الفتاوى

  • القنوت في صلاة الصبح

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالقنوت: بالتاء هو الدعاء والطاعة، وهو السكوت، وهو أيضا طول القيام في الصلاة. وقنت الرجل: أي دعا على عدوه، وقنت: أطال القيام في صلاته.

    والقنوت في صلاة الصبح قد اختلف الأئمة رحمهم الله في مشروعيته؛ فذهب أحمد وأبو حنيفة رحمهما الله إلى أنه لا يسن القنوت في صلاة الصبح ولا في غيرها من الصلوات سوى الوتر؛ لما روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهراً يدعو على حي من أحياء العرب ثم تركه. وعن أبي مالك رضي الله عنه قال : قلت لأبي: إنك صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ههنا بالكوفة نحواً من خمس سنين أكانوا يقنتون في الصبح؟ قال: أي بني محدث. رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح والعمل عليه عند أكثر أهل العلم.

    وذهب مالك والشافعي إلى أن القنوت في صلاة الصبح سنة في جميع الزمان، لأن أنساً رضي الله عنه قال: {ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا} رواه أحمد وعبد الرزاق والدارقطني والحاكم والبيهقي وصححاه ، وكان عمر رضي الله عنه يقنت في الصبح بمحضر من الصحابة وغيرهم. روى عبد الرزاق في مصنفه والبيهقي في شعب الإيمان عن عمر رضي الله عنه أنه قنت في صلاة الصبح فقال: {بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستعينك، ونستهديك، ونستغفرك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله، نشكرك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكافرين ملحق. اللهم عذِّب الكفَّار أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك}

    والمستحب عند المالكية أن يكون قبل الركوع؛ لما فيه من تطويل القيام ليتسنى للمسبوق إدراك الركعة،وهو المروي عن عمر وعلي وابن مسعود وخلق من الصحابة رضي الله عنهم، وهو مذهب إسحاق ومالك. ويستحب عند هم – أي المالكية -الإسرار بالدعاء في القنوت

    وأما عند الشافعية فهو عندهم بعد الركوع جهراً؛ وكلا الأمرين سائغ مشروع؛ لما روى حميد قال: سئل أنس عن القنوت في صلاة الصبح فقال {كنا نقنت قبل الركوع وبعده} أخرجه ابن ماجه. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في (المجموع): مذهبنا أنه يستحب القنوت فيها – يعني صلاة الصبح – سواء نزلت نازلة أو لم تنزل، وبهذا قال أكثر السلف ومن بعدهم أو كثير منهم، وممن قال به أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي وابن عباس والبراء بن عازب رضي الله عنهم. رواه البيهقي بأسانيد صحيحة. وقال به من التابعين فمن بعدهم خلائق، وهو مذهب ابن أبي ليلي والحسن بن صالح ومالك وداود، وقال عبد الله ابن مسعود وأصحابه وأبو حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري وأحمد: لا قنوت في الصبح.ا.هـــــــــــــ

    وهذه المسألة – كما هو ظاهر – قد تعددت فيها مذاهب العلماء، والخلاف فيها معتبر؛ والناس على مذهب إمامهم الذي يصلي بهم فإن قنت قنتوا معه وإلا فلا؛ حتى لا تصبح مادة للخلاف بين المسلمين في المسجد الواحد، واعلم بارك الله فيك أن العلماء متفقون على صحة صلاة من قنت ومن ترك.

    وما أجمل مقولة ابن القيم رحمه الله في (زاد المعاد) حيث حقَّق المسألة ثم قال: والإنصاف الذي يرتضيه العالم المنصف أنه صلى الله عليه وسلم جهر وأسرَّ وقنت وترك.. ثم قال: وصح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: والله لأنا أقربكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم .. فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح….، ثم قال: ولا ريب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعل ذلك ثم تركه، فأراد أبو هريرة أن يعلمهم أن مثل هذا القنوت سنة، وهذا رد على أهل الكوفة الذين يكرهون القنوت في الفجر مطلقاً…. ويقولون: هو منسوخ وفعله بدعة… وأهل الحديث متوسطون بين هؤلاء وبين من استحبه عند النوازل وغيرها، ويقولون: فعله سنة وتركه سنة، فلا ينكرون على من داوم عليه، ولا يكرهون فعله، ولا يرونه بدعة، ولا فاعله مخالفاً للسنة.ا.هـــــــ والله أعلم.

  • ما يترتب على القتل الخطأ

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالظاهر من السؤال أن هذا القتل وقع خطأ، حيث عرَّف الفقهاء القتل الخطأ بأنه ما صدر من الإنسان بفعل لم يقصده أصلا، أو قصد دون قصد الشخص المقتول. والقتل الخطأ يجب فيه حقان؛ حق لأولياء الدم ببذل الدية لهم على ما يحكم به القضاء؛ وحق لله تعالى بعتق رقبة؛ فمن لم يجد صام شهرين متتابعين؛ يقول تعالى {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} وكون القاتل قد هرب من مكان الحادث ولم يسعف المتوفى يرتِّب عليه مسئولية جنائية وشرعية، وقد كان عليه أن يتذكر قوله تعالى {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} وعليه فإن الجواب عن الأسئلة الواردة يكون:

    أولاً: لا حق لكم في المطالبة بالقصاص لأن القتل خطأ وليس عمداً، والقصاص حق لأولياء الدم في القتل العمد العدوان

    ثانياً: من حقكم المطالبة بعقوبة القاتل على هروبه وتركه إسعاف المتوفى، وإهماله مراعاة شعور أهله

    ثالثاً: إذا حصل العفو عن الدية منكم فليس لكم أن تتراجعوا عنه وتطالبوا بها؛ بناء على القاعدة الفقهية (الساقط لا يعود) إلا إذا كان في المستحقين للدية من لا تمضي تصرفاته لصغر أو سفه فإن حقه يبقى ولا يسقط

    رابعاً: عليكم – أحسن الله إليكم – إمضاء عفوكم رجاء ما عند الله من أجر وثواب؛ قال تعالى {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} أي كفارة للعافي بصدقته على الجاني، وإن كانت الآية في القتل العمد؛ فهي في حال الخطأ من باب أولى؛ وقدوتكم في ذلك حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما؛ فإن أباه قتل يوم أحد بأيدي المسلمين خطأ؛ فوداه النبي صلى الله عليه وسلم؛ فتصدق حذيفة بديته على المسلمين. رواه الحاكم في المستدرك. خاصة إذا استصحبتم حال القاتل فلربما أصابته لوعة أو فجعته المصيبة فلم يحسن التصرف، وهذه أسباب داعية إلى التخفيف عنه والرأفة به، كما نوصيكم بالصبر على مصابكم، وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي «ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احستبه إلا الجنة» رواه البخاري، والله الموفق والمستعان.

  • العمل في ديوان الضرائب

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالأصل أنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه، وما ينبغي أخذ المال قهراً إلا بحق؛ كأخذ الزكاة قهراً ممن منعها طوعاً؛ كما في الحديث «من أعطاها مؤتجرا فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا لا يحل لمحمد ولا لآل محمد منها شيء»

    ومعلوم أن مصارف الزكاة محددة بنص القرآن في آية التوبة {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم» وهناك خدمات يعود نفعها لجمهور المسلمين ولا يمكن الإنفاق عليها من الزكاة، من ذلك: تعبيد الطرق وشق القنوات وتنظيم الشوارع وبناء الجسور وحماية الثغور وغير ذلك من المصالح التي ينتفع بها عامة الناس؛ وليست قاصرة على فئة دون أخرى، ومن هنا أباح جمهور العلماء للدولة أن تفرض على الرعية مالاً سوى الزكاةوذلك بشروط:

    أولها: أن تكون بالدولة حاجة حقيقية إلى هذه الأموال، وليس في مواردها ما يكافئ تلك النفقات

    ثانيها: مراعاة العدالة في فرضها، فتفرض على من كان في ماله فضل، ولا تفرض على من دون ذلك ممن لا يكاد يجد قوت يومه

    ثالثها: تقوى الله في إنفاقها؛ فلا تنفق في سفاسف الأمور، ولا يستمتع بها طبقة دون سائر الناس.

    وعليه فإن العمل في الضرائب سائغ إذا كان العامل يتقي الله في أمة الإسلام، ويعمل على منع الظلم عنهم ودفع الآذى، ولا يكلف الناس ما لا يطيقون ولا يتلذذ بظلمهم والتعدي على كرائم أموالهم، ولا يجعل من وظيفته باباً لتلقي الرِّشا وأكل أموال الناس بالباطل؛  وهو إن تحلى بالعدل والإنصاف وإعطاء كل ذي حق حقه مأجور مشكور؛ شأنه في ذلك شأن من يعمل في الجهاز الشرطي أو الجمارك أو غيرها من المرافق التي هي مظنة إيقاع الظلم بالناس، ومن عمل في تلك المرافق ولم يتق الله في المسلمين فهو متوعد بقول النبي صلى الله عليه وسلم «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه»

    ولذلك نقول: لا بد أن يلج الطيبون الصالحون مثل هذه الأبواب؛ تخفيفاً على الناس وإحساناً إليهم، ولو قال كل امرئ صالح: لا أعمل في الضرائب؛ فإن ذلك سيفضي إلى شر عظيم. والله الموفق والمستعان.

  • حكم العمل في الجمارك

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالجمارك يراد بها الأموال التي تؤخذ ممن جلب بضاعة من بلد إلى بلد آخر، وتسمى كذلك ضريبة العشور، وهي ـ في الجملة ـ من المحرمات؛ لقول الله تعالى )ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون( وقول النبي صلى الله عليه وسـلم {لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه} رواه أحمد، بل هي من المكوس التي توعدت الشريعة آخذيها وآكليها؛ قال النبي صلى الله عليه وسـلم  {إن صاحب المَكس في النار} رواه أحمد عن رويفع بن ثابت رضي الله عنه وقال صلى الله عليه وسـلم {لا يدخل الجنة صاحب مَكس} رواه أحمد وأبو داود عن عقبة بن عامر رضي الله عنه؛ قال شُرَّاح الحديث: المَكس: النقص والظلم وأصله دراهم كانت تؤخذ من بائعي السلع في الأسواق في الجاهلية، أو درهم كان يأخذه المصدِّق بعد فراغه من الصدقة، قال ابن الأثير في النهاية: هو الضريبة التي يأخذها الماكس وهو العشار.ا.هــــــ انظر النهاية في غريب الحديث 4/349

    وقال في عون المعبود: المَكس ـ بفتح الميم ـ هو الضريبة والإتاوة، وهو دراهم كانت تؤخذ من بائعي السلع في الأسواق في الجاهلية، أو تؤخذ من التجار إذا مروا.ا.هـــ انظر عون المعبود شرح سنن أبي داود 6/412 وقال الشيخ صديق بن حسن خان البخاري في الروضة الندية 2/215 عن الجمارك التي تؤخذ من المسلمين: (فهذا عند التحقيق ليس هو إلا المَكْس من غير شك ولا شبهة) ا.هـ. والمكس من الغصب، قال المرداوي في الإنصاف: ويدخل فيه -أي الغصب- ما أخذه الملوك والقطاع من أموال الناس بغير حق من المكوس وغيرها.ا.هـــــ وغير خافٍ أن أخذ المَكْس من كبائر الذنوب لقول النبي صلى الله عليه وسـلم في الغامدية التي زنت، {وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ} رواه مسلم. قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: فِيهِ أَنَّ الْمَكْس مِنْ أَقْبَح الْمَعَاصِي، وَالذُّنُوب الْمُوبِقَات.ا.هـ شرح صحيح مسلم 6/118

    وهناك حالتان يجوز فيهما فرض الرسوم الجمركية على الناس:

    الحالة الأولى: أن تكون على بضائع غير المسلمين؛ وهي جائزة استدلالاً بفعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث كان يأخذ العشر ونصف العشر من تجارات غير المسلمين؛ فقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه وزياد بن جبير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يأخذ من تجار المسلمين ربع العشر، ومن تجار أهل الذمة مثلي ما يأخذ من تجار المسلمين ـ أي نصف العشر ـ ومن تجار أهل الحرب العشر. انظر: الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام ـ بتحقيق محمد خليل الهراس

    وما فرض على التجار أهل الحرب فهو من باب المعاملة بالمثل؛ فقد سئل زياد بن جبير: من كنتم تعشرون؟ أي تأخذون منه العشر؟ قال: ما كنا نعشر مسلماً ولا ذمياً، كنا نعشر تجار الحرب كما كانوا يعشروننا إذا أتيناهم. الأموال للقاسم بن سلام 706

    الحالة الثانية: أن تكون على بضائع المسلمين فيما إذا كانت الدولة مضطرة لذلك، وليس في خزينتها ما يفي بتلك الضرورة، ولم يحصل تسيب بصرف ذلك المال في غير وجهه، بمعنى أن الدولة تحتاج إلى مال يُصرف في مصالح الناس ـ كبناء الجسور وشق الترع ورصف الطرق وتأمين الثغور ـ وغير ذلك مما يعود نفعه على عموم المسلمين؛ فإذا لم يكن في خزينتها ما يحقق تلك المصالح جاز لها أن تفرض رسوماً على الناس؛ عملاً بقاعدة {الغرم بالغنم} مراعية في ذلك العدالة في الجباية والاقتصاد في الصرف

    الخلاصة

    أن الأصل في الجمارك التحريم إلا في الحالتين السابق ذكرهما، وعليه فإنه يجوز للشخص العمل في الجمارك إذا كانت نيته تحقيق العدالة ورفع الظلم عن الناس، وليس هو مسئولاً عن تصرف الحاكم في تلك الأموال لعموم قوله تعالى )لا يكلف الله نفساً إلا وسعها( ولأن كل عامل تنحصر ولايته فيما استرعاه الله U دون غيره.

    هذا والواجب على من ولاه الله الأمر ـ من وزير ومسئول ـ أن يتقي الله في تلك الأموال وأن يصرفها في الوجوه التي من أجلها جمعت؛ فراراً من الإثم وخلاصاً من الوزر، والعلم عند الله تعالى.

  • العمل الخاص في وقت الراحة

    – شخص يعمل بالشرطة وفي وقت راحته يقوم بمساعدة الناس ويقوم باستخراج (جوازات وجنسيات ورخص قيادة وخلافه) للمواطنين بمقابل مادي

    2- شخص يعمل بشرطة الجمارك يقوم في زمن راحته بأعمال التخليص الجمركي ما حكم الكسب الذي يتقاضاه نظير هذه الخدمة؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فمثل هذا العمل يمكن أن يحكم بجوازه وفقاً لشروط خلاصتها:

    أولاً: أن يكون هذا الشخص قد وفى بمقتضى العقد الذي بينه وبين الجهة المخدمة فأدى العمل الذي كلف به في الوقت الذي أمر به؛ عملاً بقوله تعالى {أوفوا بالعقود}

    ثانياً: ألا يترتب على قيامه بذلك العمل في وقت راحته تقصير في عمله المكلف به أصلا في وقت العمل الرسمي

    ثالثاً: ألا يتعمد تعطيل أعمال الناس في وقت العمل الرسمي من أجل أن يلجئوا إليه في وقته الخاص

    رابعاً: أن يأخذ على تلك الخدمة أجرة المثل من غير وكس ولا شطط

    خامساً: ألا يبذل رشوة لزملائه في مقابل تنجيز تلك الأعمال؛ لما يترتب على ذلك من فساد عريض

  • العلاج بالبخرات

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالمشروع للمسلم أن يطلب العلاج من سائر الأدواء؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك حين قال «تداووا عباد الله؛ فما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء، علِمَهُ مَن علمه، وجهله مَن جهله» وهذا العلاج يشترط أن يكون بمباح لا بمحرم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال «ولا تداووا بمحرم فإن الله تعالى لم يجعل شفاء أمتي فيما حرَّم عليها»

    وقد كان من هدي نبي الله صلى الله عليه وسلم في رقية المريض أن يقرأ على المريض وينفث عليه، وكذلك فعل أبو سعيد الخدري رضي الله عنه مع اللديغ، وكان من هديه عليه الصلاة والسلام كذلك أن يدعو للمريض بقوله «اللهم اشف فلاناً» ثلاث مرات، ولربما قال «اللهمَّ رب الناس أذهب الباس، اشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما» أو قال «باسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يُشفى سقيمنا؛ بإذن ربنا»

    ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه رضي الله عنهم أن يحرقوا قرآناً ويأمروا المريض باستنشاق هوائه، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، بل هو أمر محدث «وكل محدثة بدعة» ثم إنه يخشى أن يكون في هذا الفعل امتهان للقرآن العزيز، وقد أمرنا بتعظيمه لا امتهانه؛ قال تعالى {ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه} وقال سبحانه {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب}

    ثم إن الرقية الشرعية يشترط لها شروط وهي أن تكون باللفظ العربي المفهوم، وأن يعتقد الراقي والمرقي أن الرقية لا تؤثر بذاتها، وأن الشافي حقيقة هو الله عز وجل، وهذه الطريقة المذكورة في السؤال من اشتمال تلك الأوراق على أرقام؛ لا يدرى ما هي؟ ليست واردة في السنة، ولم يذكر أهل العلم الثقات المعروفون شيئاً يسمى علم القلم؛ فهذا أشبه بفعل الدجاجلة والمشعوذين، والله تعالى أعلم

  • الصلاة خير من النوم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقول المؤذن الصلاة خير من النوم سنة نبوية تلقاها الصحابة رضي الله عنهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود من حديث أبي محذورة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله: علِّمني الأذان؟ فعلَّمه، وقال «فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله» وعن أنس رضي الله عنه قال «من السنة إذا قال المؤذن في أذان الفجر: حي على الصلاة، حي على الفلاح، قال: الصلاة خير من النوم» أخرجه ابن خزيمة في صحيحه والدارقطني والبيهقي في سننهما، وقال البيهقي: إسناده صحيح. وصححه ابن السكن ولفظه «كان التثويب في صلاة الغداة إذا قال المؤذن: حي على الفلاح» وروى ابن ماجه من حديث ابن المسيب عن بلال رضي الله عنه «أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم يؤذنه لصلاة الفجر، فقيل: هو نائم، فقال: الصلاة خير من النوم مرتين فأُقرَّت في تأذين الفجر» فثبت الأمر على ذلك، قال ابن حجر في التلخيص الحبير: وفيه انقطاع مع ثقة رجاله، وذكره ابن السكن من طريق أخرى عن بلال، وهو في الطبراني من طريق الزهري عن حفص بن عمر عن بلال وهو منقطع أيضاً، ورواه البيهقي في المعرفة من هذا الوجه فقال: عن الزهري عن حفص بن عمر بن سعد المؤذن، أن سعداً كان يؤذن، قال حفص: فحدثني أهلي أن بلالاً فذكره. وروى الطبراني والبيهقي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال «كان الآذان الأول بعد حي على الصلاة حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم مرتين» قال ابن حجر: وسنده حسن. وروى النسائي من حديث أبي محذورة رضي الله عنه قال «كنت غلامًا صبيًا فأذنت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر يوم حنين، فلما انتهيت إلى حي على الفلاح قال «ألحق فيها الصلاة خير من النوم» وهذه الرواية صححها الإمام ابن حزم رحمه الله.

    فالقائلون بأنها في الأذان الأول استدلوا بظاهر حديث ابن عمر الذي فيه «كان الآذان الأول بعد حي على الصلاة حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم مرتين» والقائلون بأنها تقال في الأذان الثاني قالوا: إن النداء الأول الذي يكون قبل الفجر في سدس الليل الآخر إنما جُعِل تنبيهاً للناس من أجل أن يغتسل الجنب ويوتر المتهجد، لا من أجل الإعلام بدخول وقت الصلاة، وعليه فإن هذه الكلمة تقال في الأذان الثاني الذي يكون بعد دخول الوقت بطلوع الفجر الصادق، وأما الروايات التي أفادت أنها تقال في الأذان الأول فإنها تُحمل على أن ذلك كان في أول الأمر ثم استقر على أن تكون في الأذان الثاني، أو أن كلمة الأذان الأول مراد بها الأذان الذي قبل الإقامة؛ لأن الإقامة في لسان الشرع يقال لها: أذان؛ كما في حديث «بين كل أذانين صلاة» فالأولية هنا بالنسبة للإقامة.

    هذا وقد اشترط أهل العلم في المؤذن شروطاً أربعة وهي الإسلام والذكورة والبلوغ والعقل؛ قالوا: ويستحب أن يكون صيتاً – أي عالي الصوت – حسنه من غير تطريب وأن يؤذن مستقبل القبلة متطهراً قائماً، وألا يكون لاحناً لحناً يخل بمعاني الأذان، ولا شك أن قول هذا الرجل (النووء) بدل من (النوم) لحن مخل يجب عليه تعديله؛ فإن عجز فلا يحل له أن يؤذن مع وجود من يحسن الأذان،  والعلم عند الله تعالى

  • الصلاة خلف إمام شيعي

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فكلمة الشيعة في اللغة تعني الأنصار، ومنه قوله تعالى {وإن من شيعته لإبراهيم} وتطلق هذه الكلمة تاريخياً على من اعتقدوا صحة إمامة علي رضي الله عنه وناصروه على مناوئيه ممن ناصبه العداء، ويدخل في ذلك طوائف من الصحابة والتابعين رحمة الله عليهم أجمعين، لكن هذه الكلمة قد تطورت تاريخياً مع ظهور فرق غالية تنتسب للتشيع لكنها وقعت في جملة من المخالفات، ومن أهم تلك المخالفات:

    أولاً: معتقد أهل السنة في القرآن أنه كتاب محفوظ بحفظ الله لا يعتريه تحريف ولا تبديل، تحقيقاً لوعد ربنا جل جلاله بذلك حين قال {إنا نحن نزلنا القرآن وإنا له لحافظون} بينما يرى أولئك أن القرآن قد تعرض للتحريف من قبل الصحابة

    ثانياً: معتقد أهل السنة في الصحابة الكرام رضي الله عنهم أنهم خير هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم وأنهم أبر هذه الأمة قلوباً، ويعملون بوصية نبيهم صلى الله عليه وسلم في ذكرهم بالخير وعدم سبهم، ولا يخوضون فيما شجر بينهم؛ وبالمقابل يتعبد الشيعة بسب الصحابة ولعنهم، وعلى رأسهم الشيخان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ويعتقدون أن الصحابة قد ارتدوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم  إلا قليلاً منهم

    ثالثاً: معتقد أهل السنة في آل البيت عليهم السلام أنهم يحبونهم ويترضون عنهم، ولا يرفعونهم فوق المكانة التي وضعهم الله فيها، أما الشيعة فإنهم يعتقدون عصمتهم، وينسبون إليهم من الأقوال والأعمال ما هم برآء منه

    رابعاً: يخالف الشيعة أهل السنة في صفات ربنا سبحانه وتعالى ففي حين يعتقد أهل السنة أن الله تعالى علم ما كان وما يكون وأنه {لا يعزب عن ربك مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين} ينسب إليه الشيعة البداء ـ وهو ظهور ما كان خافياً ـ {سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيرا}

    وهذا قليل من كثير مما يختلف فيه أهل السنة والشيعة من أصول الدين، أما المسائل الفرعية في العبادات والمعاملات فهي لا تحصى عدداً، بل إنهم لا يكادون يتفقون معنا في شيء منها لا في وضوء ولا غسل ولا صلاة ولا صيام ولا حج ولا عمرة.

    وعليه فلا تجوز الصلاة خلف من كان يعتقد كل أو بعض تلك المعتقدات، بل الواجب على الناس أن يقدموا للصلاة بهم أسلمهم ديانة وأصحهم معتقداً وأقومهم سلوكاً؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم «الإمام ضامن» رواه أحمد وأبو داود والترمذي

  • الصلاة في الحذاء

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد روى الإمام البخاري في صحيحه تحت عنوان: باب الصلاة في النعال، ثم ساق بسنده إلى أبي مسلمة سعيد بن يزيد الأزدي قال: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. والحديث رواه الترمذي في سننه كذلك، وقال: وفي الباب عن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن أبي حبيبة وعبد الله بن عمر وعمرو بن حريث وشداد بن أوس وأوس الثقفي وأبي هريرة وعطاء رجل من بني شيبة. قال أبو عيسى حديث أنس حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم.ا.هــــ وروى ابن ماجة في سننه (بَابُ الصَّلاَةِ فِي النِّعَالِ) ثم ساق بسنده عن ابْنِ أَبِي أَوْسٍ قَالَ: كَانَ جَدِّي أَوْسٌ، أَحْيَانًا يُصَلِّي، فَيُشِيرُ إِلَيَّ وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ، فَأُعْطِيهِ نَعْلَيْهِ، وَيَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ. قال الشيخ الألباني رحمه الله: صحيح.

    قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح: قال ابن بطال: هو محمول على ما إذا لم يكن فيهما نجاسة، ثم هي من الرخص كما قال ابن دقيق العيد لا من المستحبات، لأن ذلك لا يدخل في المعنى المطلوب من الصلاة، وهو وإن كان من ملابس الزينة إلا أن ملامسته الأرض التي تكثر فيها النجاسات قد تقصر عن هذه الرتبة، وإذا تعارضت مراعاة مصلحة التحسين ومراعاة إزالة النجاسة قدمت الثانية لأنها من باب دفع المفاسد والأخرى من باب جلب المصالح؛ قال: إلا أن يرد دليل بإلحاقه بما يُتجمل به فيُرجع إليه ويُترك هذا النظر. قلت: قد روى أبو داود والحاكم من حديث شداد بن أوس مرفوعاً {خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم} فيكون استحباب ذلك من جهة قصد المخالفة المذكورة.ا.هـــــ

    ومعلوم أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم كان بناؤه من اللبن وأعمدته من جذوع النخل وسقفه من الجريد وفرشه من التراب، بخلاف المساجد في زماننا هذا، وعليه فإن الفتوى في هذا الباب بعد النظر في الأدلة وواقع الناس تكون على أن الصلاة في النعال مشروعة، لكن بشرطين:

    الأول: ألا يكون في النّعلين أذى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صَلَّى بأصحابه فخلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال: ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن جبريل صلى الله عليه وسلم أتاني فأخبرني أن فيهما قذراً. رواه الإمام أحمد وأبو داود.

    الثاني: أن لا يكون هناك فُرُش تُمسك الأوساخ وتَعلَق بها روائح الأحذية. ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: إذا صلى أحدكم فخلع نعليه فلا يؤذِ بهما أحداً، ليجعلهما بين رجليه أو ليصلِّ فيهما. رواه أبو داود.

    وعليه فإن الصلاة في النعال مشروعة فيما لو كان الإنسان مسافراً مثلاً فنزل في فلاة من الأرض، وكانت نعلاه طاهرتين فله أن يصلي فيهما من غير كراهة، لثبوت السنة بذلك، ولأن صلاته بالنعال حينئذ لم تتعارض مع مصالح أخرى

    أما أن يعمد إلى الدخول إلى المسجد بنعاله، وفي المسجد فرش وبسط، بما يؤدي إلى تغيير رائحة تلك البسط وتقذيرها بما يكون في اللعن من تراب أو أذى فإن ذلك لا يجوز؛ لأننا مأمورون بصيانة المسجد عن كل قذر، وقد قال سبحانه ((ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه)) وقال ((ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)) ولما في ذلك من أذية المسلمين وقد قال تعالى ((والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً)) والله تعالى أعلم.ٍ

  • السجود على الموكيت المبطن

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فإن أكثر الفقهاء –  ومنهم أبو حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم – جوَّزوا الصلاة على البسط والزرابي وما يعرف اليوم بالسجاد أو الموكيت، وقد استدلوا على ذلك بأحاديث منها:

    1. ما رواه الشيخان عن أمنا عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهي معترضة فيما بينه وبين القبلة على فراش أهله اعتراض الجنازة
    2. وما روه الشيخان عن ميمونة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على الخمرة. والخمرة كالحصير الصغير تعمل من سعف النخل، وتنسج بالسيور والخيوط
    3. وما رواه أحمد وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على الحصير وعلى الفروة المدبوغة

    وعليه فلا حرج على المصلي أن يسجد على بساط ونحوه؛ وقد علق الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى على حديث ابن عباس بقوله: وفيه جواز الصلاة على البسط وهو قول الجمهور، وكرهه جماعة من التابعين[1] وقال ابن قدامة في المغني: ولا بأس بالصلاة على الحصير والبسط من الصوف والشعر والوبر، والثياب من القطن والكتان وسائر الطاهرات، وصلى عمر على عبقري وابن عباس على طنفسة وزيد بن ثابت وجابر على حصير وعلي وابن عباس وابن مسعود وأنس على المنسوج، وهو قول عوام أهل العلم. ا.هـ[2]

    وأما الصلاة على الأسفنج فقد نص أهل العلم على أنها لا تصح إلا إذا كان الإسفنج مندكاً بحيث يمكن معه استقرار الجبهة على الأرض أو ما اتصل بها، وقد قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في شرح قوله صلى الله عليه وسلم {فمكِّن السجود} معناه: فمكِّن جبهتك من مسجدك؛ فيجب تمكينها بأن يتحامل عليها؛ بحيث لو كان تحتها قطن انكبس[3] وقال الدردير رحمه الله تعالى: ويشترط استقرارها على ما يسجد عليه؛ فلا يصح على تبن أو قطن إلا إذا اندك[4] ولا يخفى أن الموكيت المفروش في مساجدنا اليوم يتوافر فيه هذا الشرط؛ حيث يتم دكه بقوة حتى إنه ليلتصق بالأرض التصاقاً، وعليه فإن الصلاة عليه صحيحة ـ إن شاء الله ـ ولا حرج على المصلي في المساجد المفروشة بتلك الهيئة.

    وأما من كره السجود على البسط من التابعين وغيرهم فدليلهم ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف عن سعيد بن المسيب وابن سيرين أنهما قالا: الصلاة على الطنفسة ـ وهي البساط الذي تحته خمل ـ محدثة. وعن جابر بن زيد أنه كان يكره الصلاة على كل شيء من الحيوان ويستحب الصلاة على كل شيء من نبات الأرض. وقال ابن العربي رحمه الله تعالى: وكره مالك الصلاة على ثياب الكتان والقطن، وأجازه ابن مسلمة، وإنما كرهه من جهة الترفه}[5] وقد ذكر المالكية رحمهم الله في باب مكروهات الصلاة: السجود على ما فيه رفاهية من ثياب وزرابي ونحو ذلك؛ ما لم يكن المسجد قد فرش به من قبل القائم عليه[6] والله تعالى أعلم.

    [1] نيل الأوطار 2/127

    [2] المغني 2/177

    [3] عون المعبود 3/105

    [4] شرح الدردير 1/240

    [5] عارضة الأحوذي 2/126

    [6] تبيين المسالك 1/404

زر الذهاب إلى الأعلى