الفتاوى

  • حكم المشاركة في حرب اليمن

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فقد ورد سؤال لمجمع الفقه الإسلامي عن مشروعية المشاركة في الحرب التي تدور رحاها في اليمن منذ خمس سنوات أو تزيد، وجواباً على ذلك نقول:

    إن القتال في شريعة الإسلام إنما يكون لأهداف سامية وحكم عالية؛ إعلاء لكلمة الله عز وجل ونشراً لدينه ورداً لعادية الظلم ومنعاً للبغي، ونحو ذلك من الأمور التي يهون دونها بذل النفس والنفيس

    أولاها: حرب عبثية لا يُدرى ما يراد منها؛ حيث كان الشعار المرفوع أولا حين شُنَّت هو حماية الحرمين الشريفين، ثم كان حماية الشرعية، لكن مع مرور الأيام اختفت تلك الشعارات، وحلَّ مكانها أخرى

    ثانيها: الحامل لأكثر الناس على خوض غمارها إنما هو البحث عن المال، وليس ذلك من الغايات الشريفة التي من أجلها يشرع القتال، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (من غزا ولم ينوِ إلا عقالاً فليس له إلا ما نوى) وسئل صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، والرجل يقاتل حمية، والرجل يقاتل ليرى مكانه، والرجل يقاتل للمغنم أي ذلك في سبيل الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)

    ثالثها: تواتر الشهادات من أهل اليمن على عظيم الضرر الذي حاق بهم من جراء تلك الحرب؛ حيث تورطت بعض الدول المشاركة فيها في قتل الأئمة وأهل الخير ودعاة الإسلام، مع

    رابعها: ما حصل من احتلال لبعض المناطق وإخراج أهلها منها – ظلماً وعدواناً – استئثاراً بثرواتها أو لكونها من مناطق النفوذ التي يحرص عليها، والدول التي فعلت ذلك ما فعلته باسم الإسلام ولا سعياً لعودة الخلافة ولا بسطاً لحكم الله في الأرض بل هو محض الظلم والعدوان

  • حد القذف

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالقذف هو الرمي بفاحشة توجب حداً أو بما يستلزم ذلك وهو نفي النسب، وهو من كبائر الذنوب؛ لقوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ . يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} وقول النبي صلى الله عليه وسلم “اجتنبوا السبع الموبقات. قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات”

    وقد أجمع أهل العلم على أن الرجل والمرأة في ذلك سواء؛ فمن قذف مسلماً فحكمه كحكم من قذف مسلمة، قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْآيَةِ النِّسَاءَ مِنْ حَيْثُ هُنَّ أَهَمُّ، وَرَمْيُهُنَّ بِالْفَاحِشَةِ أَشْنَعُ وَأَنْكَى لِلنُّفُوسِ. وَقَذْفُ الرِّجَالِ دَاخِلٌ فِي حُكْمِ الْآيَةِ بِالْمَعْنَى، وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى ذَلِكَ. وَهَذَا نَحْوُ نَصِّهِ عَلَى تَحْرِيمِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَدَخَلَ شَحْمُهُ وَغَضَارِيفُهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ بِالْمَعْنَى وَالْإِجْمَاعِ. وَحَكَى الزَّهْرَاوِيُّ أَنَّ الْمَعْنَى: وَالْأَنْفُسُ الْمُحْصَنَاتُ، فَهِيَ بِلَفْظِهَا تَعُمُّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ} وَقَالَ قَوْمٌ: أَرَادَ بِالْمُحْصَنَاتِ الْفُرُوجَ، كَمَا قال تعالى: {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها} فَيَدْخُلُ فِيهِ فُرُوجُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا ذَكَرَ الْمَرْأَةَ الْأَجْنَبِيَّةَ إِذَا قُذِفَتْ لِيَعْطِفَ عَلَيْهَا قَذْفَ الرَّجُلِ زَوْجَتَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.ا.هــــــــ وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى: وَقَدْ أَجْمَعَ جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ قَذْفَ الذُّكُورِ لِلذُّكُورِ، أَوِ الْإِنَاثِ لِلْإِنَاثِ، أَوِ الْإِنَاثِ لِلذُّكُورِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا نَصَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ، مِنْ قَذْفِ الذُّكُورِ لِلْإِنَاثِ; لِلْجَزْمِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ بَيْنَ الْجَمِيعِ.ا.هـــــــ

    والقذف قد يكون صراحة كأن يقول له: يا زاني، أو ليس فلان أباك، وهذا يوجب الحد إجماعاً، وقد يكون تعريضاً يفهم منه أنه يريد قذفه؛ كما لو قال له: لست بزاني ولا أبي زاني ولا أمي زانية، فَهذا محل خلاف بين أهل العلم حيث ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ التَّعْرِيضَ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ، وَلَوْ فُهِمَ مِنْهُ إِرَادَةُ الْقَذْفِ، إِلَّا أَنْ يُقِرَّ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْقَذْفَ.

    قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي «الْمُغْنِي»: وَاحْتَجَّ أَهْلُ هَذَا الْقَوْلِ بِكِتَابٍ وَسُنَّةٍ. أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} فَفَرَّقَ تَعَالَى بَيْنَ التَّصْرِيحِ لِلْمُعْتَدَّةِ وَالتَّعْرِيضِ، قَالُوا: وَلَمْ يُفَرِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا فِي كِتَابِهِ، إِلَّا لِأَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا، وَلَوْ كَانَا سَوَاءً لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا فِي كِتَابِهِ. وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَالْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ فِي الرَّجُلِ الَّذِي جَاءَ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقَالَ لَهُ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ وَهُوَ تَعْرِيضٌ بِنَفْيِهِ، وَلَمْ يَجْعَلِ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – هَذَا قَذْفًا ، وَلَمْ يَدْعُهُمَا لِلِعَانٍ بَلْ قَالَ لِلرَّجُلِ:  “أَلَكَ إِبِلٌ”؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ «فَمَا أَلْوَانُهَا»؟ قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ «هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ»؟ قَالَ: إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا، قَالَ «وَمِنْ أَيْنَ جَاءَهَا ذَلِكَ»؟ قَالَ: لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَهُ، قَالَ «وَهَذَا الْغُلَامُ الْأَسْوَدُ لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَهُ»، قَالُوا: وَلِأَنَّ التَّعْرِيضَ مُحْتَمِلٌ لِمَعْنًى آخَرَ غَيْرِ الْقَذْفِ، وَكُلُّ كَلَامٍ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ لَمْ يَكُنْ قَذْفًا، هَذَا هُوَ حَاصِلُ حُجَّةِ مَنْ قَالُوا بِأَنَّ التَّعْرِيضَ بِالْقَذْفِ، لَا يُوجِبُ الْحَدَّ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْحَدُّ بِالتَّصْرِيحِ بِالْقَذْفِ.

    وَذَهَبَتْ جَمَاعَةٌ آخَرُونَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ التَّعْرِيضَ بِالْقَذْفِ يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي «الْمُغْنِي»: وَرَوَى الْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُ، عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ عَلَيْهِ الْحَدَّ، يَعْنِي الْمُعَرِّضَ بِالْقَذْفِ، قَالَ: وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ إِلَى أَنْ قَالَ: وَقَالَ مَعْمَرٌ: إِنَّ عُمَرَ كَانَ يَجْلِدُ الْحَدَّ فِي التَّعْرِيضِ، اهـ.

    وَاحْتَجَّ أَهْلُ هَذَا الْقَوْلِ بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ، قَالَ: وَالدَّلِيلُ لِمَا قَالَهُ مَالِكٌ هُوَ أَنَّ مَوْضُوعَ الْحَدِّ فِي الْقَذْفِ، إِنَّمَا هُوَ لِإِزَالَةِ الْمَعَرَّةِ الَّتِي أَوْقَعَهَا الْقَاذِفُ بِالْمَقْذُوفِ، وَإِذَا حَصَلَتِ الْمَعَرَّةُ بِالتَّعْرِيضِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَذْفًا كَالتَّصْرِيحِ وَالْمُعَوَّلُ عَلَى الْفَهْمِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ أَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ {إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} أَيِ السَّفِيهُ الضَّالُّ، فَعَرَضُوا لَهُ بِالسَّبِّ بِكَلَامٍ ظَاهِرُهُ الْمَدْحُ فِي أَحَدِ التَّأْوِيلَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى فِي أَبِي جَهْلٍ {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ}، وَقَالَ تَعَالَى فِي الَّذِينَ قَذَفُوا مَرْيَمَ أَنَّهُمْ قَالُوا: {يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا}، فَمَدَحُوا أَبَاهَا، وَنَفَوْا عَنْ أُمِّهَا الْبِغَاءَ، أَيِ: الزِّنَى وَعَرَّضُوا لِمَرْيَمَ بِذَلِكَ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا} وَكُفْرُهُمْ مَعْرُوفٌ وَالْبُهْتَانُ الْعَظِيمُ هُوَ التَّعْرِيضُ لَهَا، أَيْ: مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا أَيْ: أَنْتِ بِخِلَافِهِمَا وَقَدْ أَتَيْتِ بِهَذَا الْوَلَدِ، وَقَالَ تَعَالَى {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} فَهَذَا اللَّفْظُ قَدْ فُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّ الْكُفَّارَ عَلَى غَيْرِ هُدًى، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَى الْهُدَى، فَفُهِمَ مِنْ هَذَا التَّعْرِيضِ مَا يُفْهَمُ مِنْ صَرِيحِهِ.ا.هـــــــــــــ

    وقول هذه المرأة إن فلاناً مصاب بمرض الإيدز، لا يدل على القذف تصريحاً ولا تعريضا؛ لأنه لا يلزم من الإصابة بهذا المرض أن يكون المبتلى به قد قارف فاحشة أو أتى ما يوجب الحد، بل قد علم الناس طراً أن هذا المرض قد يكون عن طريق نقل الدم أو انتقال العدوى بسبب من الأسباب التي يقررها أهل الاختصاص.

    وعليه: فإن هذا الكلام لا يوجب أن يقام على قائله حد القذف، لكن لو أن من قيل في حقه لحقه ضرر فإن هذا الضرر يُجبر بما يراه القاضي مناسباً، والله تعالى أعلم.

  • حكم الشرع في الشواذ

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالسؤال يتعلق بأربع مسائل: أولها حكم الإسلام فيمن يمارس الشذوذ، وثانيها: حكم صلة الرحم مع هذا الرجل الشاذ إن كان رحما، وثالثها: افتراض أن جميع أهل الزوج قد تفشى فيهم هذا المرض، رابعها: هل يجوز منع الزوج من اصطحاب الأطفال إلى أهله؟

    أما المسألة الأولى فقد أجمع المسلمون على تحريم اللواط وأنه من كبائر الذنوب؛ استدلالاً بالأحاديث المتواترة في تحريمه ولعن فاعله؛ ثم اختلفوا في عقوبته فالذي عليه جماهير أهل العلم من الصحابة والتابعين والأئمة مالك والشافعي وأحمد أن حكمه القتل؛ استدلالاً بما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم والبيهقي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم “من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به” قال ابن حجر: رجاله موثوقون. وبما رواه أبو داود عن سعيد بن جبير ومجاهد عن ابن عباس “في البكر يوجد على اللوطية يرجم” وأخرج البيهقي عن علي رضي الله عنه لوطياً. فقال الشافعي: وبهذا نأخذ يرجم اللوطي محصناً كان أو غير محصن، وأخرج البيهقي أيضاً عن أبي بكر أنه جمع الناس في حق رجل ينكح كما ينكح النساء؛ فسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك؛ فكان أشدهم يومئذ قولاً علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ قال: هذا ذنب لم تعص به أمة من الأمم إلا أمة واحدة صنع الله بها ما قد علمتم نرى أن نحرقه بالنار. فاجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أن يحرقه بالنار فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد يأمره أن يحرقه بالنار. وأخرج البيهقي أيضا عن ابن عباس أنه سئل عن حد اللوطي فقال يُنظر أعلى بناء في القرية فيرمى به منكسا ثم يتبع الحجارة.. والظاهر من هذه الروايات أنهم متفقون على قتله لكنهم مختلفون في كيفية قتله. هل بالسيف أم يُلقى من أعلى بناء في البلد أو يُلقى عليه حائط أو يرجم بالحجارة حتى يموت أو يحرق بالنار؟؟

    قال الشوكاني رحمه الله تعالى: وما أحق مرتكب هذه الجريمة ومقارف هذه الرذيلة الذميمة بأن يعاقب عقوبة يصير بها عبرة للمعتبرين، ويعذب تعذيبا يكسر شهوة الفسقة المتمردين؛ فحقيق بمن أتى بفاحشة قوم ما سبقهم بها من أحد من العالمين أن يصلى من العقوبة بما يكون في الشدة والشناعة مشابهاً لعقوبتهم وقد خسف الله تعالى بهم واستأصل بذلك العذاب بكرهم وثيبهم.ا.هــــــــــــــــ

    وذهب أبو حنيفة والشافعي في قول له إلى أنه يعزَّر اللوطي لأنها جريمة لا تشتهيها الفطرة السوية ولا الطبع النقي؛ وقد أخذ القانون الجنائي السوداني لعام 1991 بهذا القول فنص في المادة 148/أ على أن من يرتكب جريمة اللواط يعاقب بالجلد مائة جلدة كما تجوز معاقبته بالسجن مدة لا تجاوز خمس سنوات. وفي المادة 148/ب إذا أدين الجاني للمرة الثانية يعاقب بالجلد مائة جلدة وبالسجن مدة لا تجاوز خمس سنوات. وفي المادة 148/ج إذا أدين الجاني للمرة الثالثة يعاقب بالإعدام أو السجن المؤبد.

    وأما المسألة الثانية فالواجب بذل النصح لهذا الرجل وتخويفه بالله مع المباعدة بينه وبين من يخاف عليهم من الأطفال اتقاء لشره وقطعاً لدابر فساده، فإن لم يرتدع فالواجب تخويفه بالشرطة والقانون وافتضاح أمره وذيوع خبره مع ما في ذلك من المهانة والخزي في الدنيا والآخرة، ويكون هذا التخويف عن طريق طرف ثالث لا عن طريق ولده ولا زوجة ولده.

    وفي الوقت نفسه على ولده أن يبره ويحسن إليه ما استطاع؛ عملاً بقوله تعالى {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا}

    وأما افتراض السائلة بأن جميع أهل الزوج كذلك؛ فهو مجرد ظن وقد قال الله تعالى {اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم} وقال النبي صلى الله عليه وسلم “إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث” رواه الشيخان، والواجب حمل حال المسلمين على السلامة حتى يبدو ما هو خلاف ذلك، ودخولهم عليك بلا استئذان قد يكون جهلاً منهم بالحكم الشرعي أو جرياً على ما اعتادوه بين أهلهم وذويهم من تقاليد تخالف الشرع، لكن ذلك لا يلزم منه اتهامهم باقتراف تلك الفاحشة المقيتة التي وقع فيها ذلك الجد الظالم لنفسه. فالواجب عليك التوبة إلى الله من هذا الظن السيئ وعدم التمادي فيه.

    ولا يجوز لك تحريض زوجك على عدم اصطحاب أطفالكما لزيارة أهله، بل الواجب حضه على صلة رحمه والإحسان إليهم، مع الاحتياط لعرض أطفالكم بأن تكون هذه الزيارات قصيرة وعلى فترات متباعدة، مع الحرص على وجودهم بين أبويهم أو أحدهما حال الزيارة، والله الموفق والمستعان.

  • جمعية ثقافية يرأسها نصراني

    نحن الجمعية السودانية للتصميم الداخلي المسجلة بوزارة الثقافة كجمعية ثقافية تعنى بمجال التصميم الداخلي والمصممين، وقد أقامت الجمعية جمعية عمومية لانتخاب اللجنة التنفيذية فاز فيها بمنصب رئيس الجمعية أحد الأعضاء مسيحيي الديانة، ومهام الجمعية تنحصر في نشر ثقافة التصميم الداخلي وتطوير المصممين الأعضاء وإقامة دورات متخصصة، وهي جمعية شرط في الانضمام لها التخصص. نرجو إفتائي في مدى شرعية تولي مسيحي رئاسة الجمعية

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فلا حرج في تولي غير المسلم منصب رئيس جمعية للتصميم الداخلي، لأن هذه المناصب ليست إمامة عظمى ولا في معنى الإمامة العظمى، وقد صرح فقهاؤنا رحمة الله عليهم بجواز تولي غير المسلم وزارة التنفيذ دون وزارة التفويض؛ يقول القاضي الماوردي رحمه الله تعالى في الأحكام السلطانية: وَأَمَّا وَزَارَةُ التَّنْفِيذِ فَحُكْمُهَا أَضْعَفُ وَشُرُوطُهَا أَقَلُّ، لِأَنَّ النَّظَرَ فِيهَا مَقْصُورٌ عَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ وَتَدْبِيرِهِ، وَهَذَا الْوَزِيرُ وَسَطٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّعَايَا وَالْوُلَاةِ يُؤَدِّي عَنْهُ مَا أَمَرَ وَيَنْفُذُ عَنْهُ مَا ذَكَرَ وَيُمْضِي مَا حَكَمَ وَيُخْبِرُ بِتَقْلِيدِ الْوُلَاةِ وَتَجْهِيزِ الْجُيُوشِ وَيَعْرِضُ عَلَيْهِ مَا وَرَدَ مِنْ مُهِمٍّ وَتَجَدَّدَ مِنْ حَدَثٍ مُلِمٍّ، لِيَعْمَلَ فِيهِ مَا يُؤْمَرُ بِهِ، فَهُوَ مُعِينٌ فِي تَنْفِيذِ الْأُمُورِ وَلَيْسَ بِوَالٍ عَلَيْهَا وَلَا مُتَقَلِّدًا لَهَا، فَإِنْ شُورِكَ فِي الرَّأْيِ كَانَ بِاسْمِ الْوَزَارَةِ أَخَصَّ، وَإِنْ لَمْ يُشَارَكْ فِيهِ كَانَ بِاسْمِ الْوَاسِطَةِ وَالسِّفَارَةِ أَشْبَهَ، وَأَمَّا وَزَارَةُ التَّنْفِيذِ فَحُكْمُهَا أَضْعَفُ وَشُرُوطُهَا أَقَلُّ، لِأَنَّ النَّظَرَ فِيهَا مَقْصُورٌ عَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ وَتَدْبِيرِهِ، وَهَذَا الْوَزِيرُ وَسَطٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّعَايَا وَالْوُلَاةِ يُؤَدِّي عَنْهُ مَا أَمَرَ وَيَنْفُذُ عَنْهُ مَا ذَكَرَ وَيُمْضِي مَا حَكَمَ وَيُخْبِرُ بِتَقْلِيدِ الْوُلَاةِ وَتَجْهِيزِ الْجُيُوشِ وَيَعْرِضُ عَلَيْهِ مَا وَرَدَ مِنْ مُهِمٍّ وَتَجَدَّدَ مِنْ حَدَثٍ مُلِمٍّ، لِيَعْمَلَ فِيهِ مَا يُؤْمَرُ بِهِ، فَهُوَ مُعِينٌ فِي تَنْفِيذِ الْأُمُورِ وَلَيْسَ بِوَالٍ عَلَيْهَا وَلَا مُتَقَلِّدًا لَهَا، فَإِنْ شُورِكَ فِي الرَّأْيِ كَانَ بِاسْمِ الْوَزَارَةِ أَخَصَّ، وَإِنْ لَمْ يُشَارَكْ فِيهِ كَانَ بِاسْمِ الْوَاسِطَةِ وَالسِّفَارَةِ أَشْبَهَ.. إلى أن ذكر رحمه الله الشروط السبعة التي تطلب فيمن يتولاها وخلاصتها: الأمانة، وصدق اللهجة، وقلة الطمع، وأن يسلم فيما بينه وبين الناس من عداوة وشحناء، وأن يكون ذكوراً، ذكياً فطنا، وألا يكون من أهل الأهواء فيخرجه هواه من الحق إلى الباطل.ا. هـــــ

    وقال القاضي أبو يعلى الفرا: وَذَكَرَ الْخِرَقِيُّ مَا يَدُل عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَزِيرُ التَّنْفِيذِ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ؛ لأَِنَّهُ أَجَازَ إِعْطَاءَهُمْ جُزْءًا مِنَ الزَّكَاةِ إِنْ كَانُوا مِنَ الْعَامِلِينَ فِيهَا، فَيُعْطَوْا بِحَقِّ مَا عَمِلُوا، مِمَّا يَدُل عَلَى جَوَازِ وِلاَيَتِهِمْ وَعِمَالَتِهِمْ.ا.هـــ

    وَخَالَفَهُمُ الْجُوَيْنِيُّ وَقَال: فَإِنَّ الثِّقَةَ لاَ بُدَّ مِنْ رِعَايَتِهَا، وَلَيْسَ الذِّمِّيُّ مَوْثُوقًا فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ وَتَصَارِيفِ أَحْوَالِهِ، وَرِوَايَتُهُ مَرْدُودَةٌ، وَكَذَلِكَ شَهَادَتُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَكَيْفَ يُقْبَل قَوْلُهُ فِيمَا يُسْنِدُهُ وَيَعْزُوهُ إِلَى إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ؟

    وَاسْتَدَل الْجُوَيْنِيُّ بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُل مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ، لاَ تَتَرَاءَى نَارَاهُمَا” رواه أبو داود والنسائي، وقال الحافظ في التلخيص: صحح البخاري وأبو داود والترمذي والدارقطني إرساله إلى قيس بن أبي حازم.ا.هــــ وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اشْتَدَّ نَكِيرُهُ عَلَى أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ لَمَّا اتَّخَذَ كَاتِبًا نَصْرَانِيًّا.

    قَال أَبُو يَعْلَى: وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُل عَلَى الْمَنْعِ؛ لأَِنَّهُ قَال فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَقَدْ سُئِل: نَسْتَعْمِل الْيَهُودِيَّ وَالنَّصْرَانِيَّ فِي أَعْمَال الْمُسْلِمِينَ مِثْل الْخَرَاجِ؟ فَقَال: لاَ يُسْتَعَانُ بِهِمْ فِي شَيْءٍ.

    وخلاصة القول أن الجمعية المذكورة لا تستقل بوضع سياسات تؤثر على الدولة أو أوضاع المسلمين بها؛ بل تصرفها محدود في نطاق معين، وعليه فلا حرج أن يتولى أمرها غير مسلم، والله تعالى أعلم.

  • العمل في بئر ذهب بنصف الإيراد

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فهذه المعاملة إن كانت وكالة فلا حرج فيها؛ لأن الوكالة تصح بأجر وبدونه، وهذا باتفاق الفقهاء؛ فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمران؛ حيث وكل صلى الله عليه وسلم أنيساً في إقامة الحد على من زنت، ففي الصحيحين عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالاَ:  كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلاَّ قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ فَقَامَ خَصْمُهُ، وَكَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ – فَقَالَ اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ وَأْذَنْ لِي قَالَ قُلْ قَالَ إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِئَةِ شَاةٍ وَخَادِمٍ ثُمَّ سَأَلْتُ رِجَالاً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِئَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَعَلَى امْرَأَتِهِ الرَّجْمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ الْمِائَةُ شَاةٍ وَالْخَادِمُ رَدٌّ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا.

    ووكل عروة البارقي في شراء شاة، ففي سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه عَنْ عُرْوَةَ – يَعْنِى ابْنَ أَبِى الْجَعْدِ الْبَارِقِىِّ – قَالَ: أَعْطَاهُ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- دِينَارًا يَشْتَرِى بِهِ أُضْحِيَةً أَوْ شَاةً فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ فَأَتَاهُ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِى بَيْعِهِ فَكَانَ لَوِ اشْتَرَى تُرَابًا لَرَبِحَ فِيهِ. وكان يبعث عماله لقبض الصدقات ويجعل لهم عمالة، ولهذا قال له ابنا عمه صلى الله عليه وسلم: لو بعثتنا على هذه الصدقات فنؤدي إليك ما يؤدي الناس ونصيب ما يصيبه الناس. يعنيان العمالة أي الأجرة.

    وعليه فلا حرج عليك في أن توكل شخصاً في أن يعمل وردية معلومة في بئر الذهب نظير أن تبذل له نصف الإيراد، والعلم عند الله تعالى.

  • أعمال دعوية من أوقاف المسجد

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فجواباً على سؤال حول إمكانية تنفيذ برنامج دعوي بمساجد أخرى خصماً على ريع أوقاف المسجد الكبير أقول والله المستعان:

    إن الذي عليه علماء المالكية والشافعية وغيرهم أن المال المرصود كوقف لمسجد لا يجوز صرفه في غير المسجد الموقوف عليه؛ لأن الأصل في أموال الوقف عموماً أنها لا تصرف إلا للجهة التي حددها الواقف باعتبار أن شرط الواقف كنص الشارع.

    قال ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى في الفتاوى الكبرى؛ إن قصد الواقف يراعى بحيث إذا حدد طريقة صرف الوقف فإن ذلك يعتبر، أو عرف مقصده بأن جرت العادة في زمنه بأشياء مخصوصة، فينزل عليها لفظ الواقف. اهـ

    وبعض أهل العلم – ومنهم أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى – جواز صرف الوقف فيما هو أكثر مصلحة ولو خالف شرط الواقف.  قال مصطفى الرحيباني الحنبلي في مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى: قال الشيخ تقي الدين – يعني ابن تيمية -: يجوز تغيير شرط واقف لما هو أصلح منه، فلو وقف على فقهاء أو صوفية واحتيج للجهاد صرف للجند. اهـ.

    ولعل هذا المذهب الأخير هو الراجح -إن شاء الله تعالى- لموافقته لغرض الواقف؛ لأنه إنما يقصد كثرة الثواب، فكلما عظمت المصلحة كان ذلك أقرب إلى قصده.

    وعليه فإذا كانت هذه الأموال الناتجة من ريع أوقاف المسجد الكبير فاضلة عن حاجة المسجد واحتيج إليها في تنفيذ برامج دعوية في مساجد أخرى؛ فإنه لا بأس من صرفها في تلك البرامج تكثيراً لثواب الواقف وتحقيقاً لمراده.

    وقد سئل شيخ الإسلام عن الوقف إذا فضل من ريعه واستغني عنه؟ فأجاب بأنه: يصرف في نظير تلك الجهة، كالمسجد إذا فضل عن مصالحه صرف في مسجد آخر، لأن الواقف غرضه في الجنس، والجنس واحد، فلو قدر أن المسجد الأول خرب ولم ينتفع به أحد صرف ريعه في مسجد آخر.ا.هـــــــــــــــــــــــــــ والعلم عند الله تعالى.

  • تكفير الأعيان

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد نهت الشريعة عن إطلاق اللسان بتكفير المسلم؛ لما ثبت في الصحيحين عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال {إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر؛ فقد باء بها أحدهما} وفي الحديث الآخر في الصحيحين كذلك {ومن دعا رجلاً بالكفر أو قال: عدو الله، وليس كذلك إلا حار عليه} أي رجع عليه ما قاله. قال الحافظ رحمه الله في الفتح: والتحقيق أن الحديث سيق لزجر المسلم عن أن يقول ذلك لأخيه المسلم، وقيل: الراجع هو التكفير لا الكفر.ا.هــ والواجب على المسلم أن يتورع عن إطلاق هذا اللفظ الخطير على أخيه المسلم؛ فضلاً عن التكفير بالجملة لأن ذلك من ورطات الأمور التي لا مخرج منها، قال الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله، ولا بخطأ أخطأ فيه كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة.ا.هــ قال: إني دائماً ـ ومن جالسني يعلم ذلك مني ـ من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معيَّنٌ إلى تكفير وتفسيق ومعصية إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة وفاسقاً أخرى وعاصياً أخرى، وإني أقرر أن الله -تعالى -قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية، وما زال السلف يتنازعون في كثير من المسائل، ولم يشهد أحدٌ منهم على أحد لا بكفر، ولا بفسق، ولا بمعصية … إلى أن قال: وكنت أبيِّن أن ما نُقل عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضاً حق، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين… إلى أن قال: والتكفير هو من الوعيد؛ فإنه وإن كان القول تكذيباً لما قاله الرسول e لكن الرجل قد يكون حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئاً.ا.هـــ

    والتكفير حكم شرعيٌّ خطير تترتب عليه أحكام خطيرة منها: أن المحكوم بكفره لا يحل لزوجته البقاء معه؛ لقوله تعالى }لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن{ ولا يجوز لأولاده البقاء تحت سلطانه لقوله تعالى }ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا{ وتنقطع الولاية بينه وبين مجتمع المؤمنين؛ لقوله تعالى }لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء{ ويجب تقديمه للقضاء ليقيم فيه حكم الله؛ لقوله e {من بدل دينه فاقتلوه} وبعد موته لا تجرى عليه أحكام موتى المسلمين؛ فلا يُغسَّل، ولا يُكفَّن، ولا يُصلَّى عليه، ولا يُدفَن في مقابر المسلمين، ولا يورث ماله، ولا يُدعَى له بالرحمة والمغفرة؛ لقوله تعالى }ولا تصلِّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون{ ويستوجب الخلود في جهنم مع لعنة الله تعالى وغضبه.

    فالتكفير أخطر الأحكام وأشدُّها؛ والأصل فيمن ينتسب للإسلام بقاء إسلامه حتى يتحقق زوال ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي، ولا يجوز التساهل في تكفيره لأن في ذلك محذورين عظيمين: أحدهما: افتراء الكذب على الله تعالى في الحكم، والثاني: افتراء الكذب على المحكوم عليه في الوصف الذي نبزه به. أما الأول فواضح حيث حكم بالكفر على من لم يكفِّره الله تعالي فهو كمن حرَّم ما أحل الله؛ لأن الحكم بالتكفير أو عدمه إلى الله وحده كالحكم بالتحريم أو عدمه. وأما الثاني فلأنه وصف المسلم بوصف مضاد، فقال: إنه كافر، مع أنه بريء من ذلك، وحريٌّ به أن يعود وصف الكفر عليه لما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال {إذا كفَّر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما} وفي رواية {إن كان كما قال وإلا رجعت عليه} وله من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال {ومن دعا رجلاً بالكفر أو قال: عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه} يعني رجع عليه. وقوله في حديث ابن عمر {إن كان كما قال} يعني في حكم الله-تعالى- وكذلك قوله في حديث أبي ذر رضي الله عنه {وليس كذلك} يعني في حكم الله تعالى.

    والذي يحكم بردة المسلم وكفره هم الراسخون في العلم من أهل الاختصاص الذين يميِّزون بين القطعي والظني، وبين المحكم والمتشابه، وبين ما يقبل التأويل وما لا يقبل التأويل، فلا يكفّرون إلا بما لا يجدون له مخرجًا، مثل: إنكار المعلوم من الدين بالضرورة، أو وضعه موضع السخرية من عقيدة أو شريعة، ومثل سبِّ الله تعالى ورسوله، أو كتابة ذلك السبِّ علانية، ونحو ذلك. ثم إن الذي يناط به تنفيذ حكم الردة هو ولي الأمر الشرعي، بعد حكم القضاء الإسلامي المختص؛ الذي لا يحتكم إلا إلى شرع الله عز وجل، ولا يرجع إلا إلى المُحْكمات البَيِّنات من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهما المرجعان اللذان يُرجَعُ إليهما إذا اختلف الناس، وهو الأمر الذي أكَّد عليه الله تعالى بقوله }فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً{ فليس الحكم بالردة والكفر موكولاً إلى آحاد الناس وصغار الطلبة؛ بل الأمر في ذلك عظيم، وحريٌّ بالعاقل أن يتورع عن إطلاق القول فيه. والله الموفق والمستعان.

  • تعدد الجمعة في الحي الواحد

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالأصل الذي دلت عليه نصوص الشريعة وعمل السلف رحمهم الله تعالى أن تقام جمعة واحدة فى مكان واحد ، لسماع الخطبة الموحَّدة من الإمام؛ حيث كان العمل على ذلك أيام الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين رضي الله عنهم فى المدينة، وذلك حين كان المسجد النبوي يسع المصلين وكان الخليفة الراشد هو الذي يخطب فيهم ويؤمهم، وما أقيمت جمعة أخرى في مصر من الأمصار إلا حين دعت لذلك حاجة من ضيق المكان أو كثرة الناس ونحو ذلك من الأعذار.

    وذلك لأن المقصود من الجمعة هو اجتماع المسلمين في مكان واحد؛ يستمعون إلى خطبة الإمام التي فيها تذكير الناسي وهدية الضال وإرشاد الغافل، ويتعارفون فيما بينهم وهم يشعرون أنهم جسد واحد تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم، وكلما كان عدد هؤلاء المجتمعين أكثر كان أثره فى إدراك هذه المقاصد أجل وأعظم، فاذا تعددت الاجتماعات بتعدد المساجد لغير ضرورة لا يشعر المجتمعون بفائدة الاجتماع كشعورهم فى الأول ولا تتأثر نفوسهم بهذه المعانى كتأثرها عند كثرة المجتمعين، ومن هنا نص علماء المذاهب رحمهم الله تعالى على عدم جواز تعدد الجمعة في البلد الواحد إلا لعذر

    فقال الشافعية – كما في حاشية البيجرمي على شرح المنهاج: إذا تعددت الأمكنة التى تصلح فيها الجمعة لا يخلو – إما أن يكون تعدد هذه الأماكن لحاجة أو ضرورة كأن يضيق المسجد الواحد عن أهل البلدة، وإما أن يكون تعدد هذه الأماكن لغير حاجة أو ضرورة – ففى الحالة الأولى وهى ما إذا كان التعدد للحاجة أو الضرورة فإن الجمعة تصلى فى جميعها ويندب أن يصلى الناس الظهر بعد الجمعة – أما فى الحالة الثانية وهى ما إذا كان التعدد لغير حاجة أو ضرورة فإن الجمعة لمن سبق بالصلاة بشرط أن يثبت يقينا أن الجماعة التى صلت فى هذا المكان سبقت غيرها بتكبيرة الإحرام، أما إذا لم يثبت ذلك بأن يثبت بأنهم صلوا فى جميع المساجد فى وقت واحد بأن كبروا تكبيرة الإحرام معا فى لحظة واحدة أو وقع الشك فى أنهم كبروا معا أو فى سبق أحدهم بالتكبير فإن الصلاة تبطل فى جميع المساجد، ويجب عليهم أن يجتمعوا جميعا فى مكان واحد ويعيدوها جمعة إن أمكن ذلك، وإن لم يمكن صلوها ظهرا .

    وذهب المالكية – كما في الشرح الكبير للعلامة الدردير – إلى أن الجمعة إنما تصح فى المسجد العتيق وهو ما أقيمت فيه الجمعة أولاً ولو تأخر أداؤها فيه عن أدائها فى غيره ولو كان بناؤه متأخرا، وتصح فى الجديد فى أحوال منها:

    • أن يهجر العتيق كلية وينقلها الناس إلى الجديد
    • أن يحكم حاكم بصحتها فى الجديد
    • أن يكون القديم ضيقا ولا يمكن توسعته فيحتاج الناس إلى الجديد
    • أن تكون هناك عداوة بين طائفتين بالبلد الواحد ويخشى من اجتماعهما فى مسجد واحد حدوث ضرر لإحداهما من الأخرى فانه يجوز لأيهما اتخاذ مسجد فى ناحية يصلون فيه الجمعة ما دامت العداوة قائمة – وذهب يحيى بن عمر إلى جواز تعداد الجمعة إذا كان البلد كبيرا

    وقال تقي الدين السبكي في فتاويه: والمقصود بالجمعة اجتماع المؤمنين كلهم، وموعظتهم، وأكمل وجوه ذلك أن يكون في مكان واحد لتجتمع كلمتهم، وتحصل الألفة بينهم، وقال: وفي الجمعة ثلاثة مقاصد: أحدها: ظهور الشعار، والثاني: الموعظة، والثالث: تأليف بعض المؤمنين ببعض لتراحمهم وتوادهم، ولما كانت هذه المقاصد الثلاثة من أحسن المقاصد، واستمر العمل عليها، وكان الاقتصار على جمعة واحدة أدعى إليها استمر العمل عليه، وعلم ذلك من دين الإسلام بالضرورة، وإن لم يأت في ذلك نص من الشارع بأمر ولا نهي، ولكن قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ}. وقد أتانا فعله صلى الله عليه وسلم، وسنته، وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، ومن محاسن الإسلام اجتماع المؤمنين كل طائفة في مسجدهم في الصلوات الخمس، ثم اجتماع جميع أهل البلد في الجمعة، ثم اجتماع أهل البلد وما قرب منها من العوالي في العيدين لتحصل الألفة بينهم. ثم قال: وانقرض عصر الصحابة رضوان الله عليهم على ذلك، وجاء التابعون فلم أعلم أحداً منهم تكلم في هذه المسِألة أيضاً، ولا قال بجواز جمعتين في بلد إلا رواية عبد الرازق عن ابن جريج قال: قلت: لعطاء: أرأيت أهل البصرة لا يسعهم المسجد الأكبر كيف يصنعون؟ قال: لكل قوم مسجد يجمعون فيه ثم يجزئ ذلك عنهم قال ابن جريج: وأنكر الناس أن يجمعوا إلا في المسجد الأكبر هذا لفظ عبد الرزاق في مصنفه، ثم قال الإمام تقي الدين السبكي: فالرجوع إلى قول سائر الناس مع الصحابة جميعهم أولى، ويصير مذهب عطاء في ذلك من المذاهب الشاذة التي لم يعلم بها الناس

    وعليه فإن الأصل هو الصلاة في المسجد العتيق ما دام يسع الناس؛ اللهم إلا إذا حكم ولي الأمر بصحة الصلاة في المسجد الآخر، أو رؤي أن مفسدة عظيمة تحصل باجتماع الناس في المسجد العتيق نسبة لاستحكام العداوة بين الطائفتين المختلفتين، والله تعالى أعلم.

  • تصنيع الصليب

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالصليب شعار أهل الكفر من النصارى الذين يعتقدون أن المسيح عليه السلام قد صُلب؛ فداء للبشر وتخليصاً لهم من الخطايا، وقد كذبهم القرآن في هذا الظن وأخبر عن إفكهم؛ فقال سبحانه {وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيما} فهم يعلقونه على صدورهم أو على معاصمهم، ولربما نقشوه – وشماً – على جباههم؛ تعبداً لله وتقرباً إليه بزعمهم، وهم كذلك يرسمونه على صدورهم حال حدوث نعمة لأحدهم؛ كما هو مشاهد من حال لاعبي الكرة حين يحرز أحدهم هدفا، أو يحول دون حصول هدف لخصمه

    وهذا الصليب لا يجوز لمسلم تصنيعه ولا تعليقه ولا الإعانة على ذلك بحال؛ لعموم قوله تعالى {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لنصارى نجران “يمنعكم من الإسلام ثلاث عبادتكم الصليب وأكلكم لحم الخنزير وزعمكم أن لله ولدا”[1]  فعلم بذلك أنه معبود عندهم من دون الله.

    [1] السيرة الحلبية 3/265

  • تسمية المسجد بإسم شخص

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فلا حرج في تسمية المسجد باسم شخص أو جماعة من الناس، وهذا الذي عليه جماهير العلماء، وفائدة ذلك أن من صلى في المسجد فإنه يدعو لواقفه باسمه. قال ابن حجر: والجمهور على الجواز، والمخالف في ذلك إبراهيم النخعي.ا.هـ  ومن الأدلة على جواز ذلك:  قوله صلى الله عليه وسـلم “صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام” الشاهد: {مسجدي هذا} وجه الدلالة: أن الرسول صلى الله عليه وسـلم نسب المسجد الذي بناه في المدينة إلى نفسه الشريفة؛ مما يدل على جواز ذلك، وما رواه البخاري حديث ابن عمر رضي الله عنهما “أن رسول الله صلى الله عليه وسـلم سابق بين الخيل التي لم تُضَمّرْ من الثنية إلى  مسجد بني زريق”. والشاهد قوله “مسجد بني زريق” حيث إن ابن عمر رضي الله عنهما ذكر اسم المسجد الذي عرف به على عهد النبي صلى الله عليه وسـلم وقد كانت المساجد تسمى بأسماء  أشخاص، والصحابة رضوان الله عليهم يعلمون ذلك، ولم يثبت عن أحد منهم إنكار لهذه  التسميات. وقد روى ابن أبي شيبة عن زر بن حبيش والربيع بن خيثم أنهما يقولان: مسجد بني فلان، وأن جابراً قال “فأتى مسجد معاذ”

    قال أهل العلم: وإضافتها إليهم لا تفيد التمليك، وأما إضافتها إلى الله تعالى فهي إضافة تشريف وتكريم، وأما إضافتها إلى المخلوقين فهي إضافة تمييز بين المساجد، والعلم عند الله تعالى.

زر الذهاب إلى الأعلى