الفتاوى

  • لا إكراه في الدين وحد الردة

    ناقشني شخص في حكم المرتد يقتل وما دليله من القرآن وهو لا يقتنع بالحديث لشكه في كثير من الأحاديث الضعيفة داخل صحيح البخاري الطبعة الثانية وقال لي: لا إكراه في الدين/ هناك حديث لا أعرف مدى صحته أريد التأكد منه وتفسيره قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله الخ الحديث”.. أرجو أن تبينوا لي كيف يرد على هذا؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد

    فإن قتل المرتد من الأحكام المجمع عليها بين فقهاء الإسلام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم {من بدل دينه فاقتلوه} رواه البخاري، وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال {لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة} قال ابن قدامة رحمه الله تعالى في المغني: وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد، وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاذ وأبي موسى وابن عباس وخالد وغيرهم، ولم ينكر ذلك؛ فكان إجماعاً أ.هـ وقد طبق هذا الحكم الصحابة الكرام الذين هم أعلم الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتاب والسنة؛ ففي البخاري عن عكرمة قال: أتي أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بزنادقة فأحرقهم؛ فبلغ ذلك ابن عباس رضي الله عنهما فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال {لا تعذِّبوا بعذاب الله} ولقتلتهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم {من بدَّل دينه فاقتلوه} وفي الصحيحين أن معاذاً رضي الله عنه لحق أبا موسى باليمن؛ فلما قدم عليه ألقى له وسادة وقال: انزل. وإذا رجل عنده موثق، قال معاذ: ما هذا؟ قال أبو موسى: كان يهودياً فأسلم ثم تهود. قال معاذ: لا أجلس حتى يقتل؛ قضاء الله ورسوله} وفي رواية لأحمد: قضى الله ورسوله أن من رجع عن دينه فاقتلوه. وعن محمد بن عبد الله بن عبد القاري قال: قدم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجل من قبل أبي موسى رضي الله عنه فسأله عن الناس فأخبره، ثم قال: هل من مغربة خبر؟ قال: نعم، كفر رجل بعد إسلامه! قال عمر: فما فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه. فقال عمر: هلا حبستموه ثلاثاً، وأطعمتموه كل يوم رغيفاً، واستتبتموه؛ لعله يتوب ويراجع أمر الله؟ اللهم إني لم أحضر ولم أرض إذ بلغني. رواه الشافعي.

    أما قوله تعالى {لا إكراه في الدين} فهي نازلة في شأن الكافر الأصلي كما يدل على ذلك سبب نزولها ولا علاقة لها بالردة والمرتدين، قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية:  لا تكرهوا أحداً على الدخول في دين الإسلام فإنه بين واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسوراً. وروى ابن جرير أنها نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له: الحصين كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلا مسلماً فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ فأنزل الله فيه ذلك. قال ابن جرير: وكانا قد تنصرا على يدي تجار قدموا من الشام يحملون زيتاً فلما عزما على الذهاب معهم أراد أبوهما أن يستكرههما، وطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث في آثارهما، فنزلت هذه الآية. وأما قوله تعالى {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا} فقد قال بعض أهل التأويل في تفسيرها: إن الذين آمنوا بموسى ثم كفروا به ـ وهم اليهود ـ ثم آمنوا بعيسى ثم كفروا به ـ وهم النصارى ـ ثم ازدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليه وسلم لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا، وقال آخرون: بل عني بذلك أهل النفاق أنهم آمنوا ثم ارتدوا ثم آمنوا ثم ارتدوا ثم ازدادوا كفراً بموتهم على الكفر. قال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: عنى بذلك أهل الكتاب الذين أقروا بحكم التوراة ثم كذبوا بخلافهم إياه ثم أقر من أقر منهم بعيسى والإنجيل ثم كذب به بخلافه إياه ثم كذب بمحمد والفرقان فازداد بتكذيبه به كفراً على كفره.أ.هـ  وأما قوله تعالى {إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون} فمعناه ـ والله أعلم ـ إن الذين كفروا ببعض أنبيائه الذين بعثوا قبل محمد بعد إيمانهم، ثم ازدادوا كفراً بكفرهم بمحمد لن تقبل توبتهم عند حضور الموت وحشرجته بنفسه، وبه قال الحسن البصري وقتادة وعطاء الخراساني، وقال آخرون: إن الذين كفروا من أهل الكتاب بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم بأنبيائهم، ثم ازدادوا كفراً يعني: ذنوباً لن تقبل توبتهم من ذنوبهم وهم على الكفر مقيمون، وبه قال أبو العالية.

    فكما ترى أيها السائل ليس للآيات علاقة بحد الردة بل الحديث فيهما عن أهل الكتاب ممن لم يدخلوا الإسلام ابتداء، فهم كفار أصليون لا مرتدون، وخير ما يفسر به القرآن القرآن ثم سنة النبي عليه الصلاة والسلام، هذا هو مسلك العلماء الراسخين، {وأما الذين في قلوبهم زيغ فإنهم فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} ويحاولون أن يضربوا كتاب الله بعضه ببعض، نعوذ بالله من الهوى والضلال، وقد نقلت لك إجماع أهل العلم على وجوب قتل المرتد في الجملة، وليحذر كل امرئ من أن يكون ممن قال الله فيهم {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} والله تعالى أعلم.

  • صيغة الصلاة الإبراهيمية

    أسال عن الصلاة الإبراهيمية فأنا أقول ـ وتعودت على ذلك ـ {اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد} فلم أجد نفس هذه الصيغة بالضبط؛ يوجد {اللهم بارك} وأنا أقول: وبارك. هل هذا يجوز؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فصيغة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واردة بألفاظ شتى كلها صحيح، وبأيها أتى العبد أجزأه إن شاء الله، ومنها:

    أولاً: ما رواه البخاري ومسلم عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه أنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم {قولوا اللهم صلِّ على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد}

    ثانياً: ما رواه البخاري عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة رضي الله عنه فقال: ألا أهدي لك هدية سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقلت: بلى فأهدها لي. فقال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت؛ فإن الله قد علَّمنا كيف نسلِّم عليكم؟ قال {قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد}

    ثالثاً: ما رواه مسلم عن أبي مسعود الأنصاري قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مجلس سعد بن عبادة؛ فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله تعالى أن نصلي عليك يا رسول الله؛ فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد}

    رابعاً: ما رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال {من سرَّه أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل: اللهم صلِّ على محمد وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد}

    خامساً: ما رواه ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود قال إذا صليتم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنوا  الصلاة عليه؛ فإنكم لا تدرون لعل ذلك يُعرَض عليه؛ قال: فقالوا له: فعلِّمنا؟ قال: قولوا {اللهم اجعل صلاتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك إمام الخير وقائد الخير ورسول الرحمة اللهم ابعثه مقاماً محموداً يغبطه به الأولون والآخرون، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد}

    سادساً: ما رواه الإمام أحمد عن أبي مسعود عقبة بن عمرو رضي الله عنه قال: أقبل رجل حتى جلس بين يدي  رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن عنده؛ فقال: يا رسول الله أما السلام عليك فقد عرفناه؛ فكيف نصلي عليك إذا  نحن صلينا في صلاتنا صلى الله عليك؟ قال: فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحببنا أن الرجل لم يسأله  فقال {إذا أنتم صليتم عليَّ فقولوا: اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأمي كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد}

    سابعاً: ما رواه الإمام أحمد عن بريدة الخزاعي رضي الله عنه قال: قلنا يا رسول الله: قد علمنا كيف نسلِّم عليك فكيف نصلي عليك؟ قال {قولوا اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمد وعلى آل محمد كما جعلتها على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد}

  • اصلي الصلوات إلا الصبح

    أحافظ على الصلوات، وقد أؤخرها لبعض الوقت، ولكن صلاة الصبح ما أصليها إلا نادراً، وأقوم من النوم لا أصليها!! لعلمي أن وقتها قد فات، فما الحكم مع العلم أني لا أستيقظ وقت الفجر إلا نادرا؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فأنت على خطر عظيم، وواجب عليك أن تتدارك أمرك بتوبة نصوح؛ لأن الصلاة هي آخر ما يفقد المرء من دينه، ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، ولا يجوز لك عبد الله أن تؤخر الصلاة عن وقتها؛ لأن الله تعالى قد توعد من كانت هذه سبيله؛ فقال سبحانه ((فويل للمصلين. الذين هم عن صلاتهم ساهون)) وأما صلاة الصبح فهي التي تميز المؤمن من المنافق؛ كما قال عليه الصلاة والسلام {أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الصبح، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا} فاتق الله في نفسك ولا تفرط في صلاتك، ولو حدث يوماً ما أنك نمت عن صلاة الصبح حتى خرج وقتها فبادر إلى أدائها متى ما استيقظت؛ لقوله صلى الله عليه وسلم {من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك} ولكن لا تجعل ذلك ديدناً لك؛ وإلا دخلت والعياذ بالله فيمن قال الله فيهم ((فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً)) أسأل الله أن يتوب علينا أجمعين.

  • فضل سورة يس

    أسأل من فضل سورة يس وطريقة قراءتها لقضاء الحوائج وتفريج الهموم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فسورة يس من أعظم سور القرآن؛ لما تضمنت من المعاني الغزيرة والحِكَم الجليلة، وقد ورد في فضلها أحاديث منها:

    1ـ ما رواه الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم {إن لكل شيء قلبا وقلب القرآن يس. ومن قرأ يس كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات} قال الترمذي: هذا حديث غريب، وفيه هارون أبو محمد شيخ مجهول. قال أبو بكر بن العربي: حديثها ضعيف.

    2ـ ما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن معقل بن يسار رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {اقرؤوا على موتاكم يس} والحديث ضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود والمشكاة؛ لأن فيه مجهولين أحدهما أبو عثمان ـ وليس بالنهدي ـ وأبوه

    3ـ ما رواه أبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من قرأ يس في كل ليلة غفر له} وهو ضعيف أيضاً، ضعفه الألباني

    4ـ ما رواه ابن مردويه والخطيب والبيهقي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {سورة يس تدعى في التوراة المُعِمَّة، تعم صاحبها بخير الدنيا والآخرة، تكابد عنه بلوى الدنيا والآخرة، وتدفع عنه أهاويل الآخرة. وتدعى الدافعة والقاضية، تدفع عن صاحبها كل سوء، وتقضي له كل حاجة، من قرأها عدلت عشرين حجة، ومن سمعها عدلت له ألف دينار في سبيل الله، ومن كتبها ثم شربها أدخلت جوفه ألف دواء وألف نور وألف يقين وألف بركة وألف رحمة، ونزعت عنه كل غل وداء ” وقد قال البيهقي بعد ما أورده: تفرد به عبد الرحمن بن أبي بكر الجدعاني عن سليمان بن رافع الجندي وهو منكر.

    هذا ولم يرد في سنة النبي صلى الله عليه وسلم كيفية معينة لقراءة هذه السورة المباركة، بل تقرأ كغيرها من سور القرآن دون التقيد بعدد معين، ولا مانع من أن تدعو الله بعد ذلك بما شئت من خير الدنيا والآخرة، والله تعالى أعلم.

  • فعل الأمر أم إجتناب النهي

    أيهما أفضل الإتيان بما أُمر به أو الانتهاء عما نُهي عنه حسب ما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم {ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم} وجزاكم الله خيراً

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد قرر أهل العلم في قواعدهم أن {اجتناب النواهي آكد وأبلغ في القصد الشرعي من الأوامر} وفرَّعوا على ذلك جملة من القواعد؛ كقولهم: درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح، وقولهم: إذا تعارض المحرَّم وغيره من الأحكام الأربعة قدِّم المحرَّم، وقولهم: ترك المنهيِّ مقدم على فعل المأمور، وقولهم: إذا تعارض الواجب والمحرَّم قدم المحرَّم، وقولهم: ترك المستحب أولى من ارتكاب المكروه، وقولهم: الاحتياط في طلب السلامة آكد من الطمع في الزيادة، وقولهم: إذا استوى الجانب المفسد والمجوِّز فيغلب المفسد احتياطاً للعبادة، وقولهم: ترك السنة أولى من إتيان البدعة، وقول الإمام أحمد رحمه الله تعالى: ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم عندي أهون مما نهى عنه. وقول سهل بن عبد الله التستري رحمه الله تعالى: لا يجتنب الآثام إلا صدِّيق مقرب، وأما أعمال البر فيعملها البر والفاجر. وقول الحسن البصري رحمه الله تعالى: ما عُبِّد العابدون بشيء أفضل من ترك ما نهاهم الله عنه.

    ومن التطبيقات النبوية على ذلك ما كان منه صلى الله عليه وسلم في تركه بناء البيت على قواعد إبراهيم خوف أن يرتد بعض الناس، وتركه قتل عبد الله بن سلول خشية أن يتحدث الناس أن محمدً صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه، وتركه قتل لبيد بن الأعصم الذي سحره، وتركه قتل ذي الخويصرة التميمي، وفي كل هذه الحوادث غلب جانب درء المفسدة على تحصيل المصلحة. والله تعالى أعلم.

  • الخلاف في حكم الغناء

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد

    فالخلاف في موضوع المعازف قديم، وهو خلاف معتبر لأن القائلين بالمنع هم الجمهور، لكن في المقابل قد قال بالجواز أئمة كبار كأبي بكر بن العربي المالكي، وأبي محمد بن حزم الظاهري. قال ابن العربي رحمه الله تعالى: وليس الغناء بحرام؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم سمعه في بيته وبيت غيره، وقد وقف عليه في حياته، وإن زاد فيه أحد على ما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم عوداً يصوت عليه بنغمة فقد دخل في قوله (مزمار الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟) فقال (دعهما فإنه يوم عيد) وإن اتصل نقر طنبور فلا يؤثر أيضاً في تحريمه؛ فإنها كلها آلات تتعلق بها قلوب الضعفاء وللنفس عليها استراحة، وطرح لثقل الجد الذي لا تحمله كل نفس ولا يتعلق به قلب، فإن تعلقت به نفس فقد سمح الشرع فيه.ا.هــ عارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي 5/282

    والقائلون بالمنع استدلوا بالقرآن والسنة

    فمن القرآن قوله تعالى {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا} ولما سئل ابن مسعود رضي الله عنه عن هذه الآية قال: (الغناء والله الذي لا إله إلا هو) يرددها ثلاث مرات. وقال الحسن: لهو الحديث: المعازف والغناء

    ومن السنة بما رواه البخاري في صحيحه عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف).

    فالمسألة محل خلاف بين أهل العلم قديماً وحديثاً، ومن القواعد المعلومة أنه لا إنكار في مسائل الخلاف، وعليه فلا حرج في حضور حفل به بعض الغناء لكن بشروط:

    أولها: ألا يكون ثمة منكرات أخرى من اختلاط بين الرجال والنساء وكشف للعورات ونحو ذلك

    ثانيها: أن تكون الكلمات التي يتغنى بها النساء لا فحش فيها ولا خنا

    ثالثها: ألا يكون ثمة إسراف من مبالغة في سهر أو إنفاق مع مبالغة للأموال

    وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

  • حكم العمل في مجال الرقية

    شيخي الجليل السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

    أسأل الله أن يديم عليك نعمه وأن ينفع بعلمك الإسلام والمسلمين …. وبعد

    لا أعرف كيف أبدأ ولكن أتمني أن أستطيع بإيجاز أن أعطيكم خطوطاً عريضة وعلى ضوئها أريد النصيحة ورأي الدين!؟ ومن ثم الدعاء لي

    قد منَّ الله عليَّ بنعم كثيرة أحمد الله عليها؛ أولها حسن التوكل على الله وحب الخير للناس دون رياء بإذن الله، الحمد لله ابتليت بالسحر وكانت البداية أن منَّ الله عليَّ بنعم كثيرة في أثناء رقيتي لنفسي ولأهلي بالقرآن والحمد لله ما زلت مواصلاً فتحولت المصيبة من نقمة إلى نعمة، والحمد لله للمتعة التي وجدتها وأهلي أثناء سيرنا في هذا الطريق، ومن أمتع ما كان هي صلاة الاستخارة إذ استخرت ربنا أن يمنَّ علينا بمعرفة سبب ما بنا من الأذى، وقد كان بأن التقيت بأحد الإخوة مصادفة ونشأت بيننا معرفة في الله وكنت لا أعرفه جيداً ولايعرفني سوي الأسماء، والمنطقة المهم وأنا أواصل في الاستخارة، فبعد فترة وبعد أن انقطعت العلاقة بيني وبين هذا الأخ نسبة لانتقاله للعمل في منطقة أخرى إذا به يتصل بي يوماً ويقول لي: رأيت لك رؤية كذا وكذا بتفاصيل كاملة وسبحان الله حتى الملابس والأكل والمناسبة والأسماء كأنه كان موجوداً معنا يشرح لي ماحدث لي من سحر ولم يكن يعرف أي شئ عن تفاصيل حياتي سوي الاسم؛ فتأكدت تماماً من صدق هذه الرؤية فصادفت اقتناعي التام بصحة ما قاله.

    من هنا زادت المعرفة وتعمقت واجتمعنا سوياً يجمعنا سكن واحد، وبحكم الخبرة القليلة تبينت أن به مساً والعلم عند الله وأصبح هذا الأخ يحلم بأشياء خفية ويقول لي: فلان هذا مسحور وآخر به عين وكان أن يتطابق كله مع الواقع!! وهذا الشخص ملتزم والحمد لله يقرأ القرآن ويصلي ويصوم لكن يعاني من الضيق، وقد قرأت عليه فكان ينبهني لأشياء كثيرة نافعة نفعتني شخصياً؛ بأن قال لي: المكان الفلاني فيه سحر مكتوب يخص أهلك فنبحث في المكان ونجد الورقة بها طلاسم وكتابات سحرية ونبطلها وكذلك في حالات كثيرة غيرها، ومنها أنه يرآني في المنام وأنا أقرأ القرآن على المرضى ويحثني على أن أبدأ ويقول لي: أنت بك نفع للناس بعد الله، السؤال: ماحكم تعاملي معه في هذا الأمر فيما هو خير؟ وهل هنالك إثم مع يقيني الكامل أن كل شئ بإرادة الرحمن؟ ثم هل أفعل ماقاله لي في أن أرقي غيري مع العلم أني كنت أدعو وأستخير الله في هذا الأمر؟ وهل إذا اتبعته هل ستكون خصماً علي جانب التوكل علي الله؟

    ثم يا شيخنا الجليل أريد منك أن تهديني أسماء خمسة كتب يراها شيخنا نافعة، ومفيدة وهدية ثانية منك أن تدعو لي بالخير والإخلاص أسأل الله لكم النصر والتمكين وجزاكم الله كل خير.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما  بعد.

    فإنني أسأل الله لك خيري الدنيا والآخرة، وأن يصرف عنك شر كل ذي شر، وأن يجعلك مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر، وأن يختم لي ولك بالحسنى؛ إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، وأما الكتب التي أنصحك بقراءتها ففي العقيدة أنصحك بقراءة مجموعة (العقيدة في الله) للشيخ الدكتور عمر سليمان الأشقر رحمه الله تعالى، وفي الفقه كتاب (فقه السنة) للشيخ سيد سابق رحمه الله تعالى، وفي السيرة كتاب (الرحيق المختوم) للشيخ صفي الدين المباركفوري رحمه الله تعالى، وفي الحديث (شرح رياض الصالحين) للشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى، وفي التفسير كتاب (التفسير الميسر) لمجموعة من العلماء، وهو من مطبوعات مجمع المدينة المنورة لطباعة المصحف الشريف. وجواباً على أسئلتك أقول:

    أولاً: لا مانع من أن تباشر رقية من احتاج إلى رقية، وقد فعل ذلك من هو خير مني ومنك؛ أعني رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث كان يرقي من اشتكى من أصحابه، وما كان يطلب في ذلك الأجر إلا من الله عز وجل، وهو الذي قال “من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل” واحذر – عافاني الله وإياك – مما وقع فيه كثيرون ممن ولجوا هذا الباب؛ حيث جعلوه سبباً لجمع حطام الدنيا وشقُّوا على الناس بطلب المبالغ الباهظة، بل إن بعضهم وقع في جملة من المفاسد الأخلاقية التي أعيذك بالله منها.

    ثانياً: الأخ الممسوس – عافاه الله – يخبره الجن بما كان من أمور تخفى على غيره؛ وقد قرر علماؤنا رحمهم الله تعالى أن التعاون بين الإنس والجن كالتعامل بين الإنس والإنس؛ مباح فيما هو مباح ومحرَّم فيما هو محرَّم؛ فإذا كان تعاونك مع هذا الأخ على البرِّ والتقوى ونفع الناس؛ دون جزم بالمغيبات التي يخبر عنها فلا حرج إن شاء الله، ولتحذرا تمام الحذر من استدراج الشيطان لكما بأن تظنا – يوماً ما – أنكما صرتما بالغيب عالمين وعليه مطلعين {قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله} وأنا أحذركما من هذا من باب الذكرى والذكرى تنفع المؤمنين.

    ثالثاً: ليس في تعاونك مع هذا الأخ ولا في رقيتك للناس خصم على توكلك على الله تعالى؛ إذا التزمت الضوابط التي ذكرتها لك آنفاً، بل هو من باب الأخذ بالأسباب الشرعية التي نصبها الله عز وجل علامات لطلب العافية والشفاء، وأمرنا نبيه صلى الله عليه وسلم أن نأخذ بها حين قال “تداووا عباد الله فما أنزل الله داء؛ إلا أنزل له دواء علمه من علمه وجهله من جهله” والله الموفق والمستعان.

  • حكم العمليات الإستشهادية

    ما هو الحكم الشرعي في العمليات الاستشهادية؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فالعمليات الاستشهادية الواردة في السؤال لا ينتظمها حكم واحد؛ بل هناك عمليات لا إشكال فيها، وهي التي يشتبك فيها المجاهد المسلم مع عدوه وهم كثير عددهم وقد غلب على ظنه الهلاك؛ لكنه يُقدِم على ذلك بقصد إلحاق الضرر بعدوه وبثِّ الرعب في نفوس مقاتليه وتجرئة المسلمين عليه، من جنس ما فعله عمير بن الحمام رضي الله عنه يوم بدر والبراء بن مالك رضي الله عنه في قتال مسيلمة وأصحابه حين ألقاه المسلمون ليفتح لهم باب الحديقة التي سميت حديقة الموت، وبه أفتى أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه؛ كما في سنن أبي داود من حديث أسلم بن عمران قال: غزونا من المدينة نريد القسطنطينية وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد والروم ملصقون ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو فقال الناس: مه، مه، لا إله إلا الله يلقي بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما نصر الله نبيه وأظهر الإسلام، قلنا: هلم نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله )وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة( فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد}، قال القرطبي رحمه الله: والصحيح عندي جواز الاقتحام على العساكر لمن لا طاقة له بهم؛ لأن فيه أربعة وجوه: الأول: طلب الشهادة، الثاني: وجود النكاية، الثالث: تجرئة المسلمين عليهم، الرابع: ضعف نفوسهم ليروا أن هذا صنيع واحد فما ظنك بالجمع.أ.هـ ومن صورها التي لا خلاف عليها كذلك أن يبادر المجاهد العدو، أو يحمي إخوانه بنفسه، فيؤْثِر إخوانه بالحياة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُؤْثِرُ إخوانه على نفسه، فيبادر إلى لقاء العدّو دونهم؛ من جنس ما فعله صلى الله عليه وسلم يوم حنين حيث كان يركض ببغلته نحو العدو بعدما انكشف الناس وهو يقول: أنا النبي لا كذب أنا عبد المطلب.

    خامساً: أما العمليات التي يتعرَّض فيها المجاهد للموت بسلاح نفسه كأن يربط على خصره حزاماً ناسفاً؛ فالذي يظهر من الأدلة ـ والعلم عند الله تعالى ـ هو القول بجوازها بشروط معينة، ومن الأدلة على ذلك:

    ① ما ثبت في الصحيحين عن يزيد بن أبي عبيد قال: قلت لسلمة بن الأكوع رضي الله عنه: على أي شيء بايعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية؟ قال: على الموت.

    ② ما ثبت في صحيح مسلم من حديث صهيب الرومي رضي الله عنه في قصة أصحاب الأخدود، وفيها أن الغلام هو الذي دلَّ الملك على كيفية قتله رجاء أن يسلم الناس؛ فدلَّ على ذلك على أن إيثار العطب على السلامة يكون محموداً لو كان فيه تحقيق مصلحة الدين.

    ③ أن هذه العمليات تتحقق بها ضرورة حفظ الدين مع فيها من إهلاك النفس، ولا شك أن حفظ الدين أهم من حفظ النفس.

    ④ أن هذه العمليات قد تتعين سبيلاً وحيداً للنكاية بالعدو، وقد قرر علماؤنا أنه يجوز في حال الضيق والاضطرار ما لا يجوز في حال السعة والاختيار؛ والمجاهدون المسلمون الآن في فلسطين والعراق والشيشان وفي أغلب بلاد الله لا يملكون ما يملك عدوهم من الطائرات والدبابات والصواريخ وغيرها من الوسائل؛ خاصة وأن العدو حاله كما وصف ربنا عز وجل )لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدار   (

    وعليه يقال: إذا تضمن العمل الاستشهادي مصلحة للمسلمين وغلب على الظن تحقق النكاية بأعدائهم، ولم يكن فيه مفسدة تربو على المصلحة كأن تزيد ضراوة الكفار مثلاً ويشتد كَلَبُهم على المسلمين، وكان المجاهد قد أخلص لربه فيما يقوم به، ولم يوجد سبيل آخر تتحقق به النكاية فلا حرج في القيام بها، والمجاهد المقتول في تلك العمليات شهيد إن شاء الله، والله تعالى أعلم.

  • كتاب صدقة جارية

    السلام عليكم، الحمد لله قمت بتأليف كتاب علمي بغرض الإفادة منه لطلاب العلم والمهتمين في مجال تخصصي، وتوفيت والدتي، وقررت أن أهبه صدقة جارية على روحها، هل يجوز ذلك علماً بأنه أصلاً أعد بغرض البيع؟ أم أتصدق بالعدد الموجود بحوزتي وأجمع مال المباع منه وأتصدق به كمبلغ نقدي؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فيجوز لك أن تهب ما عندك من نسخ ذلك الكتاب لمن ينتفع به من طلبة العلم على نية التصدق عن روح الوالدة رحمها الله، لتكون صدقة جارية يبقى لها أجرها ما دام النفع بها قائماً، وهذا أفضل من التصدق بالمبلغ النقدي، والله تعالى أعلم.

  • حكم الصلاة دون قراءة الصلاة الإبراهيمية

    لم أكن في التشهد الأخير في الصلاة أقرأ الصلاة الإبراهيمية، فقط أكتفي بقراءة التشهد، ظناً مني أنه ليس ركناً، ما حكم صلواتي التي مضت بدون الصلاة الإبراهيمية؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالمطلوب من المسلم أن يأتي بصلاته على صفة الكمال ليقع أجره كاملاً، وليحقق قول النبي صلى الله عليه وسلم «صلوا كما رأيتموني أصلي» وفي خصوص الصلاة الإبراهيمية فإن الذي عليك أبو حنيفة ومالك وأكثر العلماء على أنها مستحبة لا واجبة، وعليه فلا يلزمك إعادة ما مضى من الصلوات، لكن عليك أن تأتي بها فيما تستقبل من صلاة تحصيلاً للأجر وطلباً للفضل، والله الموفق والمستعان.

زر الذهاب إلى الأعلى