الفتاوى

  • نذر مشروط لم اوفِ به

    السلام عليكم ورحمة الله يا شيخ، أنا كنت قد نذرت إذا حصل لي شيء أن أصوم في كل شهر ثلاثة أيام؛ فالحمد لله حصل ما أريد فبديت بالصوم ولكن بعد فترة تركته. ولكن بدأت أصوم الستوت كل عام لأنه يعادل صيام الدهر كما في الحديث. فهل هذا يكفي أم أواصل صوم الست من شوال (الستوت) وأصوم لما نذرت به؟ وإذا أردت أن أكفر عن النذر ماذا يجب عليَّ أن أفعله؟ وجزاك الله عنا كل خير

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فالواجب عليك الوفاء بالنذر الذي شرطته على نفسك؛ لأن الله تعالى قد أوجب الوفاء بقوله {وليوفوا نذورهم} ومدح أهل الجنة بقوله {يوفون بالنذر} وقال النبي صلى الله عليه وسلم “من نذر أن يطيع الله فليطعه” وعليه فإنه يلزمك صيام ثلاثة أيام من كل شهر ما دمت مطيقة لذلك؛ كما إن عليك قضاء الشهور التي تركت الصيام فيها، ولا يغني عنك صيام ست من شوال؛ لأن صيامها سنة وأما صيام النذر فواجب، والله الموفق والمستعان

  • احتلمت وصليت

    أنا شاب احتلمت يوماً ما، وحين استيقظت من النوم نسيت أني احتلمت! وذهبت بحسن نية كاملة إلى الجامع وصليت صلاة الصبح، وفي أثناء الركعة الثانية تذكرت، ولكني تابعت الصلاة وبعدها صليت مرة أخرى نسبة لأنني شككت في الصلاة!! السؤال: هل تقبل أو تجوز الصلاة مع أني لم أتذكر؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فلا يقبل الله صلاة بغير طهور، وكان الواجب عليك ـ حال تذكرك الاحتلام ـ أن تخرج من الصلاة؛ لكنك ـ غفر الله لك ـ تماديت فيها جهلاً منك بخطورة ذلك؛ وواجب عليك أن تعلم أن نسيان الحدث أو عدم العلم به لا يجعل الصلاة صحيحة، بل يجب عليك أن تعيدها متى ما ذكرت الحدث أو علمت به؛ كما كان شأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين صلى بالناس في الجرف صلاة الصبح، وبعد الصلاة رأى في ثيابه أثر مني؛ فقال {ما أراني إلا احتلمت وصليت بأصحابي جنبا} ثم اغتسل رضي الله عنه وأعاد الصلاة لنفسه؛ وما دمت قد أعدتها فلا حرج عليك، واستغفر الله مما كان، والله تعالى أعلم.

  • زوجة تمارس الفاحشة

    بالصدفة علمت من أرشيف محادثات على النت أن زوجة تمارس الفاحشة في بيتها مع الرجال؛ من خلال المحادثة على النت شات ومواعدتهم في حين زوجها مسافر يعمل بالخارج. وأنا أعلم بريد زوجها كما أعرفه شخصياً فهل أرسل إليه أنبهه على ما يحدث من زوجته؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فما ينبغي لك إخبارُ الزوج بهذا الأمر، بل الواجب عليك السَّتر على هذه المسلمة فإنه لا يستر عبدٌ عبداً في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة، والجزاء من جنس العمل، كما أنه لا يجوز لك الكلام بهذا الشأن مع كائنٍ من كان؛ لأنه لا بينةَ لديك، بل هي محادثات اللهُ أعلم بحقيقتها، ولا سبيل لإثبات الجرم إلا بإقرار أو شهادة؛ وكلاهما معدومٌ في هذه الحالة، لكن يمكنك توجيه النصيحة لهذه المرأة من طرف خفيٍ دون مصارحتها بحقيقة ما بلغَك؛ وتخويفها من الفضيحة والعار، كما يمكن توجيه نصيحة للزوج بوجوب رعاية أهله ومراقبة عرضه، ويمكن التنويع في ذلك بوسائل شتى، وأسأل الله أن يديم علينا جميعاً نعمته وعافيته وستره في الدنيا والآخرة.

  • الصلاة في مسجد به قبر

    هل يجوز الصلاة في مسجد به قبر؛ علماً بأنه لا يوجد مسجد بدون قبر قرب المنزل؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسـلم عن بناء المساجد على القبور، ونهى عن اتخاذ القبور مساجد، ولعن اليهود والنصارى على اتخاذهم قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، وذلك في أحاديث كثيرة؛ منها ما رواه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها عن النبي قال في مرضه الذي مات فيه {لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} وما رواه مسلم من حديث جندب رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسـلم قبل  أن يموت  بخمس وهو يقول {ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك} وفي مسلم عن عائشة قالت: إن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا لرسول الله صلى الله عليه وسـلم كنيسة رأتاها بالحبشة فيها تصاوير، فقال: إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات، بنوا على قبره مسجداً، وصوَّروا تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة} وفي سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال {لعن رسول  الله صلى الله عليه وسـلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج} وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسـلم قال {اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} رواه مالك في الموطأ وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وأبو نعيم في الحلية، وصححه البزار وابن عبد البر

    وقد عدَّ العلماء رحمهم الله تعالى بناء المساجد على القبور من كبائر الذنوب، قال ابن حجر الهيتمي رحمه الله: الكبيرة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتسعون: اتخاذ القبور مساجد، وإيقاد السرج عليها، واتخاذها أوثاناً، والطواف بها، واستلامها، والصلاة إليها

    وأما الصلاة في المسجد الذي حوى قبراً فهي صحيحة عند جمهور العلماء، ولا يلزمه إعادة الصلاة في قول أكثر أهل العلم منهم المالكية والحنفية والشافعية وهي رواية عن أحمد رحمهم الله جميعاً؛ خاصة في مثل حالك حيث لا يوجد مسجد قريب من المنزل سوى المسجد الذي به قبر، وأنصحك ـ أخي ـ بأن تعمد إلى نصح القائمين على المسجد ليبنوا جداراً فاصلاً بين القبر والمسجد، ويجعلوا للقبر باباً على الشارع؛ خروجاً من خلاف العلماء، والله أعلم.

  • الصدقة الجارية

    ماتَ لي أبٌ، وابنٌ (عمُره يومان)، وأخ، وصديق حميم.. أسأل اللّه أن يجمعني بهم جميعاً في جنّته.. وكلّما أخرجت صدقة (نقديةً) أنويها عن نفسي، أبي، أخي، وصديقي. فهل هذا مشروع؟ وماذا عن الصّدقات العينيّة؟ وكيف أفعل من هذا الباب لابني؟ كذلك أسألُ عن معنى الصّدقة الجارية: هل هي ممّا أَخرجه الميّت حال حياته؟ أم ما يُمكن أن يُخرجه عنه غيرُه بعدَ وفاته؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالواجب عليك أن تحتسب ما أصابك، وأن تكثر من الدعاء لوالدك وولدك وأخيك ولموتى المسلمين أجمعين، والصدقة يصل ثوابها لمن نويت إيصالها إليهم، وسواء في ذلك الصدقة العينية ـ كالطعام والكساء والدواءـ أم النقدية، والصدقة الجارية هي التي يدوم نفعها ما بقي أصلهاـ كبئر ماء حفرت أو عين أجريت أو مصحف طبع ونحو ذلك ـ وهي مما ينتفع به الميت سواء أعملت في حياته أم بعد مماته، والله تعالى أعلم.

  • أعمال يصل ثوابها للميت

    • هل الصدقة الجارية لميت من الميت لنفسه قبل وفاته أم ممكن من أبنائه له؟
    • هل يجوز عمل عمرة لميت من أحد المسلمين له أم شرط أن يكون أحد أبنائه؟
    • هل يجوز قراءة القرآن ووهب ثوابها للميت أم لا؟ جزيتم خيراً.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالميت ينتفع بثواب الصدقة، سواء في ذلك ما عمله في حياته أو ما عمل له بعد مماته، وقد دل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن قال له {إن أمي افتلتت نفسها وإني أظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم} رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها. وقد ذكر مسلم رحمه الله في مقدمة صحيحه عن ابن المبارك أنه قال: (ليس في الصدقة خلاف) قال النووي رحمه الله تعالى: وفي هذا الحديث أن الصدقة عن الميت تنفع الميت ويصله ثوابها.ا.هـ وروى أحمد والنسائي عن سعد بن عبادة رضي الله عنه أن أمه ماتت فقال: {يا رسول الله، إن أمي ماتت أفأتصدق عنها؟ قال: نعم. قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء} قال الحسن: فتلك سقاية آل سعد بالمدينة. وكذلك العمرة يصل ثوابها إلى الميت سواء كان المعتمر عنه أحد أوليائه أو كان أجنبياً عنه.

    وأما تلاوة القرآن فمن المسائل التي اختلف فيها أهل العلم؛ فالمشهور من مذهب الشافعي وجماعة من أصحابه أنه لا يصل إلى الميت ثواب قراءة القرآن، وذهب أحمد ابن حنبل وجماعة من العلماء وجماعة من أصحاب الشافعي إلى أنه يصل، كذا ذكره النووي رحمه الله تعالى في الأذكار، قال بعض أهل العلم: وينبغي الجزم به ـ أي وصول الثواب ـ إذا سأل الله إيصال ثواب قراءته؛ لأنه دعاء، فإذا جاز الدعاء للميت بما ليس للداعي فلأن يجوز بما هو له أولى، ويبقى الأمر موقوفاً على استجابة الدعاء

     قال الصنعاني في سبل السلام: وهذا هو القول الأرجح دليلاً. وقال ابن قدامة في المغني: وأي قربة فعلها وجعل ثوابها للميت المسلم نفعه ذلك إن شاء الله، أما الدعاء والاستغفار والصدقة وأداء الواجبات فلا أعلم فيه خلافاً إذا كانت الواجبات مما يدخله النيابة، وقد قال الله تعالى ((والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان)) وقال الله تعالى ((واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات)) ودعا النبي صلى الله عليه وسلم لأبي سلمة حين مات، وللميت الذي صلى عليه في حديث عوف بن مالك، ولكل ميت صلى عليه، ولذي النجادين حين دفنه، وشرع الله ذلك لكل من صلى على ميت، وسأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: إن أمي ماتت, فينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: نعم} رواه أبو داود. وروي ذلك عن سعد بن عبادة. وجاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى} وقال للذي سأله: إن أمي ماتت، وعليها صوم شهر, أفأصوم عنها؟ قال: نعم} وهذه أحاديث صحاح، وفيها دلالة على انتفاع الميت بسائر القرب؛ لأن الصوم والحج والدعاء والاستغفار عبادات بدنية، وقد أوصل الله نفعها إلى الميت، فكذلك ما سواها، مع ما ذكرنا من الحديث في ثواب من قرأ يس، وتخفيف الله عن أهل المقابر بقراءته. إلى أن قال رحمه الله: ولنا ما ذكرناه، وأنه إجماع المسلمين، فإنهم في كل عصر ومصر يجتمعون ويقرءون القرآن، ويهدون ثوابه إلى موتاهم من غير نكير. ولأن الحديث صح عن النبي صلى الله عليه وسلم {إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه} والله أكرم من أن يوصل عقوبة المعصية إليه، ويحجب عنه المثوبة، ولأن الموصل لثواب ما سلموه، قادر على إيصال ثواب ما منعوه، والآية ((وأن ليس للإنسان إلا ما سعى)) مخصوصة بما سلموه، وما اختلفنا فيه في معناه، فنقيسه عليه.أ.هـ

    وليس هذا خاصاً بالولد، بل كل من عمل عملاً مما تدخله النيابة ونوى إيصال ثوابه إلى الميت وصل بإذن الله ولداً كان أو غيره؛ لإجماع العلماء على وصول ثواب الدعاء والصدقة للميت وإن كان من غير الولد؛ لحديث المُحْرِم عن أخيه شبرمة، ولم يستفصل النبي صلى الله عليه وسلم هل أوصى شبرمة أم لا؟ ولحديث عائشة رضي الله عنها {من مات وعليه صيام صام عنه وليه} متفق عليه وكذلك قراءة يس من الولد وغيره لحديث {اقرءوا على موتاكم يس} وبالدعاء لحديث {استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل} ولقوله تعالى ((والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان)) ولما ثبت من الدعاء للميت عند الزيارة كحديث بريدة رضي الله عنه {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية} رواه مسلم

    وأما استدلال بعض العلماء بقوله تعالى )وأن ليس للإنسان إلا ما سعى( فقد أجيب عنه بأن ذلك من طريق العدل؛ وأما من طريق الفضل فله ما سعى وما سُعِي له، أو أن اللام في قوله )للإنسان( بمعنى علي؛ أي ليس على الإنسان إلا ما سعى، وأيضاً فإنه مخصوص بأن الميت ينتفع بثواب ما أهدي إليه من الصدقات والحج والعمرة والدعاء، فكذلك ينتفع بالقراءة. قال الشيخ تقي الدين أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله فقد خرق الإجماع، وذلك باطل من وجوه كثيرة:

    أحدها: أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره، وهو انتفاع بعمل الغير. ثانيها: أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الموقف في الحساب؛ ثم لأهل الجنة في دخولها. ثالثها: أنه صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الكبائر في الخروج من النار، وهذا انتفاع بسعي الغير. رابعها: أن الملائكة يستغفرون ويدعون لمن في الأرض، وذلك منفعة بعمل الغير. خامسها: أن الله تعالى يخرج من النار من لم يعمل خيراً قط – أي من المؤمنين – بمحض رحمته، وهذا انتفاع بغير عملهم. سادسها: أن أولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم، وذلك انتفاع بمحض عمل الغير. سابعها: قال الله تعالى في قصة الغلامين اليتيمين )وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً( فانتفعا بصلاح أبيهما، وليس من سعيهما. ثامنها: أن الميت ينتفع بالصدقة عنه، وبالعتق، بنص السنة والإجماع، وهو من عمل الغير. تاسعها: أن الحج المفروض يسقط عن الميت، بحج وليه بنص السنة، وهو انتفاع بعمل الغير. حادي عشر: المدين قد امتنع صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليه حتى قضى دينه أبو قتادة، وقضى دين الآخر على بن أبى طالب، وانتفع بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم وهو من عمل الغير. ثاني عشر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن صلى وحده {ألا رجل يتصدق على هذا فيصلى معه} فقد حصل له فضل الجماعة بفعل الغير. ثالث عشر: أن الإنسان تبرأ ذمته من ديون الغير، إذا قضاها عنه قاض، وذلك انتفاع بعمل الغير. رابع عشر: أن من عليه تبعات ومظالم، إذا حلل منها سقطت عنه، وهذا انتفاع بعمل الغير. خامس عشر: أن الجار الصالح ينفع في المحيا وفى الممات – كما جاء في الأثر – وهذا انتفاع بعمل الغير. سادس عشر: أن جليس أهل الذكر يُرحم بهم، وهو لم يكن معهم، ولم يجلس لذلك بل لحاجة عرضت له، والأعمال بالنيات، فقد انتفع بعمل غيره. سابع عشر: الصلاة على الميت، والدعاء له في الصلاة، انتفاع للميت بصلاة الحي عليه وهو عمل غيره. ثامن عشر: أن الجمعة تحصل باجتماع العدد، وكذا الجماعة بكثرة العدد وهو انتفاع للبعض بالبعض. تاسع عشر: أن الله تعالى قال لنبيه )وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ( وقال تعالى )وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ..( فقد رفع الله تعالى العذاب عن بعض الناس بسبب بعض، وذلك انتفاع بعمل الغير. تمام العشرين: أن صدقة الفطر تجب على الصغير وغيره ممن يمونه الرجل، فإنه ينتفع بذلك من يُخرِج عنه، ولا سعى له فيها.

    ثم قال رحمه الله: ومن تأمل العلم وجد انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى، فكيف يجوز أن تتأول الآية الكريمة، على خلاف صريح الكتاب والسنة، وإجماع الأمة.ا.هـ

  • هل تعاطي السجائر انتحار؟

    الشيخ د. عبد الحي يوسف وفقك الله وزادك علماً، إذا توفي شخص وكان يتعاطى السجائر، وسبب الوفاة أجارنا الله وإياك تلف في الرئة، فهل يدخل في باب من قتل نفسه (الانتحار)؟ وما الأحكام المترتبة عليه؟ وفقك الله وزادك علماً

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فإن التبغ ـ بجميع أنواعه ـ لا يجوز تعاطيه ولا ترويجه ولا الاتجار به ولا الإعانة في ذلك كله؛ لأدلة شرعية معتبرة منها:

    1ـ قول الله تعالى في وصف نبيه محمد صلى الله عليه وسلم {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحلُّ لهم الطيبات ويحرِّم عليهم الخبائث} والعقلاء متفقون على كون الدخان خبيثاً في شكله وريحه وأثره

    2ـ قوله تعالى {ولا تقتلوا أنفسكم} وقد ثبت ـ طباً ـ أن تناول الدخان سبب لأمراض مستعصية تؤول بصاحبها إلى الموت مثل السرطان وتصلب الشرايين وأمراض القلب؛وقد ورد في إحصائيات منظمة الصحة العالمية أن التبغ يقتل سنوياً أكثر من أربعة ملايين شخص في العالم؛ فيكون متناوله قد تعاطى سبب هلاكه

    3ـ قوله تعالى {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} قال صاحب المنار رحمه الله تعالى: قال بعضهم: يدخل فيه الإسراف الذي يوقع صاحبه في الفقر المدقع، فهو من قبيل {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} المنار2/213

    4ـ قوله تعالى {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} ووجه الدلالة من الآية أن الله تعالى نهى عن الإسراف في المباحات بمجاوزة الحد في تعاطيها، فمن باب أولى يكون النهي عن صرف المال فيما لا نفع فيه. قال الإمام أبو محمد بن حزم في المحلى: مسألة 1027: السرف حرام وهو:

    ·       النفقة فيما حرم الله تعالى قَلَّت أو كثرت ولو أنها قدر جزء من جناح بعوضة

    ·       أو التبذير فيما لا يحتاج إليه ضرورة،مما لا يبقى للمنفق بعده غنى

    ·       أو إضاعة المال وإن قلَّ برميه عبثاً

    ومتعاطي الدخان قد تناوله كلام الإمام ابن حزم رحمه الله لكونه ينفق فيما حرَّم الله تعالى ويضيع المال بإحراقه عبثاً في غير فائدة.

    5ـ قوله تعالى {ولا تبذر تبذيراً إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} وإنفاق المال في الدخان تبذير من حيث كونه إفساداً

    ومن السنة المطهرة:

    1ـ قوله صلى الله عليه وسلم (وأنهاكم عن ثلاث:قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) رواه البخاري. وإنفاق المال في الدخان إضاعة له لأنه صرف له فيما لا فائدة فيه

    2ـ قوله صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ولا ضرار) أخرجه الإمام أحمد وغيره وهو في صحيح الجامع (7517) فثبت أن كل ما غلب ضرره على نفعه فتناولُه حرام، وتناول الدخان موجب للضرر بمتناوله ومن يحيطون به من زوج وعيال وزملاء.

    3ـ روى الإمام أحمد وأبو داود عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن كل مسكر ومفتِّر) قال العلماء: المفتِّر: ما يورث الفتور والخدر في الأطراف، وهذا الأثر يحدث لمتعاطي الدخان خاصة في أول أمره

    ومن النظر الصحيح:

    1.    تناول الدخان يهدم بعض الكليات التي جاءت الشريعة بالمحافظة عليها وهي النفس والمال

    2.     شارب الدخان إن فَقَدَه ضاق صدره وكثرت عليه البلابل والأفكار ولا ينشرح صدره إلا بالعودة إلى شربه

    3.     شارب الدخان يستثقل الصوم جداً؛ لأنه حرمان له من شربه بعد طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فيكون الصوم مكروهاً لديه

    4.     ما يصحب هذا الشيء الخبيث من نتن الرائحة المؤذية لمن يحيطون بمن يتناوله

    وعليه فإن متعاطي السجائر عاص بفعله ذاك؛ مرتكب حراماً، منفق ماله في غير نفع بل في ضرر محض، لكنه إن مات لا يعد منتحرا، لأن الانتحار – مشتق من النحر – وهو أن يتعاطى الإنسان فعلاً يسرع في إزهاق روحه به؛ كمن يتناول سماً أو يطعن نفسه بحديدة أو يطلق الرصاص على نفسه في موضع قاتل من مسدس ونحوه؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم (من قتل نفسه بشيء عذب به في النار) والله المستعان.

  • عقيقة وأضحية

    السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

    السؤال الأول: وضعت زوجتي مولودنا الأول بالمملكة العربية السعودية، وقد أرسلت مبلغاً مالياً لخالها في السودان لشراء خروفين عملا ً بالسُنة النبوية مع المولود الذكر، ولكن البعض ذكر لي بأن العقيقة يجب أن تكون في مكان الولادة، أفتونا؟

    السؤال الثاني: هل يجوز لي إرسال قيمة الأضحية لأهلي بالسودان من أجل ذبحها هناك؛ مع العلم بأني مقيم في السعودية؟

    السؤال الثالث: طلب مني زميلي في الشركة شراء مكيف له على أن يسدد لي قيمة المكيف بالأقساط، فذهبت معه للمحل واشترينا المكيف بمبلغ 1200 ريال، واتفقنا أن يسددها لي 1400 ريال على 4 أقساط، فهل يعتبر هذا ربا أم مرابحة؟ مع العلم بأني ذهبت معه للمحل وتركته يستلم المكيف بنفسه لأني لا أملك محلاً للبيع ولا أعمل في مجال التجارة.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فلا يشترط في العقيقة أن تكون في مكان الولادة، بل المقصود إهراق الدم شكراً لله على نعمته سواء كان في مكان الولادة أو غيره. ولا حرج عليك أن ترسل قيمة الأضحية وتوكل غيرك في أن يذبح عنك في السودان إذا رأيت أن ذلك أنفع للناس وأوصل لرحمك.

    ولا حرج عليك أن تشتري السلعة لمن طلبها ثم تبيعها عليه بالتقسيط بالثمن الذي تتراضيان عليه، ولا يشترط في غير الطعام قبضه ولا نقله، والله تعالى أعلم.

  • مشاكل عائلية

    السلام عليكم نحن ثلاث إخوة. والدي يحب أخي الصغير ويجيب طلباته ويزعل لزعله ويفرح لفرحه . وأمي تحب أخي الكبير. وأنا لا أحب هذا الحال، بقيت دايماً قاعد لوحدي، وأمي وأبي لا يعرفون أي شيء عن العدل والمساواة، وأمي لا تصلى ووالدي بدأ يصلى من 2006، ووالدته توفيت وهى لا تريد أن تراه، ووالدي في مشاكل مع والدتي، ويقول لها أنت طالق بالثلاثة وظهرك محرم عليّ كظهر أمي وأختي، وبعد فترة يكلموا بعض تاني. أنا حاسس أنهم السبب في فشل هذه الأسرة. أنا قررت أن أبعد عنهم وأواصلهم في نفس الوقت كل فترة، لكني خايف أن أعيش العيشة التي عاشها أبي لما ترك والدته وسافر إلى القاهرة وماتت وهى لا تريد أن تراه. وفى نفس الوقت خايف أن أقعد معهم أفضل طول عمري لوحدي والمشاكل هي هي أرجو الإفادة.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فيا أخي سلْ ربَّك العافية، وأكثرْ من شكره وحمده على ما أفاء عليك من نعم، ولا تحصرْ تفكيرك في المصائب التي تحيط بك، بل فكِّر في نعم الله عليك لتزداد له حباً، وبه تعلقاً، واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وتذكر هذه النقاط جيداً:

    أولاً: المشاكل العائلية لا يكاد يخلو منها بيت، لكنها قد تقلُّ في بعض البيوت وتكثر في أخرى، والأصل أن الإنسان في الدنيا مبتلى؛ كما قال سبحانه ((كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون)) والواجب عليك أن تتعامل مع هذا القدر بالشرع

    ثانياً: عليك ببرِّ والديك كليهما مهما كان منهما من ظلم أو تقصير؛ واستعن بالله تعالى على برهما والإحسان إليهما، وأكثر من الدعاء لهما فهذا حقهما عليك، وما صدر منهما من ظلم أو معصية فالله جل جلاله هو وحده من يحاسب عليه ويجازي

    ثالثاً: الواجب على الوالدين العدل بين الأولاد، وعدم إظهار الميل إلى أحدهم؛ لئلا يوغروا صدور بعضهم على بعض، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم} وهذا العدل يكون في الأمور المادية والمعنوية، اللهم إلا المحبة القلبية فإن الإنسان لا يملكها، وإنما هي بيد الله، لكن على الوالدين عدم إظهار ذلك للأولاد

    رابعاً: عليك أن تبذل جهدك في دعوة والديك إلى الصلاة؛ لأن التهاون بالصلاة منذر بسوء الخاتمة عياذاً بالله تعالى؛ ويمكنك أن تستعين على ذلك بكل وسيلة مشروعة من ترغيب وترهيب واستعانة بالغير، وأهم وسيلة في ذلك الإكثار من الدعاء لهما بالهداية

    خامساً: على الوالد أن يجتهد في الدعاء لأمه والصدقة عنها وصلة أرحامها؛ لعل الله يغفر له ما كان من تقصير في حقها حال حياتها؛ فإن البر لا يعدله شيء؛ كما أن العقوق من كبائر الذنوب

    سادساً: قول الوالد لأمك: أنت طالق!! يقع به الطلاق، نواه أو لم ينوه، وقوله لها: أنت علي كظهر أمي؛ منكر من القول وزور، وعليه أن يتوب إلى الله منه، ويكفِّر بصيام شهرين متتابعين؛ فإن لم يك مستطيعا أطعم ستين مسكينا

    سابعاً: اجتهد في البقاء مع والديك وإخوانك لعل الله يجعلك سبباً في صلاحهم؛ فإن خشيت على دينك فلا حرج عليك أن تبتعد عنهم؛ بشرط أن تستمر في صلتهم والإحسان إليهم ما استطعت، والله الهادي إلى سواء السبيل،،،،

  • حب المرأة لغير زوجها

    هل يجوز للمرأة المتزوجة أن تحب غير زوجها؟ وإذا لم يكن لها ذلك فما ذنبها وقلب الإنسان ليس ملك يديه؟ حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقسم بين زوجاته ويقول: “اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك، ولا أملك” يعني أمر القلب.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فيلزم التنبيه أولاً إلى وجوب الاحتياط عند إيراد نصوص الكتاب والسنة، والاستشهاد بهما على أمر ما؛ حذراً من الدخول تحت طائلة قوله تعالى {إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا} وقوله سبحانه {إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون} والحديث الوارد في السؤال «اللهم هذا قسمي فيما أملك» إنما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في بيان أن العدل بين الزوجات في المحبة القلبية ليس بواجب لأنه خارج عن وسع العبد؛ وهو المقصود بقوله تعالى {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} لكن لا يصح الاستشهاد به في سبيل إقرار أن يتبع العبد هواه ويساير نفسه فيما تهواه؛ ولو كان في ذلك انتهاك للحرمات أو تعد للحدود.

    هذا والواجب على المرأة المسلمة أن تحفظ عرضها وتغض بصرها وترضى بما قسم الله لها؛ فتحسن عشرة زوجها وتقوم نحوه بما أوجب الله عليها من حسن التبعل وأداء الحقوق، وولو حصل أن مال قلبها نحو رجل غير زوجها فإنها تزمُّ نفسها بزمام الشرع، وتلتزم حدود الله عز وجل؛ ولا تفتح على نفسها باباً يلج منه الشيطان فيؤزها على معصية الله أزا، والخاطر الذي مر بقلبها من ذلك الميل الطارئ فإنها لا تؤاخذ به؛ لأنه خارج عن وسعها، والله تعالى أعلم.

زر الذهاب إلى الأعلى