الفتاوى

  • الدية والكفارة في القتل الخطأ

    السؤال: امرأة تقود عربة، واصطدمت بشخص وتوفي، فهل يجب عليها الصيام لمدة شهرين متتابعين أم يمكن أن تصوم ثم تفطر لعذر ثم تواصل الصيام؟ وهل تطالب بالدية والصيام معاً؟ وفيما يختص بالدية هل مبلغ ثلاثون ألفاً أو خمسة وثلاثون ألفاً يساوي فعلاً مائة من الإبل أم أنها مسألة يقدرها الفقهاء بالقياس؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالقتل الخطأ عند الفقهاء هو ما وقع دون قصد الفعل والشخص، أو دون قصد أحدهما.

    قال القرطبي رحمه الله في تفسيره 5/313: ووجوه الخطأ كثيرة لا تحصى يربطها عدم القصد، مثل أن يرمي صفوف المشركين فيصيب مسلما. أو يسعى بين يديه من يستحق القتل من زان أو محارب أو مرتد فطلبه ليقتله فلقي غيره فظنه هو فقتله فذلك خطأ. أو يرمي إلى غرض فيصيب إنساناً أو ما جرى مجراه، وهذا مما لا خلاف.ا.هــــ

    والقتل الخطأ يجب فيه حقان: حق لأولياء الدم وهو الدية، وحق لله تعالى بعتق رقبة، وفي حال عدم وجودها صيام شهرين متتابعين، ودليل ذلك قول ربنا سبحانه وتعالى في الآية الثانية والتسعين من سورة النساء )وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا(

    ولا تلازم بين الحقين؛ بل يملك أولياء الدم أن يعفوا عن دية قتيلهم ويتنازلوا عن بعضها أو كلها؛ أما الكفارة فلا يملك أحد التنازل عنها؛ قال القرطبي رحمه الله في تفسيره 5/323: وأما الكفارة التي هي لله تعالى فلا تسقط بإبرائهم، لأنه أتلف شخصاً في عبادة الله سبحانه، فعليه أن يُخلِّص آخر لعبادة ربه وإنما تسقط الدية التي هي حق لهم. وتجب الكفارة في مال الجاني ولا تتحمل.

    وأما مقدار الدية فقد ثبتت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الدية مائة من الإبل، ووداها صلى الله عليه وسلم في عبد الله بن سهل المقتول بخيبر لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن، فكان ذلك بياناً على لسان نبيه u لمجمل كتابه. وأجمع أهل العلم عل أن على أهل الإبل مائة من الإبل. واختلفوا فيما يجب على غير أهل الإبل، فقالت طائفة: على أهل الذهب ألف دينار، وهم أهل الشام ومصر والمغرب، هذا قول مالك وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي والشافعي في أحد قوليه، في القديم. وروي هذا عن عمر وعروة بن الزبير وقتادة. وأما أهل الورق فاثنا عشر ألف درهم، وهم أهل العراق وفارس وخراسان، هذا مذهب مالك على ما بلغه عن عمر أنه قوم الدية على أهل القرى فجعلها على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم. قال أهل العلم: والمعتبر في هذه الأصول الثلاثة – أعني الإبل والذهب والفضة – السلامة لا القيمة؛ بمعنى انه لا يشترط أن تكون مائة من الإبل مساوية لألف دينار من الذهب، أو ألفي شاة، أو اثني عشر ألف فضة.

    والمقرر في القانون الجنائي السوداني لعام 1991 المادة 42/1 ما يلي: الدية مائة من الإبل أو ما يعادل قيمتها من النقود وفق ما يقدره من حين لآخر رئيس القضاء بعد التشاور مع الجهات المختصة.ا.هــــ وعليه فإن القيمة المفروضة للدية هي ما يعادل مائة من الإبل حسب نص المادة المذكورة.

    والتتابع في صيام الشهرين شرط؛ ومتى من انقطع التتابع لغير عذر وجب عليه أن يستأنف الصيام؛ أما إذا كان الانقطاع لعذر من حيض أو مرض أو سفر فإنه يبني على ما مضى، قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره 5/327: والحيض لا يمنع التتابع من غير خلاف، وإنها إذا طهرت ولم تؤخر وصلت باقي صيامها بما سلف منه، لا شي عليها غير ذلك إلا أن تكون طاهرا قبل الفجر فتترك صيام ذلك اليوم عالمة بطهرها، فإن فعلت استأنفت عند جماعة من العلماء، قاله أبو عمر. واختلفوا في المريض الذي قد صام من شهري التتابع بعضها على قولين، فقال مالك: وليس لأحد وجب عليه صيام شهرين متتابعين في كتاب الله تعالى أن يفطر إلا من عذر أو مرض أو حيض، وليس له أن يسافر فيفطر. وممن قال يبني في المرض سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والحسن والشعبي وعطاء ومجاهد وقتادة وطاوس. وقال سعيد بن جبير والنخعي والحكم بن عيينة وعطاء الخراساني: يستأنف في المرض، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والحسن بن حي، وأحد قولي الشافعي، وله قول آخر: أنه يبني كما قال مالك. وقال ابن شبرمة: يقضي ذلك اليوم وحده إن كان عذر غالب كصوم رمضان. قال أبو عمر: حجة من قال يبني لأنه معذور في قطع التتابع لمرضه ولم يتعمد، وقد تجاوز الله عن غير المتعمد. وحجة من قال يستأنف لان التتابع فرض لا يسقط لعذر، وإنما يسقط المأثم، قياساً على الصلاة، لأنها ركعات متتابعات فإذا قطعها عذرا استأنف ولم يبن.ا.هــــ والله تعالى أعلم.

  • الدعاء الجماعي بعد الصلوات

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فلم يكن من سنة النبي صلى الله عليه وسـلم فعل ذلك، بل إنه أمر مُعاذاً رضي الله عنه بأن يدعو لنفسه دبر كل صلاة بأن يقول “اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك” ولو كان دعاء الإمام جهرة بعد الصلاة مستحباً لكان أولى الناس به رسول الله صلى الله عليه وسـلم، ثم إن هذا الفعل يتضمن جملة مفاسد:

    أولها: مخالفة قول الله عز وجل {ادعوا ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين}

    ثانيها: التشويش على المسبوقين الذين قاموا بعد سلامه لإتمام صلاتهم

    ثالثها: التشويش على من يختمون صلاتهم ولم يكملوا ـ بعدُ ـ الباقيات الصالحات

    رابعها: أن بعض الناس قد يظن أن الصلاة لا تصح أو لا تكون تامة إلا إذا دعا الإمام

    خامسها: أن أهل العلم قد أنكروا هذا الفعل ومنعوه؛ فقالوا: يكره دعاء الإمام جهراً للحاضرين بعد الفراغ من الصلاة؛ قال القرافي رحمه الله: كره مالك وجماعة لأئمة المساجد الدعاء عقب الصلوات المكتوبة جهراً للآخرين؛ فيجتمع للإمام التقديم وشرف كونه ينصب نفسه واسطة بين الله تعالى وبين عباده، فيوشك أن يعظم نفسه ويفسد قلبه ويعصي ربه أكثر مما يطيعه، وروى أن بعض الأئمة استأذن عمر بن الخطاب في ذلك فقال له: لا، لأني أخشى عليك أن تنتفخ حتى تصل إلى الثريا، قال القرافي: ويجري هذا المجرى كل من نصب نفسه للدعاء لغيره. وقال الشيخ زروق: ألف أبو إسحاق الشاطبي في إنكار الدعاء المعهود بعد الصلاة، ورام ابن عرفة وأصحابه الرد عليه؛ وحجتهم في ذلك ضعيفة. انظر: مدونة الفقه المالكي 1/434

    وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد 1/257 قال: وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة أو المأمومين، فلم يكن ذلك من هديه صلى الله عليه وسـلم أصلاً، ولا روي عنه بإسناد صحيح ولا حسن، وأما تخصيص ذلك بصلاتي الفجر والعصر، فلم يفعل ذلك هو ولا أحد من خلفائه، ولا أرشد إليه أمته، وإنما هو استحسان رآه من رآه عوضاً من السنة، والله أعلم.

    وعليه فالواجب على الإمام ألا يتخذ ذلك سنة دبر كل صلاة، والأولى له أن يعلم الناس الأدعية المأثورة ليدعو كل منهم بما تيسر، والعلم عند الله تعالى.

  • الحالات التي تجمع فيها الصلوات

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد أجمع أهل العلم على أن صلاة الصبح لا تجمع مع غيرها، بل يجب إيقاعها في وقتها على كل حال، أما الجمع المشروع فإنه يكون بين الصلاتين المشتركتين في الوقت، وهي الظهران والعشاءان، وذلك إما أن يكون تقديماً أو تأخيراً أو جمعاً صوريا، وجمع التقديم معناه أن يصلي الظهر والعصر في وقت صلاة الظهر، أو المغرب والعشاء في وقت صلاة المغرب،وجمع التأخير معناه أن يصلي الظهر والعصر في وقت صلاة العصر، أو المغرب والعشاء في وقت صلاة العشاء، والجمع الصوري هو أن يؤخر الصلاة الأولى فيصليها في آخر وقتها ثم يصلي الثانية في أول وقتها، فصورة الفعل جمع بين الصلاتين، وحقيقته أنه أوقع كل صلاة في وقتها،.

    وهذه الأنواع قد رخصت الشريعة فيها في حالات:

    أولها: السفر؛ حيث ثبت من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ, ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا, فَإِنْ زَاغَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ, ثُمَّ رَكِبَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

    قال الحافظ في بلوغ المرام: وَفِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ فِي «الْأَرْبَعِينَ» بِإِسْنَادِ الصَّحِيحِ: صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ, ثُمَّ رَكِبَ. فيجوز للمسافر  إذا كان موعد تحرك الحافلة أو الطائرة بعد دخول وقت الظهر أن يصلي الظهر والعصر  تقديماً قبل أن يركب، ولا يجب عليه أن يعيد العصر بعد ذلك حتى لو وصل مبكرا عند وقت العصر؛ لأنه صلاها بوجه جائز مشروع، ويقال مثل ذلك في المغرب والعشاء. وله أن يجمع تأخيرا كما لو أراد أن يركب قبل دخول وقت الظهر فإنه يؤخر الظهر ويصليها مع العصر جمع تأخير. فعن معاذ رضي الله عنه قال: قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا, وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وفي صحيح البخاري من حديث ابن عباس وابن عمر وأنس بن مالك رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسـلم كان يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء إذا أعجله السير في السفر.

    ثانيها: المرض؛ فالمريض الذي يخاف حصول إغماء أو حمى تمنعه أداء الفريضة في وقتها يجوز له تقديم إحدى الصلاتين المشتركتين أو تأخيرها؛ استدلالا بأن النبي صلى الله عليه وسـلم أمر المستحاضة حمنة بنت جحش بتأخير الظهر وتعجيل العصر. رواه الترمذي وقال :حسن صحيح. وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (جمع رسول الله صلى الله عليه وسـلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر). وفي رواية: (في غير خوف ولا سفر)

    ثالثها: الجمع بسبب المطر أو الوحل مع الظلمة؛ فيجوز لأهل المساجد الذين يصلون جماعة أن يجمعو المغرب والعشاء جمع تقديم ليلة المطر في المسجد، وذلك إذا كان هنالك مطر نازل بالفعل وقت صلاة المغرب، أو كان نزوله متوقعاً أو كان هناك وحل وطين في الطرقات مصحوباً بظلمة، استدلالا بما في الموطأ أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر جمع معهم. وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم (من السنة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء. قال: وكان يصلي المغرب ثم يمكث هنية ثم يصلي العشاء. رواه ابن عبد البر في التمهيد.

    فالمالكية والحنابلة رحمهم الله تعالى يجيزون الجمع بين العشائين بسبب المطر، لوجود المشقة في العشاء بسبب الظلمة، بخلاف الصلاة النهارية، أما الشافعية فيجيزون الجمع بين الظهر والعصر كذلك بسبب المطر؛ استدلالا بحديث ابن عباس رضي الله عنه (في غير خوف ولا مطر)

    رابعها: الجمع بين الظهرين في عرفة والعشائين في المزدلفة

  • الجمع بين الجمعة والعصر بسبب المطر

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالواجب على كل مسلم أن يعنى بتعلم الأحكام التي تلزمه في عبادته العينية؛ حتى يعبد الله على بصيرة ولا يقع في الخطأ  المؤدي إلى البطلان، وجواباً على هذه الأسئلة أقول:

    أولاً: لا تصح صلاة العصر قصراً لعلة المطر، وقد أجمع أهل العلم على أنه ليس للقصر سوى علة واحدة هي السفر؛ بخلاف الجمع الذي يمكن أن يكون لعلة السفر أو المطر أو الوحل أو المرض أو الخوف أو المشقة، وعليه فإن هذه الصلاة وقعت باطلة؛ حيث صليتموها ركعتين في الحضر وقد فرضها الله عز وجل أربعاً؛ قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها “«فُرِضَتِ الصَّلاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، فَزِيدَ فِي صَلاةِ الْحَضَرِ، وَأُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ» رواه مالك في الموطأ من حديث عروة بن الزبير رضي الله عنهما

    ثانياً: في جمع العصر مع الجمعة خلاف بين أهل العلم؛ حيث أجاز بعضهم الجمع بينهما مثلما يجمع بين الظهر والعصر، لأن الجمعة بدل عن الظهر والبدل يأخذ حكم المبدل منه في جميع أحكامه، وذهب آخرون إلى عدم جواز الجمع بينهما على اعتبار أن الجمعة تفارق الظهر من وجوه كثيرة، لكن القول الأول هو قول الجمهور

    ثالثاً: من أكملوا صلاة العصر أربعاً فقد أصابوا، لكن لو قيل ببطلان صلاة المأموم لبطلان صلاة إمامه فإنه تلزمهم الإعادة كذلك

  • جمع الظهر والعصر بسبب المحاضرات

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالواجبُ أن يُعلم أن الصلاة هي آكدُ أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي الفريضة التي لا تسقط بمرض ولا شيخوخة ولا فقر ولا حرب؛ بل الواجب أداؤها في أوقاتها على كل حال؛ لقول الله تعالى )إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا( وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين رضي الله عنه وقد شكا إليه البواسير {صلِّ قائماً؛ فإن لم تستطع فقاعداً؛ فإن لم تستطع فعلى جنب} وهي أولُ ما يُحاسب عليه العبدُ يوم القيامة من حقوق الله جل جلاله، وقد توعَّد ربنا عز وجل بالويل من تهاون بها أو فرَّط فيها؛ فقال جلَّ من قائل )فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ^ إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا( وقال سبحانه )فويل للمصلين ^ الذين هم عن صلاتهم ساهون( وجعل التكاسل عنها سمةَ أهلِ النفاق فقال )إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا(

    بناء على ما مضى تقريرُه فإن الواجب على المسئولين في المدارس والجامعات أن يراعوا أوقات الصلوات عند وضع الجدول، وأن يكونوا قدوة لطلابهم في المحافظة عليها والحرص على أدائها، وأن يحرصوا – ما استطاعوا – على عدم التعارض بين أوقات الصلوات وزمن المحاضرات؛ لئلا يفتنوا الطلاب في دينهم؛ ولئلا يكون ذلك سبباً لضعاف الإيمان ليتهاونوا بالصلاة.

    فإن كان التعارض قائماً ولا يمكن تلافيه فإن الواجب على الأستاذ المحاضر أن يسمح للطلاب بدقائق معدودة يؤدون فيها صلاتهم، مقتصرين على الفريضة فقط، ويؤجلوا السنة الراتبة – قبلية أو بعدية – إلى وقت آخر؛ ليجمعوا بين الحسنيين من المحافظة على الصلاة في وقتها، والحرص على الأخذ بالأسباب المحصِّلة للعلم النافع.

    وقد قرَّر أهلُ العلم أن الجمع أوسع من القصر؛ بمعنى أن القصر لا يجوز إلا لسبب واحد هو السفر؛ أما الجمع فيجوز للسفر والمرض والمطر والمشقة؛ استدلالاً بحديث ابن عباس L {أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالمدينة سبعاً وثمانياً الظهر والعصر والمغرب والعشاء} متفق عليه. وفي لفظه للجماعة إلا البخاري وابن ماجه {جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر} قيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: {أراد أن لا يحرج أمته} قال الشوكاني رحمه الله تعالى: وقد استدل بحديث الباب القائلون بجواز الجمع مطلقاً بشرط أن لا يتخذ ذلك خلقاً وعادة. قال في الفتح: وممن قال به ابن سيرين وربيعة وابن المنذر والقفال الكبير، وحكاه الخطابي عن جماعة من أصحاب الحديث.ا.هـــ

    فما دام عذر هؤلاء قائماً فلهم مندوحة في الجمع بين العصر والظهر تقديماً متى ما حصل العذر؛ وإلا فالواجب إيقاع كل صلاة في وقتها، والله الهادي إلى سواء السبيل،،

  • تواشيح قبل أذان الفجر

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فإن الله تعالى قد شرع الأذان بألفاظه المعلومة؛ إعلاماً بدخول وقت الصلاة وحثاً للمسلمين على السعي إليها في بيوت الله، وشرع نبينا صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح أذاناً يكون قبل دخول الوقت؛ وذلك إذا بقي سدس الليل الآخر، وثبت عنه في الحديث أنه قال لأصحابه “إن بلالاً يؤذن بليل؛ فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم” وهذا الأذان الأول الذي يكون بالليل قد شرع لحكم منها: أن يوتر المتهجد، ويتناول سحوره من نوى صياما، ويغتسل من كان جنبا؛ إلى غير ذلك من الحكم، أما ما اعتاده بعض الناس في المساجد من تلاوة قرآن أو إذاعة أدعية وتواشيح قبل دخول الوقت مضافة إلى الأذان أو مستقلة عنه فإنها لا تشرع، وذلك لأمور:

    أولها: أنها زيادة لم يأت بها الشرع، وقد قال النبي صلى الله عليه  وسلم “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد”

    ثانيها: أنها أمر محدث لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وقال عليه الصلاة والسلام “وإياكم ومحدثات؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل ضلالة في النار”

    ثالثها: ما يترتب عليها من التشويش على الناس وإزعاجهم بغير مبرر شرعي في وقت راحتهم، وفيهم المريض والشيخ الكبير والطالب الذي يراجع دروسه، ولا شك أن في ذلك أذية للمسلمين، وقد قال سبحانه {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبينا}

    رابعها: أنها قد تبغِّض شعائر الدين لبعض الناس، ونحن مأمورون بأن نحبب الناس في الدين ونقربهم إليه لا العكس.

    إلى غير ذلك من المفاسد التي لا تخفى، ولذلك يجب على المؤذنين أن يتذكروا دائماً أنهم داخلون دخولاً أولياً في قوله تعالى {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين} وقول النبي صلى الله عليه وسلم “المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة” وقوله عليه الصلاة والسلام “الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن؛ اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين” وأن هذا الأجر العظيم مشروط بإخلاص النية، ومتابعة الشرع من غير زيادة، والعلم عند الله تعالى

  • التهجد الجماعي في غير رمضان

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فلا حرج في هذا العمل إن شاء الله؛ لأن فيه جملة من المصالح الشرعية التي ينبغي مراعاتها، ومن ذلك:

    • التعاون على البر والتقوى، إذ المرء بطبعه يندفع في فعل الخير إذا وجد من يشجعه ويعينه عليه، ومن هنا كانت العبادات في شريعتنا جماعية غالبا
    • إحياء السنة؛ لأن قليلاً من الناس في زماننا من يحافظ على سنة قيام الليل؛ لا أقول عامة الناس بل خاصتهم من طلبة العلم وغيرهم
    • تعليم الناس هذه السنة العظيمة؛ فإن قليلاً من الناس من يعرف الكيفية المشروعة في قيام الليل، فلو اتخذ ذلك سبيلاً للتعليم لكان خيرا

     وأما اختيارهم لليلة ما فليس لاعتقاد في فضلها بل من أجل موافقة الناس فيما ارتأوه من مصلحة تخصيصها لكون اليوم الذي يليها عطلة رسمية.

    وهذا الأمر قد نص عليه أهل العلم المعروفون باتباع السنة، ومن ذلك ما نقله صاحب المدونة عن مالك رحمه الله تعالى قال (لا بأس أن يصلي القوم جماعة النافلة في ليل أو نهار، قال: وكذلك الرجل يجمع الصلاة النافلة بأهل بيته وغيرهم لا بأس بذلك) وقال النووي رحمه الله تعالى في المجموع: قد سبق أن النوافل لا تُشرع الجماعة فيها إلا في العيدين والكسوفين والاستسقاء وكذا التراويح والوتر بعدها إذا قلنا بالأصح: إن الجماعة فيها أفضل، وأما باقي النوافل كالسنن الراتبة مع الفرائض والضحى والنوافل المطلقة فلا تُشرع فيها الجماعة, أي لا تُستحب, لكن لو صلاها جماعة جاز, ولا يقال: إنه مكروه، وقد نص الشافعي رحمه الله في مختصري البويطي والربيع على أنه لا بأس بالجماعة في النافلة ودليل جوازها جماعة أحاديث كثيرة في الصحيح منها حديث عتبان بن مالك رضي الله عنه “أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه في بيته بعدما اشتد النهار ومعه أبو بكر رضي الله عنه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أين تحب أن أصلي من بيتك؟ فأشرت إلى المكان الذي أحب أن يصلي فيه فقام وصفَّنا خلفه ثم سلَّم وسلَّمنا حين سلَّم” رواه البخاري ومسلم. وثبتت الجماعة في النافلة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من رواية ابن عباس وأنس بن مالك وابن مسعود وحذيفة رضي الله عنهم، وأحاديثهم كلها في الصحيحين إلا حديث حذيفة ففي مسلم فقط، والله أعلم. وقال ابن قدامة في المغني: (يجوز التطوع جماعة وفرادى، لأن النبي صلى الله عليه وسـلم فعل الأمرين كليهما، وكان أكثر تطوعه منفرداً، وصلى بحذيفة مرة، وبابن عباس مرة، وبأنس وأمه واليتيم مرة، وأمَّ أصحابه في بيت عتبان مرة، وأمهم في ليالي رمضان ثلاثاً، وكلها ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم).ا.هــــ وعليه فلا حرج فيما فعله هؤلاء الإخوة بالنظر إلى المصالح المذكورة آنفاً، وهم مأجورون إن شاء الله، والله تعالى أعلم.
  • حكم التطبيع

      الحمد لله القائل : [ وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ]( البقرة : 120 ) .

      ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً .. أما بعد :  فإن اليهود أمة غضب الله عليهم ولعنهم على لسان أنبيائهم ، كما قال سبحانه : [ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ]( المائدة : 78 ) .

      وقال سبحانه : [ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ ]( المائدة : 60 ) .

      وقد وصفهم الله تعالى في كتابه بما لا يخفى على أحد من المسلمين ؛ فهم الذين يطعنون في ذات الرب سبحانه وتعالى كما قال سبحانه : [ وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ]( المائدة : 64 ) ، وقال سبحانه في اليهود : [ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ]( آل عمران : 181 ) .

      ومن جرائمهم أنهم كفروا بالله تعالى وكذبوا رسله ، وقتلوا الأنبياء والمصلحين، كما قال سبحانه : [ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ]( البقرة : 61 ) .

      بل إنهم لا يتركون مُصلحاً أو آمراً بالقسط إلا قتلوه وتآمروا عليه ، كما أخبر الله عنهم ، فقال سبحانه : [ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ]( آل عمران : 21 ).

      ولقد تآمروا على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فَهَمُّوا بقتله ، ووضعوا له السم ، وآذوه بأنواع الإيذاء في حياته ، ولا يزالون يتطاولون عليه ويسيئون إليه بعد مماته صلى الله عليه وسلم .

      واليهود أشد الناس فساداً في الأرض ؛ فهم يستبيحون الأمم الأخرى ، كما قال سبحانه : [ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ]( آل عمران : 75 ) .

      وجرائم اليهود في حق الله تعالى وفي حق الأنبياء ، وإفسادهم في الأرض ، وتحريفهم للتوراة ، وعداوتهم للأنبياء والمصلحين ، وغير ذلك من الجرائم لا تخفى على أحد .

      ولا يزال اليهود متصفين بنقض العهود ، كما أخبر عنهم سبحانه بقوله : [ أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ]( البقرة : 100 ) .

      والمعلوم من تاريخ اليهود أنهم نقضوا العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم وتآمروا على قتاله مع المشركين والمنافقين ، ومعلوم حقدهم على الإسلام والمسلمين، وحرصهم على بث الفرقة وإثارة الفتن بينهم ، وهم يسعون اليوم لإقامة دولة اليهود الكبرى على أنقاض الدول العربية وفي أرضها !  لقد احتل اليهود أرض فلسطين بعد أن قتلوا أبناءها ، وأخرجوهم من ديارهم، وسلبوا ممتلكاتهم ، وحاربوا العرب من أجل ذلك ، واستعانوا بالقوى الدولية على تحقيق أهدافهم ، ولا يزالون يسعون لإقامة دولة اليهود الكبرى من النيل إلى الفرات ومن الإسكندرية إلى المدينة المنورة ، وإلحاقها بفلسطين المحتلة ، ويسعون في هذه الفترة مع من يعينهم من القوى الدولية لتحطيم مقومات العرب من دين وأخلاق ، وقوة واقتصاد ، وجيش وأمن ، ووحدة سياسية ، ويفرضون على العرب اليوم التسليم بكل ما فعلوا ضدهم وضد إخوانهم في فلسطين ، ويطلبون منهم الرضا بالأمر الواقع ، واعتبار ذلك أمراً طبيعياً ، بينما هم لا يتوقفون عن تنفيذ بقية مخططاتهم المدمرة للعرب والمسلمين ومقوماتهم .

      واليوم نسمع عن عودة هؤلاء اليهود إلى اليمن ، باسم الزيارة لأهليهم ، أو السياحة ، بعد أن نبذوا الجنسية اليمنية ، وخرجوا من البلاد خروجاً نهائياً ، فخرجوا محاربين الجيوش العربية ، ومنها جيش اليمن ، ونحن نحذر من أن الهدف الحقيقي لهم هو إعادة استيطانهم في اليمن ، وتمكينهم من شراء الأراضي اليمنية والعقارات ، وادعاء الملكية ، وتشكيل أقلية يهودية تعيش تحت الحماية الأجنبية ، وتُعَرِّض اليمن لضغوط دولية إن لم يسلموا لها ولخططها الماكرة ، كما يهدفون في هذه المرحلة إلى إعادة معابدهم ، وابتزاز ثروات اليمن ، والتملك في البلاد .

      وقياماً بواجب البيان الذي أخذ الله ميثاقه على العلماء ونصحاً للأمة ، وإبراءاً للذمة نفتي بما يلي :  أولاً : إن موالاة أعداء الإسلام محرمة شرعاً وبخاصة هؤلاء اليهود ؛ لأنهم في حالة حرب مع العرب والمسلمين ، واغتصاب لأراضيهم ومقدساتهم ، ويخططون لإقامة دولتهم اليهودية الكبرى على أراضي المسلمين ، وعليه فيحرم شرعاً التطبيع معهم كما يدل على ذلك قوله تعالى : [ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ]( الممتحنة : 9 ) .

      وكما قال سبحانه : [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ ]( المائدة : 51 ) .

      وكما قرر ذلك علماء المسلمين في فتواهم منذ بداية تكالب اليهود على أرض فلسطين عام 1935م إلى يومنا هذا .

      ثانياً : يحرم التعامل مع هؤلاء اليهود الحربيين بيعاً أو شراءاً أو استثماراً أو تمليكاً للأراضي حتى لا يكون سبباً في توطينهم وادعائهم الإقامة حيث يملكون ، وحتى لا يكون ذريعة لإعادة استيطانهم في اليمن .

      ثالثاً : يوصي العلماءُ المسلمين جميعاً والشعبَ اليمني خصوصاً حكاماً ومحكومين بالتنبه لخطر موالاة اليهود ، والحذر من خططهم الماكرة ، والوقوف صفاً واحداً أمام هذا الخطر الداهم الذي يهدف إلى حرب الإسلام والمسلمين ؛ مما يستوجب الوقوف أمام المخططات التي تسير في هذا الاتجاه وتشجع على موالاة اليهود المحاربين للإسلام والمسلمين وإقامة العلاقات معهم .

      نسأل الله أن يوفق الأمة الإسلامية لما فيه خيرها وصلاحها .

     وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

  • التسمّي بإسم ملكـ

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فهذا الاسم أقل أحواله الكراهة، بل حكم بعض أهل العلم بحرمة التسمي به؛ وذلك من وجوه: أولها مضاهاة المشركين الذين كانوا يجعلون الملائكة إناثاً ويقولون: هم بنات الله؛ قال تعالى ((وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً)) وقال ((ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون)) وثانياً: مضاهاة النصارى الذين يتسمون بهذا الاسم. وثالثاً: المبالغة في مدح المسمَّى به، وعليه فإن استطعتم تغييره فهو أفضل،

    هذا مع الظن بأن من يسمي بنته بهذا الاسم من المسلمين إنما يفعل ذلك تفاؤلاً بطهر ابنته ونقائها وعفتها واستقامتها على أمر الله تعالى، لكن ينبغي تحاشي هذه التسمية حذراً من التشبه بالمشركين في معتقدهم الفاسد الذي كانوا عليه والله تعالى أعلم.

  • التداوي بعلم الحرف

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    أولاً: لا يعلم الغيب إلا الله، قال الله تعالى {قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون} وأمر نبيه صلى الله عليه وسـلم  ـ وهو أشرف الخلق ـ أن يقول {لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب} وأن يقول {لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء} وكذلك الجن لا يعلمون الغيب كما قال سبحانه في قصة نبيه سليمان u {فلما خرَّ تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين}

    ثانياً: على المسلم أن يسعى لدنياه بالأسباب المباحة من الضرب في الأرض كما قال سبحانه {فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور} وأن يمارس من العمل ما يحصِّل به رزقاً حلالاً من احتطاب أو احتشاش أو رعي أو زرع أو اتجار أو صناعة أو غير   ذلك من أنواع العقود والتصرفات، وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسـلم “أي الكسب أطيب؟ فقال: عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور” رواه ابن حبان والحاكم

    ثالثاً: على من ابتلي بداء في جسده أن يسعى للتداوي بالأسباب المشروعة من الرقية بالقرآن والأدعية النبوية، وكذلك عليه أن يلتمس الطب عند حذاق الأطباء ويتناول من الدواء ما لا يشتمل على محرم؛ لأن التداوي مشروع باتفاق العلماء لما ثبت في ذلك من السنة القولية والعملية، كحديث أَبي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ اللَّهَ أَنْزَل الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ، وَجَعَل لِكُل دَاءٍ دَوَاءً، فَتَدَاوَوْا، وَلاَ تَتَدَاوَوْا بِالْحَرَامِ” رواه أبو داود، وَحَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: قَالَتِ الأَْعْرَابُ يَا رَسُول اللَّهِ أَلاَ نَتَدَاوَى؟ قَال: “نَعَمْ عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلاَّ وَضَعَ لَهُ شِفَاءً إِلاَّ دَاءً وَاحِدًا” قَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ وَمَا هُوَ؟ قَال: “الْهَرَمُ” رواه الترمذي، وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: نَهَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الرُّقَى، فَجَاءَ آل عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فَقَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّهُ كَانَتْ عِنْدَنَا رُقْيَةٌ نَرْقِي بِهَا مِنَ الْعَقْرَبِ: فَإِنَّكَ نَهَيْتَ عَنِ الرُّقَى فَعَرَضُوهَا عَلَيْهِ، فَقَال: “مَا أَرَى بِهَا بَأْسًا، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَل”. رواه مسلم

    وأما السنة العملية فقد تداوى النبي صلى الله عليه وسـلم ووسف الدواء لكثير من الناس؛ وقد روى الإمام أحمد في مسنده أن عروة بن الزبير رضي الله عنهما كان يقول لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: يَا أُمَّتَاهُ، لاَ أَعْجَبُ مِنْ فِقْهِك، أَقُول: زَوْجَةُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ، وَلاَ أَعْجَبُ مِنْ عِلْمِكِ بِالشِّعْرِ وَأَيَّامِ النَّاسِ، أَقُول: ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ أَعْلَمَ النَّاسِ أَوْ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ، وَلَكِنْ أَعْجَبُ مِنْ عِلْمِكِ بِالطِّبِّ، كَيْفَ هُوَ؟ وَمِنْ أَيْنَ هُوَ؟ قَال: فَضَرَبَتْ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، وَقَالَتْ: “أَيْ عُرَيَّةُ؟ إِنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْقَمُ عِنْدَ آخِرِ عُمْرِهِ، وَكَانَتْ تَقْدَمُ عَلَيْهِ وُفُودُ الْعَرَبِ مِنْ كُل وَجْهٍ، فَكَانَتْ تَنْعَتُ لَهُ الأْنْعَاتَ، وَكُنْتُ أُعَالِجُهَا لَهُ، فَمِنْ ثَمَّ عَلِمْتُ” وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثُرَتْ أَسَقَامُهُ، فَكَانَ يَقْدَمُ عَلَيْهِ أَطِبَّاءُ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، فَيَصِفُونَ لَهُ فَنُعَالِجُهُ. رواه احمد

    وقد اختلف العلماء في الحكم التكليفي للعلاج؛ فذهب الحنفية والمالكية إلى أنه مباح؛ قال المالكية: لا بأس بالتداوي. وذهب الشافعية وبعض الحنابلة إلى القول باستحبابه لما مضى ذكره من الأحاديث التي فيها الأمر بالتداوي، ومحل الاستحباب عند الشافعية عند عدم القطع بإفادته، أما لو قطع بإفادته كعصْب محل الفصد فإنه واجب.  وذهب الحنابلة إلى أن تركه أفضل، ونص على ذلك الإمام أحمد. قالوا: لأن ذلك أقرب إلى التوكل.

    قَال ابْنُ الْقَيِّمِ رحمه الله تعالى في زاد المعاد: فِي الأْحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الأَْمْرُ بِالتَّدَاوِي، وَأَنَّهُ لاَ يُنَافِي التَّوَكُّل، كَمَا لاَ يُنَافِيهِ دَفْعُ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ بِأَضْدَادِهَا، بَل لاَ تَتِمُّ حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ إِلاَّ بِمُبَاشَرَةِ الأَْسْبَابِ الَّتِي نَصَبَهَا اللَّهُ مُقْتَضِيَاتٍ لِمُسَبَّبَاتِهَا قَدَرًا وَشَرْعًا، وَأَنَّ تَعْطِيلَهَا يَقْدَحُ فِي نَفْسِ التَّوَكُّل، كَمَا يَقْدَحُ فِي الأَْمْرِ وَالْحِكْمَةِ، وَيُضْعِفُهُ مِنْ حَيْثُ يَظُنُّ مُعَطِّلُهَا أَنَّ تَرْكَهَا أَقْوَى فِي التَّوَكُّل، فَإِنَّ تَرْكَهَا عَجْزٌ يُنَافِي التَّوَكُّل الَّذِي حَقِيقَتُهُ اعْتِمَادُ الْقَلْبِ عَلَى اللَّهِ فِي حُصُول مَا يَنْفَعُ الْعَبْدَ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَدَفْعِ مَا يَضُرُّهُ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَلاَ بُدَّ مَعَ هَذَا الاِعْتِمَادِ مِنْ مُبَاشَرَةِ الأَْسْبَابِ، وَإِلاَّ كَانَ مُعَطِّلاً لِلْحِكْمَةِ وَالشَّرْعِ، فَلاَ يَجْعَل الْعَبْدُ عَجْزَهُ تَوَكُّلاً، وَلاَ تَوَكُّلُهُ عَجْزًا.ا.هــــــــــــــــــــــ

    رابعاً: علم الحرف  أو علم الحرف الروحاني كما يسمونه هو من ضروب الدجل وادعاء معرفة الغيب وقد نص أهل العلم على تحريمه وأنه باب للضلال كبير، وممن نص على ذلك الإمام الذهبي رحمه الله، ولذا أنصحك أيها السائل أن تأخذ بالأسباب المشروعة وتدع ما سوى ذلك والعلم عند الله تعالى.

زر الذهاب إلى الأعلى