عن ابن المسيب والحسن ومجاهد والربيع. المغني 1/575

    وأجاز الحنابلة القراءة في المصحف في قيام رمضان إن لم يكن حافظا، لما ورد عن عائشة رضي الله عنها في مولى لها اسمه ذكوان كان يؤمها من المصحف، ويكره في الفرض على الإطلاق، لأن العادة أنه لا يحتاج إليه فيه، ويكره للحافظ حتى في قيام رمضان، لأنه يشغل عن الخشوع وعن النظر إلى موضع السجود.

    وذهب الشافعية إلى أن المصلي لو قرأ في مصحف ولو قلب أوراقه أحيانا لم تبطل صلاته، لأن ذلك يسير أو غير متوال لا يشعر بالإعراض. أسنى المطالب 1/583

  • حكم الإنتماء للحزب الشيوعي

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالشيوعية مذهب فكري يقوم على الإلحاد وأن المادة هي أساس كل شيء ويفسر التاريخ بصراع الطبقات وبالعامل الاقتصادي، ظهرت في ألمانيا على يد ماركس وانجلز، وتجسدت في الثورة البلشفية التي ظهرت في روسيا سنة 1917م بتخطيط من اليهود، واتسعت على حساب غيرها بالحديد والنار، وقد تضرر المسلمون منها كثيراً، وهناك شعوب محيت بسببها من التاريخ.

    وقد وضعت أسسها الفكرية النظرية على يد كارل ماركس اليهودي الألماني (1818-1883) وهو حفيد الحاخام اليهودي المعروف ( مردخاي ماركس)، وساعده في التنظير للمذهب فريدريك انجلز ( 1820-1895) وهو صديق كارل ماركس الحميم، وقد ساعده في نشر المذهب، كما أنه ظل ينفق على ماركس وعائلته حتى مات

    ومن أبرز مؤسسيها كذلك لينين، واسمه الحقيقي: فلاديمير أليتش بوليانوف، وهو قائد الثورة البلشفية الدامية في روسيا ( 1917) ودكتاتورها المرهوب، كان قاسي القلب، مستبداً برأيه، حاقداً على البشرية، ولد سنة 1870م، ومات سنة 1924م، وهناك دراسات تقول بأن لينين يهودي الأصل، وكان يحمل اسماً يهودياً، ثم تسمى باسمه الروسي الذي عرف به، مثله مثل تروتسكي في ذلك، ولينين هذا هو الذي وضع الشيوعية موضع التنفيذ، وله كتب كثيرة وخطب ونشرات أهمها ما جمع في ما يسمى (مجموعة المؤلفات الكبرى)

    ومن المؤسسين كذلك ستالين: واسمه الحقيقي جوزيف فاديونوفتش زوجاشفلى ( 1879- 1954م) وهو سكرتير الحزب الشيوعي ورئيسه بعد لينين، اشتهر بالقسوة والجبروت والطغيان والدكتاتورية وشدة الإصرار على رأيه، يعتمد في تصفية خصومه على القتل والنفي، كما أثبتت تصرفاته أنه مستعد للتضحية بالشعب كله في سبيل شخصه، وقد ناقشته زوجته مرة فقتلها.

    ومنهم تورتسكي: ولد سنة 1879 واغتيل سنة 1940م بتدبير من ستالين، وهو يهودي واسمه الحقيقي بروشتاين. وله مكانته هامة في الحزب وقد تولى الشؤون الخارجية بعد الثورة ثم أسندت إليه شؤون الحرب…ثم فصل من الحزب بتهمة العمل ضد مصلحة الحزب، ليخلو الجو لستالين الذي دبر له عملية اغتيال للخلاص منه نهائياً.

    وأما الأفكار و المعتقدات التي بنيت عليها هذه النحلة فإنها تتمثل في الآتي:

    1- إنكار وجود الله تعالى وكل الغيبيات، والقول بأن المادة هي أساس كل شيء وشعارهم: نؤمن بثلاثة: ماركس ولينين وستالين، ونكفر بثلاثة: الله، الدين، الملكية الخاصة. عليهم من الله ما يستحقون.

    2- فسروا تاريخ البشرية بالصراع بين البورجوازية والبروليتاريا وينتهي هذا الصراع حسب زعمهم بدكتاتورية البروليتاريا.

    3- محاربة الأديان واعتبارها وسيلة لتخدير الشعوب وخادماً للرأسمالية والإمبريالية والاستغلال مستثنين من ذلك اليهودية، لأن اليهود شعب مظلوم يحتاج إلى دينه ليستعد حقوقه المغتصبة!!.

    4- يحاربون الملكية الفردية ويقولون بشيوعية الأموال وإلغاء الوراثة.

    5- لا قيمة عندهم للعمل أمام أهمية المادة وأساليب الإنتاج.

    6- إن كل تغير في العالم في نظرهم إنما هو نتيجة حتمية لتغير وسائل الإنتاج، وإن الفكر والحضارة والثقافة هي وليدة التطور الاقتصادي.

    7- يحكمون الشعوب بالحديد والنار ولا مجال لإعمال الفكر، والغاية عندهم تبرر الوسيلة.

    8- يعتقدون بأنه لا آخرة ولا عقاب ولا ثواب في غير الحياة الدنيا، ويقولون أن الأخلاق نسبية وهي انعكاس لآلة الإنتاجز

    9- يحكمون الشعوب بالحديد والنار، ولا مجال لإهمال الفكر، والغاية عندهم تبرر الوسيلة.

    10- يؤمنون بأزلية المادة وأن العوامل الاقتصادية هي المحرك الأول للأفراد والجماعات

    11- يقولون بدكتاتورية الطبقة العاملة ويبشرون بالحكومة العالمية.

    12- تؤمن الشيوعية بالصراع والعنف وتسعى لإثارة الحقد والضغينة بين العمال وغيرهم

    13- الدولة هي الحزب والحزب هو الدولة.

    14- المكتب السياسي الأول للثورة البلشفية يتكون من سبعة أشخاص كلهم يهود إلا واحداً وهذا يعكس مدى الارتباط بين الشيوعية واليهودية.

    15- يزعمون بأن القرآن الكريم وضع خلال حكم عثمان t ثم طرأت عليه عدة تغيرات حتى القرن الثامن ويصفونه بأنه سلاح لتخدير الشعوب.

    16- تنكر الماركسية الروابط الأسرية وترى فيها دعامة للمجتمع البرجوازي، وبالتالي لا بد من أن تحل محلها الفوضى الجنسية.

    17- لا يحجمون عن أي عمل مهما كانت بشاعته في سبيل غايتهم وهي أن يصبح العالم شيوعياً تحت سيطرتهم. قال لينين: (إن هلاك ثلاثة أرباع العالم ليس بشيء إنما الشيء الهام هو أن يصبح الربع الباقي شيوعياً) وهذه القاعدة طبقوها في روسيا أيام الثورة وبعدها، وكذلك في الصين وغيرها حيث أبيدت ملايين من البشر، كما أن اكتساحهم لأفغانستان ـ في أواخر السبعينيات من القرن الماضي ـ بعد أن اكتسحوا الجمهوريات الإسلامية الأخرى كبخارى وسمرقند وبلاد الشيشان والشركس. إنما ينضوي تحت تلك القاعدة الإجرامية.

    18- يهدمون المساجد ويحولونها إلى دور ترفيه ومراكز للحزب، ويمنعون المسلم من إظهار شعائر دينه، أما اقتناء المصحف فهو جريمة كبرى يعاقب عليها بالسجن لمدة سنة كاملة.

    19- لقد كان توسعهم على حساب المسلمين فكان أن احتلوا بلادهم وأفنوا شعوبهم وسرقوا ثرواتهم واعتدوا على حرمة دينهم ومقدساتهم.

    20- يعتمدون على الغدر والخيانة والاغتيالات لإزاحة الخصوم ولو كانوا من أعضاء الحزب.

    وأما الجذور الفكرية والعقائدية التي يتضح من خلالها أسس هذه النحلة الهدامة فهي كما يلي:

    – لم تستطيع الشيوعية إخفاء تواطئها مع اليهود وعملها لتحقيق أهدافهم، فقد صدر منذ الأسبوع الأول للثورة قرار ذو شقين بحق اليهودي:

    1- يعتبر عداء اليهود عداء للجنس السامي يعاقب عليه القانون.

    2- الاعتراف بحق اليهود في إنشاء وطن قومي في فلسطين.

    – يصرح ماركس بأنه اتصل بفيلسوف الصهيونية وواضع أساسها النظري وهو (موشيه هيس) أستاذ هرتزل الزعيم الصهيوني الشهير.

    – جد ماركس هو الحاخام اليهودي المشهور في الأوساط اليهودية (مردخاي ماركس).

    – تأثرت الماركسية إضافة إلى الفكر اليهودي بجملة من الأفكار والنظريات الإلحادية منها:

    1- مدرسة هيجل العقلية المثالية.

    2- مدرسة كومت الحسية الوضعية.

    3- مدرسة فيورباخ في الفلسفة الإنسانية الطبيعة.

    4- مدرسة باكونين صاحب المذهب الفوضوي المتخبط

    – وقد دخلت الشيوعية إلى بلاد شرق أوروبا بالقوة والنار والتسلط الاستعماري، ولذلك فإن جل شعوب هذه الدول أصبحت تتململ بعد أن عرفت الشيوعية على حقيقتها وأنها ليست الفردوس الذي صُوِّر لهم، وبالتالي بدأت الانتفاضات والثورات تظهر هنا وهناك كما حدث في بولندا والمجر وتشيكوسلوفاكيا، حتى استطاعوا التخلص منها ـ واحدة تلو الأخرى ـ مع نهايات القرن الميلادي المنصرم، وجروا تمثال لينين من الميدان الأحمر في موسكو

    – أما في العالم الإسلامي فقد استفادوا من جهل بعض الحكام وحرصهم على تدعيم كراسيهم ولو على حساب الدين، حتى اكتسحت بعض الدول وصارت حاكمة فيها بواسطة عملائها، وأسست أحزاباً لها في كثير من الدول العربية والإسلامية وقد انضم إليهم كثير من عوام المسلمين مع الأسف، غافلين عن أن الانضمام لهؤلاء من التعاون على الإثم والعدوان الذي نهى الله عنه في محكم كتابه

    وبهذا تعلم أن الشيوعية مذهب كفري من دعا له أو سانده وهو يعلم حقيقته فهو كافر بالله ورسوله، وقولهم إنهم يعترفون بالأديان كعقيدة غير صحيح، فإن من مبادئهم إنكار وجود الله وأن الدين أفيون الشعوب. على أنهم لو اعترفوا بجميع الديانات كعقيدة ومارسوا شعائرها وتحاكموا إليها، لم يخرجوا بذلك عن الكفر بالله ورسوله، حتى يعتقدوا بأن الإسلام هو دين الله الذي لا يقبل من أحد دين سواه ويقروا بذلك. ويتحاكموا إليه دون غيره، ويبرأوا من الشيوعية وغيرها من المذاهب الكفرية والأديان الباطلة. قال تعالى: )إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ(، وقال سبحانه: )وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ( وقال جل وعلا: )أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً(. قال ابن القيم: … فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله ويعبدونه من دون الله أو يتبعونه على غير بصيرة من الله أو يطيعونه في غير ما يعلمون أنه طاعة لله.. وقال عز من قائل: )إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ( وقال تقدست أسماؤه: )وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ(

    وعليه فلا يجوز لعبد يؤمن بالله واليوم الآخر الانضمام إلى الحزب الشيوعي، لمحاربته العلنية والخفية للإسلام وعدائه للمسلمين، ولعمله الدؤوب في زرع الفتن وصرف الناس عن دينهم، ولا يخفى أن كثيراً من قادة هذه الحزب يتظاهرون بالإسلام وربما رفعوا شعارات القومية أو الوطنية للتمويه على العوام.

  • لم يمكث في مزدلفة

    ما حكم من نفر من عرفات إلى مزدلفة ثم لم يتمكن من المكوث فيها بسبب الزحام أو منع الشرطة من وقوف الباص؟ وما قدر المجزئ من المكوث؟ وهل ساعة واحدة تكفي؟

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فالمبيت بمزدلفة واجب من واجبات الحج، والسنة أن يبقى الحاج إلى طلوع الفجر فيصلي الفجر بها ثم يذكر الله تعالى إلى حين الإسفار وبعدها يدفع إلى منى؛ كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسـلم وهو القائل (خذوا عني مناسككم) أما القدر المجزئ منه عند المالكية قدر حط الرحل؛ فمن نزل بالمزدلفة فصلى المغرب والعشاء ومكث قدرا من الليل ولو قليلا فقد أدى الواجب على قول المالكية رحمهم الله تعالى. أما الشافعية والحنابلة رحمهم الله تعالى فإنهم يشترطون البقاء إلى ما بعد نصف الليل ولو لحظة. ويستوي في ذلك أن يكون نائماً أو مستيقظاً؛ إذ المقصود التواجد في ذلك المكان في تلك الليلة.

    ومن لم يستطع المكث أو النزول في المزدلفة لأنه لم يجد مكاناً أو لأن الشرطة قد منعته فلا شيء عليه. قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى لما قيل له: هناك من يبيت خارج مزدلفة لأنهم يمنعونه من الوقوف بالسيارة فيتعدى فيبيت في منى فهل عليه هدي؟  فأجاب بقوله: إذا كان لا يجد مكاناً في مزدلفة أو منعه الجنود من النزول بها فلا شيء عليه ؛ لقول الله سبحانه {فاتقوا الله ما استطعتم} وإن كان ذلك عن تساهل منه فعليه دم مع التوبة. اهـ

  • حكم لقط الحواجب

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن النامصات والمتنمصات) قال أبو داود رحمه الله: والنامصة التي تنقش الحاجب ـ أي تخرج شعره بالمنقاش ـ حتى تُرقَّه والمتنمصة المفعول بها والنامصة هي التي تزيل الشعر من الحواجب والمتنمصة التي تطلب فعل ذلك بها.

    وعليه فإن ما يفعله بعض النساء من إزالة شيء من الحاجب لا لعلاج تشوه بل لزيادة تجمل هو من قبيل النمص الملعونة فاعلته على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء فعلت ذلك بنفسها أو لغيرها، وسواء في ذلك المتزوجة وغيرها؛ ومعلوم أن تزين المرأة المسلمة لزوجها مطلوب وهي مأجورة على ذلك؛ لكنها مقيَّدة بحدود الشرع فلا يجوز لها أن تتزين بما حرمه الشرع من وشر أو وصل أو وشم أو تفليج، بعدما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث ابن مسعود وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم لعن النامصة والمتنمصة

    أما إذا كان شكل الحاجب ونموه يخرج به عن طبيعته المعتادة ويسبب لك آلاماً نفسية فلا حرج عليك في أخذ الشعر الزائد؛ لأن ذلك من باب إصلاح العيب لا من باب تغيير خلق الله تعالى الذي ذم فاعليه بقوله حكاية عن إبليس لعنه الله {ولآمرنهم فليغيرن خلق الله} ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لعرفجة بن سعد رضي الله عنه أن يتخذ أنفا من ذهب بعدما قطعت أنفه. رواه الترمذي، وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه (لعن الله النامصة والمتنمصة)، فإنه يحمل على من فعل ذلك طلباً للحُسن وتغييراً لخلق الله، أما في حالتك هذه فهو من باب الضرورة وقد قال الله عز وجل {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه}. والله تعالى أعلم

  • أين يضع الكرسي في الصلاة؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالواجب على المسلم إذا صلى الفريضة أن يصليها من قيام؛ لقوله تعالى {وقوموا لله قانتين} فإن كان لا يستطيع القيام لمرض ونحوه جاز له أن يصلي جالساً أو على الهيئة التي تناسب حاله؛ لحديث عمران بن حصين الخزاعي رضي الله عنه قال: كانت بي بواسير؛ فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فقال “صل قائماً؛ فإن لم تستطع فقاعداً؛ فإن لم تستطع فعلى جنب” رواه البخاري. وهذا الذي قرره فقهاؤنا رحمهم الله تعالى؛ قال ابن قدامة المقدسي: وإن أمكنه القيام إلا أنه يخشى زيادة مرضه به، أو تباطؤ برئه، أو يشق عليه مشقة شديدة فله أن يصلي قاعدا، ونحو هذا قال مالك وإسحاق.ا.هــــــــ

    هذا والواجب على من أصابه مرض أن يأتي بما يستطيعه من القيام والركوع والسجود والجلوس؛ وذلك لعموم قوله تعالى {فاتقوا الله ما استطعتم} مع ما قرره أهل العلم من أن الميسور لا يسقط بالمعسور؛ فمن كان عاجزاً عن الركوع والسجود مثلاً لكنه قادر على القيام وجب عليه أن يأتي بركن القيام ثم يجلس حال الركوع والسجود ويكتفي بالإيماء، على أن يكون إيماء السجود أخفض من إيماء الركوع؛ وليس مطلوباً منه أن يسجد على وسادة ونحوها؛ لما ثبت عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد مريضاً فرآه يصلي على وسادة؛ فأخذها فرمى بها؛ فأخذ عوداً ليصلي عليه فأخذه فرمى به، وقال صلى الله عليه وسلم “صل على الأرض إن استطعت، وإلا فأومِ، واجعل سجودك أخفض من ركوعك” قال الزيلعي: رواه البزار والبيهقي ورواته ثقات.

    ومن صلى على كرسي في المسجد مع الجماعة وجب عليه أن يأتي بما يستطيع من أركان الصلاة كما مضى بيانه، فإذا كانت صلاته كلها من جلوس فإنه يجعل أرجل الكرسي الخلفية بمحاذاة أرجل المصلين، ويستوي بجذعه مع الناس لا بقدميه؛ أما إذا كان بعض صلاته من قيام وبعضها من جلوس على الكرسي فعليه أن يستوي بقدميه مع الناس حال قيامه؛ ثم يتقدم بكرسيه ليحاذي الناس بعجيزته حال جلوسه؛ وذلك عملاً بقوله تعالى {فاتقوا الله ما استطعتم} وقول النبي صلى الله عليه وسلم “ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم”.

    هذا وعلى من صلى على كرسي أن يجتهد في عدم الإضرار بالناس؛ وحبذا لو جعل كرسيه في أطراف الصف لئلا يشق على الناس؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم “لا ضرر ولا ضرار” قال النووي رحمه الله تعالى: حديث حسن رواه ابن ماجة والدارقطني وغيرهما مسنداً، ورواه مالك في الموطأ مرسلاً عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم فأسقط أبا سعيد وله طرق يقوي بعضها بعضا.ا.هـــــ كما أن على سائر المصلين أن يرفقوا بمن كان مريضاً ولا يشقوا عليه؛ تعاوناً معه على البر والتقوى، والله الموفق والمستعان.

زر الذهاب إلى الأعلى