الفتاوى

  • فجور في الخصومة

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد

    أنا السائل في الفتوى التي سميت بـ (فجور في الخصومة) فقد نصحتني بالنصيحة التالية في الإجابة على سؤالي:

    ((فالذي أنصح به أن يلجأ السائل إلى بعض الخيِّرين من الأهل الذين يمكنهم التأثير على الأم وذلك من أجل تذكيرها بالله وتحذيرها من خطورة ما تفعل، وعليك – أحسن الله إليك – أن تظهر ليناً وتنازلاً حرصاً على مصلحة البنت، والله ولي التوفيق.)) انتهى حديثك

    فإنني قد فعلت ذلك من قبل ولجأت لخالها وأختها مراراً وتكراراً ولكنني لم اجد عندهم أي مساعدة أو رغبة في المساعدة فهم يلفون لفها وينفذون رغباتها، وكذلك والدتها وهي من أشد المتشددين في هذه المشكلة، أما والدها فهو لا رأي له ولا يفيد بشيء، وهو جزء من المشاكل ولا يتحدث إلا حديثها فكل ما أسمعه من جواب منها أسمعه من والدها مرة أخرى إذا تحدثت معه، وهو ليس بالأب السوداني المعروف الذي يمكن أن يسير كلامه على آل بيته، بل يحدث العكس، وقد عاشرتهم وأعرف ذلك جيداً وأعرف مدى سطوة مطلقتي في منزلهم. لذلك كنت دائماً أتفاهم معها هي فإن وافقت على أي شئ لم يعارض اي فرد في أسرتها، وهي ترى أن ألجأ أنا للمحكمة حتى تحدد لي مواعيد زيارة وهي تريد ان يكون تعاملي معها بواسطة المحكمة فقط، وكل أهلها يرددون نفس الحديث، وأنا شخصياً لا أريد أن أرى ابنتي بواسطة محكمة مهما حدث حتى وإن اضطررت إلى تركها للأبد بدون رؤيتها، ومن ناحية الإنفاق فأنا ملتزم شهرياً بما ألزمتني به المحكمة. وأنا أرى أن ذلك إجحاف في حقي أن أرى ابنتي بواسطة محكمة مهما حدث، لأن ذلك سيؤثر بالتأكيد في نفسياتها بصورة كبيرة، وحتى المحكمة تلزم بوقت معين وزمن معين ويوم معين مما يعني أن التعامل سيئ للغاية فهي في النهاية ابنتي وكوني أراها بهذه الصورة خير لي من أن لا أراها أبداً وسأتركها حين تكبر أن تختار ما بيني وما بين أمها وأهل أمها ولم أجد غير هذا طريق فهل هنالك إثم عليَّ إن فعلت هذا، علماً بأنني جربت كل الطرق التي ذكرتها. ولكم جزيل الشكر والتقدير

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فإن كانت الطرق كلها قد سدت عليك – كما هو واضح من تعقيبك – فالذي أراه لك ألا تيأس، بل عليك مساومتهم ببعض المال أو اللجوء إلى شفاعة بعض الجيران أو غيرهم، ثم إذا ألجأتك الحيلة إلى المحكمة فاعرض على القاضي أمرك بواسطة محامي قدير لعله يقدر ظرفك ويضمن لك رؤية كريمة لابنتك مع توقي المحاذير التي ذكرتها في تعقيبك، وذلك كله حذراً من أن تقطع صلتك بابنتك حتى ييسر الله لك ضمها إليك في مستقبل الأيام، والله الموفق والمستعان.

  • آداب ليلة الزفاف

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد

    فخلاصة ما ينبغي للزوجين الحرص عليه ليلة الدخول:

    أولاً: أن يفتتحا حياتهما بذكر الله عز وجل وذلك بدعاء دخول المنزل أو الفندق أو المكان الذي سيبيتان أو يقيمان فيه (بسم الله، اللهم إنا نسألك خير المولج وخير المخرج، بسم الله خرجنا، وبسم الله ولجنا، وعلى الله ربنا توكلنا)

    ثانياً: أن يضع يده على مقدمة رأسها – أي جبهتها – ويدعو بالدعاء المأثور (اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه)

    ثالثاً: أن يتناول معها لبناً؛ كما صنع سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم حين بنى بأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وذلك تفاؤلا

    رابعاً: أن يصلي بها ركعتين (شكراً لله على سنة الزوجية)

    خامساً: حبذا لو قرأ معها شيئاً من القرآن، وحبذا لو كانت سورة البقرة؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اقرؤوا سورة البقرة؛ فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة) أي السحرة، وقال عليه الصلاة والسلام (إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة)

    سادسا: إذا أراد أن يأتيها فلا يقع عليها كما يقع البعير، وليكن بينهما رسول!! قال أهل العلم: المراد بذلك الضمة والقبلة ونحو ذلك

    سابعاً: إذا أراد أن يعاود الجماع فيسن له أن يغسل ذكره ويتوضأ؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم (فإنه أنشط للعود)

  • هل في الدين عنصرية؟

    العنصرية مصدر صناعي من العنصر الذي هو الأصل والنسب، والعنصرية هي التمييز بين الناس على أساس عنصرهم أو أصلهم أو لونهم… أو جهتهم.. ومعاملتهم على ذلك الأساس.

    والعنصري هو الذي يفضل عنصره على غيره من عناصر البشر ويتعصب له، وأول من نادى بها هو إبليس عليه لعنة الله تعالى حيث قال: أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ  {ص:76}.

    وهي من آثار الجاهلية الأولى التي قضى عليها الإسلام وحذر من التفاخر بها والتعامل على أساسها، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ {الحجرات:13}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أذهب عنكم عُبِيَّة الجاهلية وفخرها بالآباء…. أنتم بنو آدم وآدم من تراب… رواه أبو داود وحسنه الألباني.

    فقد قال الله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ {الحجرات:53}، فهذا حكم من له الحكم وقضاء من لا معقب لقضائه ولا نقض لأمره، وخلاف هذا من التمييز العنصري لوناً وجنساً ونسباً وبلداً كله باطل جاهلي جاءت شريعة الإسلام بدفنه وإنهاء مظاهره المسلحة بسلاح الجاهلية، والأدلة من القران والسنة على إذابة الفروق العنصرية كثيرة جداً، منها قوله صلى الله عليه وسلم: والناس بنو آدم وآدم من تراب. وقال : إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم. رواه مسلم.

    وقال: يا فاطمة انقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئاً. أخرجه مسلم.

    وقال لأهل بيته: لا تأتيني لناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم. أخرجه أحمد

    إن لفظ العنصرية يقصد به الاعتقاد بأن مجموعة من الناس أعلى أو أدْنى درجة من أناس آخرين، بناء على معايير فاسدة كمعيار السلالة، أو الوطنية، أو الوظيفة، أو النسب، أو غيرها, ويسمى الناس الذين يعتقدون أو يمارسون هذا التمييز بالعنصريين، كمن يعتقد أن سلالته أعلى شأنا في النواحي العقْلية والأخلاقية أو الثقافية من أفراد السّلالات الأخرى. ولأن العنصريين يفْترضون أنّهم أرفع مقامًا، لذلك فإنهم يعتقدون بأنهم يستحقّون حقوقاً وامتيازات خاصة.
    ولا شك أن العنصرية بهذا المفهوم يعتريها محظوران:

    أولهما: أنها تورث الكبر وتحمل عليه – إن لم تكن هي الكبر بعينه – كما قال ابن حجر الهيتمي في كتابه الزواجر: الحامل على التكبر هو اعتقاد كمال تميزه على الغير بعلم أو عمل، أو نسب، أو مال، أو جمال، أو جاه، أو قوة، أو كثرة أتباع. اهــ.

    ومن المعلوم أن الكبر من كبائر الذنوب، ولذا يعامل المتكبر يوم القيامة بنقيض حاله. ففي مسند أحمد وسنن الترمذي – واللفظ له – أن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ – أي في حجم الذر وهو صغار النمل – فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمْ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولَسَ تَعْلُوهُمْ نَارُ الْأَنْيَارِ، يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةَ الْخَبَالِ.اهــ.

    والمحظور الثاني: أنها مخالفة لما جاءت به الشريعة من وجوب محبة المسلمين وتآلفهم، وعدم احتقار بعضهم لبعض، والبعد عن كل ما من شأنه زرع الأحقاد والضغائن بينهم, ففي كتاب الله تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ … } الحجرات : 10 , ونُهينا في القرآن أيضا عن أن يغتاب بعضنا بعضا، أو يلمزه بقول، أو يهمزه بفعل، أو ينبزه بلقب، أو يظن به السوء, وفي سنة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا، وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ . رواه مسلم.

    وجعل الله تعالى التقوى معيار المحبة والمفاضلة عنده فقال: { … إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ … } الحجرات : 13 , فينبغي أن تكون التقوى هي المعيار عندنا أيضا, ولذا قال ابن عباس رضي الله عنه: أحب في الله، وأبغض في الله، ووالي في الله، وعادي في الله، فإنما تنال موالاة الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان ولو كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، ولقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي عن أهله. اهــ. وقد سبق أن أصدرنا فتوى عن التمييز العنصري في منظار الإسلام وهي برقم: 109216.

    والحاصل أن على المسلمين أن يتقوا الله تعالى، وأن لا يحتقروا إخوانهم, وعلى أهل العلم أن يذكروا الناس بدينهم ويحذروهم من مخالفة أمر الله تعالى أو أمر رسوله صلى الله عليه وسلم.

  • الصلاة الإبراهيمية في التشهد الأول

    السلام عليكم ورحمه الله وبركاته، بدأتُ أصلي العصر وفي التشهد الأول بدأت بقراءة الصلاة الإبراهيمية، ولكن تذكرت قبل أن أُكملها أن هذا ليس موضعها؛ فتوقفت خشية أن تكون زيادة متعمدة فتبطل الصلاة، وأكملت حتى وصلت التشهد الأخير، وسجدتُ سجود سهوللزيادة (بعد السلام) ما صحة صلاتي هذه؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فصلاتك صحيحة، وما كان ينبغي لك أن تسجد للسهو؛ لأن زيادة الصلاة الإبراهيمية في التشهد الأول لا حرج فيها ولا يترتب عليها سجود سهو؛ وقد قال أهل العلم في قوله صلى الله عليه وسلم «إذا فرغ أحدكم من التشهد قبل إمامه فليتخير من الدعاء أطيبه» بأنه لا حرج في التشهد الأول أن تأتي بالصلاة الإبراهيمية لأنها دعاء ليس إلا، ومهما يكن من أمر فصلاتك صحيحة ولا تحتاج لإعادتها، والله تعالى أعلم.

  • التأمين على الحياة

    لي أحد الأقرباء قام بالتأمين على حياته، وقد حاولت نصحه ولكني لم أجد الطريقة المناسبة؛ لذا أرجو منكم أن تتكرموا بإيضاح حكم التأمين على الحياة مع إسداء النصح لهذا الرجل لعل الله أن يهديه ويتوب عليه.

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالتأمين على الحياة محرَّم باتفاق علماء الإسلام وفق القرارات الصادرة عن المجامع الفقهية المعتبرة؛ وذلك لاشتماله على أنواع من المفاسد منها:

    أولاً: الغرر حيث إن المؤمِّن يدفع قسطاً سنوياً قد يعود إليه أضعافاً مضاعفة في حال حدوث الوفاة أو الضرر وقد يضيع عليه فلا يرجع إليه شيء، وهذا هو الغرر الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث ثبت في صحيح مسلم من رواية أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: {نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر} وحقيقة الغرر أن يبذل المرء ثمناً وهو لا يدري أيحصل على المثمَن أم لا؟

    ثانياً: الميسر حيث إن المؤمِّن يدفع القسط السنوي لا تبرعاً منه بل على رجاء أن ينال ما هو أكثر، وقد لا ينال شيئاً؛ وهذه هي حقيقة الميسر ولا فرق؛ وقد قال الله تعالى {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون}

    ثالثاً: الربا إذ التأمين على الحياة حقيقته مبادلة مال بمال أكثر منه من عين جنسه، فاجتمع فيه ربا الفضل وربا النساء؛ وقد قال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} ولعن النبي صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه.

    ومن أجل هذه المفاسد وغيرها أفتى علماء الإسلام بأن عقد التأمين على الحياة يقع فاسداً؛ وذلك لإحاطة عوامل البطلان به من كل جانب، والعلم عند الله تعالى.

  • شبهة في آية

    حدثت لي شبهة حول قول الله جل جلاله  )ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض( الآية. وسؤالي هو: هل تنفي الآية مطلقاً وجود إلهين اثنين حكيمين متفقين؟ والمانع من ذلك إذاً؟ وقد قرأت كتب التفسير ولم أفهم! أرجوكم أغيثوني عاجل جداً جداً جداً فإني لا أنام الليل؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    هذه الآية الكريمة )ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا  بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ( هي الآية الواحدة والتسعون من سورة (المؤمنون)، وهي تُقرِّرُ استِحالةَ أن يستقيمَ أمرُ الكون بوجودِ إلهين مُتصَرِّفَين في الكون؛ لأنَّه بافتِراضِ ذلك سيَقعُ التنازُعُ في إرادةِ التصرُّف؛ إذ يمتنعُ تصرُّفُهما معاً في خَلقِ أحدٍ أو موتِه، أو زيادتِه في الرزقِ أو نقصِه، أو شفائه أو مرَضِه وغيرِ ذلك.. فلما استحال استِقامةُ تصرُّفِ الصانِعَيْن معاً كان دليلاً على امتِناعِ حُصُولِه؛ فضلاً عن أنَّ الإلهَ قادرٌ لا يعجزُ وإرادتُه غالبةٌ لا تُقهَر. والإشارة بالعُلو في الآية إلى التغالُب والتخاصُم؛ مما يُحتِّمُ غلبةَ أحدِهما؛ فيكون الغالبُ إلهاً وتنتفي الألوهيةُ عن المغلُوب؛ فلم يبقَ إلا وُجوبُ إلهٍ واحِد. وهي حُجةٌ بالِغةٌ كما قال الطبري رحمه الله: )ما كان معه مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ( يقول: إذن لاعتزلَ كلُّ إلهٍ منهم )بِمَا خَلَقَ( من شيء، فانفرد به، ولَتغالَبُوا؛ فلعلا بعضُهم على بعضٍ وغلب القويُّ منهم الضعيف؛ لأن القويَّ لا يرضى أن يعلُوَه ضعيف، والضعيف لا يصلح أن يكون إلهاً؛ فسبحان الله ما أبلغَها مِن حُجةٍ وأوجَزَها لِمَنْ عقلَ وتدبَّر” [تفسير الطبري 19/66]. وزاد ابن كثير الأمرَ بياناً فقال رحمه الله: “أخبر تعالى أنه لو كان في الوجود آلهةٌ غيرُه لفسدَت السمواتُ والأرض، فقال )لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ( أي: في السماء والأرض )لَفَسَدَتَا( كقوله تعالى )مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ( [تفسير ابن كثير 5/337] وقال رحمه الله: “يُنزِّه تعالى نفسَه عن أن يكونَ له ولدٌ أو شريكٌ في الملك، فقال )مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ( أي: لو قُدِّر تعدُّدُ الآلهة؛ لانفرَدَ كلُّ منهم بما يخلق؛ فما كان ينتظم الوجود. والمشاهَد أنَّ الوُجودَ مُنتظِم مُتسِق، كل من العالم العلوي والسفلي مُرتَبِط بعضُه ببعضٍ في غايةِ الكمال )مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ( ثم لَكان كلٌّ منهم يطلبُ قهرَ الآخَرِ وخِلافَه؛ فيعلو بعضُهم على بعض. والمتكلمون ذكروا هذا المعنى وعبَّرُوا عنه بدليلِ التمانع، وهو أنه لو فُرِضَ صانعان فصاعدا، فأراد واحدٌ تحريكَ جسمٍ وأراد الآخر سُكُونَه، فإن لم يحصلْ مُرادُ كلِّ واحدٍ منهما كانا عاجِزَيْن، والواجبُ لا يكون عاجزًا، ويمتنعُ اجتِماعُ مُرادَيْهما للتضاد. وما جاء هذا المحال إلا من فرضِ التعدُّد؛ فيكون مُحالا، فأما إنْ حصلَ مُرادُ أحدِهما دون الآخر؛ كان الغالبُ هو الواجب، والآخر المغلُوب ممكناً؛ لأنه لا يليق بصفة الواجب أن يكون مقهورا؛ ولهذا قال )وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ( أي: عما يقول الظالمون المعتدون في دعواهم الولدَ أو الشريكَ عُلُواًّ كبيرا” [تفسير ابن كثير 5/491] وقال الرازي: )إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ( المعنى لانفرد على ذلك كلُّ واحدٍ من الآلهة بخلقِه الذي خَلَقَه واستبَدَّ به، ولرأيتم مُلكَ كلِّ واحدٍ منهم مُتمَيِّزاً عن مُلكِ الآخَر، ولَغَلَبَ بعضُهم على بعضٍ كما ترَوْن حالَ مُلوكِ الدنيا ممالكهم متميِّزةٌ وهم مُتغالِبُون، وحيث لم ترَوْا أثَرَ التمايُز في الممالِك والتغالُب؛ فاعلموا أنه إلهٌ واحدٌ بيدِه مَلَكُوتُ كل شيء”. [تفسير الرازي 11/203].

    وأنصح الأخ الكريم أن يُكثِرَ من الاستعاذة من الشيطان الرجيم؛ فإن هذه الشكوك من وسوسة الشيطان لعنه الله، وقد روى البخاري ومسلم عن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَ كَذَا مَنْ خَلَقَ كَذَا حَتَّى يَقُولَ مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ} وعلى السائلِ أن يُحصِّنَ نفسَه بالأذكار النبوية لاسيما الالتزام بـأن يقول {لا إله إلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} مائة مرة؛ فإنها حِرزٌ من الشيطان اليومَ كلَّه. كما روى الشيخان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ {مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنْ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ}

    ومن اللطائف في هذا الحديث مِمَّنْ أُوتِيَ جوامِعَ الكَلِمِ صلى الله عليه وسلم أنَّ الإكثارَ من ذِكْرِ التوحيدِ ونفيِ الشريك وإثبات الملكِ والحمدِ لله دون سواه {لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير} يُذهِبُ الوسوسةَ ويكون حِرزاً من الشيطان يمنعُه من الوسوسة في الإيمان يوماً كاملاً! فما أجملَ هذه المناسَبَةَ وما ألطفَها لمن تدبَّرَها!

  • شراء السيارة بالتقسيط

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته…. أريد أن أشتري سيارة جديدة من معرض وكيل سيارات هونداي بالأقساط لمدة عامين، قيمة السيارة ٩٠٠٠ ريال عماني سأدفع للمعرض ٢٠٠٠ ريال عماني وباقي المبلغ يقسط علي عامين بفائدة ٤,٥٪، علمًا بأنه ستقوم شركة تمويل تابعة لشركة الهيونداي العارضة للسيارة بتمويل السيارة.. ما الحكم في هذه المعاملة؟؟؟ جزاكم الله خيرًا

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فبيع التقسيط صورة من صور بيع النسيئة، الذي اتفق أهل العلم على جوازه للنصوص الثابتة في ذلك، ومنها ما رواه البخاري ومسلم ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاماً إلى أجل ورهنه درعاً من حديد)).وقد أجازت الشريعة المطهرة بيع النسيئة الذي يؤجَّل فيه الثمن؛ كما أجازت بيع السلم الذي يؤجَّل فيه المبيع؛ وفق شروط معلومة. وجواز بيع النسيئة يعني جواز بيع التقسيط؛ لأن هذا البيع ليس إلا بيعاً مؤجَّل الثمن قد قسط ثمنه على آجال معلومة، ولا فرق في الحكم الشرعي بين ثمن مؤجَّل لأجل واحد وثمن مؤجَّل لآجال متعددة.

    وأما بيع التقسيط إذا زيد فيه الثمن لمكان الأجل، بأن يكون ثمن السلعة حالَّة مائة جنيه مثلاً فإذا بيعت على أقساط كان ثمنها مائة وخمسين؟ فقد ذهب جمهور العلماء سلفاً وخلفاً إلى جوازه؛ لأدلة منها:

    – عموم الأدلة التي تقضي بحل البيع، وما البيع بالتقسيط إلا صورة من صور هذه البيوع المشروعة في الأصل، ولم يأت المانعون بما ينقل هذه الصورة إلى الحرمة.

    – قوله تعالى {وأحل الله البيع وحرم الربا} والآية تشمل بعمومها بيع السلعة المعينة بثمن مؤجل وهو بيع النسيئة، كما تشمل بيع السلعة في الذمة إلى أجل مسمي وهو السلم، وكما ينقص في بيع السلم لأجل تعجيل الثمن يمكن أن يزاد في بيع النسيئة لأجل تأجيله.

    – قوله صلى الله عليه وسلم {الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يداً بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد}

    وفي هذا الحديث دلالة على الأمور الآتية:

    – إذا بيع ذهب بذهب أو بر ببر يُشْتَرَطُ التماثل والتقابض مثلاً بمثل يداً بيد فتحرم الزيادة ويحرم التأجيل.

    – إذا بيع ذهب بفضة أو بر بتمر أو شعير يشترط التقابض ولا يشترط التماثل، فيجوز التفاضل لاختلاف الصنفين، ويحرم التأجيل.

    – إذا بيع ذهب ببر أو فضة بتمر جاز التفاضل والتأجيل، وكما يكون التفاضل لاختلاف الصنفين يكون لاختلاف الزمنين.

    – أنه في بيع الذهب بالذهب مَثَلاً يمتنع ربا النساء وهو التأجيل؛ لأنه يخلُّ بالتساوي ولكن هذا لا يشترط في بيع الذهب بالبر مَثَلاً؛ فتحل فيه الزيادة سواء أكانت لأجل فارق الجودة أو لأجل فارق الزمن.

    وأما المانعون للزيادة في الثمن مقابل الأجل فقد احتجوا بأن كل زيادة نظير الأجل تعد ربا، وقد نوقش بأن هذه الزيادة لا تعد من قبيل الربا الحرام لما سبق من أنه في بيع الأموال الربوية إذا بيع الشيء بجنسه حرم الربا بنوعيه فضلا ونسيئة (ذهب بذهب أو دولار بدولار) وإذا بيع الشيء بغير جنسه مع اتحاد العلة ذهب بفضة أو دولار بجنيه حل الفضل وحرم النساء، وإذا بيع الشيء بغير جنسه مع اختلاف العلة ذهب ببر أو دولار بتمر حل الفضل والنساء جميعاً، فيجوز الفضل لاختلاف الصنفين أو لاختلاف الزمنين.

    واحتجوا أيضاً بعموم النصوص التي تقضي بتحريم الربا وأن هذا البيع مندرج تحتها، وقد قوبل هذا بعموم النصوص التي تقضي بحل البيع معجلاً ومؤجلاً وأن هذا البيع مندرج تحتها.

    وكما احتجوا أيضا بما ورد من النهي عن بيعتين في بيعة كقوله صلى الله عليه وسلم {من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا} وقد نوقش هذا الحديث بأنه – على فرض صحته – محمول على بيوع الآجال (بيوع العينة) لا على بيع الأجل، وهو أن يشتري السلعة إلى أجل ثم يعيد بيعها إلى البائع بثمن أقل حالاً، ولا يخفى التحيل على الربا بهذا العقد الصوري الذي لم تعد فيه السلعة أن تكون وسيطاً صورياً أقحم لاستباحة قرض بزيادة.

    والذي يلزم التنبيه عليه في هذا المقام أنه إذا تأخر المشتري في أداء بعض الأقساط فإن هذا – على حرمته – لا يبيح للبائع أن يفرض عليه غرامة مالية في مقابلة هذا التأخير، وإن كان من حقه أن يطالب بحلول بقية الأقساط عند حدوث المماطلة إذا كان قد اشترط ذلك عند التعاقد.

    وقد صدر بذلك قرار المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي فقد قرر في دورة مؤتمره السادس بجدة المنعقد في شعبان عام 1410هـ ما يلي:

    1- تجوز الزيادة في الثمن المؤجل عن الثمن الحال ـ كما يجوز ذكر ثمن المبيع نقداً، وثمنه بالأقساط لمدد معلومة، ولا يصح البيع إلا إذا جزم العاقدان بالنقد أو بالتأجيل، فإن وقع البيع مع التردد بين النقد والتأجيل، بأن لم يحصل الاتفاق الجازم على ثمن واحد محدد، فهو غير جائز شرعاً.

    2- لا يجوز شرعاً في بيع الأجل التنصيص في العقد على فوائد التقسيط مفصولة عن الثمن الحالِّ، بحيث ترتبط بالأجل، سواء اتَّفق العاقدان على نسبة الفائدة أم ربطاها بالفائدة السائدة.

    3- إذا تأخر المشتري المدين في دفع الأقساط عن الموعد المحدد، فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدين، بشرط سابق أو بدون شرط، لأن ذلك ربا محرَّم.

    4- يحرم على المدين المليء أن يماطل في أداء ما حلَّ من الأقساط، ومع ذلك لا يجوز شرعاً اشتراط التعويض في حالة التأخر عن الأداء.

    5- يجوز شرعاً أن يشترط البائع بالأجل حلول الأقساط قبل مواعيدها عند تأخر المدين في أداء بعضها، ما دام المدين قد رضي بهذا الشرط عند التعاقد.

    6- لا حقَّ للبائع في الاحتفاظ بملكية المبيع بعد البيع، ولكن يجوز للبائع أن يشترط على المشتري رهن المبيع عنده، لضمان حقه في استيفاء الأقساط المؤجلة.

    وخلاصة الفتوى أن شركة التمويل هذه إذا كانت تشتري تلك السيارة وتسجلها باسمها ثم تبيعها عليك بالتقسيط فلا حرج في هذه المعاملة؛ أما إذا كنت أنت المشتري والشركة تمول ثم ترتب على ذلك التمويل الفائدة المذكورة في السؤال فلا تجوز تلك المعاملة لأنها من قبيل الربا المحرم وهو ربا الديون المجمع على تحريمه، والعلم عند الله تعالى.

  • هل الحلف بالطلاق يقع به طلاق؟

    ما حكم من حلف بالطلاق؟ وهل يحسب طلقة أم لا؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالحلف بالطلاق يمين الفُسّاق كما أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام، وما ينبغي للمؤمن أن يجري الطلاق على لسانه في الجليل والحقير؛ لقول ربنا سبحانه وتعالى ((ولا تتخذوا آيات الله هزوا)) والمطلوب منك مراجعة القاضي أو المفتي ليسألك عن نيتك حال الحلف بالطلاق، والله الموفق والمستعان.

  • الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة

    قول الله جل جلاله )الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة( نرجو تفسير هذه الآية، وجزاكم الله خيراً.

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فهذه الآية المباركة من سورة النور قد ذكر أهل التفسير في سبب نزولها أن بعض الصحابة رضي الله عنهم استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في نكاح نسوة كن معروفات بالزنا من أهل الشرك، وكن أصحاب رايات يؤجرن أنفسهن؛ فأنزل الله تحريمهن على المؤمنين فقال: الزاني من المؤمنين لا يتزوج إلا زانية أو مشركة لأنهن كذلك والزانية من أولئك البغايا لا ينكحها إلا زان من المؤمنين أو المشركين أو مشرك مثلها لأنهن كن مشركات {وحرم ذلك على المؤمنين} فحرم الله نكاحهن بهذه الآية. ومن هاهنا ذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله إلى أنه لا يصح العقد من الرجل العفيف على المرأة البغي ما دامت كذلك حتى تستتاب؛ فإن تابت صح العقد عليها وإلا فلا؛ وكذلك لا يصح تزويج المرأة العفيفة بالرجل الفاجر المسافح حتى يتوب توبة صحيحة لقوله تعالى {وحُرِّم ذلك على المؤمنين} وقال آخرون: كان هذا حكم الله في كل زان وزانية حتى نسخه بقوله {وأنكحوا الأيامى منكم} فأحل نكاح كل مسلمة وإنكاح كل مسلم، وممن قال بذلك سعيد بن المسيب، قال الشافعي: القول فيها كما قال سعيد بن المسيب إن شاء الله هي منسوخة.

    وذهب جمهور العلماء إلى أن الآية واردة في تبشيع الزنا وبيان أن الزاني لا يزني إلا بمن كانت مثله زانية أو شراً منه مشركة، وأن الزانية لا يوافقها على الزنا إلا من كان مثلها زانياً أو شراً منها مشركاً، وقد رجح هذا المعنى شيخ المفسرين ابن جرير الطبري رحمه الله فقال: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: عني بالنكاح في هذا الموضع الوطء، وأن الآية نزلت في البغايا المشركات ذوات الرايات؛ وذلك لقيام الحجة على أن الزانية من المسلمات حرام على كل مشرك؛ وأن الزاني من المسلمين حرام عليه كل مشركة من عبدة الأوثان؛ فمعلوم إذا كان ذلك كذلك أنه لم يعن بالآية أن الزاني من المؤمنين لا يعقد عقد نكاح على عفيفة من المسلمات ولا ينكح إلا بزانية أو مشركة وإذا كان ذلك كذلك فبيِّن أن معنى الآية: الزاني لا يزني إلا بزانية لا تستحل الزنا أو بمشركة تستحله وقوله {وحرم ذلك على المؤمنين} يقول: وحرم الزنا على المؤمنين بالله ورسوله وذلك هو النكاح الذي قال جل ثناؤه {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزاني لا ينكحها إلا زان أو مشرك} وقال ابن كثير رحمه الله: هذا خبر من الله تعالى بأن الزاني لا يطأ إلا زانية أو مشركة؛ أي لا يطاوعه على مراده من الزنا إلا زانية عاصية أو مشركة لا ترى حرمة ذلك وكذلك {الزانية لا ينكحها إلا زان} أي عاص بزناه {أو مشرك} لا يعتقد تحريمه قال سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} قال: ليس هذا بالنكاح إنما هو الجماع لا يزني بها إلا زان أو مشرك؛ وهذا إسناد صحيح عنه وقد روي عنه من غير وجه أيضا وقد روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير والضحاك ومكحول ومقاتل بن حيان وغير واحد نحو ذلك. والعلم عند الله تعالى.

  • سؤال عن المرابحة والزكاة

    لديَّ منزل مؤسس لأربعة طوابق ومكتمل منه الطابق الأرضي فقط؛ لديَّ النية لأخذ مرابحة لتكملته؛ تجول برأسي عدة أسئلة:

    أولاً: هل المرابحة حلال إذا نُفِّذت بأصولها الشرعية كما يقولون؟ وما هي هذه الشروط؟ ثانياً: إذا كانت حلالاً فهل يمكن شراء مواد بناء أكثر من الحاجة ثم بيعها حتى أتمكن من تسديد مصاريف العمالة؟

    ثالثاً: أنا مهني من أسرة فقيرة وفقني الله للعمل بالخارج بدخل عالي لمدة 11 سنة ـ والحمد لله ـ تكفلت بتربية و دراسة إخوتي وأبناء الأهل والجيران؛ لم أدفع أي زكاة (بنية الزكاة) لأنه لم يكن لديَّ مال حال عليه الحول مدى حياتي؛ لأنه كلما جهزت مبلغاً من المال اشتريت قطعة أرض حتى امتلكت 4 قطع أرض سعر شرائها (60مليون – 80 مليون – 70) كلها كانت عن طريق دفع جزء ثم تسديد الباقي على دفعات؛ عدت للبلاد نهائياً في العام السابق، واشتريت قطعة أرض في أرقى أحياء بحري، وبعت القطع الأخرى و بنيت بثمنها بيتي؛ فهل عليَّ زكاة سابقاً؟ إن كانت الإجابة بنعم فكم هي؟ وكيف أسدِّدها؟ علماً أنه ليس لديَّ مال الآن غير مرتبي الشهري والمزكَّى من قبل مـخدِّمي؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالمرابحة الشرعية حلال إذا توافرت شروطها، وهي أن يكون اتفاق بين اثنين (كالبنك والعميل مثلاً) على أن يشتري البنك سلعة مباحة ويحوزها، ثم يقوم ببيعها على العميل، على أن يكون سداده لثمنها بأقساط معلومة، وتنتفي الشرعية عن هذه المعاملة إذا قام البنك ببيع السلعة على العميل قبل تملكها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم {لا تبع ما لا تملك} وكذلك إذا قام البنك باستكتاب العميل شيكات مثلاً قبل أن يتملك السلعة، ولا حرج عليك في أن تشتري من البنك سلعة ثم تقوم ببيعها؛ رجاء الانتفاع بقيمتها في عمل آخر مباح، وهي المعاملة التي يسميها العلماء بالتورق، ولا زكاة عليك فيما كان من بيعك الأرض لكونك انتفعت بثمنها في ضرورة حياتك ببناء مسكن لك، والله تعالى أعلم.

زر الذهاب إلى الأعلى