الفتاوى

  • التخلص من تجارة التبغ

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد صدرت فتوى مجمع الفقه الإسلامي بالسودان قبل سنوات مبيِّنة حرمة الاتجار في التبغ وأن المال الناتج منه يأكله صاحبه سحتاً؛ استدلالاً بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من أن الله تعالى إذا حرَّم شيئاً حرَّم ثمنه، وأنه لا يجوز الاتجار فيما كان محرماً؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من لعنه اليهود حين قال “قاتل الله اليهود لما حرم الله عليهم شحوم الميتة جملوه، ثم باعوه وأكلوا ثمنه” والمكتسب مالاً من الاتجار في التبغ أو السعوط لا يخلو من حالين:

    أولاهما: أن يعتقد حل هذه الاشياء وجواز الاتجار فيها؛ وهذا حال كثير من الناس ممن راج بينهم أن التبغ والسعوط مكروهان لا محرمان، حتى غدا هذا القول مسلماً به عند كثيرين منهم ولربما ظنوا أن القول بالتحريم مسلك طائفة من الفقهاء المتشددين؛  ومن كان كذلك فإنه يملك ما قبضه من الاتجار في تلك المواد إذا كان يجهل التحريم؛ بخلاف ما لم يقبضه فلا يثبت ملكه له؛ استدلالاً بقوله تعالى {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله}. فمن لم يبلغه التحريم فلا إثم عليه، وله ما قبض. قال العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى مقرراً هذا المعنى: ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن الله لا يؤاخذ الإنسان بفعل أمر إلا بعد أن يحرمه عليه، وقد أوضح هذا المعنى في آيات كثيرة؛ فقد قال في الذين كانوا يشربون الخمر، ويأكلون مال الميسر قبل نزول التحريم {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} وقال في الذين كانوا يتزوجون أزواج آبائهم قبل التحريم: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف}  أي: لكن ما سلف قبل التحريم، فلا جناح عليكم فيه. ونظيره قوله تعالى {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف} وقال في الصيد قبل التحريم {عفا الله عما سلف} قَالَ فِي الصَّلَاةِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْلَ نَسْخِ اسْتِقْبَالِهِ {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} أَيْ: صَلَاتَكُمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْلَ النَّسْخِ.

    وَمِنْ أَصْرَحِ الْأَدِلَّةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ لَمَّا اسْتَغْفَرُوا لِقُرَبَائِهِمُ الْمَوْتَى مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} وَنَدِمُوا عَلَى اسْتِغْفَارِهِمْ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} فَصَرَّحَ بِأَنَّهُ لَا يُضِلُّهُمْ بِفِعْلِ أَمْرٍ إِلَّا بَعْدَ بَيَانِ اتِّقَائِهِ.ا.هـــــ

    وقال أبو بكر الجصاص في معنى الآية: {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف} فالمعنى فيه أن من انزجر بعد النهي فله ما سلف من المقبوض قبل نزول تحريم الربا، ولم يرد به ما لم يقبض؛ لأنه قد ذكر في نسق التلاوة حظر ما لم يقبض منه، وإبطاله بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا} فأبطل الله من الربا مالم يكن مقبوضًا، وإن كان معقودا قبل نزول التحريم، ولم يتعقب بالفسخ ما كان منه مقبوضا بقوله تعالى: {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف}. وقد روي ذلك عن السدي وغيره من المفسرين.

    وقال تعالى: {وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين}، فأبطل منه ما بقي مما لم يقبض ولم يبطل المقبوض، ثم قال تعالى: {وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم}، وهو تأكيد لإبطال مالم يقبض منه، وأخذ رأس المال الذي لا ربا فيه، ولا زيادة.

    وروي عن ابن عمر وجابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في خطبته يوم حجة الوداع بمكة، وقال جابر بعرفات: ((إن كل ربا في الجاهلية، فهو موضوع. وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبدالمطلب)). فكان فعله صلى الله عليه وسلم مواطئًا لمعنى الآية في إبطال الله تعالى الربا، مالم يكن مقبوضًا، وإمضائه ما كان مقبوضًا)).ا.هــــــ

    الحالة الثانية: أن يكون عالماً بالتحريم إما استدلالاً بنفسه وإما بسؤال من يثق به من أهل العلم والدين، لكنه تمادى في غيه حتى تأثل من تلك التجارة مالاً، فهذا الصنف تلزمه التوبة إلى الله تعالى مما كان مع التخلص من هذه المكاسب، فإن كان عنده ما يغنيه سواها من تجارة في أعيان مباحة أو غيرها من أنواع الكسب الحلال فعليه الاكتفاء بها، وإن لم يكن له مصدر آخر جاز له أن يمسك ما تدعو إليه ضرورة حياته وحياة من يعول من زوجة وعيال، قال الإمام أبو بكر الجصاص رحمه الله تعالى: الكاسب في هذه الحال لا يستفيد الملك من كل وجه ككاسب الحلال، إذ لا يمكن أن يستوي الخبيث والطيب. لذلك كان لزامًا على كاسب المحرم في هذا النوع من المكاسب أن يتصرف بالتخلص منه بالتصدق، فهو نوع من الملك الخاص لا المطلق، فإن التخلص نوع تصرف لا يثبت إلا لمن كان له نوع ملك، إذ حقيقة الملك هي التصرف.ا.هـــــــ والدليل على ذلك ما رواه الشيخان من حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا من الأزد. يقال له: ابن الأتبية على الصدقة. فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا أهدي لي. قال: “فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر يهدى له أم لا” قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: فالنبي صلى الله عليه وسلم – لم يردها على من أهداها بل جعلها في بيت المال.ا.هـــــ

    وقال الإمام أبو زكريا النووي رحمه الله تعالى فيما نقله عن كلام الغزالي في التصرف في الكسب الحرام: ((وله أن يتصدق به على نفسه وعياله إذا كان فقيرًا؛ لأن عياله إذا كانوا فقراء، فالوصف موجود فيهم, بل هم أولى من يتصدق عليه, وله هو أن يأخذ منه قدر حاجته لأنه أيضا فقير. قال النووي: وهذا الذي قاله الغزالي في هذا الفرع ذكره آخرون من الأصحاب, وهو كما قالوه.ا.هــــ

    وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: ((وتمام التوبة بالصدقة به. فإن كان محتاجًا إليه فله أن يأخذ قدر حاجته، ويتصدق بالباقي. فهذا حكم كل كسب خبيث لخبث عوضه عينًا كان أو منفعة.ا.هــــــــــــــ وقال شيخه أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى:  فإن تابت هذه البغي، وهذا الخمار، وكانوا فقراء جاز أن يصرف إليهم من هذا المال مقدار حاجتهم. فإن كان يقدر أن يتجر أو يعمل صنعة كالنسيج والغزل أعطي ما يكون له رأس مال. وإن اقترضوا منه شيئًا؛ ليكتسبوا به، ولم يردوا عوض القرض كان أحسن، وأما إذا تصدق به لاعتقاده أنه يحل له أن يتصدق به فهذا يثاب على ذلك.ا.هـــــــــــــــــــــــــــــــ

  • التجسس على المكالمات الهاتفية

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالأصل حرمة التجسس لما في ذلك من تتبع عورات الناس والتعرض لأمورهم الخاصة، وقد قال سبحانه {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} قال ابن عبّاس رضي اللّه عنهما في تفسيرها: نهى اللّه المؤمن أن يتّبع عورات أخيه المؤمن.ا.هــــ

    وثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسـلم في تحريم ذلك والنهي عنه؛ فعن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: (إيّاكم والظّنّ، فإنّ الظّنّ أكذب الحديث، ولا تجسّسوا، ولا تحسّسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد اللّه إخوانا) وعن المقدام بن معد يكرب وأبي أمامة رضي اللّه عنهما عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: (إنّ الأمير إذا ابتغى الرّيبة في النّاس أفسدهم) وعن معاوية رضي اللّه عنه قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: (إنّك إن اتّبعت عورات النّاس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم) وعن أبي برزة الأسلميّ رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتّبعوا عوراتهم فإنّه من اتّبع عوراتهم يتّبع اللّه عورته، ومن يتّبع اللّه عورته يفضحه في بيته)

    وقد كانت هذه المعاني مستقرة في نفوس السلف رضي الله عنهم أجمعين، فعن عبد الرّحمن بن عوف رضي اللّه عنه أنّه حرس مع عمر بن الخطّاب ليلة المدينة، فبينما هم يمشون شبّ لهم سراج في بيت فانطلقوا يؤمّونه»، فلمّا دنوا منه إذا باب مجاف على قوم لهم فيه أصوات مرتفعة ولغط، فقال عمر وأخذ بيد عبد الرّحمن بن عوف: أتدري بيت من هذا؟ قال: هذا بيت ربيعة بن أميّة بن خلف وهم الآن شرب، فما ترى؟ قال: أرى أن قد أتينا ما نهى اللّه عنه، قال اللّه {وَلا تَجَسَّسُوا} فقد تجسّسنا، فانصرف عنهم وتركهم) وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ: حُدِّثَ عُمَرُ ابن الْخَطَّابِ أَنَّ أَبَا مِحْجَنٍ الثَّقَفِيَّ يَشْرَبُ الْخَمْرَ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ فِي بَيْتِهِ، فَانْطَلَقَ عُمَرُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ، فَإِذَا لَيْسَ عِنْدَهُ إِلَّا رَجُلٌ، فَقَالَ أَبُو مِحْجَنٍ: إِنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ لَكَ! قَدْ نَهَاكَ اللَّهُ عَنِ التَّجَسُّسِ، فَخَرَجَ عُمَرُ وَتَرَكَهُ. ولما قيل لابن مسعود رضي الله عنه هَلْ لَكَ فِي الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ تَقْطُرُ لِحْيَتُهُ خَمْرًا؟ قَالَ: (إِنَّا قَدْ نُهِينَا عَنِ التَّجَسُّسِ، فَإِنْ يَظْهَرْ لَنَا شيئا نَأْخُذْهُ بِهِ).

    ومن هنا قال أهل العلم: إِنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لأِحَدٍ أَنْ يَتَجَسَّسَ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ يَتَتَبَّعَ عَوْرَاتِهِ، ولا يستثنى من ذلك إلا من حامت حوله شبهة قوية في كونه من أرباب الفساد أو الداعين إلى فاحشة. قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَمَحَلُّ التَّحْذِيرِ وَالنَّهْيِ إِنَّمَا هُوَ تُهْمَةٌ لَا سَبَبَ لَهَا يُوجِبُهَا، كَمَنْ يُتَّهَمُ بِالْفَاحِشَةِ أَوْ بِشُرْبِ الْخَمْرِ مَثَلًا وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ. وَدَلِيلُ كَوْنِ الظَّنِّ هُنَا بمعنى التهمة قول تَعَالَى:” وَلا تَجَسَّسُوا” وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَقَعُ لَهُ خَاطِرُ التُّهْمَةِ ابْتِدَاءً وَيُرِيدُ أَنْ يَتَجَسَّسَ خبر ذلك ويبحث عنه، ويتبصر ويستمع لتحقق مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ تِلْكَ التُّهْمَةِ. فَنَهَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ. وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: وَالَّذِي يُمَيِّزُ الظُّنُونَ الَّتِي يَجِبُ اجْتِنَابُهَا عَمَّا سِوَاهَا، أَنَّ كُلَّ مَا لَمْ تُعْرَفْ لَهُ أَمَارَةٌ صَحِيحَةٌ وَسَبَبٌ ظَاهِرٌ كان حراماً واجب الاجتناب.ا.هــــــ والعلم عند الله تعالى.

  • التبليغ خلف الإمام

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فالثابت في السنة أن التبليغ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسـلم لم يكن سوى مرتين مرة صرع النبي صلى الله عليه وسـلم عن فرس ركبه؛ فصلى في بيته قاعداً؛ فبلَّغ أبو بكر عنه مع التكبير. كذا رواه مسلم في صحيحه، ومرة أخرى في مرض موته بلَّغ عنه أبو بكر، ولم يذكر أحد من العلماء تبليغاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسـلم إلا هاتين المرتين.

    وعليه فإن التبليغ بعد الإمام يُشرع إذا كانت بالناس إليه حاجة؛ كأن يكون صوت الإمام لا يُسمع إما لعلة بالإمام أو لكون المسجد كبيراً ولا توجد مكبرات للصوت، أو لا تعمل بشكل جيد، ونحو ذلك من الأعذار؛ أما إذا انتفى هذا كله فلا يشرع التبليغ بعد الإمام بل يكون مكروهاً؛ لما فيه من إذهاب الخشوع أو بعضه، وإذهاب السكينة والوقار أيضاً وإيقاع التشويش والتخليط؛ كما بيّن ذلك أهل العلم كابن الحاج المالكي رحمه الله تعالى حيث قال في كتاب المدخل: وقد اختلف العلماء في صحة صلاة المسمِّع الواحد وبطلانها على أربعة أقوال: تصح، لا تصح، الفرق بين أن يأذن الإمام فتصح أو لا يأذن فلا تصح، والفرق بين أن يكون صوت الإمام يعمهم فلا تصح أو لا يعمهم فتصح. وفي فتح العلي المالك للشيخ عليش رحمه الله: سمع ابن وهب من مالك رحمه الله تعالى: لو جهر المأموم بالتكبير وبربنا لك الحمد جهراً يسمع به من يليه فلا بأس وتركه أحب أليّ.ا.هــ وعليه فالواجب على كل مصل أن يصون صلاته من العبث والبطلان وأن يحرص على اتباع السنة ليكمل له الأجر والثواب وأن يخرج من الخلاف ما استطاع إلى ذلك سبيلاً،

    وقد قال أهل العلم: إن التبليغ لغير حاجة ليس بمستحب، بل صرح كثير منهم أنه مكروه، قال في تبيين المسالك: والجهر بتكبيرة الإحرام عندنا ـ أي المالكية ـ مستحب للإمام والفذ والمأموم، أما غيرها من التكبير فيستحب الجهر به للإمام فقط، وأما الفذ والمأموم فيندب لهما الإسرار به، ونظم ذلك أحد فقهائنا فقال:

    الجهرُ في تكبيرة الإحرامِ                    يُندَب مطلقاً وللإمـامِ

    يُندب فيما غيرُها وغيرُه                    يُندبُ سرُّه وكُرِه جهرُه

     وأما عند الحاجة فلا بأس به، كما لو كان المسجد كبيراً وصوت الإمام لا يسمع لمن كان بعيداً عنه، أو كان في مكبر الصوت خلل؛ فاحتاج الناس إلى شخص أو أكثر يبلغون صوت الإمام لهم فلا حرج في ذلك إن شاء الله؛ اقتداءً بفعل الصديق أبي بكر  رضي الله عنه، والعلم  عند الله تعالى.

  • حكم البلياردو

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالأصل أنه يجوز للمسلم أن يروح عن نفسه بما لا يشتمل على حرام، وله أن يمارس من الرياضة البدنية أو الذهنية أو الترفيه المباح ما يشاء مما لم ينه الشرع عنه، وعليه فإن هذه اللعبة (البلياردو) الأصل فيها الإباحة، وهذه الإباحة مقيدة بشروط:

    أولها: ألا تشغل عن حق لله واجب كأداء الصلوات المكتوبات في أوقاتها

    ثانيها: ألا تشغل عن حقوق واجبة للخلق كبر الوالدين أو السعي على الكسب الذي يتعفف به الأهل والعيال

    ثالثها: ألا تشتمل على قمار، ومن صور ذلك أن يصير اللاعب المهزوم غارماً فيدفع أجرة لعبه ولعب من غلبه، ومن صورها كذلك أن يسقي المغلوب الغالب عصيراً ونحوه، بناء على قاعدة أن كل عقد يتردد بين الغنم والغرم فهو قمار

    رابعها: أن يلتزم اللاعبون أخلاق الإسلام وآدابه؛ فيجتنبون السباب والشتائم والخصام، وكل ما يثير بينهم العداوة والبغضاء

    خامسها: ألا تخرج عن حد الاعتدال، بل تمارس في أوقات محدودة من غير سرف؛ لأن الإنسان مسئول يوم القيامة عن عمره فيما أفناه، وقد قال صلى الله عليه وسلم “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ” والعلم عند الله تعالى

  • زوج يسب الدين

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فسبُّ دين الإسلام كفر بإجماع المسلمين؛ سواء أكان السابُّ جاداً أم هازلاً؛ لقوله تعالى {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ . لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} وسواء في ذلك أن يكون السب سباً لله عز وجل أو لرسوله صلى الله عليه وسلم أو لواحد من الأنبياء المجمع على نبوتهم؛ أو لواحد من الملائكة المجمع على ملائكيتهم أو استهزاء بشعيرة من شعائر الدين؛ فهذا كله ردة – والعياذ بالله – وإن كان بعضها أفحش من بعض. وقد سئل الشيخ عليش المالكي رحمه الله تعالى: ما قولكم في رجل جرى على لسانه سب الدين من غير قصد، هل يكفر أو لا بد من القصد؟ فأجاب: نعم ارتد؛ لأن السب أشد من الاستخفاف، وقد نصوا على أنه ردة؛ فالسب ردة بالأولى. وفي المجموع: ولا يعذر بجهل وزلل لسان. انتهى من (فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك)

    وقد ورد في السؤال أن هذا الشخص قد تكررت منه الردة حال سكره وحال وعيه؛ ثم إنه لا يقيم الصلاة المفروضة، وعليه فلا يجوز لهذه المرأة البقاء معه ولا استدامة النكاح على تلك الحال؛ ولا يجوز لها تمكينه من نفسها؛ وذلك لعموم قوله تعالى {لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} بل هذا النكاح ينفسخ على قول جمهور العلماء بتلك الردة؛ فإن تاب إلى الله توبة صحيحة في أثناء العدة فإنها تُردُّ إليه بالنكاح الأول؛ استدلالاً بقصة صفوان بن أمية رضي الله عنه؛ حيث نقل ابن القيم رحمه الله تعالى في إعلام الموقعين عن الشافعي قوله: ثم رجع صفوان إلى مكة وهي دار الإسلام، وشهد حنيناً وهو كافر، ثم أسلم فاستقرت عنده امرأته بالنكاح الأول، وذلك أنه لم تنقض عدتها، وقد حفظ أهل العلم بالمغازي أن امرأة من الأنصار كانت عند رجل بمكة فأسلمت وهاجرت إلى المدينة؛ فقدم زوجها وهي في العدة، فاستقرا على النكاح الأول.ا.هــــــــــ أما إذا انقضت العدة دون أن يحدث توبة فإنها لا تحل له من بعد توبته إلا بعقد جديد.

    وجمهور العلماء على أن من تكررت ردته فإنه تقبل توبته؛ لعموم قوله تعالى {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} وقول النبي صلى الله عليه وسلم «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله؛ فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» رواه الشيخان.

    لكن بعضهم صرح بأن من تكررت ردته فإنه يعزر بالضرب والحبس ولا يقتل. وذهب الحنابلة لعدم قبول توبة المرتد – قضاء – أما ديانة فالأمر إليه سبحانه؛ وذلك لعموم قوله جل جلاله {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا} والله تعالى أعلم.

  • التنافس على خدمة البث التلفزيوني الأرضي

    قناة إسلامية دعوية، ترغب في التقدم للحصول على ترخيص لتزويد خدمات البث التلفزيوني الأرضي، بالتنافس مع شركة أجنبية (صينية)، حيث سيتم بث 30 قناة تلفزيونية أو أكثر واستقبالها في ولاية الخرطوم ومدن السودان الأخرى لاحقاً، دون الحاجة لأطباق الاستقبال، ويمكن أن تكون هذه الخدمة مشفَّرة أو مفتوحة أو الاثنتين معاً (جزء من القنوات مفتوح والآخر مشفر).

    ولما كانت الشركة الصينية قد سبق لها تقديم الخدمة في دول إفريقية أخرى، فقد عُلِم من سياستها بث القنوات المخصَّصة للأفلام والأغاني، بما يتنافى مع ضوابط الشرع وقيم أهل هذه البلاد.

    ويمكن تلخيص الأسئلة على النحو التالي:

    • حكم التقدم للحصول على هذا الترخيص ومنافسة الشركة الأجنبية.
    • حكم إدخال بعض القنوات الرياضية والإخبارية ضمن الباقة عند التقدم للحصول على الترخيص، إضافة إلى القناة الحكومية، مع ما يكتنف هذه القنوات من منكرات، علماً بأن وجود القنوات الإخبارية والرياضية والقناة الحكومية مُهمٌّ للحصول على الترخيص، وكذلك لنجاح الخدمة وإقبال المشتركين عليها.
    • حكم أخذ الأجرة على القنوات الرياضية المشفرة، خاصة قنوات كرة القدم وكأس العالم، وذلك لسداد قيمة القنوات للشركة ذات الحقوق، ومقابلة نفقات التشغيل والصيانة والرسوم الحكومية.

    شاكرين لكم جهودكم، وسائلين الله تعالى لكم البركة والتوفيق والسداد.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فبداية لا بد من تقرير أن الله تعالى سائلنا عن كل نعمة أنعم بها علينا؛ وقد قال سبحانه {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} قال أهل التفسير: أصل النعيم كل حال ناعمة من النعومة والليونة ضد الخشونة واليبوسة، من الأمن والصحة والرزق والفراغ والحواس من السمع والبصر وملاذ المأكول والمشروب واعتدال الخلق وظلال المساكن ولذة النوم وشبع البطون وبارد الشراب وغير ذلك، وروى الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من النعيم أن يقال له: ألم نُصِحَّ لك بدنك ونَروك من الماء البارد؟” وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لما نزلت هذه الآية قال الصحابة: يا رسول الله وأي نعيم نحن فيه وإنما نأكل في أنصاف بطوننا خبز الشعير؟ فأوحى الله إلى نبيه عليه الصلاة والسلام قل لهم: أليس تحتذون النعال وتشربون من الماء البارد؟ فهذا من النعيم.

    وغير خافٍ على كل عاقل أن الإعلام – في زماننا هذا – قد صار واقعاً مؤثراً في حياة الناس سلباً وإيجاباً؛ فبعض وسائل الإعلام هي من معالم بناء المجتمع الإسلامي الراشد بما تقدم من علم نافع ومعلومات مفيدة وترفيه مباح، وأكثرها إنما هي معاول هدم بما تذيع على الناس من فجور وتهتك وتشويه للقيم والتعاليم، والمطلوب من أهل الدعوة والغيرة على الدين أن يلجوا هذا الباب ويسهموا فيه بما يضمن تسخير هذه الوسائل لنشر الهدى والعلم؛ لأن هذه الوسائل إنما هي من النعيم الذي سنسأل عنه يوم القيامة. وقد سلك رسول الله صلى الله عليه وسلم كل سبيل يضمن به تبليغ ما أنزل إليه من ربه فكان يدعو الناس إلى الله في المسجد ويغشاهم في بيوتهم وأسواقهم ومواسمهم، وكان يعلم الناس بالخطابة والموعظة والفتوى وطرح السؤال واستعمال وسائل الإيضاح؛ كما أنه كاتب الملوك والحكام وجبابرة الأرض يدعوهم إلى الله تعالى، وبالجملة فلم يدع صلى الله عليه وسلم وسيلة توصل إلى هذا المقصود العظيم إلا واستعملها. وهكذا أصحابه رضوان الله عليهم من بعده.

    وجواباً على هذه الأسئلة أقول والله الموفق والمستعان:

    أولاً: قد أجمع أهل العلم على أن الشريعة إنما جاءت لجلب المصالح وتتميمها ودرء المفاسد وتقليلها، ومعلوم أن ترك المجال لهذه الشركة التي يقوم عليها ناس لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وقد عهد من سيرتها ومثيلاتها أنها تنشر على الناس الخنا والفساد، إنما هو شر محض فالواجب مزاحمتهم ومنافستهم؛ درء لمفسدة تفردهم بهذه الخدمة التي يمكن أن تفتح على الناس باب شر وفساد لا يعلمه إلا الله

    ثانياً: إن كان إدخال القنوات الإخبارية والرياضية – بما تحويه من منكرات – أمراً لا فكاك منه، ولا يمكن الحصول على الترخيص إلا به؛ وإلا فاز به من لا يرعى حدود الدين ولا ضوابط الشرع؛ فلا مانع إن شاء الله من ذلك؛ لما تقرر عند أهل العلم كافة أنه إذا تعين ارتكاب إحدى مفسدتين فإنه ترتكب المفسدة الصغرى لدفع المفسدة الكبرى، وأنه يُتحمل الضرر الأخف لدفع الضرر الأعظم.. هذا مع الحرص على أن يكون ذلك في حدود الضرورة التي لا بد منها، والعمل على أن تكون الكثرة الغالبة في هذا البث إنما هي القنوات التي تخلو من تلك المنكرات

    ثالثاً:  لا مانع من أخذ الأجرة على تلك المنفعة المبذولة للناس؛ لأنها والحال ما ذكر إنما هي إجارة مشروعة نظير تمليك المنفعة التي تعود على المستأجر، كما أنه لا بد منها ضماناً لاستمرار تلك الخدمة؛ ومكافأة للنفقات الضرورية من أجرة التشغيل والصيانة والرسوم الحكومية، إضافة لحقوق الشركة ذات الحقوق، والله تعالى أعلم.

  • التوكيل في الحج

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فلا مانع من أن توكل من يحج عن شقيقتك التي توفاها الله قبل أن تحج حجة الإسلام، وذلك لما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسـلم من جواز الاستنابة في الحج عن الميت وكذلك المريض الذي لا يستطيع بلوغ بيت الله الحرام؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما “أن امرأة من خثعم قالت يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الله في الحج شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره قال فحجي عنه” متفق عليه، وعن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاءته امرأة شابة من خثعم فقالت إن أبي كبير وقد أفند وأدركته فريضة الله في الحج ولا يستطيع أداءها فيجزي عنه أن أؤديها عنه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نعم” رواه أحمد والترمذي وصححه، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْر رضي الله عنهماِ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ مِنْ خَثْعَمَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إنَّ أَبِي أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ رُكُوبَ الرَّحْلِ، وَالْحَجُّ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: أَنْتَ أَكْبَرُ وَلَدِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ فَقَضَيْتَهُ عَنْهُ أَكَانَ يُجْزِي ذَلِكَ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاحْجُجْ عَنْهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ بِمَعْنَاهُ. قال الشوكاني رحمه الله تعالى: وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الْحَجُّ مِنْ الْوَلَدِ عَنْ وَالِدِهِ إذَا كَانَ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى الْحَجِّ، وَقَدْ ادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ مُخْتَصَّةٌ بِالْخَثْعَمِيَّةِ كَمَا اخْتَصَّ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ بِجَوَازِ إرْضَاعِ الْكَبِيرِ، حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَتَعَقَّبَ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْخُصُوصِ.ا.هــــــ

    ولا يختص ذلك بالابن بل يجوز منه ومن غيره، قال الحافظ رحمه الله في الفتح: وَقَدْ ادَّعَى جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ خَاصٌّ بِهِ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ جُمُودٌ.ا.هـــــــ

    وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: رَأَى مَالِكٌ أَنَّ ظَاهِرَ حَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ مُخَالِفٌ لِلْقُرْآنِ فَيُرَجَّحُ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ، وَلَا شَكَّ فِي تَرَجُّحِهِ مِنْ جِهَةِ تَوَاتُرِهِ انْتَهَى. وَلَكِنَّهُ يُقَالُ: هُوَ عُمُومٌ مَخْصُوصٌ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ عَامٍّ وَخَاصٍّ.ا.هــــــــ

    هذا فيما يختص بالحج عن المريض، وأما الميت فقد ثبت في صحيح البخاري عن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: إنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ:. نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكَنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ اُقْضُوا اللَّهَ، فَاَللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ» وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ بِنَحْوِ ذَلِكَ، وَفِيهَا قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: إنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ. ولَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الروايتين؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْقِصَّةُ مُتَعَدِّدَةً وَأَنْ تَكُونَ مُتَّحِدَةً وَلَكِنَّ النَّذْرَ وَقَعَ مِنْ الْأُخْتِ وَالْأُمِّ، فَسَأَلَ الْأَخُ عَنْ نَذْرِ أُخْتِهِ وَالْبِنْتِ عَنْ نَذْرِ الْأُمِّ.

    قال ابن تيمية الجد رحمه الله تعالى في المنتقى: وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْحَجِّ عَنْ الْمَيِّتِ مِنْ الْوَارِثِ وَغَيْرِهِ حَيْثُ لَمْ يَسْتَفْصِلْهُ أَوَارِثٌ هُوَ أَمْ لَا، وَشَبَّهَهُ بِالدَّيْنِ.ا.هــــــ وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال.

    وفي صحيح مسلم عَنْ بُرَيْدَةَ رضي الله عنه أَنَّ «امْرَأَةً قَالَتْ: إنَّ أُمِّي وَفِيهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: صَوْمِي عَنْهَا، قَالَتْ: إنَّهَا لَمْ تَحُجَّ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: حُجِّي عَنْهَا»

    وفي قول النبي صلى الله عليه وسـلم (أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ حَجٌّ وَجَبَ عَلَى وَلِيِّهِ أَنْ يُجَهِّزَ مَنْ يَحُجَّ عَنْهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ كَمَا أَنَّ عَلَيْهِ قَضَاءَ دُيُونِهِ. وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ دَيْنَ الْآدَمِيِّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، ذَلِكَ مَا شُبِّهَ بِهِ فِي الْقَضَاءِ، وَيَلْحَقُ بِالْحَجِّ حَقٌّ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ مِنْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ زَكَاةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ قَوْلُهُ: (فَاَللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حَقَّ اللَّهِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْآدَمِيِّ، وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ، وَقِيلَ بِالْعَكْسِ، وَقِيلَ سَوَاءٌ قَوْلُهُ: (جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: إنَّ أُخْتِي. . . إلَخْ)

    وقد استدل الجمهور بالعقل كذلك على جواز الاستنابة في الحج لمن قام به عذر؛ قال الكمال بن الهمام رحمه الله تعالى: وكان مقتضى القياس أن لا تجري النيابة في الحج، لتضمنه المشقتين البدنية والمالية، والأولى لم تقم بالآمر، لكنه تعالى رخص في إسقاطه بتحمل المشقة الأخرى، أعني إخراج المال عند العجز المستمر إلى الموت، رحمة وفضلا، وذلك بأن يدفع نفقة الحج إلى من يحج عنه، بخلاف حال القدرة فإنه لم يعذره لأن تركه ليس إلا لمجرد إيثار راحة نفسه على أمر ربه، وهو بهذا يستحق العقاب، لا التخفيف في طريق الإسقاط، وإنما شرط دوامه (أي العذر) إلى الموت لأن الحج فرض العمر.ا.هــــــــ فتح القدير 2/310

    وذهب مالك على المعتمد في مذهبه إلى أن الحج لا يقبل النيابة لا عن الحي ولا عن الميت، معذورا أو غير معذور. وقالوا: إن الأفضل أن يتطوع عنه وليه بغير الحج، كأن يهدي أو يتصدق عنه، أو يدعو له، أو يعتق. مواهب الجليل 2/543، وحاشية الدسوقي 1/18

    وشرط الاستنابة في الحج أن يكون النائب عن غيره قد حج عن نفسه؛ لما رواه أبو داود وابن ماجه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، قَالَ: مَنْ شُبْرُمَةُ؟ قَالَ: أَخٌ لِي أَوْ قَرِيبٌ لِي، قَالَ: حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ»

    وأما توكيلك من يحج عنك فلا يجوز؛ لأن شرط النيابة في الحج أن يكون المنيب عاجزاً عجزاً لا يرجى زواله، أو ميتاً، وأما أنت فسل الله تعالى أن يعينك على الحج في عام آتٍ. والله تعالى أعلم.

  • الإلتزام بجدول رمي الجمرات

    ما حكم الالتزام بجدول الرمي الذي تنظمه السلطات السعودية في منى؟

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فهذه الجداول قصد واضعوها من وراء ذلك تحقيق مصلحة التيسير على الحجاج في أداء نسكهم، والقيام بواجب الرمي على الوجه الأكمل في الوقت المطلوب شرعاً، مع دفع مفسدة التزاحم والتدافع التي يترتب عليها إزهاق الأنفس أو ضياع الممتلكات أو حصول العداوة والبغضاء بين حجاج بيت الله، وقد قال سبحانه {الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج}

    فالالتزام بذلك الجدول يحقق تلك الغايات السامية ويسهل على الجميع – حجاجاً ومنظمين – القيام بعملهم على ما يرضي الله عز وجل، لكن لو لم يحصل الالتزام فإن ذلك لا يؤدي إلى بطلان الحج أو فساده، ولا يترتب على عدم الالتزام فدية ولا جزاء، والعلم عند الله تعالى.

  • الأكل من طعام آكِل مال اليتيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فإذا كان مال ذلك الشخص من حرام محض، أعني أن يكون ماله كله ناتجاً عن أكل أموال اليتامى، أو كان يتجر في الخمور أو المخدرات وليس له دخل سواه فلا يجوز لك أن تأكل من طعامه ولا أن تقبل هديته، لعموم الأدلة الناهية عن أكل الحرام؛ كقوله صلى الله عليه وسـلم “يا كعب بن عجرة إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به” رواه أحمد والترمذي، وأما إذا كان ماله مختلطاً حلاله بحرامه فلا حرج عليك في الأكل من طعامه أو قبول هديته وأولى الاقتراض منه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسـلم قبل هدية المقوقس حاكم مصر وأكل من طعام يهودية، ومعلوم أن أموالهم لا تسلم من حرام أو شبهة، والعلم عند الله تعالى.

  • الأزهر وأسماء الله الحسنى

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد قال الله تعالى {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} وقال سبحانه {أياً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} وقال {الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى} وقال {هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى} قال أهل التفسير: والحسنى تأنيث الأحسن؛ كالكبرى والصغرى تأنيث الأكبر والأصغر، وفي وصفها بالحسنى وجوه:

    • أن أسماءه سبحانه وتعالى دالة على صفات كمال عظيمة، وبذلك كانت حسنى
    • ما وعد عليها من الثواب بدخول الجنة لمن أحصاها
    • أن حسنها شرف العلم بها، فإن شرف العلم بشرف المعلوم
    • ومن تمام كونها حسنى لا يدعى إلا بها

     وثبت من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسـلم أنه قال “لله تسعة وتسعون اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر” رواه الشيخان، وفي هذا الحديث مباحث:

    أولها: أنه لا يراد بهذا العدد الحصر عند جمهور العلماء، بل المراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها، لا الإخبار بحصر الأسماء، قال الخطابي رحمه الله تعالى: هو بمنزلة قولك: إن لزيد ألف درهم أعدها للصدقة، وقولك: إن لعمرو مائة ثوب من زاره خلعها عليه، وهذا لا يدل على أنه ليس عنده من الدرهم أكثر من ألف درهم ولا من الثياب أكثر من مائة ثوب.ا.هـــ ويدل على صحة هذا التأويل الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وابن حبان عن ابن مسعود t أن النبي صلى الله عليه وسـلم كان يدعو فيقول “…أسألك بكل اسم هو لك سمَّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علَّمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك” وفي حديث عائشة رضي الله عنها”لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك”

    ثانيها: قوله “من أحصاها” قيل: أن يعدها حفظاً ويدعو ربه بها؛ كما في قوله سبحانه {وأحصى كل شيء عددا} واستدل لهذا المعنى الخطابي بقوله ـ في الرواية الأخرى ـ “من حفظها دخل الجنة” وقيل: المراد بالإحصاء الإطاقة؛ كما في قوله سبحانه {علم أن لن تحصوه} أي لن تطيقوه، وكقول النبي صلى الله عليه وسـلم “استقيموا ولن تحصوا” أي لن تبلغوا كل الاستقامة؛ فيكون المعنى: أن يطيق الأسماء الحسنى ويحسن المراعاة لها، وأن يعمل بمقتضاها، وأن يعتبرها فيلزم نفسه بموجبها. وقيل: الإحصاء بمعنى العقل والمعرفة فيكون معناه أن من عرفها وعقل معانيها وآمن بها دخل الجنة، وهو مأخوذ من الحصاة وهي العقل، تقول العرب: فلان ذو حصاة، أي ذو عقل ومعرفة بالأمور.

    ثالثها: قد ورد عدُّ هذه الأسماء في حديث رواه الترمذي كالتالي، “هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العلي الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القوي المتين الولي الحميد المحصي المبدئ المعيد المحيي المميت الحي القيوم الواجد الماجد الواحد الصمد القادر المقتدر المقدم المؤخر الأول الآخر الظاهر الباطن الوالي المتعالي البر التواب المنتقم العفو الرؤوف مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع الغني المغني المانع الضار النافع النور الهادي البديع الوارث الرشيد الصبور.

    وهذا الحديث قد ضعفه الإمام الترمذي نفسه حيث قال رحمه الله تعالى: حديث غريب، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسـلم، ولا نعلم في كبير شيء من الروايات له إسناد صحيح ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث،  وقد روى آدم بن أبي إياس هذا الحديث بإسناد غير هذا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسـلم وذكر فيه الأسماء، وليس له إسناد صحيح.ا.هـــ

    وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: والذي عول عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه، وإنما ذلك كما رواه الوليد بن مسلم وعبد الملك بن محمد الصنعاني عن زهير أنه بلغه عن غير واحد من أهل العلم أنهم قالوا ذلك، أي أنهم جمعوها من القرآن، كما روي عن جعفر بن محمد وسفيان بن عيينة وأبي زيد العلوي، والله أعلم.ا.هـــ  وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: الصحيح أنه _ أي العد – ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسـلم.ا.هــــ وقال الصنعاني رحمه الله تعالى: اتفق الحفاظ من أئمة الحديث أن سردها إدراج من بعض الرواة.ا.هــــ وممن حكم بضعفها أبو العباس بن تيمية والحافظ ابن حجر العسقلاني رحم الله الجميع.

    وخلاصة الأمر أن أسماء الله الحسنى لا تنحصر في التسعة وتسعين اسماً، وأنه لم يرد في تعيينها وجمعها نص صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسـلم، بل الأمر محل اجتهاد حيث بذل العلماء رحمهم الله جهدهم في إحصائها من نصوص القرآن والسنة، ومن وفق إلى إحصاء تسعة  وتسعين اسماً منها نال من الأجر ما بشر به رسول الله صلى الله عليه وسـلم،

    ومهما يكن من أمر فإن الأسماء الواردة في السؤال قد دلت عليها نصوص القرآن والسنة، وليس فيها شيء ينكر، ولا حرج في طباعتها وتداولها، والله الموفق والمستعان

زر الذهاب إلى الأعلى