الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
فالجمارك يراد بها الأموال التي تؤخذ ممن جلب بضاعة من بلد إلى بلد آخر، وتسمى كذلك ضريبة العشور، وهي ـ في الجملة ـ من المحرمات؛ لقول الله تعالى )ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون( وقول النبي صلى الله عليه وسـلم {لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه} رواه أحمد، بل هي من المكوس التي توعدت الشريعة آخذيها وآكليها؛ قال النبي صلى الله عليه وسـلم {إن صاحب المَكس في النار} رواه أحمد عن رويفع بن ثابت رضي الله عنه وقال صلى الله عليه وسـلم {لا يدخل الجنة صاحب مَكس} رواه أحمد وأبو داود عن عقبة بن عامر رضي الله عنه؛ قال شُرَّاح الحديث: المَكس: النقص والظلم وأصله دراهم كانت تؤخذ من بائعي السلع في الأسواق في الجاهلية، أو درهم كان يأخذه المصدِّق بعد فراغه من الصدقة، قال ابن الأثير في النهاية: هو الضريبة التي يأخذها الماكس وهو العشار.ا.هــــــ انظر النهاية في غريب الحديث 4/349
وقال في عون المعبود: المَكس ـ بفتح الميم ـ هو الضريبة والإتاوة، وهو دراهم كانت تؤخذ من بائعي السلع في الأسواق في الجاهلية، أو تؤخذ من التجار إذا مروا.ا.هـــ انظر عون المعبود شرح سنن أبي داود 6/412 وقال الشيخ صديق بن حسن خان البخاري في الروضة الندية 2/215 عن الجمارك التي تؤخذ من المسلمين: (فهذا عند التحقيق ليس هو إلا المَكْس من غير شك ولا شبهة) ا.هـ. والمكس من الغصب، قال المرداوي في الإنصاف: ويدخل فيه -أي الغصب- ما أخذه الملوك والقطاع من أموال الناس بغير حق من المكوس وغيرها.ا.هـــــ وغير خافٍ أن أخذ المَكْس من كبائر الذنوب لقول النبي صلى الله عليه وسـلم في الغامدية التي زنت، {وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ} رواه مسلم. قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: فِيهِ أَنَّ الْمَكْس مِنْ أَقْبَح الْمَعَاصِي، وَالذُّنُوب الْمُوبِقَات.ا.هـ شرح صحيح مسلم 6/118
وهناك حالتان يجوز فيهما فرض الرسوم الجمركية على الناس:
الحالة الأولى: أن تكون على بضائع غير المسلمين؛ وهي جائزة استدلالاً بفعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث كان يأخذ العشر ونصف العشر من تجارات غير المسلمين؛ فقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه وزياد بن جبير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يأخذ من تجار المسلمين ربع العشر، ومن تجار أهل الذمة مثلي ما يأخذ من تجار المسلمين ـ أي نصف العشر ـ ومن تجار أهل الحرب العشر. انظر: الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام ـ بتحقيق محمد خليل الهراس
وما فرض على التجار أهل الحرب فهو من باب المعاملة بالمثل؛ فقد سئل زياد بن جبير: من كنتم تعشرون؟ أي تأخذون منه العشر؟ قال: ما كنا نعشر مسلماً ولا ذمياً، كنا نعشر تجار الحرب كما كانوا يعشروننا إذا أتيناهم. الأموال للقاسم بن سلام 706
الحالة الثانية: أن تكون على بضائع المسلمين فيما إذا كانت الدولة مضطرة لذلك، وليس في خزينتها ما يفي بتلك الضرورة، ولم يحصل تسيب بصرف ذلك المال في غير وجهه، بمعنى أن الدولة تحتاج إلى مال يُصرف في مصالح الناس ـ كبناء الجسور وشق الترع ورصف الطرق وتأمين الثغور ـ وغير ذلك مما يعود نفعه على عموم المسلمين؛ فإذا لم يكن في خزينتها ما يحقق تلك المصالح جاز لها أن تفرض رسوماً على الناس؛ عملاً بقاعدة {الغرم بالغنم} مراعية في ذلك العدالة في الجباية والاقتصاد في الصرف
الخلاصة
أن الأصل في الجمارك التحريم إلا في الحالتين السابق ذكرهما، وعليه فإنه يجوز للشخص العمل في الجمارك إذا كانت نيته تحقيق العدالة ورفع الظلم عن الناس، وليس هو مسئولاً عن تصرف الحاكم في تلك الأموال لعموم قوله تعالى )لا يكلف الله نفساً إلا وسعها( ولأن كل عامل تنحصر ولايته فيما استرعاه الله U دون غيره.
هذا والواجب على من ولاه الله الأمر ـ من وزير ومسئول ـ أن يتقي الله في تلك الأموال وأن يصرفها في الوجوه التي من أجلها جمعت؛ فراراً من الإثم وخلاصاً من الوزر، والعلم عند الله تعالى.