الفتاوى

  • كفر أهل الكتاب

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد دلَّ القرآن والسنة والإجماع على أن من دان بغير الإسلام فهو كافر، ودينه مردود عليه وهو في الآخرة من الخاسرين؛ قال تعالى {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل  منه وهو في الآخرة من الخاسرين} وجاء النص القاطع بأن أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم أو أشركوا مع الله غيره، أو جحدوا بنبوة نبي من الأنبياء أنهم كفرة، ولا يدفع عنهم الكفرَ إيمانُهم أو التزامهم بكتبهم، فلو آمنوا حقاً بالنبي والكتاب لآمنوا بجميع الأنبياء والرسل. قال الله تعالى {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا $ أولئك هم الكافرون حقاً واعتدنا للكافرين عذاباً مهينا} وقال تعالى {يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون} وقال {قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون} وقد كان ذلك خطاباً لأهل الكتاب المعاصرين  للنبي صلى الله عليه وسلم وهم يؤمنون بعيسى  والإنجيل، وبموسى والتوراة. وقال تعالى {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} وقال تعالى {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} وقال تعالى {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة} فكونهم أهل كتاب لا يمنع من كونهم كفاراً، كما نطق بذلك كتاب الله.

    وأما إباحة طعام أهل الكتاب ونكاح نسائهم فإنه لا ينافي الحكم بكفرهم، فإن الذي أباح طعامهم ونكاح نسائهم، هو الذي حكم بكفرهم، ولا راد لقضائه ولا معقِّب لحكمه جل وعلا.

    ولو قال قائل: فما وجه وعد الله إياهم بالجنة في قوله سبحانه {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} نقول: إن هذا الوعد إنما هو للموحدين منهم الذين آمنوا بنبيهم ولم يشركوا بالله أحداً ولم يدركوا بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهذا ما اتفق عليه أهل التفسير والعلم بكتاب الله عز وجل، ويؤيده أن  من اعتقد ألوهية عيسى أو بنوته لله أو أعتقد أن الله فقير أو يمسه اللغوب والتعب فليس مؤمناً بالله حقيقة وكذلك من اعتقد أن عيسى عليه السلام هو الذي يحاسب الناس يوم القيامة ويجعل النار لمن لم يؤمن بألوهيته أو بنوته، من اعتقد ذلك لم يكن مؤمناً باليوم الآخر حقيقة، ولهذا وصف القرآن أهل الكتاب من اليهود والنصارى بأنهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، فقال تعالى {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون}

    نقول: إن كفر اليهود والنصارى يُعدُّ من الأمور المعلومة بالضرورة من دين الإسلام، فمن أنكر كفر اليهود والنصارى أو شك في ذلك فهو كافر. قال القاضي عياض في كتابه الشفا، في سياق ذكره ما هو كفر بالإجماع: (ولهذا نكفِّر من دان بغير ملة المسلمين من الملل أو توقف فيهم أو شك أو صحح مذهبهم، وإن أظهر مع ذلك الإسلام واعتقده واعتقد إبطال كل مذهب سواه، فهو كافر بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلك)

    ولا يتنافى اعتقادنا بكفرهم مع برنا إياهم وعدلنا معهم وقيامنا بما أوجب الله علينا نحوهم في قوله سبحانه {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين}

  • قتل نصرانيا خطأً

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالقاتل خطأ يجب عليه حقان: حق لأولياء الدم بأن يبذل لهم دية القتيل، وحق لله تعالى بعتق رقبة؛ فإن لم يجد فعليه صيام شهرين متتابعين، هذا بالإجماع فيما لو كان القتيل مؤمناً؛ أما إذا كان كافراً معاهداً أو مستأمناً ففي المسألة خلاف بين أهل العلم، والذي عليه مذهب المالكية أن الكفارة لا تجب إلا في قتل المؤمن عملاً بظاهر الآية، وهي قوله تعالى {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقية مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليماً حكيما} والله تعالى أعلم.

  • حكم من قال : أنا لست مسلما

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.
    فإخبار المسلم عن نفسه بأنه كافر ـ والعياذ بالله ـ مما يخرج به عن الملة ما لم يكن مكرهاً على ذلك إكراهاً معتبراً شرعاً؛ فإن كان القائل  (أنا ما مسلم) مكلفاً مختاراً غير مختل العقل ولا مكرهاً وكان عالماً بمعنى قوله، فهو كافر مرتد. فالردة كما يعرفُّها أهل العلم هي: قطع الإسلام بنية أو قول أو فعل، سواء قاله استهزاءً أو عناداً أو اعتقاداً. قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى في شرحه لقول صاحب زاد المستقنع «وإن أتى بقول يخرجه عن الإسلام، مثل أن يقول: هو يهودي، أو نصراني، أو مجوسي، أو بريءٌ من الإسلام، أو القرآن، أو النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ، أو يعبد الصليب، ونحو ذلك على ما ذكروه في الأيمان» قال: فهو كافرٌ مرتدٌ نأخذه بقولِه هذا، فإن قال: ما أردت، فإن وجدت قرينة تدل على صدقه تركناه، وإن لم يوجد فإننا نقتله، إلا أن يتوب.ا.هــــــ الشرح الممتع 14/431

    وأما نكاحه: فإنه إذا تاب ولم تكن العدة قد انقضت فإن عصمة النكاح باقية ولا حاجة إلى عقد جديد، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة، وأما إن كانت العدة قد انقضت في زمن ردته قبل أن يتوب، ورضيت زوجته أن تبقى معه جاز ذلك أيضاً من غير تجديد عقد على ما رجحه شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وقال الجمهور بوجوب عقد جديد، وعلى القول بوجوب تجديد العقد فإن وليها يقول له: زوجتك بنتي أو أختي، ويقول هو قبلت في حضور شاهدي عدل، وأما عباداته التي أداها زمن الردة من صلاة وصوم وغيرها: ففي وجوب قضائها خلاف بين العلماء، جاء في الموسوعة الفقهية: واختلف الفقهاء في وجوب الصلاة على المرتد، فذهب جمهور الفقهاء ـ الحنفية والمالكية والحنابلة ـ إلى أن الصلاة لا تجب على المرتد فلا يقضي ما فاته إذا رجع إلى الإسلام، لأنه بالردة يصير كالكافر الأصلي، وذهب الشافعية إلى وجوب الصلاة على المرتد على معنى أنه يجب عليه قضاء ما فاته زمن الردة بعد رجوعه إلى الإسلام تغليظا عليه، ولأنه التزمها بالإسلام فلا تسقط عنه بالجحود كحق الآدمي. ا.هــــــــ والعلم عند الله تعالى.

  • الأطفال مجهولي الأبوين

    / هل يجوز لكافل اليتيم أو مجهول النسب أن يوصي للطفل المكفول بالإرضاع في أسرته بجزء من ماله؟ وإن كان يجوز فما القدر المسموح به شرعاً في هذه الحالة؟

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فالوصية مشروعة بنصوص القرآن والسنة؛ قال تعالى {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين} وقال جل جلاله {من بعد وصية يوصى بها أو دين}  وقال النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث) ومفهوم الحديث جواز الوصية لغير الوارث. وعليه فلا مانع من أن يوصي كافل الطفل اليتيم أو مجهول النسب لذلك الطفل ببعض ماله؛ شريطة ألا يتعدى الثلث لقول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد رضي الله عنه (الثلث والثلث كثير؛ إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس)

    2/ هل يجوز إخراج أموال الزكاة والصدقة إلى الأطفال مجهولي النسب المقيمين في دار الكفالة أو المكفولين بالإرضاع لدى الأسر الحاضنة لهم؟

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فمصارف الزكاة محددة بآية سورة التوبة {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم} وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي) وعليه فإذا كان هؤلاء الأطفال من الفقراء أو المساكين فلا حرج في دفع الزكاة إليهم، وكذلك لو كان الكافل فقيرا أو مسكينا فلا حرج في دفع الزكاة إليه. أما صدقة التطوع فإن الأمر فيها أوسع، والعلم عند الله تعالى

    3/ هل يجوز بيع الاحتياجات العينية الزائدة عن حاجة الأطفال الأيتام بدار الكفالة والتي وصلت من الخيرين إلى دار الكفالة لدعم الأيتام ومن تحويلها إلى سيولة مالية لصالح تلبية احتياجات الأطفال الأيتام الأخرى الضرورية؟

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    4/ ما هو الحكم الشرعي في شأن التبني في الإسلام؟

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فمن قام على تربية طفل مسلم على مبادئ الإسلام ومناهجه، وحرص على تنشئته على البر والتقوى فأجره عند الله عظيم وثوابه كبير، ولعله إن شاء الله يكون داخلاً في قوله r {أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة} وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى؛ خاصة في زماننا الذي كثرت فيه الفتن وتعددت أوجه الانحراف

    أما التبني ـ وهو إعطاء الطفل اسم من يقوم على تربيته ـ فلا يجوز إجماعا؛ لقوله تعالى {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله} وقد أجمع أهل العلم على هذا الحكم، ويمكن للمربي أن يأمر زوجته ـ إذا كان الطفل المكفول دون الحولين ـ أن ترضعه خمس رضعات ليكون ابناً أو ابنةً له ولها، وأخاً أو أختاً لأبنائهما وبناتهما، ويعيش بينهم وكأنه واحد منهم بلا حرج أو تكلف، والعلم عند الله تعالى

    5/ ما هو حكم صرف رواتب للعاملين القائمين على إدارة الأيتام بدار الإيواء من التبرعات والصدقات والهبات النقدية الواردة من الخيرين لدعم احتياجات الأيتام بالدار، وإن كان ذلك يجوز شرعاً ما هي النسبة المقدرة شرعاً في هذه الحالة؟

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فشرط الواقف كنص الشارع؛ وعليه فإن الباذل أموالاً لدعم احتياجات الأيتام؛ لا يجوز صرف تلك الأموال

  • قضاء الفوائت

    في بعض الأحيان تفوتني صلاة المغرب ويدخل وقت العشاء ويقيم الإمام الصلاة فهل أصلي العشاء ثم المغرب أو العكس؟ وجزاكم  الله خيرا

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:

    فقد أجمع المسلمون على وجوب قضاء ما فات من الصلاة: نسياناً، أو نوماً، لقوله عليه الصلاة والسلام: “من نسي صلاة أو نام عنها فليصل إذا ذكرها” رواه مسلم وكذلك إن تركها عمداً على مذهب الجمهور. وعليه فإن قضاء الصلاتين واجب على الفور حسب الاستطاعة في أي ساعة من ليل أو نهار، مع مراعاة الترتيب بين الفوائت، أملاً في استدراك ما فات قبل حلول الأجل. وفي هذه الصورة ينبغي صلاة الفرضين قبل صلاة العشاء للخروج من الخلاف؛ وإلا ففي أقرب وقت. وأما تأخير العصر أو غيرها من الصلوات المفروضة لوقتها من اليوم القابل فلا يجوز، لما فيه من عدم المسارعة. والإخلال بالترتيب

    فإن قضاء الفوائت  يجب أن يكون على الفور، وأن تكون مرتبة كما فرضها الله سبحانه. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “صلوا كما رأيتموني أصلي” رواه البخاري.

    ولم يصلها الرسول صلى الله عليه وسلم إلا مرتبة فكان الترتيب واجباً، لكن إن لم تتمكن من صلاة المغرب قبل أن تقام صلاة العشاء، فادخل مع الجماعة في صلاة العشاء بنية صلاة المغرب، فإذا جاءت الركعة الرابعة من العشاء فلا تقم للرابعة، وانتظر حتى يجلس الإمام بعد انتهائك من الركعة الثالثة وسلم معه.لأن الأدلة الشرعية قد دلت على أن اختلاف النية بين الإمام والمأموم لا يؤثر. وبهذا تكون قد حافظت على الترتيب، وأدركت فضيلة الجماعة.

    أما إذا ضاق وقت الصلاة الحاضرة، بحيث لم يبق من وقتها إلا مقدار ما تؤدى فيه، فيجب تقديم الحاضرة، لأن الترتيب هنا يفضي إلى تأخير الصلاة عن وقتها. وهذا لا يجوز.

    ومما يدل على وجوب الترتيب أيضاً، ما ثبت في صحيح البخاري ومسلم “أن النبي صلى الله عليه وسلم شغل عن الفرائض يوم الأحزاب فصلاها مرتبة بعد غروب الشمس” كما نوصيك بالمحافظة على الصلوات في أوقاتها.

    من ذكر صلاة فائتة أثناء صلاته، فإنه يتم الصلاة الحاضرة، ثم يصلي الفائتة، ولا يقضي الحاضرة التي قد صلى على الراجح من قولي أهل العلم، إذ حكم ذلك حكم من تذكر الفائتة قبل الشروع في الحاضرة.

    قال ابن تيمية: ” ومن فاتته الظهر وحضرت جماعة العصر ، فإنه يصلي العصر ، ثم يصلي الظهر ، ثم هل يعيد العصر؟ فيه قولان للصحابة والعلماء: أحدهما يعيدها ، وهذا مذهب أبي حنيفة ، ومالك ، والمشهور من مذهب أحمد.

    والثاني: لا يعيد، وهو قول ابن عباس، ومذهب الشافعي، واختيار جدي. ومتى ذكر الفائتة في أثناء الصلاة كان كما لو ذكر قبل الشروع فيها، ولو لم يذكر الفائتة حتى فرغت الحاضرة، تجزئه عند جمهور العلماء، كأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وأما مالك فغالب ظني أنها لا تصح. والله أعلم” انتهى.

    تنبيه: ما قاله شيخ الإسلام هنا بالنسبة لمذهب مالك فيه إجمال ، وبيانه أن المعروف من مذهب مالك هو التفريق بين الحاضرتين (مشتركتي الوقت) وبين الحاضرة ويسير الفوائت ، فالترتيب بين الحاضرتين واجب وجوباً مشترطاً إذا كان في الوقت متسع لهما معاً ، فمن صلى العصر قبل الظهر في وقت يمكنه فيه أن يصليها هي والظهر قبل الغروب فإنه يجب عليه أن يعيد صلاة العصر مرة أخرى ليتم الترتيب. أما من صلى العصر قبل الظهر في وقت لم يبق فيه دون الغروب إلا القدر الذي يسع العصر فقط فإنه قد أثم بترك الترتيب ، ولا تجب عليه الإعادة ، فالصلاة صحيحة مع الإثم ، وهذا كله في الترتيب بين الحاضرتين (مشتركتي الوقت) -كما تقدم-

    أما ترتيب الحاضرة مع يسير الفوائت – ولو كان واحدة- فإنه واجب وجوباً غير مشترط، فمن أراد أن يصلي المغرب وهو لم يصل العصر ، فالواجب عليه البدء بالعصر ، ولكنه لو أخل بهذا الواجب فإن فعله صحيح ، ولا يلزمه أن يعيد المغرب بعد صلاته للعصر. هذا هو مذهب مالك في هذه المسألة ، وذكرناه بهذا التفصيل لبيان ما في كلام شيخ الإسلام مما يحتاج لبيان.

  • قصر الصلاة لمنسوبي المرور السريع

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالصلاة واجبة على المسافر كما هي على المقيم لعموم قوله تعالى ((وأقيموا الصلاة)) لكن الشريعة الإسلامية المبنية على اليسر قد خصَّت المسافر بأحكام منها:

    • قصر الصلاة الرباعية ـ وهي الظهر والعصر والعشاء ـ فيصليها ركعتين، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين قال «صحبت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان لا يزيد في السفر على ركعتين وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك» ولقول عمر رضي الله عنه «صلاة السفر ركعتان وصلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان تمام من غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه و سلم» رواه أحمد والنسائي وابن ماجه
    • الجمع بين الصلاتين المشتركتين في الوقت تقديماً أو تأخيراً فيصلي الظهر مع العصر في وقت إحداهما والمغرب مع العشاء في وقت إحداهما، لحديث أنس رضي الله عنه قال «كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا رحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل يجمع بينهما فإن زاغت قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب» متفق عليه. وفي رواية لمسلم «كان إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر يؤخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ثم يجمع بينهما» ولحديث معاذ رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه و سلم كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصليهما جميعا وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم سار وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب» رواه أحمد وأبو داود والترمذي
    • ومما يختص به المسافر أنه لا يصلي راتبة الظهر ولا المغرب ولا العشاء، بل يقتصر على راتبة الفجر وصلاة الوتر، ولا مانع من أن يصلي الضحى وغيرها من النوافل كقيام الليل. لقول ابن عمر رضي الله عنهما «لو كنت مسبحا في السفر لأتممت» رواه مسلم وأبو داود. قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: ومراده النافلة الراتبة مع الفرائض كسنة الظهر والعصر وغيرها من المكتوبات، وأما النوافل المطلقة فكان ابن عمر يفعلها كما ثبت في مواضع من الصحيح عنه، وقد اتفق العلماء على استحباب النوافل المطلقة في السفر واختلفوا في استحباب النوافل الراتبة فكرهها ابن عمر وآخرون واستحبها الشافعي وأصحابه والجمهور.ا.هــــــــــــــــــــــ

    وهذه الرخص كلها في حق من كان مسافراً سفر طاعة – كحج أو جهاد أو طلب علم – أو سفراً مباحاً – كتجارة أو نكاح امرأة – أما من سافر لمعصية – كقتل معصوم أو مباشرة حرام كعقد ربا – فلا ينتفع بهذه الرخص لأن الرخص لا تناط بالمعاصي، ولا يستعان بها على معصية الله تعالى. وعمل هؤلاء المنتسبين لشرطة المرور السريع يترتب عليه من المصالح حفظ الأمن وصيانة الأنفس وإغاثة الملهوف وإعانة المحتاج وإسعاف المصاب إلى غير ذلك من المهام العظيمة التي هي من طاعة الله عز وجل، وعليه فلا حرج عليهم في قصر الصلاة وجمعها في سفرهم من شندي إلى مداخل ولاية الخرطوم ما دامت المسافة مسافة قصر، وهي ما يعادل خمسة وثمانين كيلو تقريباً، والعلم عند الله تعالى

  • سورة الإخلاص في صلاة التراويح

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالمطلوب في صلاة التراويح تحقيق الطمأنينة؛ فإن صلاة بغير طمأنينة لا تقع من الله تعالى بموقع القبول،  والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال {صلوا كما رأيتموني أصلي} ولم ينقل عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه كان مع أصحابه يقرؤون بين ركعات التراويح قرآناً بصورة جماعية، ولا يأتون بأذكار أو أوراد، وخير الهدي هديه عليه الصلاة والسلام؛ فقراءة الأذكار أو القرآن بصورة جماعية ليس من السنة، والواجب أن يشتغل كل امرئ بين الركعات بما يناسبه من استغفار أو قراءة قرآن أو دعاء أو صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والله تعالى أعلم

  • رفع الصوت بقراءة القرآن في المسجد

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالمساجد بيوت الله أفنيته، محفوظة محفوظ أهلها، ميمونة ميمون أهلها، هم في مساجدهم، والله جل جلاله في حوائجهم، والمترددون عليها المواظبون على الصلاة فيها هم خيرة خلق الله؛ كما قال سبحانه )في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال ^ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار ^ ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب(

    وإن الواجب على رواد المساجد أن يحرصوا على ما يؤكد أخوتهم ويقوي آصرتهم، ويزيل أسباب العداوة والبغضاء من بينهم، ومن ذلك ألا يرفع بعضهم صوته في المسجد؛ سواء كان بذكر أو تلاوة أو دعاء، ومن باب أولى ما دون ذلك من كلام الدنيا المباح؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم معتكفاً في المسجد وحوله أصحابه ما بين داعٍ وتالٍ ومصلٍ وقد ارتفعت أصواتهم؛ فنهاهم عليه الصلاة والسلام التمهيد؛ فعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد؛ فسمعهم يجهرون بالقراءة؛ فكشف الستر وقال {ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضاً ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة أو قال: في الصلاة} رواه أبو داود والنسائي

    هذا والمشروع في حلقة التلاوة أن يرفع القارئ صوته بقدر ما يسمع من هم معه في الحلقة دون سواهم؛ لتتحقق المصلحة المرجوة في تنبيهه إذا أخطأ أو تذكيره إذا نسي، وفي الوقت نفسه لا يشوش على غيره ممن ليسوا في الحلقة ممن يذكرون الله أو يصلون، والله الهادي إلى سواء السبيل.

  • القدر الواجب للمبيت بمنى

    ما حكم من يأتي إلى منى بعد الغروب ثم يخرج منها بعد منتصف الليل؟ وما قدر الواجب في المبيت بمنى؟ علماً بأنني أعمل في خدمة الحاج كتجهيز الطعام، والمحاسب الذي عليه أن يقضي أكثر الوقت بمكة لحراسة المال

    فالذي عليه جمهور العلماء – من المالكية والشافعية والحنابلة – أن الواجب في المبيت بمنى لا يتحقق إلا إذا قضى الحاج في داخلها معظم الليل. قال خليل بن إسحاق رحمه الله في المختصر: وإن ترك جُلَّ ليلة فدم.ا.هــــــــــــ

    وقال النووي رحمه الله تعالى في المجموع: وفي قدر الواجب قولان: حكاهما صاحب التقريب والشيخ أبو محمد الجويني وإمام الحرمين ومتابعوه، أصحهما: معظم الليل.ا.هــــــــــــــــ

    وقال البهوتي الحنبلي في شرح منتهى الإرادات: ولعل المراد: لا يجب استيعاب الليلة بالمبيت، بل كمزدلفة على ما سبق.ا.هـــــــــــــــــــ وهذا بناء على أن الدفع من مزدلفة لا يجوز عند الحنابلة قبل منتصف الليل.

    وقد اختلف العلماء فيما يجب على من ترك المبيت بمنى معظم الليل، في أحد ليالي أيام التشريق الثلاثة:

    فذهب المالكية إلى أنه يجب عليه دم، كما سبق في نص خليل المذكور آنفا، وكذا يجب عليه دم إن ترك ليلة فأكثر.

    وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه يجب عليه في كل ليلة لم يبت فيها معظم الليل مُدٌّ من طعام، فإن فعل ذلك في كل أيام التشريق كان عليه دم.

    وهذا الحكم يجري على غير المعذور، أما المعذور، فلا شيء عليه، كمن قصد منى للمبيت بها، وتعطل به السير، فلم يصل إليها إلا في وقت متأخر، لأنه لم يتعمد التأخر، وفعل ما في وسعه، والله تعالى يقول: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَاْ}

    وعليه، فإذا كانت ساعات الليل التي مكثتها في منى أكثر من نصف الليل في تلك الفترة، فقد حصل لك المبيت، ولا شيء عليك، وإذا لم تكن أكثر من النصف؛ فلا شيء عليك كذلك لكونك عاملاً في خدمة الحجيج وقد أذن النبي صلى الله عليه وسـلم لرعاة الإبل فيما لم يأذن فيه لغيرهم، وكذلك المحاسب الذي لا يستطيع حفظ المال بمنى لا حرج عليه في البقاء بمكة، والعلم عند الله تعالى.

  • هل يتعارض قتل المرتد مع حرية الإعتقاد في الإسلام؟

    السؤال: لماذا يقتل الإسلام المرتد مع كون الإسلام ديناً لا إكراه فيه؟

    الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فأما كون الإسلام ديناً لا إكراه فيه فتلك حقيقة لا مرية فيها، نطقت بها نصوص القرآن والسنة؛ ففي كتاب الله الكريم نقرأ قوله تعالى {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: أي لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام فإنه بين واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورًا. وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار، وإن كان حكمها عامًّا.ا.هـــــ[1]

     ويقول سبحانه {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين}، {وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين} وفي سبب نزول قوله تعالى {لا إكراه في الدين} ما يجلي تلك الحقيقة واضحة حيث روى ابن جرير الطبري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له: الحصيني كان له ابنان، وكانا قد تنصرا على يدي تجار قدموا من الشام يحملون زيتًا؛ فلما عزما على الذهاب معهم أراد أبوهما أن يستكرههما، وطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث في آثارهما، فنزلت هذه الآية.

    ولا تعارض بين هذه الآيات وبين النصوص الآمرة بقتل المرتد؛ كقوله صلى الله عليه وسـلم «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» وقوله صلى الله عليه وسـلم «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد ألا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» فإن قوله تعالى {لا إكراه في الدين} إنما هو في حق الكافر الأصلي، وأما الأحاديث فهي في حق ذاك الذي دخل في الإسلام طائعاً مختاراً ثم آثر الكفر على الإيمان؛ فمثل هذا يقتل لئلا يتخذ الدين هزواً ولعباً؛ ولئلا يكون أولئك المرتدون المتلاعبون سبباً لفتنة الناس عن دينهم؛ مثلما صنع اليهود حين قال بعضهم لبعض {آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون} قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: هذه مكيدة أرادوها ليلْبسُوا على الضعفاء من الناس أمْر دينهم، وهو أنهم اشْتَوروا بينهم أن يظهروا الإيمان أول النهار ويُصَلّوا مع المسلمين صلاة الصبح، فإذا جاء آخر النهار ارتدوا إلى دينهم ليقول الجهلة من الناس: إنما رَدّهم إلى دينهم اطّلاعهُم على نقيصة وعيب في دين المسلمين، ولهذا قالوا: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} قال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، في قوله تعالى إخبارًا عن اليهود بهذه الآية: يعني يهود، صَلَّت مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر وكفروا آخر النهار، مكرًا منهم، ليُرُوا الناس أن قد بدت لهم منه الضلالة، بعد أن كانوا اتبعوه.

    وقال العَوْفِي، عن ابن عباس: قالت طائفة من أهل الكتاب: إذا لقيتم أصحاب محمد أول النهار فآمنوا، وإذا كان آخره فَصَلّوا صلاتكم، لعلهم يقولون: هؤلاء أهل الكتاب وهم أعلم منا. وهكذا روي عن قتادة والسدي والربيع وأبي مالك.[2]

    يقول العلامة الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى:  وَحِكْمَةُ تَشْرِيعِ قَتْلِ الْمُرْتَدِّ- مَعَ أَنَّ الْكَافِرَ بِالْأَصَالَةِ لَا يُقْتَلُ- أَنَّ الِارْتِدَادَ خُرُوجُ فَرْدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْجَامِعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، فَهُوَ بِخُرُوجِهِ مِنِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ يُنَادِي عَلَى أَنَّهُ لَمَّا خَالَطَ هَذَا الدِّينَ وَجَدَهُ غَيْرَ صَالِحٍ، وَوَجَدَ مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ أَصْلَحَ. فَهَذَا تَعْرِيضٌ بِالدِّينِ وَاسْتِخْفَافٌ بِهِ، وَفِيهِ أَيْضًا تَمْهِيدُ طَرِيقٍ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَنْسَلَّ مِنْ هَذَا الدِّينِ وَذَلِكَ يُفْضِي إِلَى انْحِلَالِ الْجَامِعَةِ، فَلَوْ لَمْ يُجْعَلْ لِذَلِكَ زَاجِرٌ مَا انْزَجَرَ النَّاسُ، وَلَا نَجِدُ شَيْئًا زَاجِرًا مِثْلَ تَوَقُّعِ الْمَوْتِ، فَلِذَلِكَ جُعِلَ الْمَوْتُ هُوَ الْعُقُوبَةَ لِلْمُرْتَدِّ حَتَّى لَا يَدْخُلَ أَحَدٌ فِي الدِّينِ إِلَّا عَلَى بَصِيرَةٍ، وَحَتَّى لَا يَخْرُجَ مِنْهُ أَحَدٌ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنِ الْإِكْرَاهِ فِي الدِّينِ الْمَنْفِيِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا إِكْراهَ فِي الدِّينِ} عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ، لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ فِي الدِّينِ هُوَ إِكْرَاهُ النَّاسِ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ أَدْيَانِهِمْ وَالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا هَذَا فَهُوَ مِنِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْبَقَاءِ فِي الْإِسْلَام. انتهى[3]. ويقول الشيخ سيد سابق رحمه الله تعالى في بيان الحكمة من قتل المرتد: الاسلام منهج كامل للحياة فهو: دين ودولة، وعبادة، وقيادة، ومصحف وسيف، وروح ومادة، ودنيا وآخرة، وهو مبني على العقل والمنطق، وقائم على الدليل والبرهان، وليس في عقيدته ولا شريعته ما يصادم فطرة الانسان أو يقف حائلا دون الوصول إلى كماله المادي والأدبي – ومن دخل فيه عرف حقيقته، وذاق حلاوته، فإذا خرج منه وارتد عنه بعد دخوله فيه وإدراكه له، كان في الواقع خارجا على الحق والمنطق، ومتنكرا للدليل والبرهان، وحائدا عن العقل السليم، والفطرة المستقيمة.

    والإنسان حين يصل إلى هذا المستوى يكون قد ارتد إلى أقصى دركات الانحطاط، ووصل إلى الغاية من الانحدار والهبوط، ومثل هذا الانسان لا ينبغي المحافظة على حياته، ولا الحرص على بقائه – لان حياته ليست لها غاية كريمة ولا مقصد نبيل.

    هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإن الاسلام كمنهج عام للحياة، ونظام شامل للسلوك الانساني، لاغنى له من سياج يحميه، ودرع يقيه، فإن أي نظام لا قيام له إلا بالحماية والوقاية والحفاظ عليه من كل ما يهز أركانه، ويزعزع بنيانه، ولاشئ أقوى في حماية النظام ووقايته من منع الخارجين عليه، لان الخروج عليه يهدد كيانه ويعرضه للسقوط والتداعي.

    إن الخروج على الاسلام والارتداد عنه إنما هو ثورة عليه والثورة عليه ليس لها من جزاء إلا الجزاء الذي اتفقت عليه القوانين الوضعية، فيمن خرج على نظام الدولة وأوضاعها المقررة.

    إن أي انسان سواء كان في الدول الشيوعية، أم الدول الرأسمالية – إذ اخرج على نظام الدولة فإنه يتهم بالخيانة العظمى لبلاده، والخيانة العظمى جزاؤها الاعدام.

    فالاسلام في تقرير عقوبة الاعدام للمرتدين منطقي مع نفسه ومتلاق مع غيره من النظم.[4]

    ويقول الشيخ صالح الفوزان حفظه الله تعالى:: أما المرتد فهذا يقتل، لأنه كفر بعد إسلامه، وترك الحق بعد معرفته، فهو عضو فاسد يجب بتره، وإراحة المجتمع منه؛ لأنه فاسد العقيدة ويخشى أن يفسد عقائد الباقين، لأنه ترك الحق لا عن جهل، وإنما عن عناد بعد معرفة الحق، فلذلك صار لا يصلح للبقاء فيجب قتله، فلا تعارض بين قوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} وبين قتل المرتد، لأن الإكراه في الدين هنا عند الدخول في الإسلام، وأما قتل المرتد فهو عند الخروج من الإسلام بعد معرفته وبعد الدخول فيه. انتهى.[5]

    [1] تفسير ابن كثير 1/682

    [2] تفسير القرآن العظيم 2/60

    [3] التحرير والتنوير 2/319

    [4] فقه السنة 2/457

    [5] المنتقى من فتاوى الفوزان 39/4

زر الذهاب إلى الأعلى